Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:47–81
36:47Page 443
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧
And when it is said to them, "Spend from that which Allāh has provided for you," those who disbelieve say to those who believe, "Should we feed one whom, if Allāh had willed, He would have fed? You are not but in clear error."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧ ] ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى اَلْفُقَراءِ، مِن مالِ اَللَّهِ اَلَّذِي آتاكُمْ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: حَيْثُ أمَرْتُمُونا بِما يُخالِفُ مَشِيئَةَ اَللَّهِ. وقَوْلُهم هَذا، إمّا تَهَكُّمٌ أوْ عَنِ اِعْتِقادٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: { إنْ أنْتُمْ } جَوابًا مِنَ اَللَّهِ لَهُمْ، أوْ حِكايَةً لِجَوابِ اَلْمُؤْمِنِينَ. وفي هَذِهِ اَلْآيَةِ أبْلَغُ زَجْرٍ عَنِ اِقْتِصاصِ ما يُحْكى عَنِ اَلْبُخَلاءِ، في اِعْتِذارِهِمْ بِمِثْلِ ما ضَلَّلَ بِهِ اَلْمُشْرِكُونَ ومُجازاتُهم فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ اَللُّؤْمِ، وشُحِّ اَلنَّفْسِ، وخُبْثِ اَلطَّبْعِ، وإنْ كانَ يُورِدُهُ بَعْضُهم لِلْفُكاهَةِ أوِ اَلْإغْرابِ؛ كَما فَعَلَ اَلْجاحِظُ سامَحَهُ اَللَّهُ في كِتابِ "اَلْبُخَلاءِ".
36:48Page 443
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨ ] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يَعْنُونَ وعْدَ اَلْبَعْثِ.
36:49Page 443
مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩
They do not await except one blast1 which will seize them while they are disputing.
(p-٥٠١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٩ ] ﴿ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ .
﴿ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَتَخاصَمُونَ في مَتاجِرِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ؛ أيْ: أنَّها تَبْغَتُهم وهم في أمْنِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنْها. و(يَخِصِّمُونَ) بِفَتْحِ اَلْياءِ وكَسْرِ اَلْخاءِ لِالتِقاءِ اَلسّاكِنَيْنِ. والصّادِرُ عَلى اَلْأصْلِ، وأصْلُهُ: يَخْتَصِمُونَ سُكِّنَتِ اَلتّاءُ وأُدْغِمَتْ، ثُمَّ كُسِرَتِ اَلْخاءُ لِالتِقاءِ اَلسّاكِنَيْنِ.
36:50Page 443
فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠
And they will not be able [to give] any instruction, nor to their people can they return.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٠ ] ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: أنْ يُوَصُّوا في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ تَوْصِيَةً: ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى اَلرُّجُوعِ إلى أهْلِيهِمْ، لِيَرَوْا حالَهُمْ، بَلْ يَمُوتُونَ حَيْثُ تَفْجَؤُهُمُ اَلصَّيْحَةُ.
36:51Page 443
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١
And the Horn will be blown;1 and at once from the graves to their Lord they will hasten.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ ] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ .
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ أيْ: لِلْبَعْثِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيْ: مِنَ اَلْقُبُورِ: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدُونَ مُسْرِعِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣] ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذا وما في آيَةِ: ﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] لِأنَّهُما في زَمانٍ واحِدٍ مُتَقارِبٍ.
36:52Page 443
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢
They will say, "O woe to us! Who has raised us up from our sleeping place?" [The reply will be], "This is what the Most Merciful had promised, and the messengers told the truth."
(p-٥٠١٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢ ] ﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ .
﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ أيْ: رُقادِنا أوْ مَكانِهِ. فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ أيِ: اَلْمُخْبِرُونَ عَنْ ذَلِكَ اَلْوَعْدِ.
36:53Page 443
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣
It will not be but one blast, and at once they are all brought present before Us.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣ ] ﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ .
﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: بِمُجَرَّدِ تِلْكَ اَلصَّيْحَةِ. وفي كُلِّ ذَلِكَ تَهْوِينُ أمْرِ اَلْبَعْثِ والحَشْرِ، عَلَيْهِ تَعالى.
36:54–55Page 443
فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤
So today [i.e., the Day of Judgement] no soul will be wronged at all, and you will not be recompensed except for what you used to do.
إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥
Indeed the companions of Paradise, that Day, will be amused in [joyful] occupation -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤، ٥٥ ] ﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] .
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] أيْ مُتَنَعِّمُونَ مُتَلَذِّذُونَ، وفي تَنْكِيرِ: ﴿شُغُلٍ﴾ [يس: ٥٥] تَعْظِيمُ ما هم فِيهِ وتَفْخِيمُهُ.
36:56–57Page 444
هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦
They and their spouses - in shade, reclining on adorned couches.
لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧
For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦، ٥٧ ] ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ أيْ: في ظِلالِ اَلْأشْجارِ، أوْ في مَأْمَنٍ مِنَ اَلْحَرُورِ (p-٥٠١٣): ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ: اَلسُّرُرِ اَلْمُزَيَّنَةِ: ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨ ] ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ .
﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أيْ: ولَهم سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا كائِنًا مِنهُ تَعالى. فَيَكُونُ: { سَلامٌ } مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ اَلْخَبَرِ، أوْ هو بَدَلٌ مِن: { ما } أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: هو سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ اَلنّاصِبُ لِـ: { قَوْلًا } أيْ: سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: { مِن رَبٍّ } و: { قَوْلًا } مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ اَلْجُمْلَةِ، وهو مَعَ عامِلِهِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمًا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]
36:59Page 444
وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩
[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩ ] ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ .
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ في مَوْقِفِهِمْ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أيْ: يَصِيرُونَ صَدْعَيْنِ فِرْقَتَيْنِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]
36:60Page 444
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠
Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -
(p-٥٠١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠ ] ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَقْرِيعٌ مِنهُ تَعالى لِلْكَفَرَةِ، يُقالُ لَهم إلْزامًا لِلْحُجَّةِ. وعَهْدُهُ تَعالى إلَيْهِمْ هو مِيثاقُ اَلْفِطْرَةِ. كَما قالَهُ اَلْقاشانِيُّ. أوْ ما نَصَبَهُ لَهم مِنَ اَلْحُجَجِ اَلْعَقْلِيَّةِ، والسَّمْعِيَّةِ، اَلْآمِرَةِ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ ونَبْذِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
36:61Page 444
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And that you worship [only] Me? This is a straight path.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١ ] ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .
﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: وأنْ أفْرَدُونِي بِالعِبادَةِ فَإنَّهُ اَلسَّبِيلُ اَلسَّوِيُّ. وفي تَنْكِيرِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ صِراطٌ بَلِيغٌ في اِسْتِقامَتِهِ، جامِعٌ لِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ، وأصْلٌ لِمَرْتَبَةٍ يَقْصُرُ عَنْها اَلتَّوْصِيفُ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
36:62Page 444
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢
And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٢ ] ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أضَلَّ﴾ أيِ: اَلشَّيْطانُ وأغْوى بِالشِّرْكِ: ﴿مِنكم جِبِلا كَثِيرًا﴾ أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا قَبْلَكم. فَحاقَ بِهِمْ سُوءُ اَلْعَذابِ: ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: مِن أُولِي اَلْعَقْلِ. إنْكارٌ لِأنْ يَكُونُوا مِنهُمْ، وقَدْ قامَتِ اَلْبَراهِينُ والإنْذاراتُ.
36:63–64Page 444
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣
This is the Hellfire which you were promised.
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤
[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣، ٦٤ ] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] .
(p-٥٠١٥)﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] أيْ: ذُوقُوا حَرَّها اَلْيَوْمَ بِكُفْرِكم في اَلدُّنْيا.
36:65Page 444
ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥
That Day, We will seal over their mouths, and their hands will speak to Us, and their feet will testify about what they used to earn.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥ ] ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: عِنْدَما يَجْحَدُونَ ما اَجْتَرَمُوهُ في اَلدُّنْيا، ويَحْلِفُونَ ما فَعَلُوهُ، فَيَخْتِمُ اَللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، ويَسْتَنْطِقُ جَوارِحَهُمْ، قالَ الرّازِيُّ: وفي اَلْخَتْمِ عَلى اَلْأفْواهِ وُجُوهٌ، أقْواها أنَّ اَللَّهَ يُسْكِتُ ألْسِنَتَهم فَلا يَنْطِقُونَ بِها، ويُنْطِقُ جَوارِحَهم فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، وإنَّهُ في قُدْرَةِ اَللَّهِ يَسِيرٌ، أمّا اَلْإسْكاتُ فَلا خَفاءَ فِيهِ، وأمّا اَلْإنْطاقُ فَلِأنَّ اَللِّسانَ عُضْوٌ مُتَحَرِّكٌ بِحَرَكَةٍ مَخْصُوصَةٍ. فَكَما جازَ تَحَرُّكُهُ بِها، جازَ تَحَرُّكُ غَيْرِهِ بِمِثْلِها، واللَّهُ قادِرٌ عَلى اَلْمُمْكِناتِ.
والوَجْهُ اَلْآخَرُ، أنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِشَيْءٍ؛ لِانْقِطاعِ أعْذارِهِمْ وانْتِهاكِ أسْتارِهِمْ، فَيَقِفُونَ ناكِسِي اَلرُّؤُوسِ وُقُوفَ اَلْقَنُوطِ اَلْيَؤُوسِ، لا يَجِدُ عُذْرًا فَيَعْتَذِرَ، ولا مَجالَ تَوْبَةٍ فَيَسْتَغْفِرَ، وتَكَلُّمُ اَلْأيْدِي ظُهُورُ اَلْأُمُورِ بِحَيْثُ لا يُسَعُ مَعَهُ اَلْإنْكارُ، حَتّى تَنْطِقَ بِهِ اَلْأيْدِي والأبْصارُ. كَما يَقُولُ اَلْقائِلُ: )الحِيطانُ تَبْكِي عَلى صاحِبِ اَلدّارِ). إشارَةً إلى ظُهُورِ اَلْحُزْنِ، والأوَّلُ صَحِيحٌ. اِنْتَهى.
أيْ: لِإمْكانِهِ وعَدَمِ اِسْتِحالَتِهِ، فَلا تَتَعَذَّرُ اَلْحَقِيقَةُ. ويُؤَيِّدُهُ آيَةُ: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]
(p-٥٠١٦)ومِن لَطائِفِ بَعْضِ أُدَباءِ اَلْعَصْرِ ما نَظَمَهُ في اَلْفُونُغْرافِ، مُسْتَشْهِدًا بِهِ في ذَلِكَ، فَقالَ:
؎بِنُطْقِ اَلْفُونْغِرافِ لَنا دَلِيلٌ عَلى نُطْقِ اَلْجَوارِحِ والجَمادِ
؎وفِيهِ لِكُلِّ ذِي نَظَرٍ مِثالٌ ∗∗∗ عَلى بَدْءِ اَلْخَلِيقَةِ والمَعادِ
؎يُدِيرُ شُؤُونَهُ فَرْدٌ بِصُورٍ ∗∗∗ بِهِ اَلْأصْواتُ تَجْرِي كالمِدادِ
؎فَيُثْبِتُ رَسْمَها قَلَمٌ بِلَوْحٍ ∗∗∗ عَلى وِفْقِ المَشِيئَةِ والمُرادِ
؎وبَعْدَ فَراغِها تَمْضِي كَبَرْقٍ ∗∗∗ ولا أثَرَ لَها في اَلْكَوْنِ بادِي
؎تَظُنُّ بِأنَّها ذَهَبَتْ جُفاءً ∗∗∗ كَما ذَهَبَتْ بِرِيحٍ قَوْمُ عادِ
؎وأحْلى رَنَّها فِيهِ لِتَبْقى ∗∗∗ كَأرْواحٍ تَجَرَّدَ عَنْ مُوادِ
؎مَتى شاءَ المُدِيرُ لَها مَعادًا ∗∗∗ ورامَ ظُهُوْرُها في كُلِّ نادِ
؎يُدِيرُ اَلصُّورَ بِالآَلاتِ قَسْرًا ∗∗∗ فَيَنْشُرُ مَيْتَها بَعْدَ الرُّقادِ
؎وهَذِي آَلَةٌ مِن صُنْعِ عَبْدٍ ∗∗∗ فَكَيْفَ بِصُنْعِ خَلّاقِ العِبادِ؟
؎تَبارَكَ مَن يُعِيدُ اَلْخَلْقَ طَرًّا ∗∗∗ بِنَفْخَةِ صُورِهِ يَوْمَ التَّنادِ.
36:66Page 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦
And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦ ] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ .
﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: لَوْ شاءَ تَعالى، لَمَسَحَ أعْيُنَهم. فَلَوْ رامُوا أنْ يَسْتَبِقُوا إلى اَلطَّرِيقِ اَلْمَسْلُوكِ لَهم لَمْ يَقْدِرُوا، لِعَماهم.
36:67Page 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧
And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧ ] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ .
﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ أيْ: بِتَغْيِيرِ صُوَرِهِمْ وإبْطالِ قُواهُمْ: ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ أيْ: مَكانَهُمْ: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا﴾ أيْ: ذَهابًا: ﴿ولا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: ولا رُجُوعًا؛ أيْ: أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى مُفارَقَةِ مَكانِهِمْ. فَوَضَعَ اَلْفِعْلَ مَوْضِعَهُ لِلْفَواصِلِ. وإذا كانَ بِمَعْنى: (لا يَرْجِعُونَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ) (p-٥٠١٧)، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ: (ما اِسْتَطاعُوا). والمُرادُ أنَّهم بِكُفْرِهِمْ ونَقْضِهِمْ ما عُهِدَ إلَيْهِمْ، أحِقّاءُ بِأنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ. لَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ لِشُمُولِ اَلرَّحْمَةِ، واقْتِضاءً لِحِكْمَةِ إمْهالِهِمْ.
36:68Page 444
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨
And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨ ] ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ .
﴿ومَن نُعَمِّرْهُ﴾ أيْ: نُطِلْ عُمُرَهُ: ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ أيْ: بِتَناقُصِ قُواهُ وضَعْفِ بِنْيَتِهِ حَتّى يَرْجِعَ في حالٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ اَلصَّبِيِّ في ضَعْفِ جَسَدِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ وخُلُوِّهِ مِنَ اَلْعِلْمِ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، قَدَرَ عَلى اَلطَّمْسِ والمَسْخِ، وأنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ.
36:69Page 444
وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩
And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ ] ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ أيْ: حَتّى يَأْتِيَ بِشِعْرٍ. وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ أنَّهُ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ شاعِرٌ أتى بِشِعْرٍ. قاسُوهُ عَلى مَن يُشْعِرُ بِقِراءَةِ اَلدَّواوِينِ وكَثْرَةِ حِفْظِها، وكَيْفَ يُشابِهُ ما نَزَلَ عَلَيْهِ اَلشِّعْرَ، ولَيْسَ مِنهُ لا لَفْظًا؛ لِعَدَمِ وزْنِهِ وتَقْفِيَتِهِ، ولا مَعْنًى؛ لِأنَّ اَلشِّعْرَ تَخَيُّلاتٌ، وهَذا حُكْمٌ، وعَقائِدُ، وشَرائِعُ، وحَقائِقُ.
﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أيْ: وما يَصِحُّ لِمَقامِهِ؛ لِأنَّ مَنزِلَ اَلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ يَتَسامى عَنِ اَلشِّعْرِ وقَرْضِهِ؛ لِما يَرْمِي بِهِ اَلشُّعَراءُ كَثِيرًا مِنَ اَلْكَذِبِ، والمَيْنِ، ومُجافاةِ مَقاعِدِ اَلْحَقِيقَةِ؛ ولِذا قالَ تَعالى: ﴿إنْ هُوَ﴾ أيِ: اَلْقُرْآنُ اَلَّذِي يَتْلُوهُ: ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: عِظَةٌ وإرْشادٌ مِنهُ تَعالى: ﴿وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: كِتابٌ سَماوِيٌّ بَيِّنٌ أمْرُهُ وحَقائِقُهُ، فَلا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلشِّعْرِ (p-٥٠١٨)بِوَجْهٍ ما.
36:70Page 444
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠
To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ ] ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ .
﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ: عاقِلًا مُتَأمِّلًا؛ لِأنَّ اَلْغافِلَ كالمَيِّتِ: ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ﴾ أيْ: وتَجِبُ كَلِمَةُ اَلْعَذابِ: ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ أيِ: اَلْمُعْرِضِينَ عَنِ اِتِّباعِهِ.
36:71Page 445
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١
Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١ ] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ .
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ أيْ: مِمّا تَوَلَّيْنا نَحْنُ خَلْقَهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى إحْداثِهِ غَيْرُنا ﴿أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ أيْ: مُتَصَرِّفُونَ فِيها تَصَرُّفَ اَلْمُلّاكِ، أوْ ضابِطُونَ قاهِرُونَ لَها كَما قالَ:
؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ اَلسِّلاحَ ولا أمْلِكُ راسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
36:72Page 445
وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢
And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٢ ] ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ .
﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ أيْ: صَيَّرْناها مُنْقادَةً غَيْرَ وحْشِيَّةٍ: ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾ أيْ: مَرْكُوبُهُمْ
﴿ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ أيْ: يَنْتَفِعُونَ بِأكْلِ لَحْمِهِ.
36:73Page 445
وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣ ] ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ .
﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ: مِنَ اَلْجُلُودِ، والأصْوافِ، والأوْبارِ: ﴿ومَشارِبُ﴾ أيْ: مِن ألْبانِها: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: فَيَعْبُدُوا اَلْمُنْعِمَ بِأصْنافِ هَذِهِ اَلنِّعَمِ اَلْجَسِيمَةِ.
36:74Page 445
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤
But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.
(p-٥٠١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤ ] ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ .
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يَنْصُرُونَهم فِيما نابَهم مِنَ اَلْكَوارِثِ.
36:75Page 445
لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥
They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٥ ] ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ .
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهُمْ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمْ: ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُعَدُّونَ لِخِدْمَتِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، فَمِن أيْنَ لَهم أنْ يَنْصُرُونَهُمْ، وهم عَلى تِلْكَ اَلْحالِ مِنَ اَلْعَجْزِ والضَّعْفِ؟ أيْ: بَلِ اَلْأمْرُ بِالعَكْسِ. وقِيلَ: اَلْمَعْنى مُحْضَرُونَ عَلى أثَرِهِمْ في اَلنّارِ، وجَعْلُهم - عَلى هَذا - جُنْدًا، تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ. وكَذا لامُ: ﴿لَهُمْ﴾ اَلدّالَّةُ عَلى اَلنَّفْعِ.
36:76Page 445
فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦
So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٦ ] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .
﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أيْ: في اَللَّهِ تَعالى بِالإلْحادِ والشِّرْكِ. أوْ في حَقِّكَ بِالتَّكْذِيبِ والإيذاءِ: ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: فَنُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. كَنّى عَنْ مُجازاتِهِمْ بِعِلْمِهِ تَعالى، لِلُزُومِهِ لَهُ؛ إذْ عِلْمُ اَلْمَلِكِ اَلْقادِرِ بِما جَرى مِن عَدُوِّهِ اَلْكافِرِ، مُقْتَضٍ لِمُجازاتِهِ وانْتِقامِهِ. وتَقْدِيمُ اَلسِّرِّ، لِبَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِحَيْثُ يَسْتَوِي اَلسِّرُّ عِنْدَهُ والعَلانِيَةُ. أوْ لِلْإشارَةِ إلى اَلِاهْتِمامِ بِإصْلاحِ اَلْباطِنِ؛ فَإنَّهُ مِلاكُ اَلْأمْرِ.
36:77Page 445
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧
Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٧ ] ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: جَدِلٌ بِالباطِلِ (p-٥٠٢٠)، بَيِّنُ اَلْجِدالِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ ثانِيَةٌ، بِتَهْوِينِ ما يَقُولُونَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ اَلْحَشْرَ. تَأثَّرَتِ اَلْأُولى وهي قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾ [يس: ٧٦] اَلْآيَةَ، عِنايَةً بِشَأْنِهِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ.
قالَ الطِّيبِيُّ: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [يس: ٧١] قَبْلَهُ. والجامِعُ اِبْتِناءُ كُلٍّ مِنهُما عَلى اَلتَّعْكِيسِ؛ فَإنَّهُ خَلَقَ لَهُ ما خَلَقَ لِيَشْكُرَ، فَكَفَرَ وجَحَدَ اَلنِّعَمَ والمُنْعِمَ، وخَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ لِيَكُونَ مُنْقادًا مُتَذَلِّلًا، فَطَغى وتَكَبَّرَ وخاصَمَ.
36:78Page 445
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨
And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٨ ] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ .
﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾ أيْ: في اِسْتِبْعادِ اَلْبَعْثِ وإنْكارِهِ: ﴿ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أيْ: خَلَقَنا إيّاهُ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ أيْ: بالِيَةٌ أشَدُّ اَلْبِلى، بَعِيدَةٌ عَنِ اَلْحَياةِ غايَةَ اَلْبُعْدِ. وإنَّما لَمْ يُؤَنَّثْ لِأنَّهُ اِسْمٌ لِما بَلِيَ مِنَ اَلْعِظامِ، جامِدٌ غَيْرُ صِفَةٍ، كالرُّمَّةِ والرُّفاتِ، أوْ مُشْتَقُّ فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، إلّا أنَّهُ لَمّا غَلَبَ جَرَيانُهُ عَلى غَيْرِ مَوْصُوفٍ، أُلْحِقَ بِالأسْماءِ فَلَمْ يُؤَنَّثْ، أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن (رَمَّهُ)، بِمَعْنى أبْلاهُ. وأصْلُهُ اَلْأكْلُ، مِن: (رَمَّتِ اَلْإبِلُ اَلْحَشِيشَ). فَكَأنَّ ما بَلِيَ أكَلَتْهُ اَلْأرْضُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ (عِظامًا)، لِكَوْنِهِ بِوَزْنِ اَلْمُفْرَدِ، كَكِتابٍ وقِرابٍ، عُومِلَ رَمِيمٌ مُعامَلَتَهُ، وذَكَرَ لَهُ شَواهِدَ. قالَ الشِّهابُ: وهو غَرِيبٌ.
36:79Page 445
قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩
Say, "He will give them life who produced them the first time; and He is, of all creation, Knowing."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٩ ] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ .
﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: فَلا تُقاسُ قُدْرَةُ اَلْخالِقِ عَلى قُدْرَةِ اَلْمَخْلُوقِينَ. وإنَّما تُقاسُ إعادَتُهُ عَلى إبْدائِهِ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ جَمْعُ اَلْأجْزاءِ بَعْدَ تَفَرُّقِها، لِعِلْمِهِ بِأُصُولِها وفُصُولِها ومَواقِعِها، وطَرِيقٍ ضَمِّها إلى بَعْضِها.
36:80Page 445
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠
[It is] He who made for you from the green tree, fire, and then from it you ignite.
(p-٥٠٢١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨٠ ] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ .
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ أيِ: اَلَّذِي خَلَقَ هَذا اَلشَّجَرَ مِن ماءٍ حَتّى صارَ خَضِرًا نَضِرًا فَأثْمَرَ ويَنْعَ، ثُمَّ أعادَهُ إلى أنْ صارَ حَطَبًا يابِسًا يُوقَدُ بِهِ اَلنّارُ، كَذَلِكَ هو فَعّالٌ لِما يَشاءُ، قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، لا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ.
قالَ قَتادَةُ: اَلَّذِي أخْرَجَ اَلنّارَ مِن هَذا اَلشَّجَرِ، قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَهُ. وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِذَلِكَ شَجَرُ اَلْمَرْخِ، والعَفارِ: (مِن شَجَرِ اَلْبادِيَةِ)، في أرْضِ اَلْحِجازِ. فَيَأْتِي مَن أرادَ قَدْحَ نارٍ، ولَيْسَ مَعَهُ زِنادٌ، فَيَأْخُذُ مِنهُ عُودَيْنِ أخْضَرَيْنِ، ويَقْدَحُ أحَدَهُما بِالآخَرِ، فَتَتَوَلَّدُ اَلنّارُ مِن بَيْنِهِما كالزِّنادِ سَواءً.
رُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما، والعَفارُ اَلزَّنْدُ وهو اَلْأعْلى. والمَرْخُ اَلزَّنْدَةُ وهو اَلْأسْفَلُ بِمَنزِلَةِ اَلذَّكَرِ والأُنْثى. وعَكَسَ اَلْجَوْهَرِيُّ فَجَعَلَ اَلْمَرْخَ ذَكَرًا، والعَفارَ أُنْثى، واللَّفْظُ مُساعِدٌ لَهُ، إلّا أنَّ اَلْأوَّلَ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ اَلشّاعِرِ:
؎إذا اَلْمُرْخُ لَمْ يُورِ تَحْتَ اَلْعَفارِ وضَنَّ بِقَدْرِ فَلَمْ تُعْقَبِ
وقالَ أبُو زِيادٍ: لَيْسَ في اَلشَّجَرِ كُلِّهِ أوْرى نارًا مِنَ اَلْمَرْخِ، ورُبَّما كانَ اَلْمَرْخُ مُجْتَمِعًا مُلْتَفًّا، وهَبَّتِ اَلرِّيحُ، وجاءَ بَعْضُهُ بَعْضًا فَأوْرى فَأحْرَقَ اَلْوادِيَ، ولَمْ نَرَ ذَلِكَ في سائِرِ اَلشَّجَرِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: اَلْعَرَبُ تَضْرِبُ بِالمَرْخِ والعَفارِ، اَلْمَثَلَ في اَلشَّرَفِ اَلْعالِي. فَتَقُولُ: (في كُلِّ شَجَرٍ نارٍ، واسْتَمْجَدَ اَلْمَرْخُ والعَفارُ). أيْ: كَثُرَتْ فِيهِما عَلى ما في سائِرِ اَلشَّجَرِ. و(اسْتَمْجَدَ): اِسْتَكْثَرَ واسْتَفْضَلَ. وذَلِكَ أنَّ هاتَيْنِ اَلشَّجَرَتَيْنِ مِن أكْثَرِ اَلشَّجَرِ نارًا، وزِنادُهُما أسْرَعُ اَلزِّنادِ ورْيًا. وفي اَلْمَثَلِ: اِقْدَحْ بِعَفارٍ أوْ مَرْخٍ، ثُمَّ اُشْدُدْ إنْ شِئْتَ أوْ أرْخِ. ويُقالُ: (فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ إلّا اَلْعُنّابُ).
(p-٥٠٢٢)قالَ الشِّهابُ: ولِذا يُتَّخَذُ مِنهُ مِدَقُّ اَلْقَصّارِينَ. ثُمَّ أنْشَدَ لِنَفْسِهِ:
؎أيا شَجَرَ اَلْعُنّابِ نارُكَ أوْقَدَتْ ∗∗∗ بِقَلْبِي وما اَلْعُنّابُ مِن شَجَرِ اَلنّارِ
اِنْتَهى.
والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إعادَةُ اَلْمِزاجِ اَلَّذِي بِهِ تَعَلَّقَ اَلرُّوحُ بَعْدَ اِنْعِدامِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ اَلَّذِي يُبَدِّلُ مِزاجَ اَلشَّجَرِ اَلرَّطْبِ بِمِزاجِ اَلنّارِ، وهي حارَّةٌ يابِسَةٌ بِالفِعْلِ، مَعَ ما في اَلشَّجَرِ مِنَ اَلْمائِيَّةِ اَلْمُضادَّةِ لَها، أقْدَرُ عَلى إعادَةِ اَلْغَضاضَةِ إلى ما كانَ غَضًّا، تَطْرَأُ عَلَيْهِ اَلْيُبُوسَةُ والبِلى.
36:81Page 445
أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١
Is not He who created the heavens and the earth Able to create the likes of them? Yes, [it is so]; and He is the Knowing Creator.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨١ ] ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ .
﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ: مَعَ كِبَرِ جِرْمِهِما: ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أيْ: في اَلصِّغَرِ والضَّعْفِ ثانِيًا، بَعْدَ ما خَلَقَهم أوَّلًا: ﴿بَلى﴾ أيْ: هو اَلْقادِرُ: ﴿وهُوَ الخَلاقُ﴾ أيِ: اَلْكَثِيرُ اَلْخَلْقِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى: ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ: اَلْواسِعُ اَلْمَعْلُوماتِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences