Al-QasimiAn‑Nisa · 4:104–113

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:104–113

4:104Page 95

وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤

And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.

(p-١٥٢٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١٠٤]

﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ عَدُوِّكم بِالقِتالِ، بَلْ جِدُّوا فِيهِمْ واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ، ثُمَّ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ ما تَجِدُونَ مِنَ الألَمِ بِالجَرْحِ والقَتْلِ مُخْتَصًّا بِكُمْ، بَلْ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] [آلِ عِمْرانَ: ١٤٠] ثُمَّ زادَ في تَقْرِيرِ الحُجَّةِ، وبَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوْلى بِالمُصابَرَةِ عَلى القِتالِ مِنَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ يَعْنِي: وتَأْمُلُونَ مِنَ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ واسْتِحْقاقِ الدَّرَجاتِ مِن جَنّاتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ، كَما وعَدَكم إيّاهُ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ ما لا يَأْمُلُونَهُ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالجِهادِ مِنهُمْ، وأجْدَرُ بِإقامَةِ كَلِمَةِ اللَّهِ.

﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: فَلا يُكَلِّفُكم إلّا بِما يَعْلَمُ أنَّهُ سَبَبٌ لِصَلاحِكم في دِينِكم ودُنْياكُمْ، فَجِدُّوا في الِامْتِثالِ بِذَلِكَ؛ فَإنَّ فِيهِ عَواقِبُ حَمِيدَةٌ.

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ: وُجُوبُ الجِهادِ، وأنَّهُ لا يَسْقُطُ لِما يَحْصُلُ مِنَ المَضَرَّةِ بِالجِراحِ ونَحْوِهِ، وأنَّ التَّجَلُّدَ وطَلَبَ ما يُقَوِّي لازِمٌ، وما يَحْصُلُ بِهِ الوَهَنُ لا يَجُوزُ فِعْلُهُ، وتَدُلُّ عَلى جَوازِ المُعارَضَةِ والحِجاجِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ﴾ وتَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْمُجاهِدِ أنْ يُجاهِدَ لِطَلَبِ الثَّوابِ لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ فَجَعَلَ هَذا سَبَبًا باعِثًا عَلى الجِهادِ، هَذا مَعْنى كَلامِ الحاكِمِ.

ونَظِيرُ هَذا: لَوْ صَلّى لِطَلَبِ الثَّوابِ أوِ السَّلامَةِ مِنَ العِقابِ، وقَدْ ذُكِرَ في ذَلِكَ خِلافٌ. فَعَنِ الرّاضِي بِاللَّهِ: يُجْزى ذَلِكَ، وقَوّاهُ الفَقِيهُ يَحْيى بْنُ أحْمَدَ، وعَنْ أبِي مُضَرٍ: لا يُجْزى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْوِ الوَجْهَ الَّذِي شُرِعَ الواجِبُ لَهُ. انْتَهى.

4:105–109Page 95

إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.

وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦

And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧

And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.

يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨

They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩

Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?

(p-١٥٣٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [١٠٥].

﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] [١٠٦].

﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] [١٠٧].

﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] [١٠٨].

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] [١٠٩]

﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾

﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]

﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]

﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩]

(p-١٥٣١)رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأُظِنَّ (أيِ: اتُّهِمَ) بِها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ.

فانْطَلَقُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّ صاحِبَنا بَرِيءٌ وإنَّ صاحِبَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فاعْذُرْ صاحِبَنا عَلى رُءُوسِ النّاسِ وجادِلْ عَنْهُ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلِكْ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُءُوسِ النّاسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾ الآيَةَ،» ثُمَّ قالَ تَعالى لِلَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ يُجادِلُونَ عَنِ الخائِنِينَ.

ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ، يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِينَ بِالكَذِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] يَعْنِي السّارِقَ والَّذِينَ جادَلُوا عَنِ السّارِقِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا سِياقٌ غَرِيبٌ، وقَدْ ذَكَرَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم (فِي هَذِهِ الآيَةِ) أنَّها نَزَلَتْ في سارِقِ بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى اخْتِلافِ سِياقاتِهِمْ، وهي مُتَقارِبَةٌ.

وقَدْ رَوى هَذِهِ القِصَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ مُطَوَّلَةً، ورَواها عَنْهُ مِن طَرِيقِهِ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في "جامِعِهِ" في كِتابِ التَّفْسِيرِ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (p-١٥٣٢)«كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ (قالَ أبُو ذَرٍّ الخُشَنِيُّ: بَشِيرُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، كَذا وقَعَ هُنا: بَشِيرٌ بِفَتْحِ الباءِ، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّما هو بُشَيْرٌ بِضَمِّ الباءِ) ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا، وكانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ لِبَعْضِ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، أوْ قالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا الخَبِيثُ، فَقالَ:

؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا وقالُوا: ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها!

قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ فاقَةٍ وحاجَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ بِالدَّرْمَكِ - ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ: دِرْعانِ وسَيْفانِ وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ البَيْتِ فَنُقِبَتِ المَشْرُبَةُ وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا.

(p-١٥٣٣)قالَ: فَتَحَسَّسْتُ في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى - فِيما نَراهُ - إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم.

قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ -: واللَّهِ! ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ عَمِّي: يا ابْنَ أخِي! لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ.

قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْظُرُ في ذَلِكَ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا - أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ - يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ في غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ - ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ - تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ؟ قالَ: فَرَجَعْتُ، ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي (p-١٥٣٤)ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتَيْتُ عَمِّي رِفاعَةَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ.

فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يَعْنِي: بَنِي أُبَيْرِقٍ.

﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: بَنِي أُبَيْرِقٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: إنَّهم إنْ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١] ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] قَوْلُهم لِلَبِيدِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرًا وأصْحابَهُ ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]

فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ.

قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ، وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ، قالَ: يا ابْنَ أخِي! هو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ صَحِيحًا.

(p-١٥٣٥)فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ ابْنَةِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]

فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ، رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْهُ في الأبْطَحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانٍ، ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ».

وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ.

ورَوى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.

ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، بِبَعْضِهِ، (p-١٥٣٦)ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.

ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْفَهانِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ إسْرائِيلَ.

ورَواهُ الحاكِمُ في كِتابِهِ "المُسْتَدْرَكِ" بِسَنَدِهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ، أتَمَّ مِنهُ، وفِيهِ الشِّعْرُ، ثُمَّ قالَ: وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولَمْ يُخْرِجاهُ، كَذا نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

قالَ السُّيُوطِيُّ في "اللُّبابِ": وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ بِسَنَدِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ - فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدٍ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الآياتِ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١١٥] الآيَةَ، وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ». انْتَهى.

وأمّا إيضاحُ ألْفاظِ الآياتِ وثَمَراتِها فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأعْلَمَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، سُمِّيَ ذَلِكَ العِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ اليَقِينِيَّ المُبَرَّأ عَنْ جِهاتِ الرَّيْبِ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ في القُوَّةِ والظُّهُورِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ ﷺ ولَكِنْ لِيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ؛ لِأنَّ الرَّأْيَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ مُصِيبًا؛ لِأنَّ اللَّهَ كانَ يُرِيهِ إيّاهُ، وهو مِنّا الظَّنُّ والتَّكَلُّفُ.

قُلْتُ: رَوى هَذا الأثَرَ البَيْهَقِيُّ في "المَدْخَلِ" وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، بِنَحْوِ ما ذُكِرَ.

قالَ ابْنُ الفُرْسِ: في هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ الرَّأْيِ والقِياسِ، وتَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيُّ بِما أخْرَجَهُ (p-١٥٣٧)ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إيّاكم والرَّأْيَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما رَأيْتَ.

ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: وقالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الوَحْيَ والِاجْتِهادَ مَعًا. انْتَهى.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: احْتَجَّ مَن ذَهَبَ مِن عُلَماءِ الأُصُولِ إلى أنَّهُ كانَ ﷺ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بِالِاجْتِهادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ألا إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّما أقْضِي بِنَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ، ولَعَلَّ أحَدَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَلْيَحْمِلْها أوْ لِيَذَرْها» .

ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْها أيْضًا بِلَفْظِ: «جاءَ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ يَخْتَصِمانِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَوارِيثَ بَيْنَهُما قَدْ دُرِسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُما بَيِّنَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وإنَّما أنا بَشَرٌ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ (أوْ قَدْ قالَ: لِحُجَّتِهِ) مِن بَعْضٍ، فَإنِّي أقْضِي بَيْنَكم عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ، يَأْتِي بِها إسْطامًا في عُنُقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَبَكى الرَّجُلانِ وقالَ كُلٌّ مِنهُما: حَقِّي لِأخِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أما إذْ قُلْتُما، فاذْهَبا فاقْتَسِما ثُمَّ تَوَخَّيا الحَقَّ بَيْنَكُما، ثُمَّ اسْتَهِما، ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلٌّ مِنكُما صاحِبَهُ» .

وقَدْ رَواهُ أبُو داوُدَ وزادَ: «إنِّي إنَّما أقْضِي بَيْنَكُما بِرَأْيِي، فِيما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ» انْتَهى.

(p-١٥٣٨)قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن أجازَ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ غَيْرَ عالِمٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ الحُكْمَ إلى الِاجْتِهادِ، ومَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ كَيْفَ يَجْتَهِدُ؟! انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، وهم طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ مِن قَوْمِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿خَصِيمًا﴾ أيْ: مُخاصِمًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦] أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، كَما تَقَدَّمَ مُفَسَّرًا.

قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى جَوازَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقالُوا: لَوْ لَمْ يَقَعْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ذَنْبٌ لَما أُمِرَ بِالِاسْتِغْفارِ، ثُمَّ أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ.

وقالَ القاضِي عِياضٌ في "الشِّفا": إنَّ تَصَرُّفَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأُمُورٍ لَمْ يُنْهَوْا عَنْها ولا أُمِرُوا بِها، ثُمَّ عُوتِبُوا بِسَبَبِها، أوْ أتَوْها عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ - إنَّما هي ذُنُوبٌ بِالإضافَةِ إلى عَلِيِّ مَنصِبِهِمْ وإلى كَمالِ طاعَتِهِمْ، لا أنَّها كَذُنُوبِ غَيْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وأطالَ في هَذا المَقامِ وأطابَ.

ثُمَّ قالَ: وأيْضًا، فَإنَّ في التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ مَعْنًى آخَرَ لَطِيفًا أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ، وهو اسْتِدْعاءُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٢] انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] أيْ: يَخُونُونَها بِالمَعْصِيَةِ، جُعِلَتْ مَعْصِيَةُ العُصاةِ خِيانَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، كَما جُعِلَتْ ظُلْمًا لَها لِرُجُوعِ ضَرَرِها إلَيْهِمْ.

قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ تَهْدِيدًا شَدِيدًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا مالَ طَبْعُهُ قَلِيلًا إلى جانِبِ طُعْمَةَ - وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ طُعْمَةَ كانَ فاسِقًا - فاللَّهُ تَعالى عاتَبَ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِن إعانَةِ المُذْنِبِ، فَكَيْفَ حالُ مَن يَعْلَمُ مِنَ الظّالِمِ كَوْنَهُ ظالِمًا، ثُمَّ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ الظُّلْمِ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ويُرَغِّبُهُ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ؟! اهـ.

وإنَّما قِيلَ: لِلْخائِنِينَ (p-١٥٣٩)(ويَخْتانُونَ) مَعَ أنَّ الخائِنَ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ هو ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ سارِقٌ، أوْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَتَناوَلَهُ وكُلَ مَن خانَ خِيانَتَهُ، كَما أنَّهُ إنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ المُبالِغَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ مُفْرِطٌ في الخِيانَةِ ورُكُوبِ المَآثِمِ، ويَدُلُّ لَهُ أنَّهُ هَرَبَ إلى مَكَّةَ وارْتَدَّ، كَما أسْلَفْنا.

قِيلَ: إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ عَلى سَيِّئَةٍ فاعْلَمْ أنَّها لَها أخَواتٍ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ، فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي وتَقُولُ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ، فَقالَ: كَذَبْتِ؛ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يَسْتَتِرُونَ؛ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] فَلا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: وهو عالِمٌ بِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافٍ مِن سِرِّهِمْ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى النّاسِ ما هم فِيهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ - إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ - أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ ولا غَفْلَةَ ولا غَيْبَةَ، ولَيْسَ إلّا الكَشْفُ الصَّرِيحُ والِافْتِضاحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] أيْ: يُدَبِّرُونَ ويُزَوِّرُونَ الحَلِفَ الكاذِبَ ورَمِيَ البَرِيءِ وشَهادَةَ الزُّورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٠٩] الآيَةَ، المُجادَلَةُ: أشَدُّ المُخاصَمَةِ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ عَنِ السّارِقِ وقَوْمِهِ في الدُّنْيا، فَمَن يُخاصِمُ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ؟!

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وانْتِقامِهِ.

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآياتِ: وُجُوبُ الحُكْمِ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ ولا مَيْلٍ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَصُّبِ والمُجادَلَةِ عَنْ كُلِّ خائِنٍ وعاصٍ، ويَدُلُّ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الجَدَلِ بِالَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم عَلى إباحَةِ المُجادَلَةِ. انْتَهى.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ في هَذا البابِ أتْبَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.

4:110Page 96

وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠

And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.

(p-١٥٤٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [١١٠]

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أيْ: قَبِيحًا مُتَعَدِّيًا، يَسُوءُ بِهِ غَيْرَهُ، كَما في القِصَّةِ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ فَيَخُصُّها بِالمَعْصِيَةِ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ لِذُنُوبِهِ كائِنَةً ما كانَتْ ﴿رَحِيمًا﴾ أيْ: مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وفِيهِ مَزِيدُ تَرْغِيبٍ لِطُعْمَةَ وقَوْمِهِ في التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ؛ لِما أنَّ مُشاهَدَةَ التّائِبِ لِآثارِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ نِعْمَةٌ زائِدَةٌ.

4:111Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١

And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١١١]

﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: فَلْيَتَحَرَّزْ عَنْ تَعْرِيضِها لِلْعِقابِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

4:112Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [١١٢]

﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ الخَطِيئَةُ الذَّنْبُ، أوْ ما تُعِمَّدَ مِنهُ، والإثْمُ الذَّنْبُ أيْضًا، وأنْ يَعْمَلَ ما لا يَحِلُّ لَهُ، كَذا في "القامُوسِ".

قالَ الرّاغِبُ: الإثْمُ أعَمُّ مِنَ العُدْوانِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو فِعْلٌ مُبَطِّئٌ عَنِ الثَّوابِ.

﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أيْ: يَقْذِفْ بِهِ ﴿بَرِيئًا﴾ أيْ: مِمّا رَماهُ بِهِ، كَما اتَّهَمَ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِصَنِيعِهِمُ القَبِيحِ ذَلِكَ الرَّجُلَ الصّالِحَ، وهو لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ - كَما تَقَدَّمَ - وقَدْ كانَ بَرِيئًا ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ وهو الكَذِبُ عَلى الغَيْرِ بِما يُبْهَتُ مِنهُ ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًا فاحِشًا؛ لِأنَّهُ بِكَسْبِ الإثْمِ آثِمٌ، وبِرَمْيِ البَرِيءِ باهِتٌ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

4:113Page 96

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣

And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.

(p-١٥٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [١١٣]

﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ بِإعْلامِكَ ما هم عَلَيْهِ بِالوَحْيِ وتَنْبِيهِكَ عَلى الحَقِّ ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ بِرَمْيِ البَرِيءِ والمُجادَلَةِ عَنِ الخائِنِينَ، يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، يَعْنِي بِذَلِكَ لَمّا أثْنَوْا عَلى بَنِي أُبَيْرِقٍ ولامُوا قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ في كَوْنِهِ اتَّهَمَهم وهم صُلَحاءُ بُرَآءُ، ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَما أنْهَوْهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ.

﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِأنَّ وبالَهُ عَلَيْهِمْ ﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّكَ إنَّما عَمِلْتَ بِظاهِرِ الحالِ، وما كانَ يَخْطُرُ بِبالِكَ أنَّ الحَقِيقَةَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.

ولَمّا أنْزَلَ تَعالى فَصْلَ القَضِيَّةِ وجَلّاها لِرَسُولِهِ ﷺ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِتَأْيِيدِهِ إيّاهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيِ: القُرْآنَ والسُّنَّةَ ﴿وعَلَّمَكَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ والشَّرائِعِ ﴿ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أيْ: قَبْلَ نُزُولِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ [الشورى: ٥٢] [الشُّورى: مِنَ الآيَةِ ٥٢] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] [القَصَصِ: ٨٦] ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ أيْ: فِيما عَلَّمَكَ وأنْعَمَ عَلَيْكَ.

قالَ الرّازِيُّ: هَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الفَضائِلِ والمَناقِبِ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيهِ حِينَ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском