Al-QasimiSaba · 34:28–52

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:28–52

34:28Page 431

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨

And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: وما أرْسَلْناكَ إلّا إرْسالَةً عامَّةً لِجَمِيعِ اَلْخَلائِقِ مِنَ اَلْمُكَلَّفِينَ، تُبَشِّرُ مَن أطاعَكَ بِالجَنَّةِ، وتُنْذِرُ مَن عَصاكَ بِالنّارِ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى ما هم فِيهِ مِنَ اَلْغَيِّ والضَّلالِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]

قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ - فِيما رَواهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ - إنَّ اَللَّهَ تَعالى فَضَّلَ مُحَمَّدًا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أهْلِ اَلسَّماءِ، وعَلى اَلْأنْبِياءِ. قالُوا: يا اِبْنَ عَبّاسٍ ! فَبِمَ فَضَّلَهُ اَللَّهُ عَلى اَلْأنْبِياءِ؟ قالَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ: إنَّ اَللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (p-٤٩٥٨)، وقالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ فَأرْسَلَهُ اَللَّهُ تَعالى إلى اَلْجِنِّ والإنْسِ.

قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وهَذا اَلَّذِي قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما قَدْ ثَبَتَ فِي" اَلصَّحِيحَيْنِ" رَفَعَهُ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ اَلْأنْبِياءِ قِبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ اَلْأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، فَأيَّما رَجُلٌ مِن أُمَّتِي أدْرَكَتْهُ اَلصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ اَلْغَنائِمُ ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ مِن قَبْلِي، وأُعْطِيتُ اَلشَّفاعَةَ، وكانَ اَلنَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ، وبُعِثْتُ إلى اَلنّاسِ عامَّةً»»، وفِي" اَلصَّحِيحِ" أيْضًا أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««بُعِثْتُ إلى اَلْأحْمَرِ والأسْوَدِ»»، قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي اَلْجِنَّ والإنْسَ. وقالَ غَيْرُهُ: يَعْنِي اَلْعَرَبَ والعَجَمَ. والتَّحْقِيقُ في مَعْنى عُمُومِ إرْسالِهِ وشُمُولِ بَعْثَتِهِ، هو مَجِيئُهُ بِشَرْعٍ يَنْطَبِقُ عَلى مَصالِحِ اَلنّاسِ وحاجاتِهِمْ أيْنَما كانُوا، وأيَّ زَمانٍ وُجِدُوا، مِمّا لَمْ يَتَّفِقْ في شَرْعٍ قَبْلَهُ قَطُّ، ولِهَذا خُتِمَتِ اَلنُّبُوّاتُ بِنُبُوَّتِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ.

34:29–30Page 431

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠

Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ - ٣٠ ] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] .

(p-٤٩٥٩)﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] يَعْنُونَ بِالوَعْدِ اَلْمُنْذَرَ بِهِ اِسْتِهْزاءً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]

34:31Page 431

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١

And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣١ ] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وهو ما نَزَلَ قَبْلَ اَلْقُرْآنِ مِن كُتُبِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ أيْ: يَتَجاذَبُونَ أطْرافَ اَلْمُحادَثَةِ، ويَتَراجَعُونَها بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن: { يَرْجِعُ } قَوْلَهُ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهُمُ اَلْأتْباعُ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم قادَتُهم وسادَتُهُمْ: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾

34:32Page 432

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢

Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٢ ] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ .

﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: نَحْنُ ما فَعَلْنا بِكم أكْثَرَ مِن أنّا دَعَوْناكم فاتَّبَعْتُمُونا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ولا بُرْهانٍ، وخالَفْتُمُ اَلْأدِلَّةَ، والبَراهِينَ، والحُجَجَ اَلَّتِي جاءَتْ بِها اَلرُّسُلُ لِشَهْوَتِكم واخْتِيارِكم لِذَلِكَ.

34:33Page 432

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣

Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?

(p-٤٩٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٣ ] ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: مَكْرُكم فِيهِما وإغْراؤُكم وتَمْنِيَتُكم لَنا: ﴿إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: نُظَراءَ وآلِهَةً مَعَهُ ﴿وأسَرُّوا﴾ أيِ: اَلْجَمِيعُ مِنَ اَلسّادَةِ والأتْباعِ: ﴿النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي اَلسَّلاسِلُ اَلَّتِي تَجْمَعُ أيْدِيَهم مَعَ أعْناقِهِمْ: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأعْمالِهِمْ كُلٌّ بِحَسْبِهِ، لِلْقادَةِ عَذابٌ بِحَسْبِهِمْ، ولِلْأتْباعِ بِحَسْبِهِمْ.

34:34–35Page 432

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤

And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥

And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٤ - ٣٥ ] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] .

﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] أيْ: زَعْمًا أنَّهُ أكْرَمَهُمُ اَللَّهُ بِذَلِكَ في اَلدُّنْيا، فَلا يُعَذِّبُهم في اَلْآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها، وتَوَهُّمًا بِأنَّهم لَوْ لَمْ يُكْرَمُوا عَلى اَللَّهِ لَما رَزَقَهُمْ، ولَوْلا أنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ هانُوا عَلَيْهِ لَما حَرَمَهم. وقَدْ أبْطَلَ اَللَّهُ تَعالى حُسْبانَهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

34:36Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."

(p-٤٩٦١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٦ ] ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُ عَلَيْهِ حَسَبَ ما اِقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ ومَشِيئَتُهُ في عِبادِهِ، مَن يُحِبُّ ومَن لا يُحِبُّ، وهو أعْلَمُ بِمُقْتَضَياتِهِ وشُؤُونِهِ، فَلا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ أمْرُ اَلثَّوابِ والعَذابِ، اَللَّذَيْنِ مَناطُهُما اَلطّاعَةُ وعَدَمُها، ولِذا قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ. فَيَزْعُمُونَ أنَّ مَدارَ اَلْبَسْطِ اَلْكَرامَةُ، والتَّضْيِيقُ اَلْهَوانُ. ويَجْهَلُونَ أنَّ مَناطَ اَلْفَوْزِ والقُرْبِ مِنهُ تَعالى، إنَّما هو اَلْكِمالاتُ اَلنَّفْسِيَّةُ، وذَلِكَ بِصِدْقِ اَلْإيمانِ وحُسْنِ اَلِاتِّباعِ. كَما قالَ:

34:37Page 432

وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٧ ] ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ .

﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ أيْ: بِالمَزِيَّةِ اَلَّتِي تُقَرِّبُكم قُرْبَةً. فَـ: { زُلْفى } مَحَلُّها اَلنَّصْبُ: ﴿إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أيِ: اَلثَّوابُ اَلْمُضاعَفُ: ﴿بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ أيْ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، ومِن نَظائِرِ اَلْآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]

(p-٤٩٦٢)ورَوى اَلْإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اَللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم وأمْوالِكم، ولَكِنْ إنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وأعْمالِكم»» .

34:38Page 432

وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨

And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٨ ] ﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ .

﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾ أيْ: بِالصَّدِّ عَنْها والطَّعْنِ فِيها: ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: قاصِدِينَ اَلْمُعاجَزَةَ والمُغالَبَةَ والقَهْرَ: ﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: في عَذابِ جَهَنَّمَ مُحْضَرُونَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ.

34:39Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٩ ] ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ أيْ: يُعَوِّضُهُ، فَإنَّ يَنابِيعَ خَزائِنِهِ لا تَنْضُبُ، وسَحائِبُ أرْزاقِهِ سَحّاءُ اَللَّيْلَ والنَّهارَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أيْ: أعْلاهُمْ؛ لِأنَّهُ خالِقُ اَلرِّزْقِ وخالِقُ اَلْأسْبابِ اَلَّتِي يَنْتَفِعُ بِها اَلْمَرْزُوقُ بِالرِّزْقِ، رَوى أبُو يَعْلى عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ألا إنَّ بَعْدَ زَمانِكم هَذا زَمانٌ عَضُوضٌ؛ يَعَضُّ اَلْمُوسِرُ عَلى ما في يَدِهِ حَذارَ اَلْإنْفاقِ»» . ثُمَّ تَلا هَذِهِ اَلْآيَةَ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَتَأوَّلَنَّ أحَدُكم هَذِهِ اَلْآيَةَ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ إذا كانَ عِنْدَ أحَدِكم ما يُقِيمُهُ فَلْيَقْصِدْ فِيهِ، فَإنَّ اَلرِّزْقَ مَقْسُومٌ.

34:40–41Page 433

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠

And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١

They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."

(p-٤٩٦٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ - ٤١ ] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] .

﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا اَلْكَلامُ خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ وتَقْرِيعٌ لِلْكُفّارِ، وارِدٌ عَلى اَلْمَثَلِ اَلسّائِرِ:( إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ). ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ كَوْنَ اَلْمَلائِكَةِ وعِيسى مُنَزَّهِينَ بُرَآءَ مِمّا وجَّهَ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسُّؤالِ اَلْوارِدِ عَلى طَرِيقِ اَلتَّقْرِيرِ. والغَرَضُ أنْ يَقُولَ ويَقُولُوا، ويَسْألَ ويُجِيبُوا، فَيَكُونَ تَقْرِيعُهم أشَدَّ، وتَعْيِيرُهم أبْلَغَ، وخَجَلُهم أعْظَمَ، وهَوانُهم ألْزَمَ، ويَكُونُ اِقْتِصاصُ ذَلِكَ لُطْفًا لِمَن سَمِعَهُ، وزَجْرًا لِمَنِ اِقْتُصَّ عَلَيْهِ. اِنْتَهى.

وتَخْصِيصُ اَلْمَلائِكَةِ، لِأنَّهم أشْرَفُ اَلْأنْدادِ عِنْدَ مُشْرِكِي اَلْعَرَبِ، ولِأنَّ عِبادَتَهم مَبْدَأُ اَلشِّرْكِ وأصْلُهُ، لِزَعْمِهِمْ أنَّ اَلْأوْثانَ عَلى صُوَرِ اَلْهَياكِلِ اَلْعُلْوِيَّةِ اَلْمُقَرَّبَةِ، فَتَكُونُ شُفَعاءَ لَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: أبِإذْنِكم كانَ ذَلِكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧] وكَما يَقُولُ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَكَذا تَقُولُ (p-٤٩٦٤)اَلْمَلائِكَةُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ [سبإ: ٤١] أيْ: تَعالَيْتَ وتَقَدَّسْتَ عَنْ أنْ يَكُونَ مَعَكَ إلَهٌ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ [سبإ: ٤١] أيْ: أنْتَ اَلَّذِي نُوالِيهِ مِن دُونِهِمْ، إذْ لا مُوالاةَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، فَنَبْرَءُ إلَيْكَ مِنهم. بَيَّنُوا بِإثْباتِ مُوالاةِ اَللَّهِ، ومُعاداةِ اَلْكُفّارِ، بَراءَتَهم مِنَ اَلرِّضا بِعِبادَتِهِمْ لَهم. وقَوْلُهُمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سبإ: ٤١] أيِ: اَلشَّياطِينُ، لِأنَّهم هُمُ اَلَّذِينَ زَيَّنُوا لَهم عِبادَةَ اَلْأوْثانِ وأضَلُّوهم. والضَّمِيرُ اَلْأوَّلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] لِلْإنْسِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ، والأكْثَرُ بِمَعْنى اَلْكُلِّ، والثّانِي لِلْجِنِّ.

34:42Page 433

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢

But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٢ ] ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ .

﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أيْ: لِأنَّ اَلْأمْرَ كُلَّهُ فِيهِ لِلَّهِ؛ لِأنَّ اَلدّارَ دارُ جَزاءٍ وهو اَلْمُجازِي وحْدَهُ. قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ عِنْدَ جَوابِهِمْ بِالتَّنَزُّهِ والتَّبَرُّؤِ عَمّا نَسَبَ إلَيْهِمُ اَلْكَفَرَةُ، يُخاطِبُونَ بِذَلِكَ عَلى رُؤُوسِ اَلْأشْهادِ، إظْهارًا لِعَجْزِهِمْ، وقُصُورِهِمْ عِنْدَ عَبَدَتِهِمْ، وتَنْصِيصًا عَلى ما يُوجِبُ خَيْبَةَ رَجائِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ: ﴿ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهُمُ اَلْمُشْرِكُونَ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ جُمْلَةً أُخْرى مِن كُفْرانِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:

34:43Page 433

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا إلا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا﴾ (p-٤٩٦٥)يَعْنُونَ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا﴾ أيِ: اَلْقُرْآنُ اَلْكَرِيمُ: ﴿إلا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

34:44Page 433

وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤

And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٤ ] ﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ .

﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ: ما أنْزَلَ اَللَّهُ عَلى اَلْعَرَبِ مِن كِتابٍ قَبْلَ اَلْقُرْآنِ، وما أرْسَلَ إلَيْهِمْ نَبِيًّا قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ كانُوا يَوَدُّونَ ذَلِكَ ويَقُولُونَ: لَوْ جاءَنا نَذِيرٌ أوْ أُنْزِلَ عَلَيْنا كِتابٌ لَكُنّا أهْدى مِن غَيْرِنا، فَلَمّا مَنَّ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ كَذَّبُوهُ، وجَحَدُوهُ، وعانَدُوهُ. ثُمَّ هَدَّدَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ:

34:45Page 433

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥

And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٥ ] ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .

﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ اَلْأُمَمِ اَلْمُتَقَدِّمَةِ والقُرُونِ اَلْخالِيَةِ كَما كَذَّبُوا: ﴿وما بَلَغُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ: ﴿مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ يَعْنِي أُولَئِكَ، مِنَ اَلْمالِ، وبَسْطَةِ اَلْمُلْكِ، والعُمْرانِ، والمَدَنِيَّةِ: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: عِقابِي، ونَكالِي، وانْتِقامِي.

34:46Page 433

۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦

Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٦ ] ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ .

﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ إنْ فَعَلْتُمُوها أصَبْتُمُ اَلْحَقَّ، وقَدْ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى﴾ أيْ: قِيامًا خالِصًا لِلَّهِ بِلا مُحاباةٍ (p-٤٩٦٦)، ولا مُراءاةٍ، اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ، وواحِدًا واحِدًا: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أيْ: في أمْرِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما جاءَ بِهِ مِنَ اَلْهُدى، والإصْلاحِ، وتَهْذِيبِ اَلْأخْلاقِ، ورَفْعِ اَلنَّفْسِ عَنْ عِبادَةِ ما هو أحَطُّ مِنها مِنَ اَلْأوْثانِ، إلى عِبادَةِ فاطِرِ اَلْأرْضِ والسَّماواتِ، واتِّباعِ اَلْأحْسَنِ، ونَبْذِ اَلتَّقالِيدِ، وإنْزالِ اَلرُّؤَساءِ إلى مَصافِّ اَلْمَرْؤُوسِينَ رَغْبَةً في اَلْإخاءِ والمُساواةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَحاسِنِ اَلْإسْلامِ، وخَصائِصِهِ اَلْمَعْرُوفَةِ في اَلْكُتُبِ اَلْمُؤَلَّفَةِ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ: جُنُونٍ. مُسْتَأْنَفٌ مُنَبِّهٌ لَهم عَلى أنَّ ما عَرَفُوهُ مِن رَجاحَةِ عَقْلِهِ كافٍ في تَرَجُّحِ صِدْقِهِ، فَإنَّهُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَصَدّى لِادِّعاءِ أمْرٍ خَطِيرٍ، وخَطْبٍ عَظِيمٍ مِن غَيْرِ تَحْقِيقِ وُثُوقٍ بِبُرْهانٍ. فَيَفْتَضِحَ عَلى رُؤُوسِ اَلْأشْهادِ، ويُلْقِيَ نَفْسَهُ إلى اَلْهَلاكِ، فَكَيْفَ وقَدِ اِنْضَمَّ إلَيْهِ مُعْجِزاتٌ كَثِيرَةٌ؟ وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْجُمْلَةِ مُعَلَّقًا عَنْها؛ لِقَوْلِ اِبْنِ مالِكٍ: إنَّ ( تَفَكَّرَ) يُعَلَّقُ حَمْلًا عَلى أفْعالِ اَلْقُلُوبِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بـِ: (صاحِبِهِمْ)؛ لِلْإيماءِ أنَّ حالَهُ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ بَيْنَهُمْ، لِأنَّهُ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مَعْرُوفًا بِقُوَّةِ اَلْعَقْلِ، ورَزانَةِ اَلْحِلْمِ وسَدادِ اَلْقَوْلِ والفِعْلِ ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ وهو عَذابُ اَلْآخِرَةِ والمَآلُ.

34:47–49Page 433

قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧

Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨

Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."

قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩

Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٧ - ٤٩ ] ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ [سبإ: ٤٨] ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ [سبإ: ٤٩] .

﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ سَألْتُكم مِن أجْرٍ عَلى اَلرِّسالَةِ فَهو لَكم. والمُرادُ نَفْيُ السُّؤالِ رَأْسًا، وإمْحاضُ اَلنُّصْحِ كِنايَةً، لِأنَّ ما يَسْألُهُ اَلسّائِلُ، يَكُونُ لَهُ، فَجَعَلَهُ لِلْمَسْؤُولِ عَنْهُ؛ كِنايَةً عَنْ أنَّهُ لا يَسْألُ أصْلًا. و(" ما") عَلى هَذا شَرْطِيَّةٌ. وجُوِّزَ كَوْنُها (p-٤٩٦٧)مَوْصُولَةً مُرادًا بِها ما سَألَهُمْ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] واِتِّخاذُ اَلسَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَتُهُمُ اَلْكُبْرى، وقُرْباهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ قُرْباهم. وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُها نافِيَةً. وقَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: فَإذا لَمْ أسْألْكم فَهو لَكُمْ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٤٨] أيْ: يَرْمِي بِهِ اَلْباطِلَ فَيَدْمَغُهُ ويُزْهِقُهُ، أوْ يَرْمِي بِهِ في أقْطارِ اَلْآفاقِ، فَيَكُونُ وعْدًا بِإظْهارِ اَلْإسْلامِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اَلْحَقِّ: ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ [سبإ: ٤٨] ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ [سبإ: ٤٩] أيْ: ظَهَرَ، وهو اَلْإسْلامُ ومَحاسِنُهُ: ﴿وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ [سبإ: ٤٩] كِنايَةً عَنْ زَهُوقِ اَلْباطِلِ ومَحْوِ أثَرِهِ، مَأْخُوذٌ مِن هَلاكِ اَلْحَيِّ، فَإنَّهُ ما دامَ مَوْجُودًا، إمّا أنْ يُبْدِئَ فِعْلًا أوْ يُعِيدَهُ، فَإذا هَلَكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ إبْداءٌ ولا إعادَةٌ. ثُمَّ شاعَ في كُلِّ ما ذَهَبَ، وإنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ، وإنْ يَكُنْ ذا رُوحٍ. وجُوِّزَ كَوْنُ ( ما) اِسْتِفْهامِيَّةً مُنْتَصِبَةً بِما بَعْدَهُ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

تَنْبِيهٌ:

فِي" اَلْإكْلِيلِ": في اَلْآيَةِ اِسْتِحْبابُ هَذا اَلْقَوْلِ عِنْدَ إزالَةِ اَلْمُنْكَرِ.

34:50Page 434

قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠

Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٠ ] ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ .

﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ﴾ أيْ: عَنِ اَلطَّرِيقِ اَلْحَقِّ: ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ أيْ: لِأنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْها، أوْ عَلى ذاتِي، لا عَلى غَيْرِي: ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ أيْ: مِنَ اَلرَّشادِ والحَقِّ اَلْمُبِينِ: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى اَلْمُقابَلَةِ مَعَ اَلْجُمْلَةِ قَبْلَها، أنْ يُقالَ: (وإنِ اِهْتَدَيْتُ فَإنَّما أهْتَدِي لَها) (p-٤٩٦٨). فَلِمَ عَدَلَ عَنْها إلى ما ذَكَرَ؟ قِيلَ: إنَّ اَلْمُقابَلَةَ تَكُونُ بِاللَّفْظِ وتَكُونُ بِالمَعْنى. وما هُنا مِنَ اَلثّانِي، بَيانُهُ أنَّ اَلنَّفْسَ كُلُّ ما عَلَيْها فَهو بِها، أيْ: كُلُّ ما هو وبالٌ عَلَيْها، وضارٌّ لَها، فَهو بِسَبَبِها، ومِنها؛ لِأنَّها اَلْأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وكُلُّ ما هو لَها مِمّا يَنْفَعُها، فَبِهِدايَةِ رَبِّها وتَوْفِيقِهِ إيّاها.

وهَذا حُكْمٌ عامٌّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ، وإنَّما أُمِرَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُسْنِدَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ (الرَّسُولَ) إذا دَخَلَ في عُمُومِهِ، مَعَ عُلُوِّ مَحَلِّهِ وسِدادِ طَرِيقَتِهِ، كانَ غَيْرُهُ أوْلى بِهِ. أشارَ لِهَذا، اَلْفاضِلُ اِبْنُ اَلْأثِيرِ في (" اَلْمَثَلِ اَلسّائِرِ").

34:51Page 434

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١

And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥١ ] ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ .

﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ اَلْمُكَذِّبُونَ عِنْدَ اَلْمَوْتِ أوِ اَلْبَعْثِ أوْ ظُهُورِ اَلْحَقِّ وسُلْطانِهِ، ودُخُولِهِمْ تَحْتَ أسْرِهِ: ﴿فَلا فَوْتَ﴾ أيْ: لَهُمْ، بِهَرَبٍ أوِ اِلْتِجاءٍ؛ إذْ لا وزَرَ لَهم ولا مَلْجَأ: ﴿وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ: مِن ظَهْرِ اَلْأرْضِ إلى بَطْنِها إذا ماتُوا، أوْ مِنَ اَلْمَوْقِفِ إلى اَلنّارِ إذا بُعِثُوا، أوْ ظُفِرَ بِهِمْ بِسُهُولَةٍ بَعْدَ تَعَذُّرِهِ.

34:52Page 434

وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢

And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٢ ] ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .

﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِمُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوِ اَلْقُرْآنِ: ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: ومِن أيْنَ لَهم تَناوُلُ اَلْإيمانِ وقَدْ بَعُدُوا عَنْ مَحَلِّ قَبُولِهِ مِنهُمْ، لِأنَّهم صارُوا إلى اَلدّارِ اَلْآخِرَةِ، وهي دارُ اَلْجَزاءِ، لا دارَ اَلِابْتِلاءِ، أوْ: لِأنَّهم آمَنُوا بِلِسانِهِمْ ولَمْ يَدْخُلِ اَلْإيمانُ قُلُوبَهُمْ، أيْ: (عَلى تَفْسِيرِ: ﴿إذْ فَزِعُوا﴾ [سبإ: ٥١] بِظُهُورِ اَلْحَقِّ عَلَيْهِمْ في حَياتِهِمْ، مِنهُ) قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلتَّناوُشُ والتَّناوُلُ، أخَوانِ، إلّا أنَّ اَلتَّناوُشَ، تَناوُلٌ سَهْلٌ لِشَيْءٍ قَرِيبٍ (p-٤٩٦٩)، يُقالُ: ناشَهُ يَنُوشُهُ، وتَناوَشَهُ اَلْقَوْمُ. ويُقالُ تَناوَشُوا في اَلْحَرْبِ. ناشَ بَعْضُهم بَعْضًا. وهَذا تَمْثِيلٌ لِطَلَبِهِمْ ما لا يَكُونُ، وهو أنْ يَنْفَعَهم إيمانُهم في ذَلِكَ اَلْوَقْتِ، كَما يَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ إيمانُهم في اَلدُّنْيا، مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ اَلشَّيْءَ مِن غَلْوَةٍ، كَما يَتَناوَلُهُ اَلْآخَرُ مِن قَيْسِ ذِراعٍ، تَناوُلًا سَهْلًا لا تَعَبَ فِيهِ. اِنْتَهى. أيْ: فَفِيهِ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ؛ شَبَّهَ إيمانَهم حَيْثُ لا يُقْبَلُ، بِمَن كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُمْكِنُ أخْذُهُ، فَلَمّا بَعُدَ عَنْهُ فَرْسَخًا، مَدَّ يَدَهُ لِتَناوُلِهِ. وقَوْلُهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском