Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
السجدة
As-Sajdah
The Prostration · Meccan · 30 ayahs
32:1–3Page 415
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
[This is] the revelation of the Book about which there is no doubt from the Lord of the worlds.
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣
Or do they say, "He invented it"? Rather, it is the truth from your Lord, [O Muḥammad], that you may warn a people to whom no warner has come before you [so] perhaps they will be guided.
(p-٤٨٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ السَّجْدَةِ
سُمِّيَتْ بِها، لِأنَّ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنها، تَدُلُّ عَلى أنَّ آياتِ القُرْآنِ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ تَخِرُّ وُجُوهُ الكُلِّ، لِسَماعِ مَواعِظِها، وتَنَزُّهِ مَنزِلِها عَنْ أنْ يُعارِضَ في كَلامِهِ. وبِشُكْرِهِ عَلى كَمالِ هِدايَتِهِ. وهَذا أعْظَمُ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُونَ.
رَوى البُخارِيُّ في (كِتابِ الجُمُعَةِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الفَجْرِ، يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَةِ، وهَلْ أتى عَلى الإنْسانِ».
ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
(p-٤٨١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٣] ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]
﴿الم﴾ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ الفَواتِحَ أسْماءٌ لِلسُّوَرِ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: ٢] أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣] أيِ: اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] أيْ: يَتَّبِعُونَ الحَقَّ.
وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ قَبْلَهُ ﷺ، فَلَطَفَ تَعالى بِهِمْ وبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم ﷺ.
32:4–5Page 415
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤
It is Allāh who created the heavens and the earth and whatever is between them in six days; then He established Himself above the Throne.1 You have not besides Him any protector or any intercessor; so will you not be reminded?
يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥
He arranges [each] matter from the heaven to the earth; then it will ascend to Him in a Day, the extent of which is a thousand years of those which you count.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ - ٥] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى (p-٤٨١١)العَرْشِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: ما لَكم عِنْدَهُ ناصِرٌ ولا شَفِيعٌ مِنَ الخَلْقِ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَّعِظُونَ بِالقُرْآنِ فَتُؤْمِنُوا: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ [السجدة: ٥] أيْ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ، مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها، نازِلَةٍ آثارُها وأحْكامُها إلى الأرْضِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] أيْ: يَصْعَدُ إلَيْهِ، أيْ: مَعَ المَلَكِ لِلْعَرْضِ عَلَيْهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] أيْ: مِقْدارُ صُعُودِهِ عَلى غَيْرِ المَلَكِ، ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: يَتَنَزَّلُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرَضِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَـزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] الآيَةَ. وتُرْفَعُ الأعْمالُ إلى دِيوانِها فَوْقَ السَّماءِ. انْتَهى.
32:6–9Page 415
ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦
That is the Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Merciful,
ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧
Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.
ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨
Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩
Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ٩] ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المُدَبِّرُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ العِبادِ، وما يَكُونُ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما عَلِمَهُ العِبادُ، وما كانَ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ: الغالِبُ عَلى أمْرِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: بِالعِبادِ في تَدَبُّرِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أيْ: أحْكَمَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ خَلَقَهُ إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ [السجدة: ٧] يَعْنِي آدَمَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ (p-٤٨١٢)نَسْلَهُ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ذُرِّيَّتَهُ: ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: مِن نُطْفَةٍ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] أيْ: ضَعِيفٍ مُمْتَهَنٍ، والسُّلالَةُ الخُلاصَةُ، وأصْلُها ما يَسُلُّ ويَخْلُصُ بِالتَّصْفِيَةِ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: قَوَّمَهُ في بَطْنِ أُمِّهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: جَعَلَ الرُّوحَ فِيهِ، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ المَشاعِرَ، لِتُدْرِكُوا بِها الحَقَّ والهُدى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] أيْ: بِأنْ تَصْرِفُوها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ.
32:10–12Page 415
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠
And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.
۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١١
Say, "The angel of death who has been entrusted with you will take you. Then to your Lord you will be returned."
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢
If you could but see when the criminals are hanging their heads before their Lord, [saying], "Our Lord, we have seen and heard, so return us [to the world]; we will work righteousness. Indeed, we are [now] certain."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٢] ﴿وقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]
﴿وقالُوا﴾ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ: صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِ الأرْضِ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، أوْ غِبْنا فِيها: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُجَدَّدُ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْجَزاءِ والحِسابِ: ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ، إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ وأشْنَعُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِالوُصُولِ إلى العاقِبَةِ، وما يَلْقَوْنَهُ فِيها مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ جَمِيعًا: ﴿قُلْ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: بَيانًا لِلْحَقِّ، ورَدًّا عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ: ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكُمْ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] أيْ: بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
فائِدَةٌ:
قالَ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ في (شَــــرْحِ نَهْجِ البَـــلاغَةِ) في هَذِهِ الآيَةِ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ أصْحابِنا (p-٤٨١٣)أنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ بُخارِيٌّ يَتَكَوَّنُ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الأغْذِيَةِ، يَنْفُذُ في العُرُوقِ، حالَّةً فِيها، وكَذَلِكَ لِلْقَلْبِ، وكَذَلِكَ لِلْكَبِدِ.
وعِنْدَهم أنَّ لِمَلَكِ المَوْتِ أعْوانًا تَقْبِضُ الأرْواحَ بِحُكْمِ النِّيابَةِ عَنْهُ، لَوْلا ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وهو جِسْمٌ أنْ يَقْبِضَ رُوحَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ الجِسْمَ الواحِدَ لا يَكُونُ في مَكانَيْنِ، في وقْتٍ واحِدٍ.
قالَ أصْحابُنا: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الحَفَظَةُ الكاتِبُونَ هُمُ القابِضُونَ لِلْأرْواحِ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ.
قالُوا: وكَيْفِيَّةُ القَبْضِ، وُلُوجُ المَلَكِ مِنَ الفَمِ إلى القَلْبِ؛ لِأنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ هَوائِيٌّ، لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ النُّفُوذُ في المَخارِقِ الضَّيِّقَةِ، فَيُخالِطُ الرُّوحَ، الَّتِي هي كالشَّبِيهَةِ بِها؛ لِأنَّها بُخارِيٌّ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِن حَيْثُ دَخَلَ، وهي مَعَهُ.
وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي يَأْذَنُ اللَّهُ تَعالى لَهُ فِيهِ، وهو حُضُورُ الأجَلِ.
فَألْزَمُوا عَلى ذَلِكَ أنْ يَغُوصَ المَلَكُ في الماءِ مَعَ الغَرِيقِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ تَحْتَ الماءِ، فالتَزَمُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ أنْ يَتَخَلَّلَ المَلَكُ الماءَ في مَسامِّ الماءِ، فَإنَّ فِيهِ مَسامَّ ومَنافِذَ، وفي كُلِّ جِسْمٍ، عَلى قاعِدَتِهِمْ في إثْباتِ المَسامِّ في الأجْسامِ.
قالُوا: ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لا مَسامَّ فِيهِ، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَلِجَهُ المَلَكُ فَيُوَسِّعُ لِنَفْسِهِ مَكانًا، كَما يَلِجُهُ الحَجَرُ والسَّمَكُ، وغَيْرُهُما. وكالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي تَقْرَعُ ظاهِرَ البَحْرِ فَتَقْعَرُهُ وتَحْفِرُهُ، وقُوَّةُ المَلَكِ أشَدُّ مِن قُوَّةِ الرِّيحِ. انْتَهى.
والأوْلى الوُقُوفُ، فِيما لَمْ تَعْلَمْ كَيْفِيَّتَهُ، عِنْدَ مَتْلُوِّهِ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ، أدَبًا عَنِ التَّهَجُّمِ عَلى الغَيْبِ وتَوَرُّعًا عَنْ مُحاوَلَةِ ما لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ، وأُسْوَةً بِما مَضى عَلَيْهِ مَن لَمْ يَخُضْ فِيهِ، وهُمُ الخِيرَةُ والأُسْوَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وهُمُ القائِلُونَ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: مُطَأْطِئُوها مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ، لِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا: ﴿أبْصَرْنا (p-٤٨١٤)وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: عَلِمْنا ما لَمْ نَعْلَمْ، وأيْقَنّا بِما لَمْ نَكُنْ بِهِ مُوقِنِينَ: ﴿فارْجِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: إلى الدُّنْيا: ﴿نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] أيْ: مُقِرُّونَ بِكَ، وبِكِتابِكَ، ورَسُولِكَ، والجَزاءِ.
32:13–14Page 416
وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣
And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤
So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣ - ١٤] ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤]
﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ أيْ: تَقْواها: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ أيْ: في القَضاءِ السّابِقِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ أيْ: سَبَقَ القَوْلُ حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أيْ: فَبِمُوجَبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَ الهُدى عَلى العُمُومِ، بَلْ مَنَعْناهُ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ، الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِن جُمْلَتِهِمْ حَيْثُ صَرَفُوا اخْتِيارَهم إلى الغَيِّ والفَسادِ، ومَشِيئَتَهُ تَعالى لِأفْعالِ العِبادِ مَنُوطَةً بِاخْتِيارِهِمْ إيّاها، فَلَمّا لَمْ يَخْتارُوا الهُدى، واخْتارُوا الضَّلالَةَ، لَمْ يَشَأْ إعْطاءَهُ لَهُمْ، وإنَّما آتاهُ الَّذِينَ اخْتارُوهُ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ [السجدة: ١٥] الآيَةَ. فَيَكُونُ مَناطُ عَدَمِ مَشِيئَةِ إعْطاءِ الهُدى في الحَقِيقَةِ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ، لا تَحَقُّقَ القَوْلِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [السجدة: ١٤] أيْ: تَرَكْتُمُ الإقْرارَ بِهِ، والإيمانَ بِصِدْقِ مَوْعُودِهِ، وعامَلْتُمُوهُ مُعامَلَةَ المَنسِيِّ المَهْجُورِ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ [السجدة: ١٤] أيْ: جازَيْناكم جَزاءَ (p-٤٨١٥)نِسْيانِكُمْ، أوْ تَرَكْناكم في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] أيْ: مِنَ المُوبِقاتِ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، وتَعْيِينُ الفِعْلِ المَطْوِيِّ لِلذَّوْقِ.
32:15–16Page 416
إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥
Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦
Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٦] ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] .
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ أيْ: وُعِظُوا: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ لِسُرْعَةِ قَبُولِهِمْ لَها بِصَفاءِ فِطْرَتِهِمْ، وذَلِكَ تَواضُعًا لِلَّهِ وخُشُوعًا، وشُكْرًا عَلى ما رَزَقَهم مِنَ الإسْلامِ: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: عَنْ الِانْقِيادِ لَها، كَما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ مِنَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: تَرْتَفِعُ وتَتَنَحّى عَنِ الفَرْشِ ومَواضِعِ النَّوْمِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ بَقِيَّةِ مَحاسِنِهِمْ، وهُمُ المُتَهَجِّدُونَ بِاللَّيْلِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: داعِينَ لَهُ: ﴿خَوْفًا﴾ [السجدة: ١٦] مِن عَذابِهِ: ﴿وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] في رَحْمَتِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: مِنَ المالِ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] أيْ: في وُجُوهِ البِرِّ والحَسَناتِ.
32:17–20Page 416
فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧
And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.
أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨
Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩
As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠
But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] (p-٤٨١٦)﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] .
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ: ما ذَخِرَ، وأُعِدُّ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ عُدِّدَتْ مَناقِبُهُمْ: ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ: مِمّا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهم مِن طِيبَةِ النَّفْسِ والثَّوابِ والكَرامَةِ في الجَنَّةِ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: كافِرًا جاحِدًا: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، كَما لَمْ يَسْتَوُوا في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ، ثُمَّ فَصَّلَ مَراتِبَ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُـزُلا﴾ [السجدة: ١٩] أيْ: ثَوابًا: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ: ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ، وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا.
32:21–22Page 417
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٢] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] .
(p-٤٨١٧)﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ: ﴿مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيْ: عَذابِ الدُّنْيا، مِنَ الجَدْبِ، والقَتْلِ، والأسْرِ: ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ أيْ: يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ عِنْدَ تَصْفِيَةِ فِطْرَتِهِمْ بِشِدَّةِ العَذابِ الأدْنى، قَبْلَ الرَّيْنِ بِكَثافَةِ الحِجابِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢] أيْ: جَحَدَها وكَفَرَ بِها: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] أيْ: بِالعَذابِ، وإظْهارِ المُتَّقِينَ عَلَيْهِمْ.
32:23–24Page 417
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣
And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.
وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤
And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣ - ٢٤] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: لِقاءِ الكِتابِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الكِتابِ المُتَقَدِّمِ، والمُرادُ غَيْرُهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، أوْ إرادَةِ العَهْدِ، أوْ تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: تُلْقِي مِثْلَهُ، أيْ: فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن كَوْنِهِ وحْيًا مُتَلَقّى مِن لَدُنْهِ تَعالى. والمَعْنى: إنّا آتَيْنا مُوسى مِثْلَ ما آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ، ولَقَّيْناهُ مِنَ الوَحْيِ مِثْلَ ما لَقَّيْناكَ، فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لَقِيتَ مِثْلَهُ.
ونَهْيُهُ ﷺ عَنِ الشَّكِّ، المَقْصُودُ بِهِ نَهْيُ أُمَّتِهِ، والتَّعْرِيضُ بِمَن صَدَرَ مِنهُ مِثْلُهُ: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالَةِ: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [السجدة: ٢٤] أيْ: قادَةً بِالخَيْرِ يَدْعُونَ الخَلْقَ إلى أمْرِنا وشَرْعِنا: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] أيْ: عَلى العَمَلِ بِهِ، والِاعْتِصامِ بِأوامِرِهِ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] أيْ: يُصَدِّقُونَ أشَدَّ التَّصْدِيقِ وأبْلَغَهُ. والمَعْنى كَذَلِكَ لَنَجْعَلَنَّ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناكَهُ، هُدًى لِأُمَّتِكَ، ولَنَجْعَلَنَّ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ مِثْلَ تِلْكَ الهِدايَةِ.
ويُؤْخَذُ مِن فَحْوى الآيَةِ، أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا نَبَذُوا الِاعْتِصامَ بِالكِتابِ، ونَبَذُوا الصَّبْرَ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ (p-٤٨١٨)عَنِ المُنْكَرِ، وفَقَدُوا الِاسْتِيقانَ بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ، فَغَيَّرُوا وبَدَّلُوا، سُلِبُوا ذَلِكَ المَقامَ، وأُدِيلَ عَلَيْهِمُ انْتِقامًا مِنهُمْ؛ وتِلْكَ سُنَّتُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي طَيِّ هَذا التَّرْغِيبِ، تَرْهِيبٌ وأيُّ تَرْهِيبٍ.
32:25–27Page 417
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥
Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦
Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧
Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] .
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾ أيْ: يَقْضِي: ﴿بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: فَيُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، بِتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: يَتَبَيَّنْ لِكُفّارِ مَكَّةَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ [السجدة: ٢٦] أيِ: الماضِيَةِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: مَنازِلِهِمْ، كَمَنازِلِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلا يَرَوْنَ فِيها أحَدًا مِمَّنْ كانَ يُعَمِّرُها ويَسْكُنُها، ذَهَبُوا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها؛ كَما قالَ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: فَبِما فَعَلْنا بِهِمْ: ﴿لآياتٍ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: عِبَرًا، ومَواعِظَ، ودَلائِلَ مُتَناظِرَةً: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] أيْ: أخْبارَ مَن تَقَدَّمَ، كَيْفَ صارَ أمْرُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وبَغْيِهِمُ الفَسادَ في الأرْضِ، فَيَحْمِلُهم ذَلِكَ عَلى الإيمانِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] وهي الَّتِي جَزُرَ نَباتُها، أيْ: قُطِعَ: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٧] يَعْنِي العُشْبَ والثِّمارَ والبُقُولَ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] أيْ: فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ووُجُوبِ (p-٤٨١٩)انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ. وهَذا كَآيَةِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] الآيَةَ.
32:28–29Page 417
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨
And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"
قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٢٩] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩]
﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ أيْ: الِانْتِصارُ عَلَيْنا، اسْتِعْجالٌ لِوُقُوعِ البَأْسِ الرَّبّانِيِّ عَلَيْهِمُ، الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، واسْتِبْعادٌ لَهُ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩] لِحُلُولِ ما يُغْشِي الأبْصارَ، ويُعْمِي البَصائِرَ، وظُهُورِ مَنارِ الإيمانِ، وزُهُوقِ الفَرِيقِ الكافِرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: إذا حَلَّ بِكم بَأْسُ اللَّهِ، وسُخْطُهُ، وغَضَبُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ، ولا هم يُنْظَرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] الآيَتَيْنِ. ومَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن هَذا الفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ، فَقَدْ أبْعَدَ النُّجْعَةَ، وأخْطَأ فَأفْحَشَ، فَإنَّ يَوْمَ الفَتْحِ، قَدْ قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إسْلامَ الطُّلَقاءِ، وقَدْ كانُوا قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ، ولَوْ كانَ المُرادُ فَتْحَ مَكَّةَ، لَما قَبِلَ إسْلامَهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٩] وإنَّما المُرادُ الفَتْحُ الَّذِي هو القَضاءُ والفَصْلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٢٦] الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]
32:30Page 417
فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠
So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.
(p-٤٨٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠] ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: عَنِ المُشْرِكِينَ، ولا تُبالِ بِهِمْ، وبَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكِ: ﴿وانْتَظِرْ﴾ أيِ: النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، إنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ: ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ أيْ: ما في نُفُوسِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] أيْ: وسَيَجِدُونَ مَغِبَّةَ انْتِظارِهِمْ مِن وبِيلِ عِقابِهِ تَعالى، وألِيمِ عَذابِهِ بِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences