Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Sad 38:30–43
38:30Page 455
وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠
And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ .
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ اَلرُّجُوعِ إلى اَللَّهِ تَعالى، بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ.
38:31Page 455
إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١
[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ ] ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ .
﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ﴾ أيْ: مِنَ اَلْخَيْلِ، جَمْعُ: (صافِنٍ)، وهو اَلَّذِي يَقُومُ عَلى طَرْفِ سُنْبُكِ يَدٍ أوْ رِجْلٍ ﴿الجِيادُ﴾ جَمْعُ (جَوادٍ)، وهو اَلَّذِي يُسْرِعُ في جَرْيِهِ، أوْ بِمَعْنى اَلْحِسانِ جَمْعِ (جَيِّدٍ).
38:32Page 455
فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢
And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢ ] ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ .
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أيْ: آثَرْتُهُ عَلَيْهِ، عَدَلَ عَنْهُ لِلْمُناسَبَةِ (p-٥٠٩٩)اَللَّفْظِيَّةِ وقَصْدِ اَلتَّجْنِيسِ، وفائِدَةِ اَلتَّضْمِينِ إشارَةً إلى عُرُوضِهِ، و: ﴿ذِكْرِ رَبِّي﴾ إمّا مُضافٌ لِفاعِلِهِ أوْ لِمَفْعُولِهِ.
قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: و{ الخَيْرُ } اَلْمالُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] والمالُ: اَلْخَيْلُ اَلَّتِي شَغَلَتْهُ، أوْ سَمّى اَلْخَيْلَ خَيْرًا كَأنَّها نَفْسُ اَلْخَيْرِ، لِتَعَلُّقِ اَلْخَيْرِ بِها. قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اَلْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها اَلْخَيْرُ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ»»، وقالَ في زَيْدِ اَلْخَيْلِ حِينَ وفَدَ عَلَيْهِ وأسْلَمَ: ««ما وُصِفَ لِي رَجُلٌ فَرَأيْتُهُ، إلّا كانَ دُونَ ما بَلَغَنِي، إلّا زِيدُ اَلْخَيْلِ»» وسَمّاهُ زَيْدَ اَلْخَيْرَ، وسَألَ رَجُلٌ بِلالًا رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْمٍ يَسْتَبِقُونَ، مَنِ اَلسّابِقُ؟ فَقالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَقالَ لَهُ اَلرَّجُلُ: أرَدْتُ اَلْخَيْلَ. فَقالَ: وأنا أرَدْتُ اَلْخَيْرَ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ أيْ: غَرَبَتِ اَلشَّمْسُ، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْبَبْتُ﴾ وفِيهِ اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، أوْ مَكْنِيَّةٌ لِتَشْبِيهِ اَلشَّمْسِ بِاِمْرَأةٍ حَسْناءَ، أوْ مَلَكٍ. وباءُ: ﴿بِالحِجابِ﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ، أوِ اَلِاسْتِعانَةِ، أوِ اَلْمُلابَسَةِ.
38:33Page 455
رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣
[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ ] ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ .
﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ يَعْنِي اَلصّافِناتِ، وهَذا مِن مَقُولِ اَلْقَوْلِ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ آخَرَ
﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أيْ: فَجَعَلَ يَمْسَحُ مَسْحًا، أيْ: يَمْسَحُ بِالسَّيْفِ بِسُوقِها وأعْناقِها، يَعْنِي يَقْطَعُها.
تَنْبِيهٌ:
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّلَفِ والمُفَسِّرِينَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اِشْتَغَلَ (p-٥١٠٠)بِعَرْضِ اَلْخَيْلِ حَتّى فاتَ وقْتُ صَلاةِ اَلْعَصْرِ، واَلَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَتْرُكْها عَمْدًا بَلْ نِسْيانًا، كَما شُغِلَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ عَنْ صَلاةِ اَلْعَصْرِ، حَتّى صَلّاها بَعْدَ اَلْغُرُوبِ، وذَلِكَ ثابِتٌ في اَلصَّحِيحَيْنِ مِن غَيْرِ وجْهٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ سائِغًا في مِلَّتِهِمْ تَأْخِيرُ اَلصَّلاةِ لِعُذْرِ اَلْغَزْوِ، والقِتالِ. والخَيْلُ تُرادُ لِلْقِتالِ، وقَدِ اِدَّعى طائِفَةٌ مِنَ اَلْعُلَماءِ أنَّ هَذا كانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلاةِ اَلْخَوْفِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ في حالِ اَلْمُسايَفَةِ والمُضايَقَةِ حَتّى لا يُمْكِنَ صَلاةٌ، ولا رُكُوعٌ، ولا سُجُودٌ، كَما فَعَلَ اَلصَّحابَةُ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهم في فَتْحٍ (تَسْتُرَ)، وهو مَنقُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ، والأوْزاعِيِّ، وغَيْرِهِما، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ الحَسَنُ اَلْبَصْرِيُّ: قالَ: لا، واَللَّهِ ! لا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبادَةِ رَبِّي آخِرَ ما عَلَيْكِ، ثُمَّ أمَرَ بِها فَعُقِرَتْ. وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما: جَعَلَ يَمْسَحُ أعْرافَ اَلْخَيْلِ وعَراقِيبَها حُبًّا لَها، وهَذا اَلْقَوْلُ اِخْتارَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ. قالَ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ حِيَوانًا بِالعَرْقَبَةِ، ويُهْلِكَ مالًا مِن مالِهِ بِلا سَبَبٍ، سِوى أنَّهُ اِشْتَغَلَ عَنْ صَلاتِهِ بِالنَّظَرِ إلَيْها ولا ذَنْبَ لَها، وهَذا اَلَّذِي رَجَّحَ اِبْنُ جَرِيرٍ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في شَرْعِهِمْ جَوازُ مِثْلِ هَذا، ولاسِيَّما إذا كانَ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى، بِسَبَبِ أنَّهُ اِشْتَغَلَ بِها حَتّى خَرَجَ وقْتُ اَلصَّلاةِ؛ ولِهَذا لَمّا خَرَجَ عَنْها لِلَّهِ تَعالى، عَوَّضَهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما هو خَيْرٌ مِنها، وهو اَلرِّيحُ اَلَّتِي تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ، غُدُوُّها شَهْرٌ، ورَواحُها شَهْرٌ، فَهَذا أسْرَعُ وخَيْرٌ مِنَ اَلْخَيْلِ.
رَوى اَلْإمامُ أحْمَدُ «عَنْ أبِي قَتادَةَ، وأبِي اَلدَّهْماءِ، (p-٥١٠١)وكانا يُكْثِرانِ اَلسَّفَرَ نَحْوَ اَلْبَيْتِ، قالا: أتَيْنا عَلى رَجُلٍ مِن أهْلِ اَلْبادِيَةِ فَقالَ لَنا اَلْبَدَوِيُّ، أخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمّا عَلَّمَهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ: «إنَّكَ لا تَدَعُ شَيْئًا اِتِّقاءَ اَللَّهِ تَعالى، إلّا أعْطاكَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَيْرًا مِنهُ»» . . اِنْتَهى ما ذَكَرَهُ اِبْنُ كَثِيرٍ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: طَفِقَ يَمْسَحُ اَلسَّيْفَ بِسُوقِها، يُعَرْقِبُ بَعْضَها، ويَنْحَرُ بَعْضَها، كَسْرًا لِأصْنامِ اَلنَّفْسِ اَلَّتِي تَعْبُدُها بِهَواها، وقَمْعًا لِسُورَتِها وقُواها، ورَفْعًا لِلْحِجابِ اَلْحائِلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلْحَقِّ، واسْتِغْفارًا وإنابَةً إلَيْهِ بِالتَّجْرِيدِ والتَّرْكِ.
وقَدْ ذَهَبَ اَلرّازِيُّ إلى تَأْوِيلٍ آخَرَ اِسْتَصْوَبَهُ، قالَ: إنَّ رِباطَ اَلْخَيْلِ كانَ مَندُوبًا إلَيْهِ في دِينِهِمْ. كَما أنَّهُ كَذَلِكَ في دِينِ اَلْإسْلامِ، ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اِحْتاجَ إلى اَلْغَزْوِ، فَجَلَسَ وأمَرَ بِإحْضارِ اَلْخَيْلِ وأمَرَ بِإجْرائِها، وذَكَرَ أنِّي لا أُحِبُّها لِأجْلِ اَلدُّنْيا ونَصِيبِ اَلنَّفْسِ، وإنَّما أُحِبُّها لِأمْرِ اَللَّهِ، وطَلَبِ تَقْوِيَةِ دِينِهِ. وهو اَلْمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أمَرَ بِإعْدائِها وتَسْيِيرِها حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ أيْ: غابَتْ عَنْ بَصَرِهِ. ثُمَّ أمَرَ اَلرّائِضِينَ بِأنْ يَرُدُّوا تِلْكَ اَلْخَيْلَ إلَيْهِ. فَلَمّا عادَتْ إلَيْهِ طَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ اَلْمَسْحِ أُمُورٌ:
اَلْأوَّلُ: تَشْرِيفًا لَها وإبانَةً لِعِزَّتِها، لِكَوْنِها مِن أعْظَمِ اَلْأعْوانِ في دَفْعِ اَلْعَدُوِّ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ أنَّهُ في ضَبْطِ اَلسِّياسَةِ والمُلْكِ يَتَصَنَّعُ إلى حَيْثُ يُباشِرُ أكْثَرَ اَلْأُمُورِ بِنَفْسِهِ.
اَلثّالِثُ - أنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِأحْوالِ اَلْخَيْلِ وأمْراضِها وعُيُوبِها. فَكانَ يَمْتَحِنُها ويَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها، حَتّى يَعْلَمَ هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى اَلْمَرَضِ.
وقالَ: فَهَذا اَلتَّفْسِيرُ اَلَّذِي ذَكَرْناهُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ اَلْقُرْآنِ اِنْطِباقًا مُطابِقًا مُوافِقًا. ولا يَلْزَمُنا نِسْبَةُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ اَلْمُنْكَراتِ والمَحْذُوراتِ.
قالَ: وأنا شَدِيدُ اَلتَّعَجُّبِ مِنَ اَلنّاسِ كَيْفَ قَبِلُوا هَذِهِ اَلْوُجُوهَ اَلسَّخِيفَةَ، مَعَ أنَّ اَلْعَقْلَ والنَّقْلَ يَرُدُّها، ولَيْسَ لَهم في إثْباتِها شُبْهَةٌ، فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ اَلْجُمْهُورَ فَسَرُّوا اَلْآيَةَ بِذَلِكَ اَلْوَجْهِ، فَما قَوْلُكَ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ:
اَلْمَقامُ اَلْأوَّلُ - أنْ نَدَّعِيَ أنَّ لَفْظَ اَلْآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ اَلْوُجُوهِ اَلَّتِي يَذْكُرُونَها. وقَدْ ظَهَرَ، والحَمْدُ لِلَّهِ، أنَّ اَلْأمْرَ كَما (p-٥١٠٢)ذَكَرْناهُ، وظُهُورُهُ لا يَرْتابُ اَلْعاقِلُ فِيهِ.
اَلْمَقامُ اَلثّانِي - أنْ يُقالَ: هَبْ أنَّ لَفْظَ اَلْآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ كَلامٌ ذَكَرَهُ اَلنّاسُ. فَما قَوْلُكَ فِيهِ ؟ وجَوابُنا أنَّ اَلْأدِلَّةَ اَلْكَثِيرَةَ قامَتْ عَلى عِصْمَةِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، ولَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اَلْحِكاياتِ، ورِوايَةُ اَلْآحادِ لا تَصْلُحُ مُعارَضَةً لِلدَّلائِلِ اَلْقَوِيَّةِ، فَكَيْفَ اَلْحِكاياتُ عَنْ أقْوامٍ لا يُبالى بِهِمْ ولا يُلْتَفَتُ إلى أقْوالِهِمْ ؟ واَللَّهُ أعْلَمُ. اِنْتَهى كَلامُ اَلرّازِيُّ.
وسَبَقَهُ اِبْنُ حَزْمٍ حَيْثُ قالَ: تَأْوِيلُ اَلْآيَةِ عَلى أنَّهُ قَتَلَ اَلْخَيْلَ؛ إذِ اِشْتَغَلَ بِها عَنِ اَلصَّلاةِ. خُرافَةٌ مَوْضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ سَخِيفَةٌ بارِدَةٌ، قَدْ جَمَعَتْ أفانِينَ مِنَ اَلْقَوْلِ؛ لِأنَّ فِيها مُعاقَبَةَ خَيْلٍ لا ذَنْبَ لَها، والتَّمْثِيلَ بِها، وإتْلافَ مالٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ بِلا مَعْنًى، ونِسْبَةَ تَضْيِيعِ اَلصَّلاةِ إلى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، ثُمَّ يُعاقِبُ اَلْخَيْلَ عَلى ذَنْبِهِ لا عَلى ذَنْبِها، وإنَّما مَعْنى اَلْآيَةِ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ أحَبَّ حُبَّ اَلْخَيْرِ. مِن أجْلِ ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى تَوارَتِ اَلشَّمْسُ، أوْ تِلْكَ اَلصّافِناتُ بِحِجابِها، ثُمَّ أمَرَ بِرَدِّها. فَطَفِقَ مَسْحًا بِسُوقِها، وأعْناقِها بِيَدِهِ، بِرًّا بِها، وإكْرامًا لَها، هَذا هو ظاهِرُ اَلْآيَةِ اَلَّذِي لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، ولَيْسَ فِيها إشارَةٌ أصْلًا إلى ما ذَكَرُوهُ مِن قَتْلِ اَلْخَيْلِ وتَعْطِيلِ اَلصَّلاةِ، وكُلُّ هَذا قَدْ قالَهُ ثِقاتُ اَلْمُسْلِمِينَ. فَكَيْفَ، ولا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ دُونَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟ اِنْتَهى كَلامُ اِبْنِ حَزْمٍ.
وأقُولُ: اَلَّذِي يَتَّجِهُ أنَّ هَذِهِ اَلْقِصَّةَ أُشِيرَ بِها إلى نَبَأٍ لَدَيْهِمْ؛ لِأنَّ اَلتَّنْزِيلَ اَلْكَرِيمَ مُصَدِّقُ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، إلّا أنَّ لَهُ اَلْهَيْمَنَةَ عَلَيْهِ، فَما وقَفَ فِيهِ عَلى حَدٍّ مِن أنْباءِ ما بَيْنَ يَدَيْهِ، يُوقَفُ عِنْدَهُ ولا يُتَجاوَزُ، وحِينَئِذٍ، فالقِصَّةُ اَلْمَعْرُوفَةُ عِنْدَهم هي اَلَّتِي أُشِيرَ إلَيْها. لَكِنْ مَعَ اَلْهَيْمَنَةِ عَلَيْها؛ إذْ لا تُقْبَلُ عَلى عِلّاتِها. وقَوْلُهُ تَعالى:
38:34Page 455
وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤
And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ ] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ .
﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ أيِ: اِبْتَلَيْناهُ: ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أيْ: جِسْمًا مُجَسَّدًا كِنايَةً عَنْ صَنَمٍ - عَلى ما رَوَوْهُ - وإنَّما أُوثِرَ اَلْجَسَدُ عَلَيْهِ - إجْلالًا لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وإشارَةً (p-٥١٠٣)إلى أنَّ قِصَّتَهُ - إنْ صَحَّتْ - كانَتْ أمْرًا عَرَضَ وزالَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ أيْ: إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
38:35Page 455
قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥
He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥ ] ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ .
﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ: غَيْرِي؛ لِفَخامَتِهِ وعَظَمَتِهِ، هِبَةَ فَضْلٍ، وإيثارَ اِمْتِنانٍ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾
38:36Page 455
فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦
So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ ] ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ .
﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ أيْ: فَذَلَّلْناها لِطاعَتِهِ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾ أيْ: لَيِّنَةً سَهْلَةً، مَعَ شِدَّةٍ وقُوَّةٍ، لِذا وُصِفَتْ في اَلْآيَةِ اَلْأُخْرى بِـ: ﴿عاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ: أرادَ.
38:37Page 455
وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧
And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧ ] ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ .
﴿والشَّياطِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى اَلرِّيحِ: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ أيْ: في قَعْرِ اَلْبَحْرِ.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ ] ﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ .
﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ أيْ: مُسَلْسَلَيْنِ في اَلْأغْلالِ لا يَبْعَثُهم إلى عَمَلٍ.
38:39Page 455
هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩
[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."
(p-٥١٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ ] ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾ أيْ: عَلى مَن شِئْتَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ وغَيْرِهِمْ: ﴿أوْ أمْسِكْ﴾ أيِ اِمْنَعْ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مُحاسَبٍ عَلى اَلْمَنِّ والإمْساكِ، فَيَكُونُ حالًا مِنَ اَلْمُسْتَكِنِ، أوْ هو حالٌ مِنَ اَلْعَطاءِ، أوْ صِلَةٌ لَهُ، وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ. والمَعْنى: إنَّهُ عَطاءٌ جَمٌّ لا يَكادُ يُمْكِنُ حَصْرُهُ، فَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ اَلْكَثِيرِ بِـ: لا يُعِدُّ، ولا يُحْسَبُ، ونَحْوِهِ.
38:40Page 455
وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠
And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ ] ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ .
﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ أيْ: لَقُرْبى في اَلدَّرَجاتِ، و: ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ أيْ: مَرْجِعِ في اَلْآخِرَةِ.
تَنْبِيهٌ:
رَوى اَلْأثَرِيُّونَ هُنا قَصَصًا مُطَوَّلَةً ومُخْتَصَرَةً، مُؤْتَلِفَةً ومُخْتَلِفَةً. قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وكُلُّها مُتَلَقّاةٌ مِن أهْلِ اَلْكِتابِ، وفِيهِمْ طائِفَةٌ لا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، فالظّاهِرُ أنَّهم يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، ولِهَذا كانَ في سِياقِها مُنْكَراتٌ، وتَقْوِيَةُ اِبْنِ حَجَرٍ لِبَعْضٍ مِنها بِأنَّهُ خَرَّجَهُ اَلنَّسائِيُّ بِإسْنادٍ قَوِيٍّ لا عِبْرَةَ لَهُ، فَلَيْسَ اَلْمَقامُ قاصِرًا عَلى صِحَّةِ اَلسَّنَدِ فَحَسْبُ لَوْ كانَ ذَلِكَ في اَلصَّحِيحَيْنِ، فَأنّى بِمَرْوِيِّ غَيْرِهِما؟
وذَكَرَ اَلرّازِيُّ أنَّ اَلْقَصَصَ اَلْمَرْوِيَّةَ هُنا هي لِأهْلِ اَلْحَشْوِ مِن تَأْوِيلِهِمْ، وأمّا أهْلُ اَلتَّحْقِيقِ فَلَهم تَأْوِيلاتٌ، وقَدْ ساقَها فانْظُرْها.
وقالَ الإمامُ اِبْنُ حَزْمٍ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ [ص: ٣٤] أيْ: آتَيْناهُ مِنَ اَلْمُلْكِ ما اِخْتَبَرْنا بِهِ طاعَتَهُ، كَما قالَ تَعالى مُصَدِّقًا لِمُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] (p-٥١٠٥)إذْ مِنَ اَلْفِتْنَةِ ما يَهْدِي اَللَّهُ بِها مَن يَشاءُ، وقالَ تَعالى: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] فَهَذِهِ اَلْفِتْنَةُ هي اَلِاخْتِبارُ حَتّى يَظْهَرَ اَلْمُهْتَدِي مِنَ اَلضّالِّ، فَهَذِهِ فِتْنَةُ اَللَّهِ تَعالى لِسُلَيْمانَ، إنَّما هي اِخْتِبارُهُ حَتّى ظَهَرَ فَضْلُهُ فَقَطْ، وما عَدا هَذا خُرافاتٌ ولَّدَها زَنادِقَةُ اَلْيَهُودِ وأشْباهُهم.
وأمّا اَلْجَسَدُ اَلْمُلْقى عَلى كُرْسِيِّهِ فَقَدْ أصابَ اَللَّهُ تَعالى بِهِ ما أرادَ. نُؤْمِنُ بِهَذا كَما هُوَ، ونَقُولُ: (صَدَقَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، كُلٌّ مِن عِنْدِ اَللَّهِ رَبِّنا). ولَوْ جاءَ نَصٌّ صَحِيحٌ في اَلْقُرْآنِ، أوْ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَفْسِيرِ هَذا اَلْجَسَدِ ما هُوَ، لَقُلْنا بِهِ، فَإذا لَمْ يَأْتِ بِتَفْسِيرِهِ ما هو نَصٌّ ولا خَبَرٌ صَحِيحٌ، فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ اَلْقَوْلُ بِالظَّنِّ اَلَّذِي هو أكْذَبُ اَلْحَدِيثِ في ذَلِكَ، فَيَكُونُ كاذِبًا عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا أنَّنا لا نَشُكُّ اَلْبَتَّةَ في بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ جِنِّيًّا تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ، بَلْ نَقْطَعُ عَلى أنَّهُ كَذِبٌ، واللَّهُ تَعالى لا يَهْتِكُ سِتْرَ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا اَلْهَتْكَ، وكَذَلِكَ نُبْعِدُ في قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ ولَدًا لَهُ، أرْسَلَهُ إلى اَلسَّحابِ لِيُرَبِّيَهُ. فَسُلَيْمانُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ كانَ أعْلَمَ مِن أنْ يُرَبِّيَ اِبْنَهُ بِغَيْرِ ما طَبَعَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِنْيَةَ اَلْبَشَرِ عَلَيْهِ مِنَ اَللَّبَنِ والطَّعامِ. وهَذِهِ كُلُّها خُرافاتٌ مَوْضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ، لَمْ يَصِحَّ إسْنادُها قَطُّ. اِنْتَهى.
وزَعَمَ اَلْقاشانِيُّ أنَّ حِكايَةَ اَلْجِنِّيِّ والخاتَمِ مَعَ سُلَيْمانَ، هي مِن مَوْضُوعاتِ حُكَماءِ اَلْيَهُودِ، كَسائِرِ ما وضَعَتِ اَلْحُكَماءُ في تَمْثِيلاتِهِمْ مِن حِكاياتِ أبْسالَ وسَلامانَ.
ثُمَّ أخَذَ اَلْقاشانِيُّ في تَأْوِيلِها، إلّا أنَّهُ حَلَّ اَلْإشْكالَ بِإشْكالٍ أعْظَمَ مِنهُ، عَفا اَللَّهُ عَنْهُ، وقالَ قَبْلُ: إنْ صَحَّتِ اَلْحِكايَةُ في مُطابَقَتِها لِلْواقِعِ، كانَ قَدِ اُبْتُلِيَ بِمِثْلِ ما اُبْتُلِيَ بِهِ ذُو اَلنُّونِ، وآدَمُ عَلَيْهِما اَلسَّلامُ. اِنْتَهى، واللَّهُ أعْلَمُ.
38:41Page 455
وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١
And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."
(p-٥١٠٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ ] ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ .
﴿واذْكُرْ﴾ أيْ: في بابِ اَلِابْتِلاءِ، وحُسْنِ عاقِبَةِ اَلصَّبْرِ عَلَيْهِ: ﴿عَبْدَنا﴾ أيِ: اَلْكامِلَ في اَلتَّحْقِيقِ بِالعُبُودِيَّةِ: ﴿أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ أيْ: دَعاهُ وابْتَهَلَ إلَيْهِ قائِلًا: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ﴾ أيْ: أصابَنِيَ: ﴿الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ﴾ أيْ: مَشَقَّةٍ، (بِضَمِّ اَلنُّونِ، وفَتْحِها مَعَ سُكُونِ اَلصّادِ، وبِفَتْحِهِما وضَمِّهِما): ﴿وعَذابٍ﴾ أيْ: ألَمٍ شَدِيدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى:
38:42Page 455
ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢
[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٢ ] ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ .
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حِكايَةٌ لِما أُجِيبَ بِهِ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ. أيْ: فاسْتَجَبْنا لَهُ، وقُلْنا: اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ. أيِ: اُعْدُ بِها وامْشِ، فَقَدْ بَرَأْتَ وشُفِيتَ مِن مَرَضِكَ، وقَوِيَ جِسْمُكَ، وصَحَّ بَدَنُكَ: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ أيْ: ماءٌ تَغْتَسِلُ بِهِ، وتَشْرَبُ مِنهُ. والإشارَةُ إلى عَيْنٍ، أوْ نَهَرٍ، أوْ نَحْوِهِما.
38:43Page 456
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣
And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣ ] ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ .
﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ بِأنْ جَمَعْناهم عَلَيْهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ: ﴿ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ تَرَحُّمًا مِنّا عَلَيْهِ بِهَذا اَلْإضْعافِ والمُبارَكَةِ ﴿وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: وتَذْكِيرًا لَهم لِيَنْتَظِرُوا اَلْفَرَجَ بِالصَّبْرِ والنَّوالَ بِصِدْقِ اَلِاتِّكالِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences