Al-QasimiSaba · 34:19–27

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:19–27

34:19Page 430

فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ١٩

But [insolently] they said, "Our Lord, lengthen the distance between our journeys," and wronged themselves, so We made them narrations1 and dispersed them in total dispersion. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ ] ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ .

﴿فَقالُوا﴾ أيْ: بِلِسانِ اَلْحالِ، والمَيْلِ إلى اَلْمَهالِكِ اَلشَّيْطانِيَّةِ: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ أيْ: فاسْتَعَدُّوا لِضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، لِأنْ تُجْعَلَ أمْكِنَتُهم تَعْمَلُ فِيها اَلْمُطِيُّ والرَّواحِلُ، لِتَباعُدِ ما بَيْنَها وبَيْنَ ما يَسِيرُونَ إلَيْهِ، وحَصَلَ ذَلِكَ بِما بَدَّلُوا بِهِ مِن بِلادِهِمُ اَلْحَسَنَةِ: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: حَتّى حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ: ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أيْ يَتَحَدَّثُ اَلنّاسُ بِهِمْ ويَتَعَجَّبُونَ مِن نَبَئِهِمْ، وكَيْفَ مَكَرَ اَللَّهُ بِهِمْ، وفَرَّقَ شَمْلَهم بَعْدَ اَلِاجْتِماعِ والعَيْشِ اَلْهَنِيِّ: ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم كُلَّ تَفْرِيقٍ، حَتّى اِتَّخَذَهُ اَلنّاسُ مَثَلًا مَضْرُوبًا. يَقُولُونَ: تَفَرَّقُوا أيادِيَ سَبا، وذَهَبُوا أيْدِيَ سَبا. بِألِفٍ مَقْصُورَةٍ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: اَلْعَرَبُ لا تَهْمِزُ سَبَئًا في هَذا اَلْمَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ كَثُرَ في كَلامِهِمْ فاسْتَثْقَلُوا فِيهِ اَلْهَمْزَ، وإنْ كانَ أصْلُهُ مَهْمُوزًا، والذَّهابُ مَعْلُومٌ، والأيادِي جَمْعُ أيْدٍ، والأيْدِي جَمْعُ يَدٍ، وهي بِمَعْنى اَلْجارِحَةِ، وبِمَعْنى اَلنِّعْمَةِ، وبِمَعْنى اَلطَّرِيقِ، وهو اَلْمُرادُ (p-٤٩٤٧). قالَ في اَلتَّهْذِيبِ: قَوْلُهم ذَهَبُوا أيْدِيَ سَبا، أيْ: مُتَفَرِّقِينَ. شُبِّهُوا بِأهْلِ سَبَأٍ لَمّا مَزَّقَهُمُ اَللَّهُ في اَلْأرْضِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، فَأخَذَ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم طَرِيقًا عَلى حِدَةٍ. و(اليَدُ) اَلطَّرِيقُ. يُقالُ: أخَذَ اَلْقَوْمُ يَدَ بَحْرٍ.. فَقِيلَ لِلْقَوْمِ إذا ذَهَبُوا في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ: (ذَهَبُوا أيْدِيَ سَبا)؛ أيْ: فَرَّقَتْهم طُرُقُهُمُ اَلَّتِي سَلَكُوها، كَما تَفَرَّقَ أهْلُ سَبا في مَذاهِبَ شَتّى.

قالَ اِبْنُ مالِكٍ: إنَّهُ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبَ خَمْسَةَ عَشَرَ، مَبْنِيًّا عَلى اَلسُّكُونِ. وفي (" زَهْرِ اَلْأكَمِ، في اَلْأمْثالِ والحِكَمِ)" أنَّ سَبا كانَتْ أخْصَبَ بِلادِ اَللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] قِيلَ كانَتْ مَسافَةَ شَهْرٍ لِلرّاكِبِ اَلْمُجِدِّ، يَسِيرُ اَلْماشِي في اَلْجِنانِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها لا يُفارِقُهُ اَلظِّلُّ مَعَ تَدَفُّقِ اَلْماءِ وصَفاءِ اَلْأنْهارِ واتِّساعِ اَلْفَضاءِ، فَمَكَثُوا مُدَّةً في أمْنٍ لا يُعانِدُهم أحَدٌ إلّا قَصَمُوهُ، وكانَتْ في بَدْءِ اَلْأمْرِ تَرْكَبُها اَلسُّيُولُ، فَجَمَعَ لِذَلِكَ حِمْيَرُ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ وشاوَرَهُمْ، فاِتَّخَذُوا سَدًّا في بَدْءِ جَرَيانِ اَلْماءِ، ورَصَفُوهُ بِالحِجارَةِ والحَدِيدِ، وجَعَلُوا فِيهِ مَخارِقَ لِلْماءِ. فَإذا جاءَتِ اَلسُّيُولُ اِنْقَسَمَتْ عَلى وجْهٍ يَعُمُّهم نَفْعُهُ في اَلْجَنّاتِ والمَزْرُوعاتِ، فَلَمّا كَفَرُوا نِعَمَ اَللَّهِ تَعالى، ورَأوْا أنَّ مُلْكَهم لا يُبِيدُهُ شَيْءٌ، وعَبَدُوا اَلشَّمْسَ، سَلَّطَ اَللَّهُ عَلى سَدِّهِمْ فَأْرَةً فَخَرَقَتْهُ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ اَلسَّيْلَ فَمَزَّقَهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، وأبادَ خَضْراءَهُمْ، وتَبَدَّدُوا في اَلْبِلادِ. فَلَحِقَ اَلْأزْدُ بِعَمّانَ، وخُزاعَةُ بِبَطْنِ مُرٍّ، والأوْسُ والخَزْرَجُ بِيَثْرِبَ، وآلُ جَفْنَةَ بِأرْضِ اَلشّامِ، وآلُ جُذَيْمَةِ اَلْأبْرَشِ بِالعِراقِ.

وقَدْ رَوى اَلْإمامُ أحْمَدُ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنْ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ سَبَأٍ ما هُوَ؟ أرَجُلٌ أمِ اِمْرَأةٌ؟ أمْ أرْضٌ؟ قالَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «بَلْ هو رَجُلٌ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ، فَسَكَنَ اَلْيَمَنَ مِنهم سِتَّةٌ، وبِالشّامِ مِنهم أرْبَعَةٌ. فَأمّا اَلْيَمانِيُّونَ فَمِذْحَجُ، وكِنْدَةُ، والأزْدُ، والأشْعَرِيُّونَ، وأنْمارُ، وحِمْيَرُ. وأمّا اَلشّامِيَّةُ فَلَخْمٌ، وجُذامُ، وعامِلَةُ، وغَسّانُ»» . قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ إلّا اِبْنُ لَهِيعَةَ.

رَوى اَلْإمامُ أحْمَدُ أيْضًا «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مَسِيكٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اَللَّهِ ! أُقاتِلُ بِمُقْبِلِ قَوْمِي مُدْبَرَهُمْ؟ قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نَعَمْ». فَقاتِلْ بِمُقْبِلِ قَوْمِكَ مُدْبَرَهم. فَلَمّا ولَّيْتُ دَعانِي فَقالَ: «لا تُقاتِلْهم حَتّى تَدْعُوَهم إلى اَلْإسْلامِ» (p-٤٩٤٨)فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اَللَّهِ ! أرَأيْتَ سَبَئًا؟ أوادٍ هُوَ، أوْ جَبَلٌ، أوْ ما هُوَ؟ قالَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا، بَلْ هو رَجُلٌ مِنَ اَلْعَرَبِ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ، فَتَيامَنَ سِتَّةٌ، وتَشاءَمَ أرْبَعَةٌ؛ تَيامَنَ اَلْأزْدُ، والأشْعَرِيُّونَ، وحِمْيَرُ، وكِنْدَةُ، ومِذْحِجُ، وأنْمارُ - اَلَّذِينَ يُقالُ لَهم بَجِيلَةُ - وخَثْعَمُ. وتَشاءَمَ لَخْمٌ، وحِذامُ، وعامِلَةُ، وغَسّانُ»» .

قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وإنْ كانَ فِيهِ أبُو حُبابٍ اَلْكَلْبِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ.

ورَواهُ اَلْحافِظُ اِبْنُ عَبْدِ اَلْبَرِّ في كِتابِ (" اَلْقَصْدِ والأُمَمِ بِمَعْرِفَةِ أُصُولِ أنْسابِ اَلْعَرَبِ والعَجَمِ") عَنْ تَمِيمٍ اَلدّارِيِّ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ سَبَأٍ ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ» .

وقالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: فَقَوِيَ هَذا اَلْحَدِيثُ وحَسُنَ.

وذَكَرَ عُلَماءُ اَلنَّسَبِ، مِنهم مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ اِسْمَ سَبَأٍ، عَبْدُ شَمْسِ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، وإنَّما سُمِّيَ سَبَئًا لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَبَأ في اَلْعَرَبِ، وكانَ يُقالُ لَهُ اَلرّائِشُ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن غَنِمَ في اَلْغَزْوِ فَأعْطى قَوْمَهُ، فَسُمِّيَ اَلرّائِشَ، والعَرَبُ تُسَمِّي اَلْمالَ رِيشًا ورِياشًا، وذَكَرُوا أنَّهُ بَشَّرَ بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في زَمانِهِ اَلْمُتَقَدِّمِ، وقالَ في ذَلِكَ شِعْرًا:

؎سَيَمْلِكُ بَعْدَنا مَلِكٌ عَظِيمٌ نَبِيٌّ لا يُرَخِّصُ في اَلْحَرامِ

؎ويَمْلِكُ بَعْدَهُ مِنهم مُلُوكٌ ∗∗∗ يُدِينُوهُ القِياْدَ بِكُلِّ راْمِي

؎ويَمْلِكُ بَعْدَهم مِنّا مُلُوكٌ ∗∗∗ يَصِيرُ اَلْمُلْكُ فِينا بِانْقِسامِ

؎ويَمْلِكُ بَعْدَ قَحْطاْنَ نَبِيٌّ ∗∗∗ تَقِيٌّ مُتَحَنَّثٌ خَيْرُ اَلْأنامِ

؎يُسَمّى أحْمَدًا ياْ لَيْتَ أنِّي ∗∗∗ أُعَمِّرُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِعامِ

؎فَأُعْضِدُهُ وأحْبُوهُ بِنَصْرِيْ ∗∗∗ بِكُلِّ مُدَجَّجٍ وبِكُلِّ رامِ

؎مَتى يَظْهَرْ فَكُونُوا ناصِرِيهِ ∗∗∗ ومَن يَلْقَهْ يُبَلِّغْهُ سَلامِي

ذَكَرَ ذَلِكَ اَلْهَمْدانِيُّ في كِتابِ (" اَلْإكْلِيلِ"). واخْتَلَفُوا في قَحْطانَ. فَقِيلَ: إنَّهُ مِن سُلالَةِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: مِن سُلالَةِ عابِرٍ وهو هُودٌ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن سُلالَةِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ اَلْخَلِيلِ عَلَيْهِما اَلصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُسْتَقْصًى اَلْإمامُ اَلْحافِظُ أبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اَلْبَرِّ اَلنَّمِرِيِّ في كِتابِ (" اَلْإنْباهِ عَلى ذِكْرِ أُصُولِ اَلْقَبائِلِ اَلرُّواهِ") (p-٤٩٤٩). قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: ومَعْنى قَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَبَأٍ: كانَ رَجُلًا مِنَ اَلْعَرَبِ يَعْنِي اَلْعَرَبَ اَلْعارِبَةَ اَلَّذِينَ كانُوا قَبْلَ اَلْخَلِيلِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مِن سُلالَةِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وعَلى اَلْقَوْلِ اَلثّالِثِ، كانَ مِن سُلالَةِ اَلْخَلِيلِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، ولَيْسَ هَذا بِالمَشْهُورِ عِنْدَهم. واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَكِنْ في صَحِيحِ اَلْبُخارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِنَفَرٍ مِن أسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقالَ: «اِرْمُوا، بَنِي إسْماعِيلَ ! فَإنَّ أباكم كانَ رامِيًا»» . وأسْلَمُ قَبِيلَةٌ مِنَ اَلْأنْصارِ. والأنْصارُ أوْسُها وخَزْرَجُها مِن عَرَبِ اَلْيَمَنِ. مِن سَبَأٍ، نَزَلَتْ يَثْرِبَ، لَمّا تَفَرَّقَتْ، كَما مَرَّ. (ثُمَّ قالَ): ومَعْنى قَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ»» أيْ: كانَ مِن نَسْلِهِ هَؤُلاءِ اَلْعَشَرَةُ اَلَّذِينَ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ أُصُولُ اَلْقَبائِلِ مِن عَرَبِ اَلْيَمَنِ، لا أنَّهم وُلِدُوا مِن صُلْبِهِ. بَلْ مِنهم مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، اَلْأبَوانِ والثَّلاثَةُ، والأقَلُّ والأكْثَرُ. كَما هو مُقَرَّرٌ مُبَيَّنٌ في مَواضِعِهِ مِن كُتُبِ اَلنَّسَبِ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ اَلنِّقْمَةِ والعَذابِ، وتَبْدِيلِ اَلنِّعْمَةِ وتَحْوِيلِ اَلْعافِيَةِ عَلى ما اِرْتَكَبُوهُ مِنَ اَلْكُفْرِ والآثامِ: ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: لَعِبَرًا عَظِيمَةً: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: شَأْنُهُ اَلصَّبْرُ عَنِ اَلشَّهَواتِ والهَوى والآثامِ، والشُّكْرُ عَلى اَلنِّعَمِ، قالَ الأعْشى مِن قَصِيدَةٍ:

؎فَفِي ذاكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ∗∗∗ ومَأْرِبُ عَفّى عَلَيْها العَرِمْ

؎رُخاْمٌ بَنَتْهُ لَهم حِمْيَرٌ ∗∗∗ إذاْ جاْءَ مُوّارُهُ لَمْ يَرِمْ

؎فَأرْوى الزُّرُوعَ وأعْنابَها ∗∗∗ عَلى سَعَةٍ ماْؤُهُمُ إذْ قُسِمْ

؎فَصارُوا أيادِيَ ما يَقْدِرُو ∗∗∗ نَ مِنهُ عَلى شُرْبِ طِفْلٍ فُطِمْ

34:20–21Page 430

وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠

And Iblees had already confirmed through them1 his assumption,2 so they followed him, except for a party of believers.

وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١

And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

(p-٤٩٥٠)[ ٢٠ - ٢١ ] ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبإ: ٢١] .

﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: قُرِئَ: صَدَّقَ، بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ لَفْظِ (إبْلِيسُ)، ونَصْبِ (الظَّنَّ). فَمَن شَدَّدَ، فَعَلى: (حَقَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ، ووَجَدَهُ ظَنَّهُ صادِقًا)؛ أيْ: صَدَّقَ بِمَعْنى حَقَّقَ مَجازًا؛ لِأنَّهُ ظَنَّ شَيْئًا فَوَقَعَ فَحَقَّقَهُ.

وقَوْلُهُ: أوْ وجَدَهُ ظَنَّهُ صادِقًا. فَإنَّ اَلْعَرَبَ تَقُولُ صَدَّقَكَ ظَنَّكَ. والمَعْنى أنَّ إبْلِيسَ كانَ يُسَوِّلُ لَهُ ظَنُّهُ شَيْئًا فِيهِمْ، فَلَمّا وقَعَ جُعِلَ كَأنَّهُ صَدَّقَهُ. ا هـ شِهابٌ.

ومَن خَفَّفَ فَعَلى: (صَدَقَ في ظَنِّهِ، أوْ صَدَقَ يَظُنُّ ظَنًّا). نَحْوُ فَعَلْتَهُ جَهْدَكَ؛ أيْ: فَـ: (ظَنَّهُ)، مَنصُوبٌ عَلى اَلظَّرْفِيَّةِ بِنَزْعِ اَلْخافِضِ، وأصْلُهُ: (فِي ظَنِّهِ)؛ أيْ: وجَدَ ظَنَّهُ مُصِيبًا في اَلْواقِعِ، فَـ: (صَدَقَ)، حِينَئِذٍ بِمَعْنى أصابَ، مَجازًا. أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ. كَفَعَلْتَهُ جَهْدَكَ، أيْ: وأنْتَ تَجْهَدُ جَهْدَكَ. فالمَصْدَرُ وعامِلُهُ في مَوْقِعِ اَلْحالِ. ا هـ شِهابٌ.

وبِنَصْبِ إبْلِيسَ ورَفْعِ (الظَّنِّ)، فَمَن شَدَّدَ فَعَلى: (وجَدَ ظَنَّهُ صادِقًا). ومَن خَفَّفَ، فَعَلى:(قالَ لَهُ ظَنُّهُ اَلصِّدْقَ حِينَ خَيَّلَهُ إغْواؤُهم) بِرَفْعِ: ( إغْواؤُهُمْ) عَلى اَلْفاعِلِيَّةِ، أوْ نَصْبِهِ عَلى اَلْحَذْفِ والإيصالِ، وفاعِلِهِ وضَمِيرِ اَلظَّنِّ؛ أيْ: خُيِّلَ لَهُ إغْواءَهم. ا هـ شِهابٌ. يَقُولُونَ: صَدَقَكَ ظَنُّكَ.

وبِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِهِما، أيْ: عَلى إبْدالِ اَلظَّنِّ مِن إبْلِيسَ، بَدَلَ اِشْتِمالٍ. ا هـ شِهابٌ. عَلى: صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّ إبْلِيسَ. اِنْتَهى.

وذَلِكَ إمّا ظَنُّهُ بِسَبَأٍ حِينَ رَأى اِنْهِماكَهم في اَلشَّهَواتِ، أوْ بِبَنِي آدَمَ حِينَما رَأى ما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ اَلشَّهْوَةِ والغَضَبِ.

﴿فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ [سبإ: ٢١] أيْ: ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن تَسْلِيطٍ واسْتِيلاءٍ (p-٤٩٥١)بِالوَسْوَسَةِ والِاسْتِغْواءِ، إلّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وحِكْمَةٍ بَيِّنَةٍ، وذَلِكَ أنْ يَتَمَيَّزَ اَلْمُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِنَ اَلشّاكِّ فِيها، وعَلَّلَ اَلتَّسْلِيطَ بِالعِلْمِ. والمُرادُ ما تَعَلَّقَ بِهِ اَلْعِلْمُ. قالَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ. يَعْنِي أنَّ اَلْعِلْمَ اَلْمُسْتَقْبَلَ اَلْمُعَلَّلَ بِهِ هُنا، لَيْسَ هو اَلْعِلْمَ اَلْأزَلِيَّ اَلْقائِمَ بِالذّاتِ اَلْمُقَدَّسِ. بَلْ تَعَلُّقُهُ بِالمَعْلُومِ في عالَمِ اَلشَّهادَةِ اَلَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اَلْجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

فالمَعْنى ما سَلَّطْناهُ عَلَيْهِمْ إلّا لِيَبْرُزَ مِن كُمُونِ اَلْغَيْبِ ما عَلِمْناهُ، فَتَظْهَرَ اَلْحِكْمَةُ فِيهِ بِتَحَقُّقِ ما أرَدْناهُ مِنَ اَلْجَزاءِ أوْ لازَمِهِ، وهو ظُهُورُ اَلْمَعْلُومِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى: لِنَجْزِيَ عَلى اَلْإيمانِ وضِدِّهِ. كَذا فِي(" اَلْعِنايَةِ"): ﴿ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبإ: ٢١] أيْ: رَقِيبٌ قائِمٌ عَلى أحْوالِهِ وأوامِرِهِ.

34:22Page 430

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢

Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ ] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾: ﴿قُلِ﴾ أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ، إظْهارًا لِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، وتَبْكِيتًا لَهُمْ: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ: زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ، وشَرٍّ، ونَفْعٍ، وضُرٍّ: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾ أيْ: شِرْكَةٍ، لا خَلْقًا ولا مُلْكًا ولا تَصَرُّفًا: ﴿وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ أيْ: مُعِينٍ يُعِينُهُ عَلى تَدْبِيرِ خَلْقِهِ، قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ أنَّهم عَلى هَذِهِ اَلْقِصَّةِ مِنَ اَلْعَجْزِ، والبُعْدِ عَنْ أحْوالِ اَلرُّبُوبِيَّةِ. فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُدْعَوْا كَما يُدْعى، ويُرْجَوْا كَما يُرْجى؟

34:23Page 431

وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣

And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ .

﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ أيْ: مِنَ اَلْمُسْتَأْهِلِينَ لِمَقامِ اَلشَّفاعَةِ (p-٤٩٥٢). كالنَّبِيِّينَ والمَلائِكَةِ. وهَذا تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اَللَّهِ: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: كُشِفَ اَلْفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ اَلشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهُمْ، بِكَلِمَةٍ يَتَكَلَّمُ بِها رَبُّ اَلْعِزَّةِ، في إطْلاقِ اَلْإذْنِ، تَباشَرُوا بِذَلِكَ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: سائِلًا بَعْضُهم بَعْضًا: ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ أيْ: قالَ القَوْلَ اَلْحَقَّ، وهو اَلْإذْنُ بِالشَّفاعَةِ لِمَنِ اِرْتَضى: ﴿وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ أيْ: ذُو اَلْعُلُوِّ والكِبْرِياءِ، لَيْسَ لِمَلِكٍ ولا نَبِيٍّ أنْ يَتَكَلَّمَ إلّا بِإذْنِهِ، وأنْ يَشْفَعَ إلّا لِمَنِ اِرْتَضى.

قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: هَذا أيْضًا مَقامٌ رَفِيعٌ في اَلْعَظَمَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى إذا تَكَلَّمَ بِالوَحْيِ. فَسَمِعَ أهْلُ اَلسَّماواتِ كَلامَهُ، أُرْعِدُوا مِنَ اَلْهَيْبَةِ، حَتّى يَلْحَقَهم مِثْلُ اَلْغُشِيِّ. قالَهُ اِبْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ، ومَسْرُوقٌ، وغَيْرُهُما.

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ اِتَّصَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ولِأيِّ شَيْءٍ وقَعَتْ حَتّى غايَةً؟ قُلْتُ: بِما فُهِمْ مِن هَذا اَلْكَلامِ، مِن أنَّ ثَمَّ اِنْتِظارًا لِلْإذْنِ وتَوَقُّعًا وتَمَهُّلًا وفَزَعًا مِنَ اَلرّاجِينَ لِلشَّفاعَةِ والشُّفَعاءِ، هَلْ يُؤْذَنُ لَهم أوْ لا يُؤْذَنُ، وأنَّهُ لا يُطْلَقُ اَلْإذْنُ إلّا بَعْدَ مَلِيٍّ مِنَ اَلزَّمانِ وطُولٍ مِنَ اَلتَّرَبُّصِ، ومِثْلُ هَذِهِ اَلْحالِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ [النبإ: ٣٧] ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] أيْ: وإذا كانَتِ اَلشَّفاعَةُ لِمَن أذِنَ لَهُ بِهَذا اَلْحالِ، عَظَمَةً وسُمُوًّا مِن ذِي اَلْجَلالِ، فَأنّى يَنالُها جَمادٌ لا يَعْقِلُ، لا سِيَّما وهو عَدُوٌّ لِلْكَبِيرِ اَلْمُتَعالِ، فَتَبَيَّنَ كَذِبُهم فِيهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ، وحِرْمانُهم مِن مَقامِها، بِأجْلى بَيانٍ وأفْصَحِ مَقالٍ.

وفِي اَلْآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: عَنْ قُلُوبِ اَلْمُشْرِكِينَ عِنْدَ اَلِاحْتِضارِ، ويَوْمَ اَلْقِيامَةِ إذا تَنَبَّهُوا مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ اَلْغَفْلَةِ في اَلدُّنْيا، ورَجَعَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهم يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ فَقِيلَ لَهُمُ اَلْحَقَّ وأُخْبِرُوا بِهِ مِمّا كانُوا عَنْهُ لاهِينَ في اَلدُّنْيا. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: كُشِفَ عَنْها اَلْغِطاءُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ. وقالَ الحَسَنُ: أيْ: كُشِفَ عَمّا فِيها مِنَ اَلشَّكِّ والتَّكْذِيبِ. وقالَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ (p-٤٩٥٣): هَذا عِنْدَ اَلْمَوْتِ، أقَرُّوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ اَلْإقْرارُ. واخْتارَ اِبْنُ جَرِيرٍ اَلْقَوْلَ اَلْأوَّلَ، وهو أنَّ اَلضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اَلْمَلائِكَةِ.

قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وهَذا هو اَلْحَقُّ اَلَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ؛ لِصِحَّةِ اَلْأحادِيثِ فِيهِ والآثارِ، أيْ: ولِوُرُودِ ما يُؤَيِّدُهُ في آيَةٍ أُخْرى، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] نَعَمْ، اَلنَّظْمُ اَلْكَرِيمُ لا يَأْبى ما ذَكَرُوهُ، إلّا أنَّ مُراعاةَ اَلْأشْباهِ والنَّظائِرِ هو اَلْعُمْدَةُ في بابِ فَهْمِ اَلتَّأْوِيلِ، ما وُجِدَ إلَيْها سَبِيلٌ.

34:24Page 431

۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤

Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤ ] ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أمْرٌ بِتَبْكِيتِ اَلْمُشْرِكِينَ بِحَمْلِهِمْ عَلى اَلْإقْرارِ بِأنَّ آلِهَتَهم لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ: اَلَّذِي تَعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ هو اَلْخالِقُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] أيْ: فَحِينَئِذٍ قامَتِ اَلْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مِنهم.

﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: وإنَّ أحَدَ اَلْفَرِيقَيْنِ مِنَ اَلْمُوَحِّدِينَ اَلرّازِقَ مِنَ اَلسَّماواتِ والأرْضِ بِالعِبادَةِ، ومِنَ اَلَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِهِ اَلْجَمادَ اَلَّذِي لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ عَلى ذَرَّةٍ، لَعَلى أحَدِ اَلْأمْرَيْنِ مِنَ اَلْهُدى أوِ اَلضَّلالِ.

(p-٤٩٥٤)قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِنَ اَلْكَلامِ اَلْمُنْصِفِ اَلَّذِي كُلُّ مَن سَمِعَهُ مِن مُوالٍ أوْ مُنافٍ، قالَ لِمَن خُوطِبَ بِهِ: قَدْ أنْصَفَكَ صاحِبُكَ، وفي دَرْجِهِ بَعْدَ تَقْدِمَةِ ما قُدِّمَ مِنَ اَلتَّقْرِيرِ اَلْبَلِيغِ، دَلالَةٌ غَيْرُ خَفِيَّةٍ عَلى مَن هو مِنَ اَلْفَرِيقَيْنِ عَلى اَلْهُدى، ومَن هو في اَلضَّلالِ اَلْمُبِينِ، ولَكِنَّ اَلتَّعْرِيضَ والتَّوْرِيَةَ أفْضَلُ بِالمُجادِلِ إلى اَلْغَرَضِ، وأهْجَمُ بِهِ عَلى اَلْغَلَبَةِ مَعَ قِلَّةِ شَغَبِ اَلْخَصْمِ وفَلِّ شَوْكَتِهِ بِالهُوَيْنا، ونَحْوُهُ قَوْلُ اَلرَّجُلِ لِصاحِبِهِ: عِلْمُ اَللَّهِ اَلصّادِقُ مِنِّي ومِنكَ، وإنَّ أحَدَنا لِكاذِبٌ.

ومِنهُ بَيْتُ حَسّانَ:

؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ

اِنْتَهى.

قالَ النّاصِرُ: وهَذا تَفْسِيرٌ مُهَذَّبٌ وافْتِنانٌ مُسْتَعْذَبٌ، رَدَدْتُهُ عَلى سَمْعِي فَزادَ رَوْنَقًا بِالتَّرْدِيدِ، واسْتَعادَهُ اَلْخاطِرُ، كَأنِّي بَطِيءُ اَلْفَهْمِ حِينَ يُفِيدُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُنْكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى اَلطَّرِيقَةِ اَلَّتِي أُكْثِرَ تَعاطِيها مُتَأخَّرُو اَلْفُقَهاءِ في مُجادَلاتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أحَدُ اَلْأمْرَيْنِ لازِمٌ عَلى اَلْإبْهامِ، فَهَذا اَلْمَسْلَكُ مِن هَذا اَلْوادِي غَيْرُ بَعِيدٍ، فَتَأمَّلْهُ، واللَّهُ اَلْمُوَفِّقُ. اِنْتَهى.

قالَ الشِّهابُ: وهَذا فَنٌّ مِن فُنُونِ اَلْبَلاغَةِ يُسَمّى (الكَلامَ اَلْمُنْصِفَ). وقِيلَ إنَّ اَلْآيَةَ عَلى اَللَّفِّ والنَّشْرِ اَلْمُرَتَّبِ. ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ لَوْ قُصِدَ اَللَّفُّ بِأنْ يَكُونَ عَلى هُدًى راجِعًا لِقَوْلِهِ: { وإنّا } و: ﴿أوْ في ضَلالٍ﴾ راجِعًا لِـ: { إيّاكم } كانَ اَلْعَطْفُ بِالواوِ لا بِأوْ، وكَوْنُها بِمَعْنى اَلْواوِ كَما في قَوْلِهِ:

؎سِيّانَ كَسْرُ رَغِيفِهِ ∗∗∗ أوْ كَسْرُ عَظْمٍ مِن عِظامِهْ

(p-٤٩٥٥)بَعِيدٌ جِدًّا. إلّا أنَّهُ قِيلَ: لَوْ جُعِلَ فِيهِ إيماءٌ لِذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ. وإيثارُ (عَلى)، في اَلْهُدى، و(فِي) في مُقابِلِهِ، لِلدَّلالَةِ عَلى اِسْتِعْلاءِ صاحِبِ اَلْهُدى وتَمَكُّنُهُ واطِّلاعِهِ عَلى ما يُرِيدُ، كالواقِفِ عَلى مَكانٍ عالٍ، أوِ اَلرّاكِبِ عَلى جَوادٍ، وانْغِماسِ اَلضّالِّ في ضَلالِهِ حَتّى كَأنَّهُ في مُهْواةٍ مُظْلِمَةٍ.

34:25Page 431

قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥

Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .

﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ اَلْمُشْرِكِينَ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أجْرَمْنا مِن جُرْمٍ، ورَكِبْنا مِن إثْمٍ، ولا نُسْئَلُ نَحْنُ عَمّا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ.

قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: مَعْناهُ اَلتَّبَرِّي مِنهم. أيْ: لَسْتُمْ مِنّا ولا نَحْنُ مِنكُمْ، بَلْ نَدْعُوكم إلى اَللَّهِ تَعالى وإلى تَوْحِيدِهِ، ولِإفْرادِ اَلْعِبادَةِ لَهُ، فَإنْ أجَبْتُمْ فَأنْتُمْ مِنّا ونَحْنُ مِنكُمْ، وإنْ كَذَّبْتُمْ فَنَحْنُ بَراءٌ مِنكم وأنْتُمْ بَراءٌ مِنّا. كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] اَلسُّورَةِ. اِنْتَهى.

وما ذَكَرَهُ مَعْنى دَقِيقٌ، قَلَّ مَن يَتَفَطَّنُ لَهُ، أُسَمِّيهِ اَلتَّفْسِيرَ بِالأشْباهِ والنَّظائِرِ، وهو حَمْلُ آيَةٍ مُوجَزَةٍ أوْ مُجْمَلَةٍ عَلى آيَةٍ تُشْبِهُها مُطَوَّلَةٍ أوْ مُبَيَّنَةٍ، ولا يُدْرِكُ هَذا إلّا اَلرّاسِخُ في فَنِّ اَلتَّأْوِيلِ، اَلْوَلِعِ بِتَدَبُّرِ اَلتَّنْزِيلِ، ومِن لَطائِفِ اَلْآيَةِ ما ذَكَرَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ والمُنْتَصِفُ، مِن أنَّ هَذا اَلْقَوْلَ أدْخَلُ في اَلْإنْصافِ مِنَ اَلْأوَّلِ، حَيْثُ أسْنَدَ اَلْإجْرامَ إلى اَلنَّفْسِ، وأرادَ بِهِ اَلزَّلّاتِ والصَّغائِرَ اَلَّتِي لا يَخْلُو عَنْها مُؤْمِنٌ، وأسْنَدَ اَلْعَمَلَ إلى اَلْمُخاطَبِينَ، وأرادَ بِهِ اَلْكُفْرَ والمَعاصِيَ والكَبائِرَ. فَعَبَّرَ عَنِ اَلْهَفَواتِ بِما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ اَلْعَظائِمِ، وعَنِ اَلْعَظائِمِ بِما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ اَلْهَفَواتِ، اِلْتِزامًا لِلْإنْصافِ، وزِيادَةً عَلى ذَلِكَ، أنَّهُ ذَكَرَ اَلْإجْرامَ اَلْمَنسُوبَ إلى اَلنَّفْسِ بِصِيغَةِ اَلْماضِي، اَلَّذِي يُعْطِي تَحْقِيقَ اَلْمَعْنى، وعَنِ اَلْعَمَلِ اَلْمَنسُوبِ إلى اَلْخَصْمِ بِما لا يُعْطِي ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

34:26Page 431

قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦

Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1

(p-٤٩٥٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٦ ] ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ .

﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ أيْ: يَوْمَ اَلْقِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَقْضِي بِالعَدْلِ؛ لِأنَّ أحَدَ فَرِيقَيْنا عَلى هُدًى والآخِرَ عَلى ضَلالٍ، فَيَتَبَيَّنُ يَوْمَئِذٍ اَلْمُهْتَدِي مِنّا مِنَ اَلضّالِّ، ويَجْزِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ أيِ: اَلْحاكِمُ اَلْعادِلُ اَلْعَلِيمُ بِالقَضاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ؛ لِأنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ولا يَحْتاجُ إلى شُهُودٍ تُعَرِّفُهُ اَلْمُحِقَّ مِنَ اَلْمُبْطِلِ.

34:27Page 431

قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ أيْ: جَعَلْتُمُوها لِلَّهِ أنْدادًا، وصَيَّرْتُمُوها لَهُ عَدْلًا، قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: أُرِيدَ بِأمْرِهِمْ بِإراءَةِ اَلْأصْنامِ، مَعَ كَوْنِها بِمَرْأًى مِنهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ. إظْهارُ خَطَئِهِمُ اَلْعَظِيمِ وإطْلاعُهم عَلى بُطْلانِ رَأْيِهِمْ؛ أيْ: أرُونِيها لِأنْظُرَ بِأيِّ صِفَةٍ ألْحَقْتُمُوها باللَّهِ اَلَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في اِسْتِحْقاقِ اَلْعِبادَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَبْكِيتٍ لَهم بَعْدَ إلْزامِ اَلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

وقَدْ جَوَّزَ اَلْمُعْرِبُ في ( رَأى) هُنا أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً مُتَعَدِّيَةً بِهَمْزَةِ اَلنَّقْلِ، إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ: ياءِ اَلْمُتَكَلِّمِ والمَوْصُولِ وشُرَكاءِهِ. وعائِدُ اَلْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ألْحَقْتُمُوهم. وأنْ تَكُونَ بَصْرِيَّةً تَعَدَّتْ بِالنَّقْلِ لِاثْنَيْنِ: ياءِ اَلْمُتَكَلِّمِ والمَوْصُولِ، (وشُرَكاءُ) حالٌ. ولا ضَعْفَ (p-٤٩٥٧)فِي هَذا كَما قالَهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ. بَلْ فِيهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، إذْ لَمْ يُرَدْ حَقِيقَتُهُ؛ لِأنَّهُ كانَ يَراهم ويَعْلَمُهُمْ، فَهو مَجازٌ وتَمْثِيلٌ. والمَعْنى: ما زَعَمْتُمُوهُ شَرِيكًا إذا بَرَزَ لِلْعُيُونِ، وهو خَشَبٌ وحَجَرٌ، تَمَّتْ فَضِيحَتُكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ اَلْمُشارَكَةِ، بَعْدَ إبْطالِ اَلْمُقايَسَةِ: ﴿بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: اَلْمَوْصُوفُ بِالغَلَبَةِ اَلْقاهِرَةِ والحِكْمَةِ اَلْباهِرَةِ. فَأيْنَ شُرَكاؤُهُمُ اَلَّتِي هي أخَسُّ اَلْأشْياءِ وأذَلُّها، مِن هَذِهِ اَلرُّتْبَةِ اَلْعالِيَةِ. والضَّمِيرُ إمّا لِلَّهِ عَزَّ وعَلا، أوْ لِشَأْنٍ. قالَهُ أبُو اَلسُّعُودِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском