Al-QasimiAn‑Nisa · 4:125–127

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:125–127

4:125Page 98

وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥

And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ [١٢٥]

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى فَلَمْ يَتَّخِذْ رَبًّا سِواهُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: آتٍ بِالحَسَناتِ تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ، أوْ آتٍ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ (p-١٥٧٧)عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الإحْسانَ بِقَوْلِهِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .

﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ، المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها وقَبُولِها ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنِ الشِّرْكِ قَصْدًا، أيْ: تارِكًا لَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، ومُقْبِلٌ عَلى الحَقِّ بِكُلِّيَّتِهِ، لا يَصُدُّهُ عَنْهُ صادٌّ، ولا يَرُدُّهُ عَنْهُ رادٌّ.

قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَطَ حُصُولَ النَّجاةِ والفَوْزَ بِالجَنَّةِ بِكَوْنِ الإنْسانِ مُؤْمِنًا - شَرَحَ الإيمانَ وبَيَّنَ فَضْلَهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الدِّينُ المُشْتَمِلُ عَلى إظْهارِ كَمالِ العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّرْغِيبِ في دِينِ الإسْلامِ.

أُمًّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فاعْلَمْ أنَّ دِينَ الإسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرَيْنِ: الِاعْتِقادُ، والعَمَلُ.

أمّا الِاعْتِقادُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإسْلامَ هو الِانْقِيادُ والخُضُوعُ، والوَجْهُ أحْسَنُ أعْضاءِ الإنْسانِ، فالإنْسانُ إذا عَرَفَ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ، وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ وعُبُودِيَّةِ نَفْسِهِ - فَقَدْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.

وأمّا العَمَلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُ الحَسَناتِ وتَرْكُ السَّيِّئاتِ، فَتَأمَّلْ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ (p-١٥٧٨)المُخْتَصَرَةِ واحْتِوائِها عَلى جَمِيعِ المَقاصِدِ والأغْراضِ.

وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ أنَّهُ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وما أسْلَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَمالَ الإيمانِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَفْوِيضِ جَمِيعِ الأُمُورِ إلى الخالِقِ، وإظْهارِ التَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى فَسادِ طَرِيقَةِ مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَعِينُونَ بِالأصْنامِ ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، والدَّهْرِيَّةُ والطَّبِيعِيُّونَ يَسْتَعِينُونَ بِالأفْلاكِ والكَواكِبِ والطَّبائِعِ وغَيْرِها.

واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ في دَفْعِ عِقابِ الآخِرَةِ عَنْهُمْ: إنَّهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَجَمِيعُ الفِرَقِ اسْتَعانُوا بِغَيْرِ اللَّهِ.

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ فَضِيلَةِ الإسْلامِ فَهو أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ إنَّما دَعا الخَلْقَ إلى دِينِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كُلِّ الخَلْقِ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ يَدْعُو إلّا إلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] [الأنْعامِ: ١٩] وما كانَ يَدْعُو إلى عِبادَةِ فَلَكٍ ولا طاعَةِ كَوْكَبٍ، ولا سَجْدَةٍ لِصَنَمٍ، ولا اسْتِعانَةٍ بِطَبِيعَةٍ، بَلْ كانَ دَيْدَنُهُ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ والإعْراضَ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، وهَكَذا دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ، ﷺ.

ثُمَّ إنَّ شَرْعَ إبْراهِيمَ مَقْبُولٌ عِنْدَ الكُلِّ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ لا يَفْتَخِرُونَ بِشَيْءٍ كافْتِخارِهِمْ بِالِانْتِسابِ إلى إبْراهِيمَ، وأمّا اليَهُودُ والنَّصارى فَلا شَكَّ في كَوْنِهِمْ مُفْتَخِرِينَ بِهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ شَرْعُ مُحَمَّدٍ مَقْبُولًا عِنْدَ الكُلِّ.

﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ أيْ: صَفِيًّا خالِصَ المَحَبَّةِ لَهُ، وإظْهارُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ- في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ المَمْدُوحُ، وسِرُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ التَّرْغِيبُ في اتِّباعِ مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَإنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَبْلَغًا مُصَحِّحًا لِتَسْمِيَتِهِ خَلِيلًا (p-١٥٧٩)حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ اتِّباعُ طَرِيقَتِهِ أهَمَّ ما يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ، وأشْرَفَ ما يَرْمُقُ نَحْوَهُ أحْداقُ الأُمَمِ، فَإنَّ دَرَجَةَ الخُلَّةِ أرْفَعُ مَقاماتِ المَحَبَّةِ، وما ذاكَ إلّا لِكَثْرَةِ طاعَتِهِ لِرَبِّهِ، كَما وصَفَهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] [النَّجْمِ: ٣٧].

قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ: أيْ: قامَ بِجَمِيعِ ما أُمِرَ بِهِ، وفي كُلِّ مَقامٍ مِن مَقاماتِ العِبادَةِ، فَكانَ لا يَشْغَلُهُ أمْرٌ جَلِيلٌ عَنْ حَقِيرٍ، ولا كَبِيرٌ عَنْ صَغِيرٍ، وقالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] [البَقَرَةِ: ١٢٤] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] [النَّحْلِ: ١٢٠] الآيَةَ.

والخَلِيلُ لُغَةً: الصَّدِيقُ المُخْتَصُّ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَلِيلُ: الصّادِقُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو المُحِبُّ الَّذِي لا خَلَلَ في مَحَبَّتِهِ، وبِهِ فَسَّرَ الآيَةَ، أيْ: أحَبَّهُ مَحَبَّةً تامَّةً لا خَلَلَ فِيها.

وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الخَلِيلُ مِن أصْفى المَوَدَّةِ وأصَحِّها، قالَ: ولا أزِيدُ فِيهِ شَيْئًا؛ لِأنَّها في القُرْآنِ. انْتَهى.

قالَ الرّازِيُّ: ذَكَرُوا في اشْتِقاقِ الخَلِيلِ وُجُوهًا:

مِنها أنَّ خَلِيلَ الإنْسانِ هو الَّذِي يَدْخُلُ في خِلالِ أُمُورِهِ وأسْرارِهِ، والَّذِي دَخَلَ حُبُّهُ في خِلالِ أجْزاءِ قَلْبِهِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ هو الغايَةُ في المَحَبَّةِ، قِيلَ: لَمّا أطْلَعَ اللَّهُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلَكُوتِ الأعْلى والأسْفَلِ، ودَعا القَوْمَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ النَّجْمِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، ثُمَّ سُلِّمَ لِلنِّيرانِ، ووَلَدُهُ لِلْقُرْبانِ، ومالُهُ لِلضِّيفانِ - جَعَلَهُ اللَّهُ إمامًا لِلْخَلْقِ، ورَسُولًا إلَيْهِمْ، وبَشَّرَهُ بِأنَّ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ في ذُرِّيَّتِهِ، فَلِهَذِهِ الِاخْتِصاصاتِ سَمّاهُ خَلِيلًا؛ لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ لِإيصالِ الخَيْراتِ والمَنافِعِ إلَيْهِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ: (لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ ... إلَخْ مَنزَعٌ كَلامِيٌّ لا سَلَفِيٌّ).

(p-١٥٨٠)ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: وعِنْدِي وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ إذا كانَ مُضِيئًا مُشْرِقًا عُلْوِيًّا قَلِيلَ التَّعَلُّقِ بِالذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ والأحْوالِ الجَسَدانِيَّةِ، ثُمَّ انْضافَ إلى مِثْلِ هَذا الجَوْهَرِ المُقَدِّسِ الشَّرِيفِ أعْمالٌ تَزِيدُهُ صِقالَةً عَنِ الكُدُوراتِ الجُسْمانِيَّةِ، وأفْكارٌ تَزِيدُهُ اسْتِنارَةً بِالمَعارِفِ القُدْسِيَّةِ والجَلايا الإلَهِيَّةِ -صارَ مِثْلُ هَذا الإنْسانِ مُتَوَغِّلًا في عالَمِ القُدْسِ والطَّهارَةِ، مُتَبَرِّئًا عَنْ عَلائِقِ الجِسْمِ والحِسِّ، ثُمَّ لا يَزالُ هَذا الإنْسانُ يَتَزايَدُ في هَذِهِ الأحْوالِ الشَّرِيفَةِ إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لا يَرى إلّا اللَّهَ، ولا يَسْمَعُ إلّا اللَّهَ، ولا يَتَحَرَّكُ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَسْكُنُ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَمْشِي إلّا بِاللَّهِ، فَكَأنَّ نُورَ جَلالِ اللَّهِ قَدْ سَرى في جَمِيعِ قُواهُ الجُسْمانِيَّةِ، وتَخَلَّلَ فِيها وغاصَ في جَواهِرِها، وتَوَغَّلَ في ماهِيّاتِها، فَمِثْلُ هَذا الإنْسانِ هو المَوْصُوفُ حَقًّا بِأنَّهُ خَلِيلٌ؛ لِما أنَّهُ تَخَلَّلَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ في جَمِيعِ قُواهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في دُعائِهِ: «اللَّهُمَّ! اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وفي سَمْعِي نُورًا، وفي بَصَرِي نُورًا، وفي عَصَبِي نُورًا» انْتَهى.

(p-١٥٨١)قالَ الإمامُ العَلّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَيِّمِ في كِتابِهِ "الجَوابُ الكافِي": الخُلَّةُ تَتَضَمَّنُ كَمالَ المَحَبَّةِ ونِهايَتَها، بِحَيْثُ لا يَبْقى في القَلْبِ سَعَةٌ لِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ، وهي مَنصِبٌ لا يَقْبَلُ المُشارَكَةَ بِوَجْهٍ ما، وهَذا المَنصِبُ خاصَّةٌ لِلْخَلِيلَيْنِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما - إبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ، كَما قالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا» .

وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِن أهْلِ الأرْضِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا، ولَكِنَّ صاحِبَكم خَلِيلُ اللَّهِ» .

وفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنِّي أبْرَأُ إلى كُلِّ خَلِيلٍ مِن خُلَّتِهِ» .

ولَمّا سَألَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - (p-١٥٨٢)الوَلَدَ، فَأُعْطِيَهُ، فَتَعَلَّقَ حُبُّهُ بِقَلْبِهِ، فَأخَذَ مِنهُ شُعْبَةً، غارَ الحَبِيبُ عَلى خَلِيلِهِ أنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِهِ، فَأُمِرَ بِذَبْحِهِ، وكانَ الأمْرُ في المَنامِ لِيَكُونَ تَنْفِيذُ المَأْمُورِ بِهِ أعْظَمَ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ولَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ ذَبْحَ الوَلَدِ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ ذَبْحُهُ مِن قَلْبِهِ؛ لِيَخْلُصَ القَلْبُ لِلرَّبِّ، فَلَمّا بادَرَ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى الِامْتِثالِ، وقَدَّمَ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلى مَحَبَّةِ ولَدِهِ حَصَلَ المَقْصُودُ، فَرُفِعَ الذَّبْحُ وفُدِيَ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى ما أمَرَ بِشَيْءٍ ثُمَّ أبْطَلَهُ رَأْسًا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يُبْقِيَ بَعْضَهُ أوْ بَدَلَهُ، كَما أبْقى شَرِيعَةَ الفِداءِ، وكَما أبْقى اسْتِحْبابَ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ المُناجاةِ، وكَما أبْقى الخَمْسَ الصَّلَواتِ بَعْدَ رَفْعِ الخَمْسِينَ، وأبْقى ثَوابَها، وقالَ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] [ق: ٢٩]، هي خَمْسٌ في الفِعْلِ وخَمْسُونَ في الأجْرِ.

ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ قُدِّسَ سِرُّهُ: وأمّا ما يَظُنُّهُ بَعْضُ الظّانِّينَ أنَّ المَحَبَّةَ أكْمَلُ مِنَ الخُلَّةِ وأنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ حَبِيبُ اللَّهِ - فَمِن جَهْلِهِ، فَإنَّ المَحَبَّةَ عامَّةٌ والخُلَّةَ خاصَّةٌ، والخُلَّةُ نِهايَةُ المَحَبَّةِ، وقَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ خَلِيلٌ غَيْرُ رَبِّهِ، مَعَ إخْبارِهِ بِحُبِّهِ لِعائِشَةَ ولِأبِيها ولِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وغَيْرِهِمْ.

وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ: ﴿يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البَقَرَةِ: ٢٢٢] و: ﴿يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] و: ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] [البَقَرَةِ: ١٩٥] (p-١٥٨٣)و: ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] [آلِ عِمْرانَ: ٧٦] و: ﴿يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] [المُمْتَحَنَةِ: ٨] وخُلَّتُهُ خاصَّةٌ بِالخَلِيلَيْنِ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - والشّابُّ التّائِبُ حَبِيبُ اللَّهِ، وإنَّما هَذا عَنْ قِلَّةِ العِلْمِ والفَهْمِ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ. انْتَهى.

وقَدْ تَمَسَّكَ مَن زَعَمَ أنَّ المَحَبَّةَ أصْفى مِنَ الخُلَّةِ بِما رَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «جَلَسَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتّى إذا دَنا مِنهم سَمِعَهم يَتَذاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وإذا بَعْضُهم يَقُولُ: عَجَبًا إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِن خَلْقِهِ خَلِيلًا، فَإبْراهِيمَ خَلِيلُهُ. وقالَ آخَرُ: ماذا بِأعْجَبَ مِن أنْ كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا. وقالَ الآخَرُ: فَعِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ. وقالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ.

فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وقالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلامَكم وتَعَجُّبَكُمْ، إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وهو كَذَلِكَ، ومُوسى كَلِيمُهُ، وعِيسى رُوحُهُ وكَلِمَتُهُ، وآدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ، وهو كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ قالَ: ألا وإنِّي حَبِيبُ اللَّهِ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافِعٍ وأوَّلُ مُشَفَّعٍ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ مَن يُحَرِّكُ حَلَقَةَ الجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي ويُدْخِلُنِيها ومَعِيَ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ ولا فَخْرَ، وأنا أكْرَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ، ولِبَعْضِهِ شَواهِدُ في الصِّحاحِ وغَيْرِها. انْتَهى.

قُلْتُ: ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا في جامِعِهِ في فَضائِلِهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

(p-١٥٨٤)وظاهِرٌ أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: ألا وإنِّي حَبِيبُ اللَّهِ - لا يَدُلُّ عَلى أنَّ دَرَجَةَ المَحَبَّةِ أرْفَعُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُورَدْ لِلتَّفاضُلِ بَيْنَهُما، وإنَّما سِيقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ ما بَعْدَها لِلتَّعْرِيفِ بِقَدْرِهِ الجَسِيمِ، وفَضْلِهِ العَظِيمِ، وبَيانِ خَصائِصِهِ الَّتِي لَمْ تَجْتَمِعْ قَبْلُ في مَخْلُوقٍ، وما يُدانُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن حَقِّهِ الَّذِي هو أرْفَعُ الحُقُوقِ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١] [المُدَّثِّرِ: ٣١].

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ قالَ: "لَمّا اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ألْقى في قَلْبِهِ الوَجَلَ، حَتّى إنَّ خَفَقانَ قَلْبِهِ لَيُسْمَعُ مِن بَعِيدٍ كَما يُسْمَعُ خَفَقانُ الطَّيْرِ في الهَواءِ" وهَكَذا جاءَ في صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المِرْجَلِ - إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها - مِنَ البُكاءِ.

4:126Page 98

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [١٢٦]

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، بِبَيانِ أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ لَهُ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا، لا يَخْرُجُ عَنْ مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُجازِي كُلًّا بِمُوجَبِ أعْمالِهِ خَيْرًا وشَرًّا.

وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اتِّخاذَهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيلًا لَيْسَ لِاحْتِياجِهِ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِهِ كَما هو دَأْبُ الآدَمِيِّينَ - فَإنَّ مَدارَ خُلَّتِهِمُ افْتِقارُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ في مَصالِحِهِمْ - بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِمَتِهِ وتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ الخُلَّةَ لا تُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ.

(p-١٥٨٥)وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اصْطِفاءَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – لِلْخُلَّةِ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى، أيْ: لَهُ تَعالى ما فِيهِما جَمِيعًا، يَخْتارُ مِنهُما ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ يَعْنِي عالِمًا عِلْمَ إحاطَةٍ، لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن عِبادِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ [سبإ: ٣] [يُونُسَ: ٦١].

4:127Page 98

وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا ١٢٧

And they request from you, [O Muḥammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allāh gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them1 - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allāh is ever Knowing of it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [١٢٧]

﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ أيْ: ويَسْألُونَكَ الإفْتاءَ في النِّساءِ، والإفْتاءُ تَبْيِينُ المُبْهَمِ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ ذَكَرُوا في (ما) وُجُوهًا: المُخْتارُ مِنها أنَّها في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالعَطْفِ عَلى المُبْتَدَأِ، وهو لَفْظُ الجَلالَةِ، أيْ: والمَتْلُوُّ في الكِتابِ يُفْتِيكم فِيهِنَّ أيْضًا، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِهِ فِي: " يُفْتِيكم " وساغَ لِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ والجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ المَتْلُوُّ في الكِتابِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]

قالَ الرّازِيُّ: وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم كانُوا قَدْ سَألُوا عَنْ (p-١٥٨٦)أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِن أحْوالِ النِّساءِ، فَما كانَ مِنها غَيْرَ مُبَيَّنِ الحُكْمِ ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يُفْتِيهِمْ فِيها، وما كانَ مِنها مُبَيَّنَ الحُكْمِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الآياتِ المَتْلُوَّةَ تُفْتِيهِمْ فِيها، وجَعَلَ دَلالَةَ الكِتابِ عَلى هَذا الحُكْمِ إفْتاءً مِنَ الكِتابِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ في المَشْهُورِ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ بَيَّنَ لَنا هَذا الحُكْمَ، وكَما جازَ هَذا جازَ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ أفْتى بِكَذا.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ ودَوامِها، و(فِي الكِتابِ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أيْ: يُتْلى كائِنًا فِيهِ.

﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أيْ: ما يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ، وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى (مِن) لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، وقِيلَ: مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ: النِّساءِ اليَتامى.

﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أيْ: ما وجَبَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها – قالَتْ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ، هو ولِيُّها ووارِثُها، فَأشْرَكَتْهُ في مالِهِ حَتّى في العِذْقِ، فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها، ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ بِما شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلَها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وعَنْها أيْضًا قالَتْ: وقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: (p-١٥٨٧)﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ.

وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ، وأنَّ الجارَّ المُقَدَّرَ مَعَ (أنْ) هُنا هو (عَنْ) وقَدْ تَأوَّلَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، أيْ: تَقْدِيرُ (عَنْ) و(فِي) فَقالَ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ والغَنِيَّةِ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: والمَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ أوْضَحُ في أنَّ الآيَةَ الأُولى - أيِ: الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ - نَزَلَتْ في الغَنِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَقْصُودُ أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ في حِجْرِهِ يَتِيمَةٌ يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُها فَتارَةً يَرْغَبُ في أنْ يَتَزَوَّجَها فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُمْهِرَها أُسْوَةَ أمْثالِها مِنَ النِّساءِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَعْدِلْ إلى غَيْرِها مِنَ النِّساءِ، فَقَدْ وسَّعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ - وهَذا المَعْنى في الآيَةِ الأُولى الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ - وتارَةً لا يَكُونُ لَهُ فِيها رَغْبَةٌ لِدَمامَتِها عِنْدَهُ - أوْ في نَفْسِ الأمْرِ - فَنَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَعْضُلَها عَنِ الأزْواجِ خَشْيَةَ أنْ يُشْرِكُوهُ في مالِهِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَها، كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ الآيَةَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةِ فَيُلْقِي عَلَيْها ثَوْبَهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَتَزَوَّجَها أبَدًا، فَإنْ كانَتْ (p-١٥٨٨)جَمِيلَةً وهَوِيَها تَزَوَّجَها وأكَلَ مالَها، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً مَنَعَها الرِّجالَ أبَدًا حَتّى تَمُوتَ، فَإذا ماتَتْ ورِثَها، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ ونَهى عَنْهُ.

تَنْبِيهٌ: ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى المَعْنَيَيْنِ، أيْ: أنَّ حَرْفَ الجَرِّ المُقَدَّرِ مَعَ (أنْ) هو (عَنْ) و(فِي) وأنَّ كُلًّا مِنهُما مُرادٌ مِنها عَلى سَبِيلِ البَدَلِ لِصَلاحِيَّتِها لَهُما بِالِاعْتِبارَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.

قالَ الخَفاجِيُّ: مِثْلُهُ لا يُعَدُّ لَبْسًا بَلْ إجْمالًا، كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. انْتَهى.

قُلْتُ: وهَذا بِناءً عَلى أنَّ اللَّبْسَ هو أنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلى غَيْرِ المُرادِ، والإجْمالَ أنْ لا تَتَّضِحَ الدَّلالَةُ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إيرادُ الكَلامِ عَلى وجْهٍ يَحْتَمِلُ أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً، وقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمُ الفَرْقَ بَيْنَهُما فَقالَ:

؎والفَرْقُ بَيْنَ اللَّبْسِ والإجْمالِ مِمّا بِهِ يُهْتَمُّ في الأقْوالِ

؎فاللَّفْظُ إنْ أفْهَمْ غَيْرَ القَصْدِ ∗∗∗ فاحْكم عَلى اسْتِعْمالِهِ بِالرَّدِّ

؎لِأنَّهُ اللَّبْسُ. وأمّا المُجْمَلُ ∗∗∗ فَرُبَّما يَفْهَمُهُ مَن يَعْقِلُ

؎وذاكَ أنْ لا تَفْهَمَ المُخالِفا ∗∗∗ ولا سِواهُ بَلْ تَصِيرُ واقِفًا

؎وحُكْمُهُ القَبُولُ في المَوارِدِ ∗∗∗ فاحْفَظْهُ نَظْمًا أعْظَمُ الفَوائِدِ

﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ عَطْفٌ (عَلى يَتامى النِّساءِ) وما يُتْلى في حَقِّهِمْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] إلَخْ، وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَهُمْ، كَما لا يُوَرِّثُونَ الرِّجالَ القُوّامَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الآيَةِ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ ولا البَناتِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي سَهْمٍ سَهْمَهُ، فَقالَ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، وكَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ بِالجَرِّ، عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وما يُتْلى في حَقِّهِمْ: قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٥٨٩)﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] [النِّساءِ: ٢] ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: كَما أنَّها إذا كانَتْ ذاتَ جَمالٍ ومالٍ نَكَحْتَها واسْتَأْثَرْتَ بِها كَذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنْ ذاتَ مالٍ وجِمالٍ فانْكَحْها واسْتَأْثِرْ بِها، والخِطابُ لِلْوُلاةِ أوْ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

اسْتُنْبِطَ مِن الآيَةِ أحْكامٌ:

الأوَّلُ: جَوازُ نِكاحِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأنَّ اليَتِيمَ: الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، وفي الحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ» رَواهُ أبُو داوُدَ.

وعَنِ الأصَمِّ: أرادَ البَوالِغَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، وسَمّاهُنَّ بِاليُتْمِ لِقُرْبِ عَهْدِهِنَّ بِاليُتْمِ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ الحَقِيقَةُ، قالُوا: قَدْ يُطْلَقُ اليَتِيمُ عَلى البالِغَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ في نَفْسِها، فَإنْ سَكَتَتْ فَهو إذْنُها، وإنْ أبَتْ فَلا جَوازَ عَلَيْها» رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ، والِاسْتِئْمارُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ البالِغَةِ، وقَدْ ورَدَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إنَّ القُبُورَ تَنْكِحُ الأيامى النِّسْوَةَ الأرامِلَ اليَتامى

(p-١٥٩٠)فَسَمّى البالِغاتِ يَتامى؛ لِانْفِرادِهِنَّ عَنِ الأزْواجِ، وكُلُّ شَيْءٍ مُنْفَرِدٌ لا نَظِيرَ لَهُ يُقالُ لَهُ يَتِيمٌ، كَقَوْلِهِمْ: "دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ" وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ:

الأوَّلُ: جَوازُ نِكاحِ الصَّغِيرَةِ لِجَمِيعِ الأوْلِياءِ، وهَذا مَذْهَبُ الهادَوِيَّةِ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ.

الثّانِي: لِلنّاصِرِ والشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلْأبِ والجَدِّ.

والثّالِثُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلْأبِ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، ومَرْوِيٌّ عَنِ القاسِمِ.

دَلِيلُ الأوَّلَيْنِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ وهي نَزَلَتْ في شَأْنِ اليَتِيمَةِ يَنْكِحُها ولِيُّها ولا يُقْسِطُ لَها في المَهْرِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يُقْسِطُوا في المَهْرِ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] واليُتْمُ الحَقِيقِيُّ مَعَ الصِّغَرِ، وغَيْرُهُ مَجازٌ، وأدْنى الأوْلِياءِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ النِّكاحُ ابْنُ العَمِّ، فَإذا صَحَّ فِيهِ صَحَّ.

وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي قَوْلُهُ ﷺ: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ» الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، والإذْنُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البُلُوغِ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والدّارَقُطْنِيُّ أنَّ قُدامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَةِ أخِيهِ - وكانَ وصِّيَها - مِمَّنْ أبَتْهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «هِيَ يَتِيمَةٌ ولا تُنْكَحُ إلّا بِإذْنِها» كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ.

وتَخْرِيجُ الأحادِيثِ مِن زِيادَتِي، وما نَقَلَهُ مِن أنَّ الإذْنَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البُلُوغِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ؛ إذْ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ الخَبَرُ بِمَنطُوقِهِ ولا مَفْهُومِهِ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ": وفي حَدِيثِ: «لا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتّى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتّى تُسْتَأْذَنَ»: ظاهِرُ الحَدِيثِ اشْتِراطُ رِضاءِ المُزَوَّجَةِ بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا، صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً. انْتَهى.

قالَ التِّرْمِذِيُّ في "جامِعِهِ": وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَجُوزُ نِكاحُ اليَتِيمَةِ حَتّى تَبْلُغَ.

وقالَ (p-١٥٩١)أحْمَدُ وإسْحاقُ: إذا بَلَغَتِ اليَتِيمَةُ سَبْعَ سِنِينَ فَزُوِّجَتْ فَرَضِيَتْ فالنِّكاحُ جائِزٌ، ولا خِيارَ لَها إذا أدْرَكَتْ، واحْتَجّا بِحَدِيثِ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَنى بِها وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ». وقَدْ قالَتْ عائِشَةُ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهي امْرَأةٌ. انْتَهى.

الحُكْمُ الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّى طَرَفَيِ العَقْدِ واحِدٌ في النِّكاحِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾

وقَدْ رَوى ابْنُ سَعْدٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خالِدٍ، أنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ قارِظٍ قالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: إنَّهُ قَدْ خَطَبَنِي غَيْرُ واحِدٍ، فَزَوِّجْنِي أيَّهم رَأيْتَ، قالَ: وتَجْعَلِينَ ذَلِكَ إلَيَّ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، قالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ، قالابْنُ أبِي ذِئْبٍ: فَجازَ نِكاحُهُ.

ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، ووَكِيعٌ، والبَيْهَقِيُّ أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً وهو ولِيُّها، فَأمَرَ أبْعَدَ مِنهُ، فَزَوَّجَهُ.

ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: امْرَأةٌ خَطَبَها ابْنُ عَمٍّ لَها، لا رَجُلَ لَها غَيْرُهُ، قالَ: فَلْتُشْهِدْ أنَّ فُلانًا خَطَبَها، وإنِّي أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ نَكَحْتُهُ، ولْتَأْمُرْ رَجُلًا مِن عَشِيرَتِها.

(p-١٥٩٢)أخْرَجَ هَذِهِ الآثارَ الثَّلاثَةَ البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ" تَعْلِيقًا في (بابِ إذا كانَ الوَلِيُّ هو الخاطِبَ) أيْ: هَلْ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ أوْ يَحْتاجُ إلى ولِيٍّ آخَرَ.

قالَ ابْنُ المُنِيرِ: ذَكَرَ في التَّرْجَمَةِ ما يَدُلُّ عَلى الجَوازِ والمَنعِ مَعًا؛ لِيَكِلَ الأمْرَ في ذَلِكَ إلى نَظَرِ المُجْتَهِدِ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِن صَنِيعِهِ أنَّهُ يَرى الجَوازَ، فَإنَّ الآثارَ الَّتِي فِيها أمْرُ الوَلِيِّ غَيْرَهُ أنْ يُزَوِّجَهُ - لَيْسَ فِيها التَّصْرِيحُ بِالمَنعِ مِن تَزْوِيجِهِ نَفْسَهُ.

ثُمَّ قالَ: وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَقالَ الأوْزاعِيُّ ورَبِيعَةُ والثَّوْرِيُّ ومالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأكْثَرُ أصْحابِهِ: يُزَوِّجُ الوَلِيُّ نَفْسَهُ، ووافَقَهم أبُو ثَوْرٍ.

وعَنْ مالِكٍ: لَوْ قالَتِ الثَّيِّبُ لِوَلِيِّها: زَوِّجْنِي بِمَن رَأيْتَ، فَزَوَّجَها مِن نَفْسِهِ أوْ مِمَّنِ اخْتارَ لَزِمَها ذَلِكَ، ولَوْ لَمْ تَعْلَمْ عَيْنَ الزَّوْجِ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: يُزَوِّجُهُما السُّلْطانُ أوْ ولِيٌّ آخَرُ مِثْلُهُ، أوْ أقْعَدُ مِنهُ، ووافَقَهُ زُفَرُ وداوُدُ، وحُجَّتُهم أنَّ الوِلايَةَ شَرْطٌ في العَقْدِ، فَلا يَكُونُ النّاكِحُ مُنْكِحًا، كَما لا يَبِيعُ مِن نَفْسِهِ. انْتَهى.

الحُكْمُ الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأوْلِياءِ التَّصَرُّفُ في المالِ؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ.

﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ لا سِيَّما في حَقِّ الضُّعَفاءِ مِن حِفْظِ أمْوالِهِمْ والقِيامِ بِتَدْبِيرِهِمْ والإقْساطِ لَهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ فَيَجْزِيكم بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском