Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الزمر
Az-Zumar
The Troops · Meccan · 75 ayahs
39:1Page 458
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
(p-٥١٢٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزُّمَرِ
سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى الآيَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها زُمَرُ الفَرِيقَيْنِ، المُشِيرَةِ إلى تَفْصِيلِ الجَزاءِ وإلْزامِ الحُجَّةِ وبُطْلانِ المَعْذِرَةِ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ، واسْتَثْنى بَعْضُهم ثَلاثَ آياتٍ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ﴾ [الزمر: ٥٣] إلَخْ... ذَهابًا إلى أنَّها نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ عَلى ما رُوِيَ. قِيلَ: ورابِعَةٌ وهِيَ: ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذا.
وآياتُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ.
أخْرَجَ النَّسائِيُّ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَصُومُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ. ويُفْطِرُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يَصُومَ» .
«وكانَ ﷺ يَقْرَأُ في كُلِّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» .
(p-٥١٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ .
﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ أيْ: هَذا تَنْزِيلٌ، أوْ تَنْزِيلُهُ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ.
وقُرِئَ: (تَنْزِيلَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ.
39:2Page 458
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢
Indeed, We have sent down to you the Book, [O Muḥammad], in truth. So worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢] ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: عَنْ شُعُوبِ الشِّرْكِ والرِّياءِ، بِإمْحاضِ التَّوْحِيدِ، وتَصْفِيَةِ السِّرِّ.
39:3Page 458
أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ٣
Unquestionably, for Allāh is the pure religion.1 And those who take protectors besides Him [say], "We only worship them that they may bring us nearer to Allāh in position." Indeed, Allāh will judge between them concerning that over which they differ. Indeed, Allāh does not guide he who is a liar and [confirmed] disbeliever.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ .
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيِ: الَّذِي وجَبَ اخْتِصاصُهُ بِأنْ يُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ مِن كُلِّ شائِبَةٍ؛ لِانْفِرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: بِالمَحَبَّةِ؛ لِلتَّقَرُّبِ والتَّوَسُّلِ بِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ احْتِجاجًا عَلى ضَلالِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: عِنْدَ حَشْرِ مَعْبُوداتِهِمْ مَعَهُمْ، فَيَقْرِنُ كُلًّا مِنهم مَعَ مَن يَتَوَلّاهُ، مِن عابِدٍ ومَعْبُودٍ، ويُدْخِلُ المُبْطِلَ النّارَ (p-٥١٢٨)مَعَ المُبْطِلِينَ، كَما يُدْخِلُ المُحِقَّ الجَنَّةَ مَعَ المُحِقِّينَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ لا يُوصِلُهُ إلى النَّجاةِ، ومَقَرِّ الأبْرارِ.
39:4Page 458
لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤
If Allāh had intended to take a son, He could have chosen from what He creates whatever He willed. Exalted is He; He is Allāh, the One, the Prevailing.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ عَنِ المُماثَلَةِ، والمُجانَسَةِ، واصْطِفاءِ الوَلَدِ؛ لِكَوْنِ الوَحْدَةِ لازِمَةً لِذاتِهِ، وقَهْرِهِ بِوَحْدانِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ، فَلا تَماثُلَ في الوُجُودِ، فَكَيْفَ في الوُجُوبِ؟
39:5–6Page 458
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٥
He created the heavens and earth in truth. He wraps the night over the day and wraps the day over the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. Unquestionably, He is the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1
خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٦
He created you from one soul. Then He made from it its mate, and He produced for you from the grazing livestock eight mates.1 He creates you in the wombs of your mothers, creation after creation, within three darknesses.2 That is Allāh, your Lord; to Him belongs dominion. There is no deity except Him, so how are you averted?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ٦] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْـزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ أيْ: بِإذْهابِ أحَدِهِما، وتَغْشِيَةِ الآخَرِ مَكانَهُ، كَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو مُنْتَهى دَوْرِهِ، أوْ مُنْقَطَعُ حَرَكَتِهِ: ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها﴾ [الزمر: ٦] أيْ: مِن نَفْسِها ونَوْعِها: (p-٥١٢٩)﴿زَوْجَها وأنْـزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: ذَكَرًا وأُنْثى، مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: مُتَقَلِّبِينَ في أطْوارِ الخِلْقَةِ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] يَعْنِي البَطْنَ، والرَّحِمَ، والمَشِيمَةَ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ [الزمر: ٦] أيِ: الخالِقُ لِصُوَرِكم. المُكَوِّرُ أيِ: المُصَرِّفُ بِقُدْرَتِهِ، المُسَخِّرُ بِسُلْطانِهِ، المُنْشِي لِلْكَثْرَةِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ بِحِكْمَتِهِ، المُنْزِلُ لِلنِّعَمِ بِنِعْمَتِهِ: ﴿اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ.
39:7Page 459
إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
If you disbelieve - indeed, Allāh is Free from need of you. And He does not approve for His servants disbelief. And if you are grateful, He approves [i.e., likes] it for you; and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you about what you used to do. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: عَنْ إيمانِكُمْ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ أيْ: لِأنَّهُ سَبَبُ هَلاكِهِمْ: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: وإنْ تَسْتَعْمِلُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم فِيما خُلِقَ لَهُ، يَقْبَلُهُ مِنكُمْ؛ لِأنَّهُ دِينُهُ، ويُثِيبُكم ثَوابًا حَسَنًا لِطاعَتِكم.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَرْضى الكُفْرَ والمَعاصِيَ، وعَلى أنَّ الرِّضا غَيْرُ الإرادَةِ. وهو أحَدُ قَوْلَيْ أهْلِ السُّنَّةِ. والقَوْلُ الثّانِي وحَكاهُ الآمِدِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ، أنَّ الرِّضا والإرادَةَ سِيّانِ، وحَمَلُوا (العِبادَ) في الآيَةِ عَلى المُخْلِصِينَ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى، أيْ: ما عَلَيْها مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ كُلٌّ مَأْخُوذٌ بِذَنْبِهِ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما في القُلُوبِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.
39:8–9Page 459
۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨
And when adversity touches man, he calls upon his Lord, turning to Him [alone]; then when He bestows on him a favor from Himself, he forgets Him whom he called upon before,1 and he attributes to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy your disbelief for a little; indeed, you are of the companions of the Fire."
أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩
Is one who is devoutly obedient during periods of the night, prostrating and standing [in prayer], fearing the Hereafter and hoping for the mercy of his Lord, [like one who does not]? Say, "Are those who know equal to those who do not know?" Only they will remember [who are] people of understanding.
(p-٥١٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٨ - ٩] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩]
﴿وإذا مَسَّ﴾ أيْ: أصابَ: ﴿الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ أيْ: شِدَّةٌ وبَلاءٌ: ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيِ: ابْتَهَلَ إلَيْهِ بِرَفْعِ الشِّدَّةِ والبَلاءِ عَنْهُ، مُقْبِلًا إلَيْهِ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ: ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ: ﴿نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ مِن قَبْلِ النِّعْمَةِ. وقِيلَ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، ويَبْتَهِلُ إلَيْهِ. فَ: (ما) بِمَعْنى (مَن)، أُقِيمَتْ مَقامَها لِقَصْدِ الدُّعاءِ الوَصْفِيِّ، ولِما في (ما) مِنَ الإبْهامِ والتَّفْخِيمِ ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: يَصُدُّ النّاسَ عَنْ دِينِهِ وطاعَتِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ أيْ: عِشْ بِهِ: ﴿قَلِيلا﴾ أيْ: يَسِيرًا في الدُّنْيا.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] أيْ: مُتَعَبِّدًا في ساعاتِهِ يَقْطَعُها في السُّجُودِ والقِيامِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: عِقابَها: ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: جَنَّتَهُ ورِضْوانَهُ، أيْ: أهَذا أفْضَلُ أمْ ذاكَ الكافِرُ الجاحِدُ النّاسِي لِرَبِّهِ؟: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: تَوْحِيدَهُ، وأمْرَهُ، ونَهْيَهُ في الثَّوابِ والطّاعَةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: لا يَسْتَوِيانِ.
(p-٥١٣١)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في الآيَةِ اسْتِحْبابُ قِيامِ اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آناءَ اللَّيْلِ: جَوْفَ اللَّيْلِ. وقالَ الحَسَنُ: ساعاتُهُ أوَّلُهُ، ووَسَطُهُ، وآخِرُهُ.
الثّانِي: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] رَدٌّ عَلى مَن ذَمَّ العِبادَةَ خَوْفًا مِنَ النّارِ، أوْ رَجاءَ الجَنَّةِ. وقالَ ﷺ ««حَوْلَها نُدَنْدِنُ»» .
الثّالِثُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ [الزمر: ٩] الآيَةَ... مَدْحُ العِلْمِ، ورِفْعَةُ قَدْرِهِ، وذَمُّ الجَهْلِ، ونَقْصُهُ. وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ الجاهِلَ لا يُكافِئُ العالِمَةَ، كَما أنَّهُ لا يُكافِئُ بِنْتَ العالِمِ، أفادَهُ في (الإكْلِيلِ).
وفِي الآيَةِ أيْضًا إشْعارٌ بِأنَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ هُمُ العامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ؛ إذْ عَبَّرَ عَنْهم أوَّلًا بِ: (القانِتِ)، ثُمَّ نَفى المُساواةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لَهُ، وتَصْرِيحًا بِأنَّ غَيْرَ العالِمِ كَأنْ لَيْسَ بِعالِمٍ.
قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما كانَ المُطِيعُ هو العالِمَ؛ لِأنَّ العِلْمَ هو الَّذِي رَسَخَ في القَلْبِ، وتَأصَّلَ بِعُرُوقِهِ في النَّفْسِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ صاحِبَهُ مُخالَفَتُهُ، بَلْ سِيطَ بِاللَّحْمِ والدَّمِ، فَظَهَرَ أثَرُهُ في الأعْضاءِ لا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنها عَنْ مُقْتَضاهُ، وأمّا المُرْتَسِمُ في حَيِّزِ التَّخَيُّلِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ ذُهُولُ النَّفْسِ عَنْهُ، وعَنْ مُقْتَضاهُ، فَلَيْسَ بِعِلْمٍ. إنَّما هو أمْرٌ تَصَوُّرِيٌّ وتَخَيُّلٌ عارِضٌ لا يَلْبَثُ، بَلْ يَزُولُ سَرِيعًا، لا يَغْذُو القَلْبَ، ولا يُسْمِنُ، ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ﴾ [الزمر: ٩] أيْ: يَتَّعِظُ بِهَذا الذِّكْرِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] أيِ: العُقُولِ الصّافِيَةِ عَنْ قِشْرِ التَّخَيُّلِ والوَهْمِ، لِتَحَقُّقِها بِالعِلْمِ الرّاسِخِ الَّذِي يَتَأثَّرُ بِهِ الظّاهِرُ، وأمّا المَشُوبَةُ بِالوَهْمِ فَلا تَتَذَكَّرُ ولا تَتَحَقَّقُ بِهَذا العِلْمِ ولا تَعِيهِ.
39:10Page 459
قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠
Say,1 "O My servants who have believed, fear your Lord. For those who do good in this world is good, and the earth of Allāh is spacious. Indeed, the patient will be given their reward without account [i.e., limit]."
(p-٥١٣٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠] ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا بِالطّاعاتِ في الدُّنْيا، مَثُوبَةٌ حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ أيْ: بِلادُهُ كَثِيرَةٌ. فَمَن تَعَسَّرَ عَلَيْهِ التَّوَفُّرُ عَلى الإحْسانِ في وطَنِهِ، فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنهُ. قالَ الشِّهابُ: وجْهُ إفادَةِ هَذا التَّرْكِيبِ هَذِهِ المَعانِي الكَثِيرَةُ، أوْضَحَهُ شُرّاحُ الكَشّافِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ مُسْتَأْنَفٌ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِالتَّقْوى، ولِذا قُيِّدَ بِالظَّرْفِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُلْقى في حَرْثِها بَذْرُ المَثُوباتِ. وعَقَّبَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِئَلّا يُعْتَذَرَ عَنِ التَّفْرِيطِ بِعَدَمِ مُساعَدَةِ المَكانِ، ويُتَعَلَّلَ بِعَدَمِ مُفارَقَةِ الأوْطانِ، فَكانَ حَثًّا عَلى اغْتِنامِ فُرْصَةِ الأعْمارِ، وتَرْكِ ما يَعُوقُ مِن حُبِّ الدِّيارِ، والهِجْرَةِ فِيما اتَّسَعَ مِنَ الأقْطارِ، كَما قِيلَ:
؎إذا كانَ أصْلِي مِن تُرابٍ فَكُلُّها بِلادِي وكُلُّ العالَمِينَ أقارِبِي
انْتَهى.
﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ الطّاعَةِ مِنَ احْتِمالِ البَلاءِ، ومُهاجَرَةِ الأوْطانِ لَها: ﴿أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ مِكْيالٍ؛ تَمْثِيلٌ لِلْكَثْرَةِ.
39:11Page 460
قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١
Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ.
39:12Page 460
وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢
And I have been commanded to be the first [among you] of the Muslims."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢] ﴿وأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ .
﴿وأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: وأُمِرْتُ بِذَلِكَ، لِأجْلِ أنْ أكُونَ مُقَدَّمَهم (p-٥١٣٣)فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّ إخْلاصَهُ ﷺ أتَمُّ مِن إخْلاصِ كُلِّ مُخْلِصٍ. وعَلى هَذا، فالأوَّلِيَّةُ في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ، أوْ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ مِن أُمَّتِهِ. فالأوَّلِيَّةُ زَمانِيَّةٌ عَلى ظاهِرِها. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ اللّامُ مَزِيدَةً. كَما فِي: (أرَدْتُ لِأنْ أفْعَلَ). فَيَكُونَ أمْرًا بِالتَّقَدُّمِ في الإخْلاصِ.
39:13–14Page 460
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣
Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤
Say, "Allāh [alone] do I worship, sincere to Him in my religion,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣ - ١٤] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ الإخْلاصِ لَهُ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ [الزمر: ١٤] أيْ: أخُصُّهُ بِالعِبادَةِ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] عَنْ شَوْبِ الغَيْرِ.
39:15Page 460
فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥
So worship what you will besides Him." Say, "Indeed, the losers are the ones who will lose themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, that is the manifest loss."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ .
﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أهْلَكُوا أنْفُسَهم بِالضَّلالِ، وأهْلِيهِمْ بِالإضْلالِ، وخَسِرُوا أنْفُسَهم بِالهَلاكِ وأهْلِيهِمْ بِهِ أيْضًا، إنْ كانُوا مِثْلَهُمْ، أوْ بِفَقْدِهِمْ فَقْدًا لا اجْتِماعَ بَعْدَهُ، إنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾
39:16Page 460
لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦
They will have canopies [i.e., layers] of fire above them and below them, canopies. By that Allāh threatens [i.e., warns] His servants. O My servants, then fear Me.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ: ﴿ذَلِكَ﴾ (p-٥١٣٤)أيِ: العَذابُ المُتَوَعَّدُ بِهِ: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيْ: بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِما يُوجِبُ السُّخْطَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ونَصِيحَةٌ بالِغَةٌ.
39:17–19Page 460
وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧
But those who have avoided ṭāghūt,1 lest they worship it, and turned back to Allāh - for them are good tidings. So give good tidings to My servants
ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨
Who listen to speech and follow the best of it. Those are the ones Allāh has guided, and those are people of understanding.
أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩
Then, is one who has deserved the decree of punishment [to be guided]? Then, can you save one who is in the Fire?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ١٩] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] .
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ يَعْنِي الأوْثانَ. وفَعَلُوتٌ لِلْمُبالَغَةِ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ أيْ: بِالثَّوابِ: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] أيْ: إيثارًا لِلْأفْضَلِ واهْتِمامًا بِالأكْمَلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنْ يَكُونُوا نُقّادًا في الدِّينِ، يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَسَنِ والأحْسَنِ والفاضِلِ والأفْضَلِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَذاهِبُ واخْتِيارُ أثْبَتِها عَلى السَّبْكِ، وأقْواها عِنْدَ السَّبْرِ، وأبْيَنِها دَلِيلًا وأمارَةً، وأنْ لا تَكُونَ في مَذْهَبِكَ كَما قالَ القائِلُ:
؎ولا تَكُنْ مِثْلَ عَيْرٍ قِيدَ فانْقادا
يُرِيدُ المُقَلِّدَ. انْتَهى.
ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا إيثارُ الأفْضَلِ مِن كُلِّ نَوْعَيْنِ، اعْتِراضًا، كالواجِبِ مَعَ النَّدْبِ، والعَفْوِ مَعَ القِصاصِ، والإخْفاءِ مَعَ الإبْداءِ في الصَّدَقَةِ، وهَكَذا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أيْ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ مِنها؟ أيْ: لا يُمْكِنُ إنْقاذُهُ أصْلًا.
39:20–21Page 460
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠
But those who have feared their Lord - for them are chambers,1 above them chambers built high, beneath which rivers flow. [This is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in [His] promise.
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢١
Do you not see that Allāh sends down rain from the sky and makes it flow as springs [and rivers] in the earth; then He produces thereby crops of varying colors; then they dry and you see them turned yellow; then He makes them [scattered] debris. Indeed in that is a reminder for those of understanding.
(p-٥١٣٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ - ٢١] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] .
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾ [الزمر: ٢١] أيْ: يَتِمُّ جَفافُهُ: ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ [الزمر: ٢١] أيْ: فُتاتًا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] أيْ: لَتَذْكِيرًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ عَنْ تَقْدِيرٍ وتَدْبِيرٍ، لا عَنْ تَعْطِيلٍ وإهْمالٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَثَلًا لِلدُّنْيا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٢٤] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
39:22Page 461
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢
So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ أيْ: وسَّعَهُ لِتَسْلِيمِ الوَجْهِ إلَيْهِ وحْدَهُ، ولِقَبُولِ دِينِهِ، وشَرْعِهِ بِلُطْفِهِ، وعِنايَتِهِ، وإمْدادِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: عَلى بَيِّنَةٍ ومَعْرِفَةٍ، (p-٥١٣٦)واهْتِداءٍ إلى الحَقِّ، واسْتِعارَةُ النُّورِ لِلْهُدى والعِرْفانِ، شَهِيرَةٌ، كاسْتِعارَةِ الظَّلَمَةِ لِضِدِّ ذَلِكَ. وخَبَرُ (مَن) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن قَبُولِ ذِكْرِهِ لِشِدَّةِ مَيْلِها إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، وإعْراضِها عَنِ الكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ، أوْ مِن أجْلِ ذِكْرِهِ؛ فَ: (مَن) لِلتَّعْلِيلِ والسَّبَبِيَّةِ.. وفِيها مَعْنى الِابْتِداءِ لِنَشْئِها عَنْهُ. قالَ الشِّهابُ: إذا (قِيلَ: قَسا مِنهُ)، فالمُرادُ أنَّهُ سَبَبٌ لِقَسْوَةٍ نَشَأتْ مِنهُ. وإذا قِيلَ: (قَسا عَنْهُ)، فالمَعْنى أنَّ قَسْوَتَهُ جَعَلَتْهُ مُتَباعِدًا عَنْ قَبُولِهِ، وبِهِما ورَدَ اسْتِعْمالُهُ. وقَدْ قُرِئَ بِ: (عَنْ)، في الشَّواذِّ. لَكِنَّ الأوَّلَ أبْلَغُ؛ لِأنَّ قَسْوَةَ القَلْبِ تَقْتَضِي عَدَمَ ذِكْرِ اللَّهِ، وهو مَعْناهُ إذا تَعَدّى بِ: (عَنْ). وذِكْرُهُ تَعالى مِمّا يُلِينُ القُلُوبَ. فَكَوْنُهُ سَبَبًا لِلْقَسْوَةِ، يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الكُفْرِ الَّذِي جَعَلَ سَبَبَ الرِّقَّةِ، سَبَبًا لِقَسْوَتِهِ: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
39:23Page 461
ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣
Allāh has sent down the best statement: a consistent Book wherein is reiteration. The skins shiver therefrom of those who fear their Lord; then their skins and their hearts relax at the remembrance [i.e., mention] of Allāh. That is the guidance of Allāh by which He guides whom He wills. And one whom Allāh sends astray - for him there is no guide.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣] ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ أيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا. في الصِّحَّةِ، والإحْكامِ، والبِناءِ عَلى الحَقِّ، والصِّدْقِ، ومَنفَعَةِ الخَلْقِ، ووُجُوهِ الإعْجازِ: ﴿مَثانِيَ﴾ جَمْعُ (مُثَنّى) بِمَعْنى مُرَدَّدٍ ومُكَرَّرٍ، لِما ثُنِّيَ مِن قِصَصِهِ، وأنْبائِهِ، وأحْكامِهِ، وأوامِرِهِ، ونَواهِيهِ، ووَعْدِهِ، ووَعِيدِهِ، ومَواعِظِهِ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، أوْ حَقِيقَةٌ لِتَأثُّرِهِمْ عِنْدَ سَماعِ آياتِهِ، وحِكَمِهِ، ووَعِيدِهِ، بِما يَرِدُ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنها: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِالِانْقِيادِ، والطّاعَةِ، والسَّكِينَةِ لِأمْرِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابُ، أوِ الكائِنُ مِنَ الخَشْيَةِ والرَّجاءِ: ﴿هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ: مَن زاغَ قَلْبُهُ: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
39:24Page 461
أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤
Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."
(p-٥١٣٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ .
﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: فَمَن يَجْعَلُ وجْهَهُ وِقايَةً لِشِدَّةِ العَذابِ ذَلِكَ اليَوْمَ، أيْ: قائِمًا مَقامَها في أنَّهُ أوَّلُ ما يَمَسُّهُ المُؤْلِمُ لَهُ؛ لِأنَّ ما يُتَّقى بِهِ هو اليَدانِ، وهُما مَغْلُولَتانِ. ولَوْ لَمْ تُغَلّا كانَ يَدْفَعُ بِهِما عَنِ الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ أعَزُّ أعْضائِهِ. وقِيلَ: الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ ما يُتَّقى بِهِ؛ لِأنَّ الوَجْهَ لا يُتَّقى بِهِ. وخَبَرُ (مَن) مَحْذُوفٌ كَنَظائِرِهِ. أيْ: كَمَن أمِنَ العَذابَ: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: وبالَهُ.
39:25Page 461
كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥
Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا يَحْتَسِبُونَ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
39:26–27Page 461
فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦
So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧
And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ - ٢٧] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] .
﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ: الذُّلَّ والصَّغارَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] أيْ: بَيَّنّا لَهم في هَذا القُرْآنِ، الَّذِي هو دَلِيلٌ في نَفْسِهِ مِن إعْجازِهِ، مِن كُلِّ مَثَلٍ يُحْتاجُ إلَيْهِ.
(p-٥١٣٨)مَن يُسْتَدَلُّ بِنَظَرِهِ عَلى حَقِّيَّتِهِ وأحَقِّيَّتِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] أيْ: بِهِ ما يُهِمُّهم مِن أُمُورِ دِينِهِمْ، وما يُصْلِحُهم مِن شُؤُونِ سَعادَتِهِمْ. فَيُفَسِّرُوا المَعْقُولَ بِالمَحْسُوسِ.
39:28Page 461
قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨
[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ .
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أيْ: مُسْتَقِيمًا بَرِيئًا مِنَ التَّناقُضِ والِاخْتِلافِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيِ: العَذابَ، والخِزْيَ يَوْمَ الجَزاءِ، بِالِاتِّقاءِ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ، والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ، والِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ. ومِن أجْلِ تِلْكَ الأمْثالِ. ما مُثِّلَ بِهِ لِيَتَّقِيَ مِن أعْظَمِ المَخُوفاتِ، وهو الشِّرْكُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences