Al-QasimiAn‑Nisa · 4:11–13

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:11–13

4:11Page 78

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١

Allāh instructs you concerning your children [i.e., their portions of inheritance]: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate.1 And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [and/or sisters], for his mother is a sixth,2 after any bequest he [may have] made or debt.3 Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allāh. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

(p-١١٣٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١١]

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ المَوارِيثِ المُجْمَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] إلَخْ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ والَّتِي بَعْدَها والآيَةُ الَّتِي هي خاتِمَةُ هَذِهِ السُّوَرَةِ - هُنَّ آياتُ عِلْمِ الفَرائِضِ، وهو مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ، ومِنَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ مِمّا هو كالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ، انْتَهى.

والمَعْنى: يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ ويَعْهَدُ إلَيْكم في شَأْنِ مِيراثِ أوْلادِكم بَعْدَ مَوْتِكم ﴿لِلذَّكَرِ﴾ أيْ: مِنهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: نَصِيبِهِما اجْتِماعًا وانْفِرادًا.

أمّا الأوَّلُ: فَإنَّهُ يُعَدُّ كُلُّ ذَكَرٍ بِأُنْثَيَيْنِ، في مِثْلِ ابْنٍ مَعَ بِنْتَيْنِ، وابْنِ ابْنٍ مَعَ بِنْتَيِ ابْنٍ، وهَكَذا في السّافِلِينَ، فَيَضْعَفُ نَصِيبُهُ ويَأْخُذُ سَهْمَيْنِ، كَما أنَّ لَهُما سَهْمَيْنِ.

وأمّا الثّانِي فَإنَّ لَهُ الكُلَّ وهو ضِعْفُ نَصِيبِ البِنْتِ الواحِدَةِ، لِأنَّهُ جُعِلَ لَها في حالِ انْفِرادِها النِّصْفُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ لِلذَّكَرِ - عِنْدَ انْفِرادِهِ - مِثْلَيْ نَصِيبِها عِنْدَ انْفِرادِها، وذَلِكَ الكامِلُ، فالمَذْكُورُ هُنا مِيراثُ الذَّكَرِ مُطْلَقًا، مُجْتَمِعًا مَعَ الإناثِ ومُنْفَرِدًا، كَما حَقَّقَهُ صاحِبُ "الِانْتِصافِ".

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ: اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِدُخُولِ أوْلادِ الِابْنِ في لَفْظِ (الأوْلادِ) لِلْإجْماعِ عَلى إرْثِهِمْ، دُونَ أوْلادِ البِنْتِ.

(p-١١٣٩)لَطائِفُ:

الأُولى: وجْهُ الحِكْمَةِ في تَضْعِيفِ نَصِيبِ الذَّكَرِ هو احْتِياجُهُ إلى مُؤْنَةِ النَّفَقَةِ ومُعاناةِ التِّجارَةِ والتَّكَسُّبِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ، فَهو إلى المالِ أحْوَجُ، ولِأنَّهُ لَوْ كَمُلَ نَصِيبُها - مَعَ أنَّها قَلِيلَةُ العَقْلِ، كَثِيرَةُ الشَّهْوَةِ - لَأتْلَفَتْهُ في الشَّهَواتِ إسْرافًا، ولِأنَّها قَدْ تُنْفِقُ عَلى نَفْسِها فَقَطْ، وهو عَلى نَفْسِهِ وزَوْجَتِهِ.

الثّانِيَةُ: لَمْ يَقُلْ: لِلذَّكَرِ ضِعْفُ نَصِيبِ الأُنْثى؛ لِأنَّ الضِّعْفَ يَصْدُقُ عَلى المِثْلَيْنِ فَصاعِدًا، فَلا يَكُونُ نَصًّا، ولَمْ يَقُلْ: لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرِ، ولا لِلْأُنْثى نِصْفُ حَظِّ الذَّكَرِ؛ تَقْدِيمًا لِلذَّكَرِ بِإظْهارِ مَزِيَّتِهِ عَلى الأُنْثى، ولَمْ يَقُلْ: لِلذَّكَرِ مِثْلا نَصِيبِ الأُنْثى؛ لِأنَّ المِثْلَ في المِقْدارِ لا يَتَعَدَّدُ إلّا بِتَعَدُّدِ الأشْخاصِ، ولَمْ يُعْتَبَرْ هَهُنا.

الثّالِثَةُ: إيثارُ اسْمَيِ (الذَّكَرِ والأُنْثى) عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاسْتِحْقاقِ، مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلْبُلُوغِ والكِبَرِ في ذَلِكَ أصْلًا، كَما هو زَعْمُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ، كالنِّساءِ.

الرّابِعَةُ: اسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنَ الوالِدَةِ بِوَلَدِها، حَيْثُ أوْصى الوالِدَيْنِ بِأوْلادِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّهُ أرْحَمُ بِهِمْ مِنهم.

كَما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقَدْ «رَأى امْرَأةً (p-١١٤٠)مِنَ السَّبْيِ، فُرِّقَ بَيْنَها وبَيْنَ ولَدِها فَجَعَلَتْ تَدُورُ عَلى ولَدِها، فَلَمّا وجَدَتْهُ مِنَ السَّبْيِ أخَذَتْهُ فَألْصَقَتْهُ بِصَدْرِها وأرْضَعَتْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: أتَرَوْنَ هَذِهِ طارِحَةً ولَدَها في النّارِ وهي تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَواللَّهِ! لَلَّهُ أرْحَمُ بِعِبادِهِ مِن هَذِهِ بِوَلَدِها» .

﴿فَإنْ كُنَّ﴾ أيِ: الأوْلادُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساءً﴾ يَعْنِي بَناتٍ خُلَّصًا لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ صِفَةٌ لِـ(نِساءً) أيْ: نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أيِ: المُتَوَفّى المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ الثُّلُثَيْنِ فَرِيضَةُ الثَّلاثِ مِنَ البَناتِ فَصاعِدًا حَيْثُ لا ذِكْرَ مَعَهُنَّ، ولَمْ يُسَمَّ لِلْبِنْتَيْنِ فَرِيضَةٌ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في فَرِيضَتِهِما، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَهُما - إذا انْفَرَدَتا عَنِ البَنِينَ – الثُّلُثَيْنِ.

وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّ فَرِيضَتَهُما النِّصْفُ، احْتَجَّ الجُمْهُورُ بِالقِياسِ عَلى الأُخْتَيْنِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ في شَأْنِهِما: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَألْحَقُوا البِنْتَيْنِ بِالأُخْتَيْنِ في اسْتِحْقاقِهِما الثُّلُثَيْنِ، كَما ألْحَقُوا الأخَواتِ - إذا زِدْنَ عَلى اثْنَتَيْنِ - بِالبَناتِ، في الِاشْتِراكِ في الثُّلُثَيْنِ.

وقِيلَ: في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ لِلْواحِدَةِ مَعَ أخِيها الثُّلُثُ، كانَ لِلِابْنَتَيْنِ - إذا انْفَرَدَتا - الثُّلُثانِ، هَكَذا احْتَجَّ بِهَذِهِ الحُجَّةِ إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ والمُبَرِّدُ.

قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الِاحْتِجاجُ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ غَلَطٌ؛ لِأنَّ الِاخْتِلافَ في البِنْتَيْنِ إذا انْفَرَدَتا عَنِ البَنِينَ، وأيْضًا لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: إذا تَرَكَ بِنْتَيْنِ وابْنًا فَلِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفُ، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا فَرْضُهُما.

ويُمْكِنُ تَأْيِيدُ ما احْتَجَّ بِهِ الجُمْهُورُ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا فَرَضَ لِلْبِنْتِ الواحِدَةِ النِّصْفَ إذا انْفَرَدَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ كانَ فَرْضُ البِنْتَيْنِ - إذا انْفَرَدَتا - فَوْقَ فَرْضِ الواحِدَةِ، وأوْجَبَ القِياسُ عَلى الأُخْتَيْنِ (p-١١٤١)الِاقْتِصارَ لِلْبِنْتَيْنِ عَلى الثُّلُثَيْنِ.

وقِيلَ إنَّ (فَوْقَ) زائِدَةٌ، والمَعْنى: إنْ كُنَّ نِساءً اثْنَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] [الأنْفالِ: مِنَ الآيَةِ ١٢] أيِ: الأعْناقَ.

ورَدَّ هَذا النَّحّاسُ وابْنُ عَطِيَّةَ فَقالا: هو خَطَأٌ؛ لِأنَّ الظُّرُوفَ وجَمِيعَ الأسْماءِ لا يَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تُزادَ لِغَيْرِ مَعْنًى.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولِأنَّ قَوْلَهُ (فَوْقَ الأعْناقِ) هو الفَصِيحُ ولَيْسَتْ (فَوْقَ) زائِدَةً بَلْ هي مُحْكَمَةُ المَعْنى؛ لِأنَّ ضَرْبَةَ العُنُقِ إنَّما يَجِبُ أنْ تَكُونَ فَوْقَ العِظامِ في المَفْصِلِ دُونَ الدِّماغِ، كَما قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: اخْفِضْ عَنِ الدِّماغِ وارْفَعْ عَنِ العَظْمِ، فَهَكَذا كُنْتُ أضْرِبُ أعْناقَ الأبْطالِ، انْتَهى.

وأيْضًا لَوْ كانَ لَفْظُ (فَوْقَ) زائِدًا كَما قالُوا، لَقالَ: فَلَهُما ثُلُثا ما تَرَكَ، ولَمْ يَقُلْ: فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ.

وأوْضَحُ ما يُحْتَجُّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ (p-١١٤٢)والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ فِي: "سُنَنِهِ" عَنْ جابِرٍ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْها مِن سَعْدٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ هاتانِ ابْنَتا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أبُوهُما مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وإنَّ عَمَّهُما أخَذَ مالَهُما فَلَمْ يَدَعْ لَهُما مالًا، ولا تُنْكَحانِ إلّا ولَهُما مالٌ، فَقالَ: يَقْضِي اللَّهُ في ذَلِكَ فَنَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عَمِّهِما فَقالَ: أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وأُمَّهُما الثُّمُنَ، وما بَقِيَ فَهو لَكَ» أخْرَجُوهُ مِن طُرُقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جابِرٍ.

قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، وقَدْ رَواهُ شَرِيكٌ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ مِن حَدِيثِهِ، كَذا فِي: "فَتْحِ البَيانِ".

﴿وإنْ كانَتْ﴾ أيِ: المَوْلُودَةُ ﴿واحِدَةً﴾ أيِ: امْرَأةً واحِدَةً لَيْسَ مَعَها أخٌ ولا أُخْتٌ ﴿فَلَها النِّصْفُ﴾ أيْ: نِصْفُ ما تَرَكَ، ولَمْ يُكَمَّلْ لَها لِأنَّها ناقِصَةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ لَها الثُّلُثانِ اللَّذانِ هُما نَصِيبُ الِابْنِ مَعَها. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ مِيراثِ الأوْلادِ مِيراثَ الوالِدَيْنِ فَقالَ: ﴿ولأبَوَيْهِ﴾ أيِ: المَيِّتِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وجازَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالأبَوَيْنِ الأبُ والأُمُّ، والتَّثْنِيَةُ عَلى لَفْظِ الأبِ لِلتَّغْلِيبِ ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ﴾ مِنَ المالِ ﴿إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ لِلْمَيِّتِ ﴿ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أيْ ثُلُثُ المالِ مِمّا تَرَكَ، والباقِي لِلْأبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، لَكِنْ قُرِّرَ لَها الثُّلُثُ تَنْزِيلًا لَها مَنزِلَةَ البِنْتِ مَعَ الِابْنِ لا مُنْفَرِدَةً؛ حَطًّا لَها عَنْ دَرَجَتِها؛ لِقِيامِ البِنْتِ مَقامَ المَيِّتِ في الجُمْلَةِ، قالَهُ المَهايِمِيُّ.

﴿فَإنْ كانَ لَهُ﴾ أيْ: لِلْمَيِّتِ ﴿إخْوَةٌ﴾ مِنَ الأبِ والأُمِّ، أوْ مِنَ الأبِ أوْ مِنَ الأُمِّ، ذُكُورًا أوْ إناثًا ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ يَعْنِي لِأُمِّ المَيِّتِ سُدُسُ التَّرِكَةِ ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الفُرُوضُ المَذْكُورَةُ إنَّما تُقَسَّمُ لِلْوَرَثَةِ مِن بَعْدِ إنْفاذِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها المَيِّتُ إلى الثُّلُثِ، ومِن بَعْدِ قَضاءِ دَيْنٍ عَلى المَيِّتِ.

وقُرِئَ في (السَّبْعِ): يُوصِي مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ولِلْفاعِلِ.

(p-١١٤٣)قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: أجْمَعَ العُلَماءُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ عَلى أنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلى الوَصِيَّةِ.

ورَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وأصْحابُ التَّفاسِيرِ مِن حَدِيثِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأعْوَرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾ وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ، وإنَّ أعْيانَ بَنِي الأُمِّ يَتَوارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلّاتِ، الرَّجُلُ يَرِثُ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ دُونَ أخِيهِ لِأبِيهِ» .

ثُمَّ قالَ التِّرْمِذِيُّ: لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الحارِثِ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، لَكِنْ كانَ حافِظًا لِلْفَرائِضِ، مُعْتَنِيًا بِها وبِالحِسابِ، فاللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ السُّيُوطِيُّ فِي: "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ أنَّ المِيراثَ إنَّما يُقَسَّمُ بَعْدَ قَضاءِ الدَّيْنِ وتَنْفِيذِ الوَصايا، وفِيها مَشْرُوعِيَّةُ الوَصِيَّةِ، واسْتَدَلَّ بِتَقْدِيمِها في الذِّكْرِ مَن قالَ بِتَقْدِيمِها عَلى الدَّيْنِ في التَّرِكَةِ، وأجابَ مَن أخَّرَها بِأنَّها قُدِّمَتْ؛ لِئَلّا يُتَهاوَنَ بِها، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن أجازَ الوَصِيَّةَ بِما قَلَّ أوْ كَثُرَ، ولَوِ اسْتَغْرَقَ المالَ، ومَن أجازَها لِلْوارِثِ والكافِرِ، حَرْبِيًّا أوْ ذِمِّيًّا، واسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ: إنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ انْتِقالَ التَّرِكَةِ إلى مِلْكِ الوارِثِ، ومَن قالَ: إنَّ دَيْنَ الحَجِّ والزَّكاةِ مُقَدَّمٌ عَلى المِيراثِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ دَيْنٍ﴾ انْتَهى.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ الأطْوَلِ «أنَّ أخاهُ ماتَ وتَرَكَ ثَلاثَ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وتَرَكَ عِيالًا فَأرَدْتُ أنْ أُنْفِقَها عَلى عِيالِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ أخاكَ مُحْتَبَسٌ بِدَيْنِهِ فاقْضِ عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أدَّيْتُ عَنْهُ، إلّا دِينارَيْنِ ادَّعَتْهُما امْرَأةٌ ولَيْسَ لَها بَيِّنَةٌ، قالَ: فَأعْطِها فَإنَّها مُحِقَّةٌ» .

(p-١١٤٤)لَطِيفَةٌ:

(فائِدَةٌ) وصْفُ الوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوصِي بِها﴾ هو التَّرْغِيبُ في الوَصِيَّةِ والنَّدْبُ إلَيْها.

وإيثارُ (أوِ) المُفِيدَةِ لِلْإباحَةِ في قَوْلِهِ: (أوْ دَيْنٍ) عَلى (الواوِ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَساوِيهِما في الوُجُوبِ، وتَقَدُّمِهِما عَلى القِسْمَةِ مَجْمُوعَيْنِ أوْ مُنْفَرِدَيْنِ، وتَقْدِيمُ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ - ذِكْرًا مَعَ تَأخُّرِها عَنْهُ حُكْمًا - ما قَدَّمْنا مِن إظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَنْفِيذِها؛ لِكَوْنِها مَظِنَّةَ التَّفْرِيطِ في أدائِها ولِاطِّرادِها، بِخِلافِ الدَّيْنِ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ أيْ: لا تَعْلَمُونَ مَن أنْفَعُ لَكم مِمَّنْ يَرِثُكم مِن أُصُولِكم وفُرُوعِكم في عاجِلِكم وآجِلِكُمْ، والمَعْنى: فَرَضَ اللَّهُ الفَرائِضَ - عَلى ما هو - عَلى حِكْمَةٍ، ولَوْ وكَلَ ذَلِكَ إلَيْكم لَمْ تَعْلَمُوا أيُّهم أنْفَعُ لَكُمْ، فَوَضَعْتُمْ أنْتُمُ الأمْوالَ عَلى غَيْرِ حِكْمَةٍ، والتَّفاوُتُ في السِّهامِ بِتَفاوُتِ المَنافِعِ، وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ تَفاوُتَها، فَتَوَلّى اللَّهُ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ، ولَمْ يَكِلْها إلى اجْتِهادِكم لِعَجْزِكم عَنْ مَعْرِفَةِ المَقادِيرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأمْرِ القِسْمَةِ، ورَدٌّ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ.

قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَّمَكم قِسْمَةَ المَوارِيثِ، وأنَّكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ مَوْتًا فَيَرِثُ مِنهُ الآخَرُ، انْتَهى.

﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ نُصِبَتْ نَصْبَ مَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فَرْضًا، أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى: يَأْمُرُكم ويَفْرِضُ عَلَيْكم.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ أيْ: بِالمَصالِحِ والرُّتَبِ ﴿حَكِيمًا﴾ أيْ: في كُلِّ ما قَضى وقَدَّرَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيانُ أنْصِباءِ الذَّكَرِ والأُنْثى دُخُولًا أوَّلِيًّا.

4:12Page 79

۞ وَلَكُمۡ نِصۡفُ مَا تَرَكَ أَزۡوَٰجُكُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٞ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡنَۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِينَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡتُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّكُمۡ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَكُمۡ وَلَدٞ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكۡتُمۚ مِّنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ تُوصُونَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۗ وَإِن كَانَ رَجُلٞ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمۡرَأَةٞ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوۡ أُخۡتٞ فَلِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُۚ فَإِن كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمۡ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصَىٰ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍ غَيۡرَ مُضَآرّٖۚ وَصِيَّةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٞ ١٢

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for them [i.e., the wives] is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third,1 after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused].2 [This is] an ordinance from Allāh, and Allāh is Knowing and Forbearing.

(p-١١٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [١٢]

﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ مِنَ المالِ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى مِنكم أوْ مِن غَيْرِكم ﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ عَلى نَحْوِ ما فُصِّلَ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ مِنَ المالِ، والباقِي لِباقِي الوَرَثَةِ ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ اسْتِخْراجِ وصِيَّتِهِنَّ وقَضاءِ دَيْنِهِنَّ ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ مِنَ المالِ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى، مِنهُنَّ أوْ مِن غَيْرِهِنَّ ﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى النَّحْوِ الَّذِي فُصِّلَ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ، وفي تَكْرِيرِ ذِكْرِ الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِما ما لا يَخْفى.

لَطِيفَةٌ:

فِي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الرِّجالَ في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَهم عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ، وحَيْثُ ذَكَرَ النِّساءَ ذَكَرَهُنَّ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، وأيْضًا خاطَبَ اللَّهُ الرِّجالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبْعَ مَرّاتٍ، وذَكَرَ النِّساءَ فِيها عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ، كَما فُضِّلُوا عَلَيْهِنَّ في النَّصِيبِ، كَذا يُسْتَفادُ مِنَ (p-١١٤٦)الرّازِيِّ.

﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ﴾ أيْ: تُورَثُ كَذَلِكَ ﴿ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا﴾ أيِ: الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأُمِّ ﴿أكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن واحِدٍ ﴿فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ يَسْتَوِي فِيهِ ذَكَرُهم وأُنْثاهم.

قالَ المَجْدُ فِي: "القامُوسِ": والكَلالَةُ: مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، أوْ ما لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّسَبِ لَحًّا، أوْ مَن تَكَلَّلَ نَسَبُهُ بِنَسَبِكَ، كابْنِ العَمِّ وشِبْهِهِ، أوْ هي الإخْوَةُ لِلْأُمِّ، أوْ بَنُو العَمِّ الأباعِدُ، أوْ ما خَلا الوالِدَ والوَلَدَ، أوْ هي مِنَ العَصَبَةِ مَن ورِثَ مِنهُ الإخْوَةُ لِلْأُمِّ، فَهَذِهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ مَحْكِيَّةٍ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ.

وقالَ ابْنُ بِرِّيٍّ: اعْلَمْ أنَّ الكَلالَةَ في الأصْلِ هي مَصْدَرُ (كَلَّ المَيِّتُ يَكِلُّ كَلًّا وكَلالَةً) فَهو كَلٌّ إذا لَمْ يُخَلِّفْ ولَدًا ولا والِدًا يَرِثانِهِ، هَذا أصْلُها.

قالَ: ثُمَّ قَدْ تَقَعُ الكَلالَةُ عَلى العَيْنِ دُونَ الحَدَثِ، فَتَكُونُ اسْمًا لِلْمَيِّتِ المَوْرُوثِ، وإنْ كانَتْ في الأصْلِ اسْمًا لِلْحَدَثِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: هَذا خَلْقُ اللَّهِ أيْ: مَخْلُوقُ اللَّهِ.

قالَ: وجازَ أنْ تَكُونَ اسْمًا لِلْوارِثِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ عَدْلٌ أيْ: عادِلٌ، وماءٌ غَوْرٌ أيْ: غائِرٌ.

قالَ: والأوَّلُ هو اخْتِيارُ البَصْرِيِّينَ مِن أنَّ الكَلالَةَ اسْمٌ لِلْمَوْرُوثِ، قالَ: وعَلَيْهِ جاءَ التَّفْسِيرُ في الآيَةِ: إنَّ الكَلالَةَ الَّذِي لَمْ يُخَلِّفْ ولَدًا ولا والِدًا، فَإذا جَعَلْتَها لِلْمَيِّتِ كانَ انْتِصابُها في الآيَةِ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ) تَقْدِيرُهُ: وإنْ كانَ المَوْرُوثُ كَلالَةً، أيْ: كَلّا لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا والِدٌ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ انْتِصابُها عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (يُورَثُ) أيْ: يُورَثُ وهو كَلالَةٌ، وتَكُونُ (كانَ) هي التّامَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ مُفْتَقِرَةً إلى خَبَرٍ.

قالَ: ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ كَما ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ؛ لِأنَّ خَبَرَها لا يَكُونُ إلّا الكَلالَةَ، ولا فائِدَةَ في قَوْلِهِ (يُورَثُ) والتَّقْدِيرُ إنْ وقَعَ أوْ حُضِرَ رَجُلٌ يَمُوتُ كَلالَةً، أيْ: يُورَثُ وهو كَلالَةٌ أيْ: كَلٌّ.

وإنْ جَعَلْتَها لِلْحَدَثِ دُونَ العَيْنِ جازَ انْتِصابُها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ انْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: يُورَثُ وِراثَةً كَلالَةً، كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎ورِثْتُمْ قَناةَ المُلْكِ لا عَنْ كَلالَةٍ

أيْ ورِثْتُمُوها (p-١١٤٧)وِراثَةَ قُرْبٍ لا وِراثَةَ بُعْدٍ.

وقالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:

؎وما سَوَّدَتْنِي عامِرٌ عَنْ كَلالَةٍ ∗∗∗ أبى اللَّهُ أنْ أسْمُوَ بِأُمٍّ ولا أبِ

ومِنهُ قَوْلُهُمْ: هو ابْنُ عَمٍّ كَلالَةً أيْ: بَعِيدُ النَّسَبِ، فَإذا أرادُوا القُرْبَ قالُوا: هو ابْنُ عَمٍّ دِنْيَةً.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الكَلالَةُ مَصْدَرًا واقِعًا مَوْقِعَ الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا، أيْ: راكِضًا، وهو ابْنُ عَمِّي دِنْيَةً أيْ: دانِيًا، وابْنُ عَمِّي كَلالَةً أيْ: بَعِيدًا في النَّسَبِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ) عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: وإنْ كانَ المَوْرُوثُ ذا كَلالَةٍ.

قالَ: فَهَذِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ في نَصْبِ الكَلالَةِ:

أحَدُها: أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ).

والثّانِي: أنْ تَكُونَ حالًا.

الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ.

الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ.

الخامِسُ: أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ) عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، فَهَذا هو الوَجْهُ الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ البَصْرَةِ والعُلَماءُ بِاللُّغَةِ، أعْنِي أنَّ الكَلالَةَ اسْمٌ لِلْمَوْرُوثِ دُونَ الوارِثِ.

قالَ: وقَدْ أجازَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ - وهم أهْلُ الكُوفَةِ - أنْ تَكُونَ الكَلالَةُ اسْمًا لِلْوارِثِ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِأشْياءَ مِنها:

قِراءَةُ الحَسَنِ: (وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورِثُ كَلالَةً) بِكَسْرِ الرّاءِ، فالكَلالَةُ عَلى ظاهِرِ هَذِهِ القِراءَةِ هي ورَثَةُ المَيِّتِ، وهُمُ الإخْوَةُ لِلْأُمِّ.

واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ.

فَإذا ثَبَتَ حُجَّةُ هَذا الوَجْهِ كانَ انْتِصابُ (كَلالَةً) أيْضًا عَلى مِثْلِ ما انْتَصَبَتْ في الوَجْهِ الخامِسِ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو أنْ تَكُونَ خَبَرَ (كانَ) ويُقَدَّرُ حَذْفُ مُضافٍ؛ لِيَكُونَ الثّانِي هو الأوَّلَ، تَقْدِيرُهُ: وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورِثُ ذا كَلالَةٍ، كَما تَقُولُ: ذا قَرابَةٍ لَيْسَ فِيهِمْ ولَدٌ ولا والِدٌ، قالَ: وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يُورِثُ) تَقْدِيرُهُ: ذا كَلالَةٍ.

قالَ: وذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: (p-١١٤٨)(يُورِثُ كَلالَةً) و: (يُوَرِّثُ كَلالَةً) أنَّ مَفْعُولَيْ (يُورِثُ ويُوَرِّثُ) مَحْذُوفانِ أيْ: يُورِثُ وارِثُهُ مالَهُ، قالَ: فَعَلى هَذا يَبْقى (كَلالَةً) عَلى حالِهِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْتُها، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى خَبَرِ (كانَ) أوْ عَلى المَصْدَرِ، وتَكُونُ (الكَلالَةُ) لِلْمَوْرُوثِ لا لِلْوارِثِ.

قالَ: والظّاهِرُ أنَّ الكَلالَةَ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الوارِثِ وعَلى المَوْرُوثِ، والمَصْدَرُ قَدْ يَقَعُ لِلْفاعِلِ تارَةً ولِلْمَفْعُولِ أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ ابْنُ الأثِيرِ: الأبُ والِابْنُ طَرَفانِ لِلرَّجُلِ، فَإذا ماتَ ولَمْ يُخَلِّفْهُما فَقَدْ ماتَ عَنْ ذَهابِ طَرَفَيْهِ، فَسُمِّيَ ذَهابُ الطَّرَفَيْنِ كَلالَةً.

وفِي الأساسِ: ومِنَ المَجازِ: كَلَّ فُلانٌ كَلالَةً، إذا لَمْ يَكُنْ ولَدًا ولا والِدًا، أيْ: كَلَّ عَنْ بُلُوغِ القَرابَةِ المُماسَّةِ.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: ذَكَرَ اللَّهُ الكَلالَةَ في سُورَةِ النِّساءِ في مَوْضِعَيْنِ:

أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾

والمَوْضِعُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] [النِّساءِ: ١٧٦] الآيَةَ.

فَجَعَلَ الكَلالَةَ هُنا الأُخْتَ لِلْأبِ والأُمِّ، والإخْوَةَ لِلْأبِ والأُمِّ، فَجَعَلَ لِلْأُخْتِ الواحِدَةِ نِصْفَ ما تَرَكَ المَيِّتُ، ولِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، ولِلْإخْوَةِ والأخَواتِ جَمِيعَ المالِ بَيْنَهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.

وجَعَلَ لِلْأخِ والأُخْتِ مِنَ الأُمِّ في الآيَةِ الأُولى الثُّلُثَ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ، فَبُيِّنَ بِسِياقِ الآيَتَيْنِ أنَّ الكَلالَةَ تَشْتَمِلُ عَلى الإخْوَةِ لِلْأُمِّ مَرَّةً، ومَرَّةً عَلى الإخْوَةِ والأخَواتِ لِلْأبِ والأُمِّ.

ودَلَّ قَوْلُ الشّاعِرِ أنَّ الأبَ لَيْسَ بِكَلالَةٍ، وأنَّ سائِرَ الأوْلِياءِ مِنَ العَصَبَةِ بَعْدَ الوَلَدِ كَلالَةٌ؛ وهو قَوْلُهُ:

؎فَإنَّ أبا المَرْءِ أحْمى لَهُ ∗∗∗ ومَوْلى الكَلالَةِ لا يَغْضَبُ

(p-١١٤٩)أرادَ: أنَّ أبا المَرْءِ أغْضَبُ لَهُ إذا ظُلِمَ، ومَوالِيَ الكَلالَةِ - وهُمُ الإخْوَةُ والأعْمامُ وبَنُو الأعْمامِ وسائِرُ القِراباتِ - لا يَغْضَبُونَ لِلْمَرْءِ غَضَبَ الأبِ، انْتَهى.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنِّي قَدْ رَأيْتُ في الكَلالَةِ رَأْيًا - فَإنْ كانَ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وإنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطانِ، واللَّهُ بَرِيءٌ مِنهُ - أنَّ الكَلالَةَ ما خَلا الوَلَدَ والوالِدَ.

* *

تَنْبِيهٌ:

اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾: الأخُ والأُخْتُ مِنَ الأُمِّ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ مِن أُمٍّ، وكَذا فَسَّرَها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيما رَواهُ قَتادَةُ عَنْهُ.

قالَ الكَرْخِيُّ: القِراءَةُ الشّاذَّةُ كَخَبَرِ الآحادِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ.

وأطْلَقَ الشّافِعِيُّ الِاحْتِجاجَ بِها، فِيما حَكاهُ البُوَيْطِيُّ عَنْهُ، في بابِ (الرَّضاعِ) وبابِ (تَحْرِيمِ الجَمْعِ) وعَلَيْهِ جُمْهُورُ أصْحابِهِ؛ لِأنَّها مَنقُولَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ خُصُوصِ قُرْآنِيَّتِها انْتِفاءُ خُصُوصِ خَبَرِيَّتِها.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الإخْوَةَ هَهُنا هُمُ الإخْوَةُ لِأُمٍّ.

قالَ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الإخْوَةَ لِلْأبِ والأُمِّ، أوْ لِلْأبِ، لَيْسَ مِيراثُهم هَكَذا، فَدَلَّ إجْماعُهم عَلى أنَّ الإخْوَةَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] هُمُ الإخْوَةُ لِأبَوَيْنِ، أوْ لِأبٍ.

لَطِيفَةٌ:

إفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ أخٌ﴾ إمّا لعَوْدِهِ عَلى المَيِّتِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى واحِدٍ مِنهُما، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، أوْ عَلى الرَّجُلِ، واكْتُفِيَ بِحُكْمِهِ عَنْ حُكْمِ المَرْأةِ لِدَلالَةِ العَطْفِ عَلى تَشارُكِهِما فِيهِ.

﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ﴾ حالٌ مِن (p-١١٥٠)ضَمِيرِ: ﴿يُوصِي﴾ [النساء: ١١] (عَلى قِراءَتِهِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ) أيْ: غَيْرَ مُدْخِلٍ الضَّرَرَ عَلى الوَرَثَةِ، كَأنْ يُوصِيَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، ومِن فاعِلِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ (عَلى قِراءَتِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ) وتَخْصِيصُ هَذا القَيْدِ بِهَذا المَقامِ؛ لِما أنَّ الوَرَثَةَ مَظِنَّةٌ لِتَفْرِيطِ المَيِّتِ في حَقِّهِمْ.

وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «الضِّرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ»، ورَواهُ النَّسائِيُّ فِي: "سُنَنِهِ" عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا، وهو الصَّحِيحُ كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ.

﴿وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] أوْ مَنصُوبٌ بِـ(غَيْرَ مَضارٍّ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فَإنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ عَلى ذِي الحالِ، أوْ مَنفِيٌّ مَعْنًى، فَيَعْمَلُ في المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِالإضافَةِ، أيْ: غَيْرَ مَضارٍّ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ وعَهْدِهِ في شَأْنِ الوَرَثَةِ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِالمُضارِّ وغَيْرِهِ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ، فَلا يَغْتَرُّ بِالإمْهالِ.

4:13Page 79

تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٣

These are the limits [set by] Allāh, and whoever obeys Allāh and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [١٣]

﴿تِلْكَ﴾ الأحْكامُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أحْكامُهُ وفَرائِضُهُ المَحْدُودَةُ الَّتِي لا تَجُوزُ مُجاوَزَتُها ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في قِسْمَةِ المَوارِيثِ وغَيْرِها ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها ومَساكِنِها ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ النَّجاةُ الوافِرَةُ بِالجَنَّةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском