Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:137–143
4:137Page 100
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا ١٣٧
Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a way.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ [١٣٧]
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وعُهِدَ (p-١٦٠٨)مِنهُمُ ازْدِيادُ الكُفْرِ والإصْرارُ عَلَيْهِ، يُسْتَبْعَدُ مِنهم أنْ يُحْدِثُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المَغْفِرَةَ ويَسْتَوْجِبُونَ اللُّطْفَ، مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَذا دَيْدَنُهم قُلُوبٌ قَدْ ضَرِيَتْ بِالكُفْرِ ومُرِّنَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ أهْوَنَ شَيْءٍ عِنْدَهم وأدْوَنَهُ، حَيْثُ يَبْدُو لَهم فِيهِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ بَعْدَ تَكْرارِ الرِّدَّةِ، ونَصَحَتْ تَوْبَتُهم - لَمْ يَقْبَلْ مِنهم ولَمْ يَغْفِرْ لَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ، حَيْثُ هو بَذْلٌ لِلطّاقَةِ واسْتِفْراغُ الوُسْعِ، ولَكِنَّهُ اسْتِبْعادٌ لَهُ واسْتِغْرابٌ، وإنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ يَكُونُ، وهَكَذا نَرى الفاسِقَ الَّذِي يَتُوبُ ثُمَّ يَرْجِعُ، ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَإنَّهُ لا يَكادُ يُرْجى مِنهُ الثَّباتُ، والغالِبُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الفِسْقِ، فَكَذا هُنا.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ اليَهُودُ، آمَنُوا بِالتَّوْراةِ وبِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، ثُمَّ آمَنُوا بَعْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وقَدْ أُورِدَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى، ثُمَّ كافِرِينَ بِالعِجْلِ، ثُمَّ مُؤْمِنِينَ بِالعَوْدِ، ثُمَّ كافِرِينَ بِعِيسى، بَلْ هم إمّا مُؤْمِنُونَ بِمُوسى وغَيْرِهِ، أوْ كُفّارٌ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى والإنْجِيلِ.
والجَوابُ: أنَّ هَذا إنَّما يَرِدُ لَوْ أُرِيدَ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ لِلْمَوْجُودِينَ وقْتَ البَعْثَةِ، أمّا لَوْ أُرِيدَ جِنْسٌ ونَوْعٌ بِاعْتِبارِ عَدِّ ما صَدَرَ مِن بَعْضِهِمْ كَأنَّهُ صَدَرَ مِن كُلِّهِمْ فَلا إيرادَ، والمَقْصُودُ حِينَئِذٍ اسْتِبْعادُ إيمانِهِمْ لِما اسْتَقَرَّ مِنهم ومِن أسْلافِهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ آخَرُونَ: المُرادُ المُنافِقُونَ، فالإيمانُ الأوَّلُ إظْهارُهُمُ الإسْلامَ، وكُفْرُهم بَعْدَ ذَلِكَ هو نِفاقُهُمْ، وكَوْنُ باطِنِهِمْ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِمْ. والإيمانُ الثّانِي هو أنَّهم كُلَّما لَقُوا جَمْعًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا إنّا مُؤْمِنُونَ، والكُفْرُ الثّانِي هو أنَّهُمْ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] [البَقَرَةِ: ١٤].
وازْدِيادُهم في الكُفْرِ هو جِدُّهم واجْتِهادُهم في اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ، (p-١٦٠٩)وإظْهارُ الإيمانِ قَدْ يُسَمّى إيمانًا، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] [البَقَرَةِ: ٢٢١].
قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَيْسَ المُرادُ بَيانَ هَذا العَدَدِ، بَلِ المُرادُ تَرَدُّدُهُمْ، كَما قالَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]
الرّابِعُ: قالَ قَوْمٌ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُسْلِمِينَ فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ تارَةً والكُفْرَ تارَةً أُخْرى، عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] [آلِ عِمْرانَ: ٧٢].
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم بَلَغُوا في ذَلِكَ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِالإسْلامِ.
نَقَلَ هَذِهِ الوُجُوهَ الزَّمَخْشَرِيُّ والرّازِيُّ وغَيْرُهُما، وكُلُّها مِمّا يَشْمَلُهُ لَفْظُ الآيَةِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
الأُولى: قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِها مَن قالَ: تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُرْتَدِّ ثَلاثًا، ولا تُقْبَلُ في الرّابِعَةِ.
وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ في (تَفْسِيرِهِ): دَلَّتْ عَلى أنَّ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ تُقْبَلُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ إيمانًا بَعْدَ كُفْرٍ تَقَدَّمَهُ إيمانٌ.
(p-١٦١٠)وأقُولُ: دَلالَتُها عَلى ذَلِكَ في صُورَةِ عَدَمِ تَكْرارِ الرِّدَّةِ، وأمّا مَعَهُ فَلا، كَما لا يَخْفى.
ثُمَّ قالَ: وعَنْ إسْحاقَ: إذا ارْتَدَّ في الدُّفْعَةِ الثّالِثَةِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وهي رِوايَةُ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. انْتَهى.
وذَهَبَتِ الحَنابِلَةُ إلى أنَّ مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، كَما أسْلَفْنا ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ [آل عمران: ٨٦] [آلِ عِمْرانَ: ٨٦] الآيَةَ، وقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] [آلِ عِمْرانَ: ٩٠]، وذَكَرْنا ثَمَّةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَتِلْكَ الآيَةِ، وأنَّ ظاهِرَهُما يَشْهَدُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ إسْحاقُ وأحْمَدُ، وأمّا الوُجُوهُ المَسُوقَةُ هُنا فَهي مِن تَأْوِيلِ أكْثَرِ العُلَماءِ القائِلِينَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ المُرْتَدِّ، وإنْ تَكَرَّرَتْ، وبَعْدُ: فالمَقامُ دَقِيقٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِيَةُ: دَلَّتْ عَلى أنَّ الكُفْرَ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ نَصًّا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما ضِدّانِ مُتَنافِيانِ، فَإذا قَبِلَ أحَدُهُما التَّفاوُتَ قَبِلَهُ الآخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
4:138Page 100
بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨
Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [١٣٨]
﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ مِن بابِ التَّهَكُّمِ ﴿بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فَإنَّهم آمَنُوا بِالظّاهِرِ وكَفَرُوا بِالباطِنِ، ويَدُلُّ عَلى مُقارَنَةِ إيمانِهِمْ لِلْكُفْرِ تَرْجِيحُهم جانِبَ الكَفَرَةِ في المَحَبَّةِ إذْ هُمْ:
4:139Page 100
ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩
Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allāh entirely.1
(p-١٦١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [١٣٩]
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: يَتَّخِذُونَهم أنْصارًا مُجاوِزِينَ مُوالاةَ المُؤْمِنِينَ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيْ: أيَطْلُبُونَ بِمُوالاتِهِمُ القُوَّةَ والغَلَبَةَ، وهَذا إنْكارٌ لِرَأْيِهِمْ وإبْطالٌ لَهُ، وبَيانٌ لِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ، ولِذا عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ: لَهُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، فَلا نُصْرَةَ لَهم مِنَ الكُفّارِ، والنُّصْرَةُ والظَّفَرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] [المُنافِقُونَ: ٨].
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّهْيِيجُ عَلى طَلَبِ العِزَّةِ مِن جَنابِ اللَّهِ، والإقْبالُ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، والِانْتِظامُ في جُمْلَةِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ لَهُمُ النُّصْرَةُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ.
ويُناسِبُ هُنا أنْ نَذْكُرَ الحَدِيثَ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدَ، عَنْ أبِي رَيْحانَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَنِ انْتَسَبَ إلى تِسْعَةِ آباءٍ كُفّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وكَرَمًا، فَهو عاشِرُهم في النّارِ» تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ.
وأبُو رَيْحانَةَ هَذا هو أزْدِيٌّ واسْمُهُ (شَمْعُونُ) بِالمُعْجَمَةِ فِيما قالَهُ البُخارِيُّ، وقالَ غَيْرُهُ: بِالمُهْمَلَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحاكِمُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، والنَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ، قالَ: والمَنهِيُّ عَنْهُ مُوالاتُهم في الدِّينِ فَقَطْ، وقَدْ ذَكَرَ المُؤَيَّدُ بِاللَّهِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - مَعْنى هَذا، وهِيَ: أنْ تُحِبَّهُ لِما هو عَلَيْهِ، وهَذا ظاهِرٌ، وهو يَرْجِعُ إلى الرِّضا بِالكُفْرِ، وما أحَبَّهُ لِأجْلِهِ.
(p-١٦١٢)فَأمّا الخِلْطَةُ فَلَيْسَتْ مُوالاةً، وقَدْ جَوَّزَ العُلَماءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - نِكاحَ الفاسِقَةِ، وكَذَلِكَ الإحْسانُ، فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ مَن أطْعَمَ الأُسارى، وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنهُمُ الوَصِيَّةَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ، وكَذَلِكَ الِاغْتِمامُ بِغَمِّهِ في أمْرٍ، كاغْتِمامِ المُسْلِمِينَ لَغَلَبِ فارِسَ لِلرُّومِ، كَذا في تَفْسِيرِ بَعْضِ الزَّيْدِيَّةِ.
4:140Page 100
وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠
And it has already come down to you in the Book [i.e., the Qur’ān] that when you hear the verses of Allāh [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them.1 Indeed, Allāh will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [١٤٠]
﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ كانُوا في مَجالِسِهِمْ يَخُوضُونَ في ذِكْرِ القُرْآنِ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] [الأنْعامِ: ٦٨] وهَذِهِ الآيَةُ مِن سُورَةِ الأنْعامِ وهي مَكِّيَّةٌ، فامْتَنَعَ المُسْلِمُونَ عَنِ القُعُودِ مَعَهُمْ، ولَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ كانُوا يَجْلِسُونَ مَعَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وكانَ اليَهُودُ يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ يَعْنِي في سُورَةِ الأنْعامِ.
﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها﴾ يَعْنِي يُجْحَدُ بِها ﴿ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُنَزَّلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْ خُوطِبَ بِهِ خاصَّةً - مُنَزَّلٌ عَلى الأُمَّةِ، وأنَّ مَدارَ الإعْراضِ عَنْهم هو العِلْمُ بِخَوْضِهِمْ في الآياتِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ تارَةً بِالرُّؤْيَةِ وأُخْرى بِالسَّماعِ، وأنَّ المُرادَ بِالإعْراضِ إظْهارُ المُخالَفَةِ بِالقِيامِ عَنْ مَجالِسِهِمْ، لا الإعْراضُ بِالقَلْبِ أوْ بِالوَجْهِ فَقَطْ.
﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ أيْ: إذا قَعَدْتُمْ مَعَهُمْ، دَلَّ عَلى رِضاكم بِالكُفْرِ (p-١٦١٣)بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها، فَتَكُونُونَ مِثْلَهم في الكُفْرِ واسْتِتْباعِ العَذابِ، فاجْتِماعُكم بِهِمْ هَهُنا سَبَبُ اجْتِماعِكم في جَهَنَّمَ، كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ لِأنَّهم لَمّا شارَكُوهم في الكُفْرِ، واجْتَمَعُوا عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالآياتِ في الدُّنْيا - جَمَعَهُمُ اللَّهُ في عَذابِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: اعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ في تَحْرِيمِ القُعُودِ والمُخالَطَةِ إذا كانَ ذَلِكَ يُوهِمُ بِأنَّ القاعِدَ راضٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ يَحْرُمُ إذا خَشِيَ الِافْتِتانَ، ولا خِلافَ أنَّهُ يَجُوزُ القُعُودُ لِلتَّنْكِيرِ عَلَيْهِمْ والدَّفْعِ لَهم.
قالَ الحاكِمُ: ولِذَلِكَ يَحْضُرُ العُلَماءُ مَعَ أهْلِ الضَّلالَةِ يُناظِرُونَهُمْ، ولَهم بِذَلِكَ الثَّوابُ العَظِيمُ، وأمّا إذا خَلا عَمّا ذَكَرْنا - وكانَ لا يُوهِمُ بِالرِّضا ولا يُفْتَتَنُ ولا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ - فاخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن أوْجَبَ المِثْلَ؛ لِظاهِرِ الآيَةِ.
قالَ الحاكِمُ: رُوِيَ أنَّ قَوْمًا أُخِذُوا عَلى شَرابٍ في عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، فَأمَرَ بِضَرْبِهِمُ الحَدَّ، فَقِيلَ: فِيهِمْ صائِمٌ، فَتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ حَدِيثِ: «لا يَحِلُّ لِعَيْنٍ تَرى اللَّهَ يُعْصى فَتَطْرِفُ حَتّى تُغَيِّرَ وتَنْتَقِلَ» .
وقالَ أبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ: إنْ أنْكَرَ بِقَلْبِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، وجازَ لَهُ القُعُودُ، يَعْنِي مَعَ عَجْزِهِ عَنِ الإنْكارِ بِاليَدِ أوْ بِاللِّسانِ، وعَدَمِ تَأْثِيرِ ذَلِكَ.
أقُولُ: ما قالاهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، فَلا عِبْرَةَ بِهِ.
وقالَ القاضِي والحاكِمُ: أمّا لَوْ كانَ لَهُ حَقٌّ في تِلْكَ البُقْعَةِ فَلَهُ أنْ لا يُفارِقَ، كَمَن يَحْضُرُ الجَنائِزَ مَعَ النَّوْحِ، أوِ الوَلائِمَ، فَيَسْمَعُ المُنْكَرَ فَيَسَعُهُ أنْ يَقْعُدَ، والنَّكِيرُ عَلى قَدْرِ الإمْكانِ واجِبٌ عَلَيْهِ.
(p-١٦١٤)وعَنِ الحَسَنِ: لَوْ تَرَكْنا الحَقَّ لِلْباطِلِ لَبَطَلَ الشَّرْعُ، وقَدْ كانَ خَرَجَ إلى جِنازَةٍ خَرَجَتِ النِّساءُ فِيها فَلَمْ يَرْجِعْ، ورَجَعَ ابْنُ سِيرِينَ. انْتَهى.
أقُولُ: مَن لَهُ حَقٌّ في البُقْعَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يُفارِقَ كَغَيْرِهِ؛ إذْ لَيْسَ في مُفارَقَتِهِ ضَياعُ حَقِّهِ، وعُمُومُ الآيَةِ يَشْمَلُهُ، ولا تَخْصِيصَ إلّا بِمُخَصِّصٍ، والمَسْألَةُ المَقِيسُ عَلَيْها غَيْرُ ما نَحْنُ فِيهِ، عَلى ما فِيها مِنَ الخِلافِ، كَما حَكى، ولا قِياسَ مَعَ النَّصِّ، وقَدْ حَكى الحاكِمُ أقْوالًا كُلُّها تَرْجِعُ إلى تَخْصِيصِ الآيَةِ، ولا مُسْتَنَدَ فِيها إلّا الرَّأْيُ والِاحْتِمالُ، فَلِذا أعْرَضْنا عَنْها.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: تَحْرِيمُ القُعُودِ في المَجْلِسِ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، فَإذا أظْهَرَ الكَراهَةَ جازَ القُعُودُ في مَكانٍ آخَرَ، وإنْ قَرُبَ، وإمّا إذا خاضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ جازَ القُعُودُ بِمَفْهُومِ الآيَةِ. ثُمَّ إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩] [الأنْعامِ: ٦٩] وهو مَرْدُودٌ، فَإنَّ مِنَ التَّقْوى اجْتِنابَ مَجالِسِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَسْتَهْزِئُونَ بِها.
قالَ الحاكِمُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الرّاضِيَ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالرَّسُولِ والدِّينِ كافِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ ودَلَّتْ عَلى أنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ.
وقالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن جَلَسَ في مَجْلِسِ مَعْصِيَةٍ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ مَعَهم في الوِزْرِ سَواءً، ويَنْبَغِي أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ إذا تَكَلَّمُوا بِالمَعْصِيَةِ أوْ عَمِلُوا بِها، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَقُومَ عَنْهم حَتّى لا يَكُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: دَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ كُلُّ مُحْدِثٍ في الدِّينِ، وكُلُّ مُبْتَدِعٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقالَ في "فَتْحِ البَيانِ": وفي هَذِهِ الآيَةِ - بِاعْتِبارِ عُمُومِ لَفْظِها الَّذِي هو المُعْتَبَرُ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ - دَلِيلٌ عَلى اجْتِنابِ كُلِّ مَوْقِفٍ يَخُوضُ فِيهِ أهْلُهُ بِما يُفِيدُ التَّنْقِيصَ والِاسْتِهْزاءَ، (p-١٦١٥)لِلدَّلالَةِ الشَّرْعِيَّةِ، كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِن أُسَراءِ التَّقْلِيدِ الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا آراءَ الرِّجالِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يَبْقَ في أيْدِيهِمْ سِوى (قالَ إمامُ مَذْهَبِنا): كَذا و(قالَ فُلانٌ مِن أتْباعِهِ بِكَذا) أوْ إذا سَمِعُوا مَن يَسْتَدِلُّ عَلى تِلْكَ المَسْألَةِ بِآيَةٍ قُرْآنِيَّةٍ أوْ بِحَدِيثٍ نَبَوِيٍّ سَخِرُوا مِنهُ، ولَمْ يَرْفَعُوا إلى ما قالَهُ رَأْسًا، ولا بالُوا بِهِ بالَةً، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِأمْرٍ فَظِيعٍ وخَطْبٍ شَنِيعٍ، وخالَفَ مَذْهَبَ إمامِهِمُ الَّذِي نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مُعَلِّمِ الشَّرائِعِ، مَعَ أنَّ الأئِمَّةَ - الَّذِينَ انْتَسَبَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ إلَيْهِمْ - بُرَآءُ مِن فِعْلِهِمْ، فَإنَّهم قَدْ صَرَّحُوا في مُؤَلَّفاتِهِمْ بِالنَّهْيِ عَنْ تَقْلِيدِهِمُ. انْتَهى.
وفِي "الإكْلِيلِ": قالَ ابْنُ الفُرْسِ: واسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ اجْتِنابِ أهْلِ المَعاصِي والأهْواءِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أصْلٌ لِما يَفْعَلُهُ المُصَنِّفُونَ مِنَ الإحالَةِ عَلى ما ذُكِرَ في مَكانٍ آخَرَ، والتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
4:141Page 101
ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١
Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allāh, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allāh will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allāh give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [١٤١]
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾ [النساء: ١٣٩] وإمّا صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: يَنْتَظِرُونَ بِكم ما يَتَجَدَّدُ لَكم مِن ظَفَرٍ أوْ هَزِيمَةٍ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: نَصْرٌ وتَأْيِيدٌ وظَفَرٌ وغَنِيمَةٌ ﴿قالُوا﴾ لَكُمْ: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أيْ: مُظاهِرِينَ لَكُمْ، فَلَنا دَخْلٌ في فَتْحِكُمْ، فَلْيَكُنْ لَنا شَرِكَةٌ في غَنِيمَتِكم ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أيْ: إدالَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ في بَعْضِ الأحْيانِ - كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ - فَإنَّ الرُّسُلَ تُبْتَلى ثُمَّ تَكُونُ لَها العاقِبَةُ ﴿قالُوا﴾ أيِ: الكَفَرَةُ؛ تَوَدُّدًا إلَيْهِمْ، ومُصانَعَةً لَهُمْ؛ لِيَحْظَوْا عِنْدَهم ويَأْمَنُوا كَيْدَهم (p-١٦١٦)لِضَعْفِ إيمانِهِمْ ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكم ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكُمْ، وتَوانَيْنا في مُظاهَرَتِهِمْ حَتّى انْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا لَكُنْتُمْ نُهْبَةً لِلنَّوائِبِ، وتَسْمِيَةُ (ظَفَرِ المُسْلِمِينَ) فَتْحًا و(ما لِلْكافِرِينَ) نَصِيبًا؛ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَخْسِيسِ حَظِّ الكافِرِينَ.
قالَ في "الِانْتِصافِ": وهَذا مِن مَحاسِنِ نُكَتِ القُرْآنِ، فَإنَّ الَّذِي كانَ يَتَّفِقُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ: اسْتِئْصالٌ لِشَأْفَةِ الكُفّارِ، واسْتِيلاءٌ عَلى أرْضِهِمْ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأرْضٍ لَمْ يَطَؤُها، وأمّا ما كانَ يَتَّفِقُ لِلْكُفّارِ فَمِثْلُ الغَلَبَةِ والقُدْرَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ شَأْنُها أنْ تُسَمّى فَتْحًا، فالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُما أيْضًا مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ مَحَبَّةِ نُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ وكَراهَةِ أنْ تَكُونَ اليَدُ عَلَيْهِمْ، وتَحْرِيمِ خِذْلانِهِمْ، وإنَّ المُنافِقَ لا سَهْمَ لَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى أنَّهم طَلَبُوا لَمّا مُنِعُوا، فَقالُوا: ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ ثُمَّ قالَ: يَجُوزُ التَّأْلِيفُ مِنَ الغَنِيمَةِ لِلْمُنافِقِينَ، كَما فَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، حَتّى أعْطى الواحِدَ مِنهم مِائَةَ ناقَةٍ، والواحِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ الشّاةَ أوِ البَعِيرَ.
﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: حُكْمًا يَلِيقُ بِشَأْنِ كُلٍّ مِنكم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أيْ: فَلا يَغْتَرُّ المُنافِقُونَ بِحَقْنِ دِمائِهِمْ في الدُّنْيا لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهادَةِ؛ لِما لَهُ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ، فَيَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْفَعُهم ظَواهِرُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ رَدٌّ عَلى المُنافِقِينَ فِيما أمَّلُوهُ ورَجَوْهُ وانْتَظَرُوهُ مِن زَوالِ دَوْلَةِ المُؤْمِنِينَ، وفِيما سَلَكُوهُ مِن مُصانَعَتِهِمُ الكافِرِينَ خَوْفًا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنهُمْ، إذا هم ظَهَرُوا عَلى المُؤْمِنِينَ فاسْتَأْصَلُوهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] [المائِدَةِ: ٥٢] أيْ: لَنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ الكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَأْصِلُوهم بِالكُلِّيَّةِ، وإنْ حَصَلَ (p-١٦١٧)لَهم ظَفَرٌ حِينًا ما، أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وهَذا التَّأْوِيلُ رُوعِيَ فِيهِ سابِقُ الآيَةِ ولاحِقُها، وأنَّ السِّياقَ في (المُنافِقِينَ) وهو جَيِّدٌ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن حَمْلِ (الكافِرِينَ) عَلى يَهُودِ المَدِينَةِ، ومَن وقَفَ مَعَ عُمُومِها قالَ: المُرادُ بِالسَّبِيلِ الحُجَّةُ، وتَسْمِيَتُها (سَبِيلًا) لِكَوْنِها مُوَصِّلًا لِلْغَلَبَةِ، أوِ المُرادُ: ما دامَ المُؤْمِنُونَ عامِلِينَ بِالحَقِّ غَيْرَ راضِينَ بِالباطِلِ ولا تارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] [الشُّورى: ٣٠] قالَ: فَلا يُرادُ أنَّهُ قَدْ يُدالُ لِلْكافِرِينَ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكافِرَ لا يَنْكِحُ مُؤْمِنَةً، وأنَّهُ لا يَلِي عَلى مُؤْمِنَةٍ في نِكاحٍ ولا سَفَرٍ، وأنَّ الكافِرَ لا يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِ، وهَذا قَوْلُ الهادِي في "الأحْكامِ" والنَّفْسِ الزَّكِيَّةِ والرّاضِي بِاللَّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وأحْمَدَ.
وقالَ في "المُنْتَخَبِ" والمُؤَيَّدِ بِاللَّهِ والحَنَفِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ: لَهُ الشُّفْعَةُ؛ لِعُمُومِ أدِلَّةِ الشُّفْعَةِ، وبِالقِياسِ عَلى رَدِّ المَعِيبِ فِيما شَرى مِن مُسْلِمٍ.
ويُسْتَدَلُّ بِأنَّ المُرْتَدَّ تَبِينُ مِنهُ امْرَأتُهُ المُسْلِمَةُ، والخِلافُ: هَلْ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ كَما يَقُولُ الحَنَفِيَّةُ، أوْ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ كَما يَقُولُ المُؤَيَّدُ بِاللَّهِ والشّافِعِيَّةُ؟ وكَذَلِكَ بَيْعُ العَبْدِ المُسْلِمِ مِنَ الذِّمِّيِّ أجازَهُ الحَنَفِيَّةُ ومَنَعَهُ المُؤَيَّدُ والشّافِعِيَّةُ، لَكِنْ عَلى الأوَّلِ يُجْبَرُ عَلى بَيْعِهِ فَلا يَسْتَخْدِمُهُ، قِيلَ: والأمَةُ مُجْمَعٌ عَلى تَحْرِيمِ بَيْعِها مِنَ الكافِرِ إذا كانَتْ مُسْلِمَةً.
ولا خِلافَ أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِأُمُورٍ مِنها: الدَّيْنُ يَثْبُتُ لِلْكافِرِ عَلى المُؤْمِنِ، ومِنها: أنَّهُ يُنْفِقُ المُؤْمِنُ عَلى أبَوَيْهِ الكافِرَيْنِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وإذا خُصَّ العُمُومُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الأُصُولِيُّونَ: هَلْ تَبْقى دَلالَتُهُ عَلى الباقِي حَقِيقَةً أمْ مَجازًا؟ انْتَهى.
وزادَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المُسْلِمَ، وإنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ.
4:142Page 101
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢
Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allāh, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allāh except a little,
(p-١٦١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [١٤٢]
﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ مِن إظْهارِ الإيمانِ وإبِطانِ الكُفْرِ، واللَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ، حَيْثُ تَرَكَهم مَعْصُومِي الدِّماءِ والأمْوالِ في الدُّنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ.
﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ﴾ أيْ: أتَوْها ﴿قامُوا كُسالى﴾ أيْ: مُتَثاقِلِينَ كالمُكْرَهِ عَلى الفِعْلِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ في أشْرَفِ الأعْمالِ وأفْضَلِها وخَيْرِها وهي الصَّلاةُ، إذا قامُوا إلَيْها قامُوا وهم كُسالى عَنْها؛ لِأنَّهم لا نِيَّةَ لَهم فِيها، ولا إيمانَ لَهم بِها ولا خَشْيَةَ، ولا يَعْقِلُونَ مَعْناها.
كَما رَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُكْرَهُ أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ إلى الصَّلاةِ وهو كَسْلانُ، ولَكِنْ يَقُومُ إلَيْها طَلْقَ الوَجْهِ، عَظِيمَ الرَّغْبَةِ، شَدِيدَ الفَرَحِ، فَإنَّهُ يُناجِي اللَّهَ، وإنَّ اللَّهَ تُجاهَهُ يَغْفِرُ لَهُ، ويُجِيبُهُ إذا دَعاهُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ انْتَهى.
قالَ الحاكِمُ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِن عَلاماتِ المُنافِقِ الكَسَلَ في الصَّلاةِ، والكَسَلُ: التَّثاقُلُ عَنِ الشَّيْءِ لِمَشَقَّتِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ في صِفَةِ ظَواهِرِهِمْ كَما قالَ: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ [التوبة: ٥٤] [التَّوْبَةِ: ٥٤].
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى صِفَةَ بَواطِنِهِمُ الفاسِدَةِ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَقْصِدُونَ بِصَلاتِهِمُ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ لِيَحْسَبُوهم مُؤْمِنِينَ، لا لِإخْلاصِ ومُطاوِعَةِ أمْرِ اللَّهِ، ولِهَذا يَتَخَلَّفُونَ كَثِيرًا عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي لا يُرَوْنَ فِيها – غالبًا - كَصَلاةِ العِشاءِ في وقْتِ العَتَمَةِ، وصَلاةِ الصُّبُحِ في (p-١٦١٩)وقْتِ الغَلَسِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أثْقَلَ الصَّلاةِ عَلى المُنافِقِينَ العِشاءُ والفَجْرُ، ولَوْ يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لَأتَوْهُما ولَوْ حَبْوًا، ولَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنّاسِ، ثُمَّ أنْطَلِقَ مَعِي بِرِجالٍ مَعَهم حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهم بِالنّارِ» وفي رِوايَةٍ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أوْ مِرْماتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشاءَ، ولَوْلا ما في البُيُوتِ مِنَ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ لَحَرَّقْتُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهم» .
ورَوى الحافِظُ وأبُو يَعْلى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أحْسَنَ الصَّلاةَ حَيْثُ يَراهُ النّاسُ، وأساءَها حَيْثُ يَخْلُو - فَتِلْكَ اسْتِهانَةٌ اسْتَهانَ بِها رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .
وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ ولا يُصَلُّونَ إلّا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم إنَّما يُصَلُّونَ رِياءً ما دامَ مَن يَرْقُبُهُمْ، فَإذا خَلَوْا بِأنْفُسِهِمْ لَمْ يُصَلُّوا. وتَأْوِيلُ (الذِّكْرِ) بِالصَّلاةِ رُوِيَ في غَيْرِما آيَةٍ عَنِ السَّلَفِ.
الثّانِي: ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ في صَلاتِهِمْ إلّا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم لا يَخْشَعُونَ ولا يَدْرُونَ ما يَقُولُونَ، بَلْ هم في صَلاتِهِمْ ساهُونَ لاهُونَ.
وقَدْ رَوى الإمامُ مالِكٌ، عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تِلْكَ صَلاةُ (p-١٦٢٠)المُنافِقِ، تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ، تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ: يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتّى إذا كانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطانِ، قامَ فَنَقَرَ أرْبَعًا لا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيها إلّا قَلِيلًا» وكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ: ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالتَّهْلِيلِ والتَّسْبِيحِ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا في النُّدْرَةِ، عَلى أنَّ الذِّكْرَ بِمَعْناهُ المُتَبادَرِ مِنهُ وعَلَيْهِ، فَمِن عَلاماتِ النِّفاقِ اسْتِغْراقُ الأوْقاتِ بِحَدِيثِ الدُّنْيا، وقِلَّةُ ذِكْرِهِ تَعالى بِتَحْمِيدٍ أوْ تَهْلِيلٍ أوْ تَسْبِيحٍ، كَما أنَّ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرًا.
4:143Page 101
مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ١٤٣
Wavering between them, [belonging] neither to these [i.e., the believers] nor to those [i.e., the disbelievers]. And whoever Allāh sends astray - never will you find for him a way.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ [١٤٣]
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (يُراءُونَ) أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى الإيمانِ والكُفْرِ، المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِمَعُونَةِ المَقامِ، أوْ إلى (المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ) فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ، أيْ: مُرَدَّدِينَ بَيْنَهُما مُتَحَيِّرِينَ قَدْ ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ والهَوى، وحَقِيقَةُ المُذَبْذَبِ الَّذِي يُذَبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ، أيْ: يُذادُ ويُدْفَعُ، فَلا يُقَرُّ في جانِبٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الذَّبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَّبِّ، كَأنَّ المَعْنى: كُلَّما مالَ إلى جانِبٍ ذُبَّ عَنْهُ.
﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ أيْ: لا مُنْضَمِّينَ إلى المُؤْمِنِينَ ولا إلى الكافِرِينَ، لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ ولا مُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿لا إلى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عَنْ دِينِهِ وحُجَّتِهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ أيْ: طَرِيقًا إلى الصَّوابِ والهُدى.
رَوى الشَّيْخانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: (p-١٦٢١)«مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إلى هَذِهِ مَرَّةً، وإلى هَذِهِ مَرَّةً» (العائِرَةُ المُتَحَيِّرَةُ المُتَرَدِّدَةُ لا تَدْرِي لِأيِّ الغَنْمَيْنِ تَتْبَعُ).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences