Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:14–25
33:14–16Page 419
وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤
And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.
وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥
And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦
Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٦] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ (p-٤٨٣٤)﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦]
﴿ولَوْ دُخِلَتْ﴾ أيْ: يَثْرِبُ: ﴿عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ أيْ: بِأنْ دَخَلَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ مِن سائِرِ جَوانِبِها، وأخَذَ في النَّهْبِ والسَّلْبِ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرَّجْعَةَ إلى الكُفْرِ: ﴿لآتَوْها﴾ أيْ: لَفَعَلُوها: ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ أيْ: وما تَوَقَّفُوا بِإعْطائِها إلّا رَيْثَما يَكُونُ السُّؤالُ والجَوابُ؛ أيْ: فَهم لا يُحافِظُونَ عَلى الإيمانِ ولا يَسْتَمْسِكُونَ بِهِ، مَعَ أدْنى خَوْفٍ وفَزَعٍ. وهَذا مُنْتَهى الذَّمِّ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى بِما كانُوا عاهَدُوهُ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الخَوْفِ: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] أيْ: عَنِ الوَفاءِ بِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: لِأنَّهُ لا يُؤَخِّرُ آجالَهُمْ، ولا يُطَوِّلُ أعْمارَهم. بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا في تَعْجِيلِ أخْذِهِمْ غِرَّةً انْتِقامًا مِنهُمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإذًا﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: فَرَرْتُمْ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] أيْ: في الدُّنْيا بَعْدَ فِرارِكُمْ، أوْ لِأنَّهم فَقَدُوا بِذَلِكَ حَظَّهُمُ الأُخْرَوِيَّ، فَمَهْما مُتِّعُوا في الدُّنْيا، فَإنَّهُ قَلِيلٌ بِجانِبِ نَعِيمِ الآخِرَةِ لِلصّابِرِينَ.
33:17–19Page 420
قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧
Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.
۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨
Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3
أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩
Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٨] (p-٤٨٣٥)﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ أيْ: يُجِيرُكُمْ: ﴿مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ هَزِيمَةً: ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: مُجِيرًا ولا مُغِيثًا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيِ: المُثَبِّطِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهُمُ المُنافِقُونَ. قالَ الشِّهابُ: و(قَدْ): لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِتَقْلِيلِهِ بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ، وبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ مَعْلُوماتِهِ. انْتَهى ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: مِن ساكِنِي المَدِينَةِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: أقْبِلُوا إلى ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ والثِّمارِ: ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ [الأحزاب: ١٨] أيِ: القِتالَ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٨] أيْ: إلّا إتْيانًا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم يَتَثَبَّطُونَ ما أمْكَنَ لَهُمْ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: بُخَلاءَ بِالمَعُونَةِ والنَّفَقَةِ والمَوَدَّةِ عَلَيْكُمْ، أوْ أضِنّاءَ بِكم ظاهِرًا، إنْ لَمْ يَحْضُرْ خَوْفٌ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: في أحْداقِهِمْ: ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] } أيْ: كَنَظَرِهِ أوْ كَدَوَرانِهِ: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: بالَغُوا فِيكم بِالكَلامِ طَعْنًا وذَمًّا، فَأحْرَقُوكم وآذَوْكُمْ، وأصْلُ (السَّلْقِ): بَسْطُ العُضْوِ ومَدُّهُ لِلْقَهْرِ، كانَ يَدًا أوْ لِسانًا، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهَ اللِّسانُ بِالسَّيْفِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُكَنِّيَةِ، ويَثْبُتُ لَهُ السَّلْقُ وهو الضَّرْبُ تَخْيِيلًا: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ: عَلى فِعْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]
33:20–21Page 420
يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠
They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.
لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١
There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.
(p-٤٨٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢١] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: لَمْ يَنْهَزِمُوا بِما أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ والجُنُودِ، وأنَّ لَهم عَوْدَةً إلَيْهِمْ لِخَوْرِهِمْ واضْطِرابِهِمْ: ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ أيْ: مَرَّةً أْخُرى: ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ أيْ: فَلا يَذْهَبُونَ إلى قِتالِهِمْ، ولا يَسْتَقِرُّونَ في المَدِينَةِ، بَلْ يَتَمَنَّوْنَ أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ بَيْنَ الأعْرابِ، وإنْ لَحِقَهم عارُ جُبْنِهِمْ: ﴿يَسْألُونَ﴾ أيِ: القادِمِينَ: ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ أيْ: عَمّا جَرى لَكُمْ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا يَضُرُّ خُرُوجُهم عَنِ المَدِينَةِ، لَوْ أتى الأحْزابُ، بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ أيْ: في حُدُوثِ واقِعَةٍ ثانِيَةٍ: ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ أيْ: رِياءً وخَوْفًا مِنَ التَّعْيِيرِ.
﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أيْ: في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ؛ إذْ كانَ مِنها ثَباتُهُ في الشَّدائِدِ وهو مَطْلُوبٌ، وصَبْرِهِ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وهو مَكْرُوبٌ ومَحْرُوبٌ، ونَفْسُهُ في اخْتِلافِ الأحْوالِ ساكِنَةٌ، لا يَخُورُ في شَدِيدَةٍ ولا يَسْتَكِينُ لِعَظِيمَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ، وقَدْ لَقِيَ بِمَكَّةَ مِن قُرَيْشٍ ما يُشِيبُ النَّواصِيَ، ويَهُدُّ الصَّياصِيَ، وهو مَعَ الضَّعْفِ يُصابِرُ صَبْرَ المُسْتَعْلِي، ويَثْبُتُ ثَباتَ المُسْتَوْلِي، ومَن صَبَرَ عَلى هَذِهِ الشَّدائِدِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو الرَّفِيعُ الشَّأْنِ، كانَ غَيْرُهُ أجْدَرَ إنْ كانَ مِمَّنْ يَتْبَعُ بِإحْسانٍ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] أيْ: رِضْوانَ اللَّهِ، ورَحْمَتَهُ، وثَوابَ اليَوْمِ الآخِرِ، ونَجاتَهُ؛ فَإنَّهُ يُؤْثِرُهُما عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، فَلا يَجْبُنُ؛ إذْ لا يَصِحُّ الجُبْنُ لِمَن صَحَّ اقْتِداؤُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِغايَةِ قُبْحِهِ: ﴿وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] أيْ: وقَرَنَ بِالرَّجاءِ ذِكْرَهُ تَعالى بِكَثْرَةٍ؛ أيْ: ذَكَرَ أمْرَهُ (p-٤٨٣٧)ونَهْيَهُ ووَعْدَهُ ووَعِيدَهُ، فَأدْرَكَ مَواطِنَ السَّعادَةِ ومَهاوِي الشَّقاوَةِ، وعَلِمَ أنَّ في الثَّباتِ عَلى قَتْلِ العَدُوِّ، تَطْهِيرَ الأرْضِ مِنَ الفَسادِ، وتَزْيِينَها بِالحَقِّ والصَّلاحِ والسَّدادِ، مِمّا جَزاؤُهُ سَعادَةُ الدّارَيْنِ، والفَوْزُ بِالحُسْنَيَيْنِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ، بَعْدَ بَيانِ ما كانَ مِن غَيْرِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
33:22–23Page 420
وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢
And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.
مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣
Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٣] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] .
﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ تَعالى وعَدَهم أنْ يُزَلْزَلُوا حَتّى يَسْتَغِيثُوهُ ويَسْتَنْصِرُوهُ، في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] وكَذَلِكَ حَدَّثَهُمُ الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ الَّذِي يَعْقُبُهُ النَّصْرُ والأمانُ: ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ظَهَرَ صِدْقُهُما فِيما وعَدانا بِهِ: ﴿وما زادَهُمْ﴾ أيْ: هَذا الخَطْبُ والبَلاءُ، عِنْدَ تَزَلْزُلِ المُنافِقِينَ وبَثِّ أراجِيفِهِمْ: ﴿إلا إيمانًا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَواعِيدِهِما: ﴿وتَسْلِيمًا﴾ أيْ: لِأمْرِ اللَّهِ ومَقادِيرِهِ.
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] في الصَّبْرِ والثَّباتِ، والقِيامِ بِما كَتَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ القِتالِ، لِإعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، ومِنَ العَمَلِ بِالصّالِحاتِ، ومُجانَبَةِ السَّيِّئاتِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أيْ: أدّى ما التَزَمَهُ ووَفّى بِهِ، فَقاتَلَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، صادِقًا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا.
(p-٤٨٣٨)قالَ الشِّهابُ: أصْلُ مَعْنى (النَّحْبِ) النَّذْرُ، وقَضاؤُهُ الوَفاءُ بِهِ. وقَدْ كانَ رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم نَذَرُوا أنَّهم إذا شَهِدُوا مَعَهُ ﷺ حَرْبًا، قاتَلُوا حَتّى يُسْتَشْهَدُوا. وقَدِ اسْتُعِيرَ: (قَضاءُ النَّحْبِ)، لِلْمَوْتِ؛ لِأنَّهُ لِكَوْنِهِ لا بُدَّ مِنهُ، مُشَبَّهً بِالنَّذْرِ الَّذِي يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُنا حَقِيقَةً، أوِ اسْتِعارَةً مِنَ المُشاكَلَةِ فِيهِ. انْتَهى.
﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أيْ: ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِن نَصْرِهِ والشَّهادَةِ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ أصْحابُهُ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] أيْ: ما غَيَّرُوا شَيْئًا مِنَ العَهْدِ، ولا نَقَضُوهُ كَنَقْضِ المُنافِقِينَ في تَوَلِّيهِمْ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ [الأحزاب: ١٥] فَفِيهِ كِنايَةٌ تَعْرِيضِيَّةٌ تُفْهَمُ مِن تَخْصِيصِهِمْ بِهِ، والتَّصْرِيحُ بِالمَصْدَرِ لِإفادَةِ العُمُومِ.
33:24–25Page 421
لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤
That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥
And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤ - ٢٥] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] .
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في عُهُودِهِمْ: ﴿بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: كَمالِ غَضَبِهِمْ بِما أرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ والجُنُودِ، بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ: ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: نَصْرًا لا غَنِيمَةً: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: فَلَمْ يُحْوِجْهم إلى مُبارَزَتِهِمْ لِيُجْلُوهم عَنِ المَدِينَةِ. بَلْ تَوَلّى كِفايَةَ ذَلِكَ وحْدَهُ؛ ولِهَذا «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وأعَزَّ جُنْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ»»: ﴿وكانَ اللَّهُ (p-٤٨٣٩)قَوِيًّا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: فَلا يُعارِضُ قُوَّتَهُ قُوَّةُ شَيْءٍ: ﴿عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أيْ: غالِبًا عَلى أمْرِهِ.
(ذِكْرُ تَفْصِيلِ نَبَأِ الأحْزابِ المُسَمّى بِغَزْوَةِ الخَنْدَقِ)
قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): كانَتْ غَزْوَةُ الخَنْدَقِ في سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، في شَوّالٍ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ؛ إذْ لا خِلافَ أنَّ أُحُدًا كانَتْ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ، وواعَدَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في العامِ المُقْبِلِ وهي سَنَةُ أرْبَعٍ، ثُمَّ أخْلَفُوهُ لِأجْلِ جَدْبِ السَّنَةِ، فَرَجَعُوا، فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ جاءُوا لِحَرْبِهِ. هَذا قَوْلُ أهْلِ السِّيَرِ والمَغازِي، وخالَفَهم مُوسى بْنُ عُقْبَةَ وقالَ: بَلْ كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ: وهَذا هو الصَّحِيحُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ في (الصَّحِيحَيْنِ): «أنَّهُ عُرِضَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وهو ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأجازَهُ». قالَ: وصَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما إلّا سَنَةٌ واحِدَةٌ. وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِجَوابَيْنِ: أحَدُهُما- أنَّ ابْنَ عُمَرَ أخْبَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهُ لَمّا اسْتَصْغَرَهُ عَنِ القِتالِ، وأجازَهُ لَمّا وصَلَ إلى السِّنِّ الَّتِي رَآهُ فِيها مُطِيقًا، ولَيْسَ في هَذا ما يَنْفِي تَجاوُزَها بِسَنَةٍ أوْ نَحْوِها.
والثّانِي- أنَّهُ لَعَلَّهُ كانَ يَوْمُ أُحُدٍ في أوَّلِ الرّابِعَ عَشْرَةَ، ويَوْمُ الخَنْدَقِ في آخِرِ الخامِسَ عَشْرَةَ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وكانَ سَبَبُ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، «أنَّ اليَهُودَ لَمّا رَأوُا انْتِصارَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَلِمُوا بِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ لِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ لِلْعامِ المُقْبِلِ، خَرَجَ أشْرافُهم كَسَلامِ بْنِ أبِي الحَقِيقِ، وسَلامِ بْنِ مُشْكِمٍ، وكِنانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ وغَيْرِهِمْ إلى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، يُحَرِّضُونَهم عَلى غَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويُوالُونَهم عَلَيْهِ، ووَعَدُوهم مِن أنْفُسِهِمْ بِالنَّصْرِ لَهُمْ، فَأجابَتْهم قُرَيْشٌ، ثُمَّ خَرَجُوا إلى غَطَفانَ فَدَعَوْهم فاسْتَجابُوا لَهُمْ، ثُمَّ طافُوا في قَبائِلِ العَرَبِ يَدْعُونَهم إلى ذَلِكَ، فاسْتَجابَ لَهم مَنِ اسْتَجابَ.
فَخَرَجَتْ (p-٤٨٤٠)قُرَيْشٌ، وقائِدُهم أبُو سُفْيانَ في أرْبَعَةِ آلافٍ، ووافاهم بَنُو سُلَيْمٍ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وخَرَجَتْ بَنُو أسَدٍ، وفَزارَةُ، وأشْجَعُ، وبَنُو مُرَّةَ، وجاءَتْ غَطَفانُ، وقائِدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ الحِصْنِ، وكانَ قَدْ وافى الخَنْدَقَ مِنَ الكُفّارِ عَشَرَةُ آلافٍ.
فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَسِيرِهِمْ إلَيْهِ، اسْتَشارَ الصَّحابَةَ، فَأشارَ عَلَيْهِ سَلْمانُ الفارِسِيُّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ يَحُولُ بَيْنَ العَدُوِّ وبَيْنَ المَدِينَةِ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبادَرَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، وعَمِلَ بِنَفْسِهِ فِيهِ وبادَرُوا، وهَجَمَ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ، وكانَ في حَفْرِهِ آياتُ نُبُوَّتِهِ وأعْلامُ رِسالَتِهِ ما قَدْ تَواتَرَ الخَبَرُ بِهِ، وكانَ حَفْرُ الخَنْدَقِ أمامَ سَلْعٍ. وسَلْعٌ جَبَلٌ خَلْفَ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَتَحَصَّنَ بِالجَبَلِ مِن خَلْفِهِ، وبِالخَنْدَقِ أمامَهم.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَرَجَ في سَبْعِمِائَةٍ. (وهَذا غَلَطٌ مِن خُرُوجِهِ يَوْمَ أُحُدٍ).
وأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنِّساءِ والذَّرارِيِّ فَجُعِلُوا في آطامِ المَدِينَةِ، واسْتَخْلَفَ عَلَيْها ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وانْطَلَقَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدَنا مِن حِصْنِهِمْ. فَأبى كَعْبُ بْنُ أسَدٍ أنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتّى فَتَحَ لَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ: لَقَدْ جِئْتُكم بِعِزِّ الدَّهْرِ؛ جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ، وغَطَفانَ، وأسَدٍ عَلى قادَتِها لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ. قالَ: قالَ كَعْبٌ: جِئْتَنِي، واللَّهِ! بِذُلِّ الدَّهْرِ وبِجِهامٍ قَدْ أراقَ ماءَهُ، فَهو رَعْدٌ وبَرْقٌ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى نَقَضَ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ودَخَلَ مَعَ المُشْرِكِينَ في مُحارَبَتِهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ. وشَرَطَ كَعْبٌ عَلى حُيَيٍّ أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمَّدٍ، أنْ يَجِيءَ حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُ في حِصْنِهِ، فَيُصِيبُهُ ما أصابَهُ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ، ووَفّى لَهُ بِهِ. وبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ونَقْضُهم لِلْعَهْدِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ السَّعْدَيْنِ، وخَوّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ لِيَعْرِفُوهُ: هَلْ هم عَلى عَهْدِهِمْ، أوْ قَدْ نَقَضُوهُ. فَلَمّا دَنَوْا مِنهم فَوَجَدُوهم عَلى أخْبَثِ ما يَكُونُ، وجاهَرُوهم بِالسَّبِّ والعَداوَةِ، ونالُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، ولَحَّنُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْنًا يُخْبِرُونَهُ أنَّهم قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ وغَدَرُوا. فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «اللَّهُ أكْبَرُ! أبْشِرُوا يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ» . (p-٤٨٤١)واشْتَدَّ البَلاءُ وتَجَهَّرَ النِّفاقُ، واسْتَأْذَنَ بَعْضُ بَنِي حارِثَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الذَّهابِ إلى المَدِينَةِ وقالُوا: بُيُوتُنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا. وهَمَّ بَنُو سَلَمَةَ بِالفَشَلِ، ثُمَّ ثَبَّتَ اللَّهُ الطّائِفَتَيْنِ.
وأقامَ المُشْرِكُونَ مُحاصِرِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم قِتالٌ؛ لِأجْلِ ما حالَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الخَنْدَقِ، بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّ فَوارِسَ مِن قُرَيْشٍ مِنهم عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وِدٍّ وجَماعَةٌ مَعَهُ، أقْبَلُوا نَحْوَ الخَنْدَقِ، فَلَمّا وقَفُوا عَلَيْهِ قالُوا: إنَّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُها، ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكانًا ضَيِّقًا مِنَ الخَنْدَقِ فاقْتَحَمُوهُ، وجالَتْ بِهِمْ خَيْلُهم في السَّبْخَةِ بَيْنَ الخَنْدَقِ وسَلْعٍ، ودَعَوْا إلى البِرازِ، فانْتُدِبَ لِعَمْرٍو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَبارَزَهُ فَقَتَلَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ، وكانَ مِن شُجْعانِ المُشْرِكِينَ وأبْطالِهِمْ، وانْهَزَمَ الباقُونَ إلى أصْحابِهِمْ. وكانَ شِعارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ: (حـم لا يُنْصَرُونَ).
ولَمّا طالَتْ هَذِهِ الحالُ عَلى المُسْلِمِينَ، أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُصالِحَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ والحارِثَ بْنَ عَوْفٍ، رَئِيسَيْ غَطَفانَ عَلى ثُلُثِ ثِمارِ المَدِينَةِ، ويَنْصَرِفا بِقَوْمِهِما، وجَرَتِ المُراوَضَةُ عَلى ذَلِكَ، فاسْتَشارَ السَّعْدَيْنِ في ذَلِكَ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنْ كانَ اللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا، فَسَمْعًا وطاعَةً، وإنْ كانَ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ لَنا، فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ. لَقَدْ كُنّا نَحْنُ هَؤُلاءِ القَوْمَ عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وعِبادَةِ الأوْثانِ، وهم لا يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها ثَمَرَةً إلّا قِرًى أوْ بَيْعًا، فَحِينَ أكْرَمَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ، وهَدانا لَهُ، وأعَزَّنا بِكَ، نُعْطِيهِمْ أمْوالَنا؟ واللَّهِ! لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ. فَصَوَّبَ رَأْيَهُما وقالَ: «إنَّما هو شَيْءٌ أصْنَعُهُ لَكُمْ، لَمّا رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكم عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ» .
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولَهُ الحَمْدُ، صَنَعَ أمْرًا مِن عِنْدِهِ، خَذَلَ بِهِ بَيْنَ العَدُوِّ، وهَزَمَ جُمُوعَهُمْ، وفَلَّ حَدَّهُمْ؛ فَكانَ مِمّا هَيَّأ مِن ذَلِكَ، أنَّ رَجُلًا مِن غَطَفانَ يُقالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عامِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَمُرْنِي بِما شِئْتَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما أنْتَ رَجُلٌ واحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنّا ما اسْتَطَعْتَ؛ فَإنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ» . فَذَهَبَ مِن فَوْرِهِ ذَلِكَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ عَشِيرًا لَهم (p-٤٨٤٢)فِي الجاهِلِيَّةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وهم لا يَعْلَمُونَ بِإسْلامِهِ فَقالَ: يا بَنِي قُرَيْظَةَ! إنَّكم قَدْ حارَبْتُمْ مُحَمَّدًا، وإنَّ قُرَيْشًا إنْ أصابُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوها، وإلّا انْشَمَرُوا إلى بِلادِهِمْ راجِعِينَ، وتَرَكُوكم ومُحَمَّدًا، فانْتَقَمَ مِنكم. قالُوا: فَما العَمَلُ يا نُعَيْمُ؟! قالَ: لا تُقاتِلُوا مَعَهم حَتّى يُعْطُوكم رَهائِنَ. قالُوا: لَقَدْ أشَرْتَ بِالرَّأْيِ. ثُمَّ مَضى عَلى وجْهِهِ إلى قُرَيْشٍ. قالَ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ وِدِّي لَكم ونُصْحِي لَكم. قالُوا: نَعَمْ. قالَ: إنَّ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلى ما كانَ مِنهم مَن نَقَضَ عَهْدَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وإنَّهم قَدْ راسَلُوهُ أنَّهم يَأْخُذُونَ مِنكم رَهائِنَ يَدْفَعُونَها إلَيْهِ، ثُمَّ يُوالُونَهُ عَلَيْكُمْ، فَإنْ سَألُوكم رَهائِنَ فَلا تُعْطُوهم. ثُمَّ ذَهَبَ إلى غَطَفانَ فَقالَ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةَ السَّبْتِ مِن شَوّالٍ بَعَثُوا إلى يَهُودَ: إنّا لَسْنا بِأرْضِ مُقامٍ، وقَدْ هَلَكَ الكُراعُ والخُفُّ، فانْهَضُوا بِنا حَتّى نُناجِزَ مُحَمَّدًا. فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ اليَهُودُ: إنَّ اليَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما أصابَ مَن قَبْلَنا حِينَ أحْدَثُوا فِيهِ، ومَعَ هَذا، فَإنّا لا نُقاتِلُ مَعَكم حَتّى تَبْعَثُوا لَنا رَهائِنَ. فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِذَلِكَ، قالَتْ قُرَيْشٍ صَدَقَكُمْ، واللَّهِ! نُعَيْمٌ. فَبَعَثُوا إلى يَهُودَ: إنّا، واللَّهِ! لا نُرْسِلُ إلَيْكم أحَدًا، فاخْرُجُوا مَعَنا حَتّى نُناجِزَ مُحَمَّدًا. فَقالَتْ قُرَيْظَةُ: صَدَقَكُمْ، واللَّهِ! نُعَيْمٌ. فَتَخاذَلَ الفَرِيقانِ: وأرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى المُشْرِكِينَ جُنْدًا مِنَ الرِّيحِ في لَيالٍ شاتِيَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَجَعَلَتْ تُقَوِّضْ خِيامَهُمْ، ولا تَدَعُ لَهم قِدْرًا إلّا كَفَأتْها، ولا طُنُبًا إلّا قَلَعَتْهُ، ولا يَقِرُّ لَهم قَرارٌ، وجُنْدُ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ يُزَلْزِلُونَهم ويُلْقُونَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ والخَوْفَ. وأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَوَجَدَهم عَلى هَذِهِ الحالِ، وقَدْ تَهَيَّأُوا لِلرَّحِيلِ. فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهم بِرَحِيلِ القَوْمِ، فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَدُوَّهُ بِغَيْظِهِ، لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وكَفى اللَّهُ قِتالَهُمْ، فَصَدَقَ وعْدَهُ، وأعَزَّ جُنْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ.
ثُمَّ لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ مُؤَيَّدًا مَنصُورًا، والمُسْلِمُونَ مَعَهُ، ووَضَعُوا السِّلاحَ، وكانَتِ الظُّهْرَ، أتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَأْمُرُكَ بِالمَسِيرِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ -وهم قَبِيلَةٌ مِن يَهُودِ خَيْبَرَ- فَإنِّي عامِدٌ إلَيْهِمْ فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ. فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنًا فَأذَّنَ في (p-٤٨٤٣)النّاسِ: «مَن كانَ سامِعًا مُطِيعًا، فَلا يُصَلِّيَنَّ العَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ» . واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، رِضْوانُ اللَّهِ عَنْهُ، بِرايَتِهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وابْتَدَرَها النّاسُ، فَسارَ عَلِيٌّ، حَتّى إذا دَنا مِنَ الحُصُونِ سَمِعَ مِنها مَقالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالطَّرِيقِ. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لا عَلَيْكَ أنْ لا تَدْنُوَ مِن هَؤُلاءِ الأخابِثِ. قالَ: «لِمَ؟ أظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنهم لِي أذًى» . قالَ: نَعَمْ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «لَوْ رَأوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِن ذَلِكَ شَيْئًا» . وتَلاحَقَ بِهِ النّاسُ، وحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتّى جَهَدَهُمُ الحِصارُ، وقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَواثَبَتِ الأوْسُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ وسَلَّمَ، إنَّهم كانُوا مَوالِيَنا دُونَ الخَزْرَجِ، وقَدْ فَعَلْتَ في مَوالِي إخْوانِنا بِالأمْسِ ما قَدْ عَلِمْتَ.
وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَدْ حاصَرَ بَنِي قَيْنُقاعَ وهم شَعْبٌ مِنَ اليَهُودِ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وكانُوا حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ، فَسَألَهُ إيّاهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فَوَهَبَهم لَهُ.
فَلَمّا كَلَّمَتْهُ الأوْسُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تَرْضَوْنَ، يا مَعْشَرَ الأوْسِ! أنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنكُمْ؟» قالُوا: بَلى. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَذاكَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ» .
وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَعَلَ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ في خَيْمَةٍ لِامْرَأةٍ مِن أسْلَمَ، يُقالُ لَها رُفَيْدَةُ في مَسْجِدِهِ، كانَتْ تُداوِي الجَرْحى وتَحْتَسِبُ بِنَفْسِها عَلى خِدْمَةِ مَن كانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أصابَهُ السَّهْمُ بِالخَنْدَقِ: «اجْعَلُوهُ في خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتّى أعُودَهُ مِن قَرِيبٍ» . فَلَمّا حَكَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَنِي قُرَيْظَةَ، أتاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلى حِمارٍ.
وكانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمَّ أقْبَلُوا مَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا انْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، قالَ ﷺ: «قُومُوا إلى سَيِّدِكم» فَقامُوا إلَيْهِ فَأنْزَلُوهُ.
(p-٤٨٤٤)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إعْظامًا وإكْرامًا، واحْتِرامًا لَهُ، في مَحَلِّ ولِيَّتِهِ، لِيَكُونَ أنْفَذَ لِحُكْمِهِ فِيهِمْ. فَلَمّا جَلَسَ، قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ هَؤُلاءِ قَدْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِكَ، فاحْكم فِيهِمْ بِما شِئْتَ» . وصارَتْ تَعْرِضُ لَهُ الأوْسُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ، وتَقُولُ: يا أبا عَمْرٍو ! إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ولّاكَ أمْرَ مَوالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ.
فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَلَيْكم عَهْدُ اللَّهِ ومِيثاقُهُ، أنَّ الحُكْمَ فِيهِمْ لَمّا حَكَمْتُ. قالُوا: نَعَمْ. قالَ: وعَلى مَن ها هُنا- (فِي النّاحِيَةِ الَّتِي فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إجْلالًا لَهُ)- فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ» . قالَ سَعْدٌ: فَإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ الرِّجالُ، وتُقَسَّمَ الأمْوالُ، وتُسْبى الذَّرارِيُّ والنِّساءُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ» . وفي رِوايَةٍ: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ» - أيْ: لِأنَّ هَذا جَزاءُ الخائِنِ الغادِرِ- وكانَ سَعْدٌ أُصِيبَ يَوْمَ الخَنْدَقِ؛ رَماهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ ابْنُ العَرِقَةِ، رَماهُ في الأكْحَلِ. فَكَواهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أكْحَلِهِ. وقالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ! إنْ كُنْتَ أبْقَيْتَ مِن حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا، فَأبْقِنِي لَها: فَإنَّهُ لا قَوْمَ أحَبُّ إلَيَّ أنْ أُجاهِدَ، مِن قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ، وكَذَّبُوهُ، وأخْرَجُوهُ. اللَّهُمَّ! وإنْ كُنْتَ قَدْ وضَعْتَ الحَرْبَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، فاجْعَلْ لِي شَهادَةً ولا تُمِتْنِي حَتّى تَقَرَّ عَيْنِي مِن بَنِي قُرَيْظَةَ. فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ، وقَدَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ بِاخْتِيارِهِمْ، طَلَبًا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ.
ثُمَّ لَمّا اسْتَنْزَلُوا مِن حُصُونِهِمْ، حَبَسَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ في دارٍ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سُوقِ المَدِينَةِ فَخَنْدَقَ بِها خَنادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ فَضَرَبَ أعْناقَهم في تِلْكَ الخَنادِقِ، يَخْرُجُ بِهِمْ إلَيْهِ أرْسالًا، وفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ رَأْسُ القَوْمِ، وهم سِتُّمِائَةٍ أوْ سَبْعُمِائَةٍ، وسُبِيَ مَن لَمْ يَنْبُتْ مِنهم مَعَ النِّساءِ وأمْوالِهِمْ،» وهَذا ما ذَكَرَهُ تَعالى مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، إثْرَ أمْرِ الخَنْدَقِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences