Al-QasimiAn‑Nisa · 4:25–30

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:25–30

4:25Page 82

وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allāh is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation [i.e., mahr] according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears affliction [i.e., sin], but to be patient is better for you. And Allāh is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [٢٥]

﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أيْ: لَمْ يَقْدِرْ ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها الأحْرارُ، بِخِلافِ العَبِيدِ، أنْ يُحَصِّلَ ﴿طَوْلا﴾ أيْ: غِنًى يُمْكِنُهُ بِهِ ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ أيِ: الحَرائِرَ المُتَعَفِّفاتِ، بِخِلافِ الزَّوانِي؛ إذْ لا عِبْرَةَ بِهِنَّ ﴿المُؤْمِناتِ﴾ إذْ لا عِبْرَةَ بِالكَوافِرِ ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: فَلَهُ أنْ يَنْكِحَ بَعْضَ ما يَمْلِكُهُ أيْمانُ إخْوانِكم ﴿مِن فَتَياتِكُمُ﴾ أيْ: إمائِكم حالَ الرِّقِّ ﴿المُؤْمِناتِ﴾ لا الكِتابِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ مَعَ عارِ الرِّقِّ عارَ الكُفْرِ، وقَدِ اسْتُفِيدَ مِن سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَطَ في نِكاحِ الإماءِ شَرائِطَ ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها في النّاكِحِ، والثّالِثُ في المَنكُوحَةِ.

أمّا اللَّذانِ في النّاكِحِ فَأحَدُهُما أنْ يَكُونَ غَيْرَ واجِدٍ لِما يَتَزَوَّجُ بِهِ الحُرَّةَ المُؤْمِنَةَ مِنَ الصَّداقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ (p-١١٩٥)فَعَدَمُ اسْتِطاعَةِ الطَّوْلِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ ما يَنْكِحُ بِهِ الحُرَّةَ، فَإنْ قِيلَ: الرَّجُلُ إذا كانَ يَسْتَطِيعُ التَّزَوُّجَ بِالأمَةِ يَقْدِرُ عَلى التَّزَوُّجِ بِالحُرَّةِ الفَقِيرَةِ، فَمِن أيْنَ هَذا التَّفاوُتُ؟ قُلْنا: كانَتِ العادَةُ في الإماءِ تَخْفِيفَ مُهُورِهِنَّ ونَفَقَتِهِنَّ لِاشْتِغالِهِنَّ بِخِدْمَةِ السّاداتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ التَّفاوُتُ.

وأمّا الشَّرْطُ الثّانِي: فَهو المَذْكُورُ في آخِرِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ أيِ: الزِّنى بِأنْ بَلَغَ الشِّدَّةَ في العُزُوبَةِ.

وأمّا الشَّرْطُ الثّالِثُ المُعْتَبَرُ في المَنكُوحَةِ، فَأنْ تَكُونَ الأمَةُ مُؤْمِنَةً لا كافِرَةً، فَإنَّ الأمَةَ إذا كانَتْ كافِرَةً كانَتْ ناقِصَةً مِن وجْهَيْنِ: الرِّقِّ والكُفْرِ، ولا شَكَّ أنَّ الوَلَدَ تابِعٌ لِلْأُمِّ في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، وحِينَئِذٍ يُعَلَّقُ الوَلَدُ رَقِيقًا عَلى مِلْكِ الكافِرِ، فَيَحْصُلُ فِيهِ نُقْصانُ الرِّقِّ ونُقْصانُ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْكافِرِ، وما ذَكَرْناهُ هو المُطابِقُ لِمَعْنى الآيَةِ، ولا يَخْلُو ما عَداهُ عَنْ تَكَلُّفٍ لا يُساعِدُهُ نَظْمُ الآيَةِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كانَ نِكاحُ الأمَةِ مُنْحَطًّا عَنْ نِكاحِ الحُرَّةِ؟ قُلْتُ: لِما فِيهِ مِنِ اتِّباعِ الوَلَدِ الأُمَّ في الرِّقِّ، ولِثُبُوتِ حَقِّ المَوْلى فِيها وفي اسْتِخْدامِها، ولِأنَّها مُمْتَهَنَةٌ مُبْتَذَلَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، وذَلِكَ كُلُّهُ نُقْصانٌ راجِعٌ إلى النّاكِحِ، ومَهانَةٌ، والعِزَّةُ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، وسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ الِاطِّلاعُ عَلى بَواطِنِهِنَّ، بَلْ يَكْتَفِي بِظاهِرِ إيمانِهِنَّ، أيْ: فاكْتَفُوا بِظاهِرِ الإيمانِ، فَإنَّهُ تَعالى العالِمُ بِالسَّرائِرِ وبِتَفاضُلِ ما بَيْنَكم في الإيمانِ، فَرُبَّ أمَةٍ تَفْضُلُ الحُرَّةَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ اعْتِراضٌ آخَرُ جِيءَ بِهِ لِتَأْنِيسِهِمْ بِنِكاحِ الإماءِ حالَتَئِذٍ، أيْ: أنْتُمْ وأرِقّاؤُكم مُتَناسِبُونَ، نَسَبُكم مِن آدَمَ ودِينُكُمُ الإسْلامُ.

﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ أيْ: مَوالِيهِنَّ لا اسْتِقْلالًا، وذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنافِعَهُنَّ لَهم لا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ أنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِ مَن هي لَهُ.

﴿وآتُوهُنَّ﴾ أعْطُوهُنَّ: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِلا مَطْلٍ وضِرارٍ وإلْجاءٍ إلى الِاقْتِضاءِ.

واسْتَدَلَّ الإمامُ مالِكٌ بِهَذا عَلى أنَّهُنَّ أحَقُّ بِمُهُورِهِنَّ، وأنَّهُ لا حَقَّ فِيهِ لِلسَّيِّدِ.

(p-١١٩٦)وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ المَهْرَ لِلسَّيِّدِ، وإنَّما أضافَها إلَيْهِنَّ؛ لِأنَّ التَّأْدِيَةَ إلَيْهِنَّ تَأْدِيَةٌ إلى سَيِّدِهِنَّ لِكَوْنِهِنَّ مالَهُ.

﴿مُحْصَناتٍ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿فانْكِحُوهُنَّ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِنَّ عَفائِفَ عَنِ الزِّنى ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ: أيْ: غَيْرَ زانِياتٍ بِكُلِّ مَن دَعاهُنَّ ﴿ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ أيْ: أخِلَّةٍ يَتَخَصَّصْنَ بِهِمْ في الزِّنى.

قالَ أبُو زَيْدٍ: الأخْدانُ الأصْدِقاءُ عَلى الفاحِشَةِ، والواحِدُ خِدْنٌ وخُدَيْنٌ.

وقالَ الرّاغِبُ: أكْثَرُ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن يُصاحِبُ بِشَهْوَةٍ نَفْسانِيَّةٍ.

ومِن لَطائِفِ وُقُوعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحْصَناتٍ﴾ إلَخْ إثْرَ قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الإشْعارُ بِأنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ إحْدى هاتَيْنِ، فَلَكُمُ المُناقَشَةُ في أداءِ مُهُورِهِنَّ لِيَفْتَدِينَ نُفُوسَهُنَّ.

﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ أيْ: بِالتَّزْوِيجِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ: أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أوْ أزْواجَهُنَّ ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ أيْ: فَعَلْنَ فاحِشَةً وهي الزِّنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾ أيْ: فَثابِتٌ عَلَيْهِنَّ شَرْعًا ﴿نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ أيِ: الحَرائِرِ ﴿مِنَ العَذابِ﴾ أيْ: مِنَ الحَدِّ الَّذِي هو جَلْدُ مِائَةٍ فَنِصْفُهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً، لا الرَّجْمُ.

قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّهُنَّ مِن أهْلِ المَهانَةِ، فَلا يُفِيدُ فِيهِنَّ المُبالِغَةُ في الزَّجْرِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّ الأمَةَ إذا زَنَتْ فَعَلَيْها خَمْسُونَ جَلْدَةً، سَواءٌ كانَتْ مَسْلَمَةً أوْ كافِرَةً، مُزَوَّجَةً أوْ بِكْرًا، مَعَ أنَّ مَفْهُومَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا حَدَّ عَلى غَيْرِ المُحْصَنَةِ مِمَّنْ زَنى مِنَ الإماءِ، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أجْوِبَتُهم عَنْ ذَلِكَ.

فَأمّا الجُمْهُورُ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّ المَنطُوقَ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ عامَّةٌ في إقامَةِ الحَدِّ عَلى الإماءِ، فَقَدَّمْناها عَلى مَفْهُومِ الآيَةِ.

فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ خَطَبَ فَقالَ يا أيُّها النّاسُ! أقِيمُوا عَلى أرِقّائِكُمُ الحَدَّ، مَن أحْصَنَ مِنهُنَّ ومَن لَمْ يُحْصَنْ فَإنَّ أمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأمَرَنِي أنْ أجْلِدَها، فَإذا هي حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفاسٍ، فَخَشِيتُ إنْ أنا جَلَدْتُها أنْ أقْتُلَها (p-١١٩٧)فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أحْسَنْتَ، اتْرُكْها حَتّى تَماثَلَ» .

وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ عَنْ غَيْرِ أبِيهِ: «فَإذا تَعافَتْ مِن نِفاسِها فاجْلِدْها خَمْسِينَ» .

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَتَبَيَّنَ زِناها فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا يُثَرِّبْ عَلَيْها، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثّانِيَةَ فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا يُثَرِّبْ عَلَيْها، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِناها فَلْيَبِعْها ولَوْ بِحَبْلٍ مِن شَعَرٍ» .

ولِمُسْلِمٍ: «إذا زَنَتْ ثَلاثًا، ثُمَّ لْيَبِعْها في الرّابِعَةِ» .

ورَوى مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيّاشٍ المَخْزُومِيِّ قالَ: أمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في فِتْيَةٍ مِن قُرَيْشٍ فَجَلَدْنا ولائِدَ مِن ولائِدِ الإمارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ، في الزِّنا.

الجَوابُ الثّانِي: جَوابُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الأمَةَ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ فَلا حَدَّ عَلَيْها وإنَّما تُضْرَبُ تَأْدِيبًا، وهو المَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وإلَيْهِ ذَهَبَ طاوُسٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ، وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظّاهِرِيُّ (فِي رِوايَةٍ عَنْهُ) وعُمْدَتُهم مَفْهُومُ الآيَةِ، وهو مِن مَفاهِيمِ الشَّرْطِ، وهو حُجَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِهِمْ، فَقُدِّمَ عَلى العُمُومِ عِنْدَهم.

وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأمَةِ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ؟ قالَ: إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ» .

قالَ ابْنُ شِهابٍ: لا أدْرِي بَعْدَ الثّالِثَةِ أوِ الرّابِعَةِ، أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ.

وعِنْدَ مُسْلِمٍ قالَ ابْنُ شِهابٍ: الضَّفِيرُ الحَبْلُ. قالُوا: فَلَمْ يُؤَقَّتْ فِيهِ عَدَدٌ كَما أُقِّتَ في المُحْصَنَةِ، (p-١١٩٨)وكَما وُقِّتَ في القُرْآنِ بِنِصْفِ ما عَلى المُحْصَناتِ، فَوَجَبَ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ بِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ ما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ عَلى أمَةٍ حَدٌّ حَتّى تُحْصَنَ - يَعْنِي تُزَوَّجَ - فَإذا أُحْصِنَتْ بِزَوْجٍ فَعَلَيْها نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ» .

ورَواهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مَرْفُوعًا أيْضًا وقالَ: رَفْعُهُ خَطَأٌ، إنَّما هو مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وكَذا رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ خُزَيْمَةَ.

قالُوا: وحَدِيثُ عَلِيٍّ وعُمَرَ قَضايا أعْيانٍ، وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ أجْوِبَةٌ:

أحَدُها: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الأمَةِ المُزَوَّجَةِ، جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الحَدِيثِ.

الثّانِي: إنَّ لَفْظَةَ الحَدِّ في قَوْلِهِ: «فَلْيُقِمْ عَلَيْها الحَدَّ» مُقْحَمَةٌ مِن بَعْضِ الرُّواةِ بِدَلِيلِ:

الجَوابِ الثّالِثِ: وهو أنَّ هَذا مِن حَدِيثِ صَحابِيَّيْنِ وذَلِكَ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ فَقَطْ، وما كانَ عَنِ اثْنَيْنِ فَهو أوْلى بِالتَّقْدِيمِ مِن رِوايَةِ واحِدٍ.

وأيْضًا فَقَدْ رَواهُ النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ، وكانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إذا زَنَتِ الأمَةُ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ» .

الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ بَعْضَ الرُّواةِ أطْلَقَ لَفْظَ (الحَدِّ) في الحَدِيثِ عَلى (الجَلْدِ) لِأنَّهُ لَمّا كانَ الجَلْدَ اعْتَقَدَ أنَّهُ حَدٌّ، أوْ أنَّهُ أطْلَقَ لَفْظَةَ (الحَدِّ) عَلى التَّأْدِيبِ، كَما أُطْلِقَ (الحَدُّ) عَلى ضَرْبِ مَن زَنى مِنَ المَرْضى بِعِثْكالِ نَخْلٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ، وعَلى جَلْدِ مَن زَنى بِأمَةِ امْرَأتِهِ إذا أذِنَتْ لَهُ فِيها مِائَةً، وإنَّما ذَلِكَ تَعْزِيرٌ وتَأْدِيبٌ عِنْدَ مَن يَراهُ، كَأحْمَدَ وغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ، وإنَّما الحَدُّ الحَقِيقِيُّ هو جَلْدُ البِكْرِ مِائَةً، ورَجْمُ الثَّيِّبِ. انْتَهى.

ولَهُ تَتِمَّةٌ سابِغَةٌ.

وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "زادِ المَعادِ": وحُكِمَ في الأمَةِ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ بِالحَدِّ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الإماءِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ فَهو نَصٌّ في أنَّ حَدَّها بَعْدَ التَّزْوِيجِ نِصْفُ حَدِّ الحُرَّةِ مِنَ الجَلْدِ، وأمّا قَبْلَ التَّزْوِيجِ فَأُمِرَ بِجَلْدِها، وفي هَذا الحَدِّ قَوْلانِ:

(p-١١٩٩)أحَدُهُما: أنَّهُ الحَدُّ، ولَكِنْ يَخْتَلِفُ الحالُ قَبْلَ التَّزْوِيجِ وبَعْدَهُ، فَإنَّ لِلسَّيِّدِ إقامَتَهُ قَبْلَهُ، وأمّا بَعْدَهُ فَلا يُقِيمُهُ إلّا الإمامُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ جَلْدَها قَبْلَ الإحْصانِ تَعْزِيرٌ لا حَدٌّ، ولا يُبْطِلُ هَذا ما رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ": مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرْفَعُهُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يُعَيِّرْها ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَإنْ عادَتْ في الرّابِعَةِ فَلْيَجْلِدْها ولْيَبِعْها ولَوْ بِضَفِيرٍ» وفي لَفْظٍ: «فَلْيَضْرِبْها بِكِتابِ اللَّهِ» .

وفِي "صَحِيحِهِ" أيْضًا مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: «أيُّها النّاسُ! أقِيمُوا عَلى أرِقّائِكُمُ الحَدَّ، مَن أحْصَنَ مِنهُنَّ، ومَن لَمْ يُحْصَنْ، فَإنَّ أمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأمَرَنِي أنْ أجْلِدَها، الحَدِيثَ» .

فَإنَّ التَّعْزِيرَ يَدْخُلُ فِيهِ لَفْظُ (الحَدِّ) في لِسانِ الشّارِعِ، كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «لا يُضْرَبُ فَوْقَ عَشَرَةِ أسْواطٍ إلّا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى» .

وقَدْ ثَبَتَ التَّعْزِيرُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ جِنْسًا وقَدْرًا في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُها، ولَمْ تَجْتَمِعِ الأُمَّةُ عَلى خِلافِها.

وعَلى كُلِّ حالٍ فَلا بُدَّ أنْ يُخالِفَ حالُها بَعْدَ الإحْصانِ حالَها قَبْلَهُ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ فائِدَةٌ.

فَإمّا أنْ يُقالَ قَبْلَ الإحْصانِ: لا حَدَّ عَلَيْها، والسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يُقالَ: حَدُّها قَبْلَ الإحْصانِ حَدُّ الحُرَّةِ، وبَعْدَهُ نِصْفُهُ، وهَذا باطِلٌ قَطْعًا مُخالِفٌ لِقَواعِدِ الشَّرْعِ وأُصُولِهِ، وإمّا أنْ يُقالَ: حَدُّها قَبْلَ الإحْصانِ تَعْزِيرٌ، وبَعْدَهُ حَدٌّ، وهَذا أقْوى، وإمّا أنْ يُقالَ: الِافْتِراقُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ (p-١٢٠٠)فِي إقامَةِ الحَدِّ لا في قَدْرِهِ، وأنَّهُ في إحْدى الحالَتَيْنِ لِلسَّيِّدِ، وفي الأُخْرى لِلْإمامِ، وهَذا أقْرَبُ ما يُقالُ.

وقَدْ يُقالُ: إنَّ تَنْصِيصَهُ عَلى التَّنْصِيفِ بَعْدَ الإحْصانِ؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ بِالإحْصانِ يَزُولُ التَّنْصِيفُ، ويَصِيرُ حَدُّها حَدَّ الحُرَّةِ، كَما أنَّ الجَلْدَ عَنِ البِكْرِ يُزالُ بِالإحْصانِ، وانْتَقَلَ إلى الرَّجْمِ، فَبَقِيَ عَلى التَّنْصِيفِ في أكْمَلِ حالَتَيْها - وهى الإحْصانُ - تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا اكْتُفِيَ بِهِ فِيها فَفي ما قَبْلَ الإحْصانِ أوْلى وأحْرى، واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إباحَةُ نِكاحِ الإماءِ ﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ﴾ أيِ: المَشَقَّةَ في التَّحَفُّظِ مِنَ الزِّنى ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها الأحْرارُ ﴿وأنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى تَحَمُّلِ تِلْكَ المَشَقَّةِ، مُتَعَفِّفِينَ عَنْ نِكاحِهِنَّ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن نِكاحِهِنَّ، وإنْ سَبَقَتْ كَلِمَةُ الرُّخْصَةِ؛ لِما فِيهِ مِن تَعْرِيضِ الوَلَدِ لِلرِّقِّ - قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أيُّما حُرٍّ تَزَوَّجَ بِأمَةٍ فَقَدْ أرَقَّ نِصْفَهُ - ولِأنَّ حَقَّ المَوْلى فِيها أقْوى فَلا تَخْلُصُ لِلزَّوْجِ خُلُوصَ الحَرائِرِ، ولِأنَّ المَوْلى يَقْدِرُ عَلى اسْتِخْدامِها كَيْفَما يُرِيدُ في السَّفَرِ والحَضَرِ، وعَلى بَيْعِها لِلْحاضِرِ والبادِي، وفِيهِ مِنِ اخْتِلالِ حالِ الزَّوْجِ وأوْلادِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ولِأنَّها مُمْتَهَنَةٌ مُبْتَذَلَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، وذَلِكَ كُلُّهُ ذُلٌّ ومَهانَةٌ سارِيَةٌ إلى النّاكِحِ، والعِزَّةُ هي اللّائِقَةُ بِالمُؤْمِنِينَ، ولِأنَّ مَهْرَها لِمَوْلاها، فَلا تَقْدِرُ عَلى التَّمَتُّعِ بِهِ ولا عَلى هِبَتِهِ لِلزَّوْجِ، فَلا يَنْتَظِمُ أمْرُ المَنزِلِ، كَذا حَرَّرَهُ أبُو السُّعُودِ، وقَدْ قِيلَ:

؎إذا لَمْ يَكُنْ في مَنزِلِ المَرْءِ حُرَّةٌ تُدَبِّرُهُ ضاعَتْ مَصالِحُ دارِهِ

قالَ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ كَراهَةُ نِكاحِ الأمَةِ عِنْدَ اجْتِماعِ الشُّرُوطِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

4:26Page 82

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦

Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.

(p-١٢٠١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [٢٦]

﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ: في تَحْرِيمِ ما حَرَّمَ مِنَ النِّساءِ، وتَحْلِيلِ ما أحَلَّ بِالشَّرائِطِ ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: شَرائِعَهُ ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: يُرْشِدَكم إلى طَرائِقِ مَن تَقَدَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ في تَحْرِيمِ ما حَرَّمَهُ؛ لِتَتَأسَّوْا بِهِمْ في اتِّباعِ شَرائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّها ويَرْضاها.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ لَنا مِنَ النِّساءِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ فَقَدْ كانَ الحُكْمُ كَذَلِكَ في المِلَّةِ السّابِقَةِ.

وقَدْ قَرَأْتُ في سِفْرِ الأحْبارِ اللّاوِيِّينَ مِنَ التَّوْراةِ في (الفَصْلِ الثّامِنَ عَشَرَ) ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، عَدا ما رَفَعَهُ تَعالى عَنّا مِن ذَلِكَ مِمّا فِيهِ حَرَجٌ.

﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَتَجاوَزَ عَنْكم ما كانَ مِنكم في الجاهِلِيَّةِ، أوْ يَرْجِعَ بِكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها إلى طاعَتِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فِيما شَرَعَ لَكم مِنَ الأحْكامِ ﴿حَكِيمٌ﴾ مَراعٍ في جَمِيعِ قَضائِهِ الحِكْمَةَ.

4:27Page 83

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧

Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [٢٧]

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَآثِمِ والمَحارِمِ، أيْ: يُخْرِجُكم مِن كُلِّ ما يَكْرَهُ إلى ما يُحِبُّ ويَرْضى، وفِيهِ بَيانُ كَمالِ مَنفَعَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، وكَمالِ مَضَرَّةِ ما يُرِيدُهُ الفَجَرَةُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ أيْ: ما حَرَّمَهُ الشَّرْعُ، وهُمُ الزُّناةُ ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِالمَعْصِيَةِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي بِإتْيانِكم ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم.

4:28Page 83

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨

And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [٢٨]

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أيْ: في شَرائِعِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ وما يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، ولِهَذا أباحَ نِكاحَ الإماءِ بِشُرُوطِهِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى:﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٨٥] (p-١٢٠٢)وقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [الحَجِّ: ٧٨].

﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ أيْ: عاجِزًا عَنْ دَفْعِ دَواعِي شَهَواتِهِ، فَناسَبَهُ التَّخْفِيفُ لِضَعْفِ عَزْمِهِ وهِمَّتِهِ وضَعْفِهِ في نَفْسِهِ، فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّخْفِيفِ في أحْكامِ الشَّرْعِ.

وفِي "الإكْلِيلِ" قالَ طاوُسٌ: ضَعِيفًا أيْ: في أمْرِ النِّساءِ لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ، وقالَ وكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ، أخْرَجَهُما ابْنُ أبِي حاتِمٍ، فَفِيهِ أصْلٌ لِما يَذْكُرُهُ الأطِبّاءُ مِن مَنافِعِ الجِماعِ ومِن مَضارِّ تَرْكِهِ.

4:29Page 83

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [٢٩]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ ﴿بِالباطِلِ﴾ أيْ: ما لَمْ تُبِحْهُ الشَّرِيعَةُ كالرِّبا والقِمارِ والرِّشْوَةِ والغَصْبِ والسَّرِقَةِ والخِيانَةِ، (p-١٢٠٣)وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِن صُنُوفِ الحِيَلِ.

﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ أيْ: مُعاوَضَةً مَحْضَةً كالبَيْعِ ﴿عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ في المُحاباةِ مِن جانِبِ الآخِذِ والمَأْخُوذِ مِنهُ، وقُرِئَ: (تِجارَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ، وبِالنَّصْبِ عَلى أنَّها ناقِصَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ المُعامَلَةُ أوِ التِّجارَةُ أوِ الأمْوالُ تِجارَةً.

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ تَحْرِيمُ أكْلِ المالِ الباطِلِ بِغَيْرِ وجْهٍ شَرْعِيٍّ، وإباحَةُ التِّجارَةِ والرِّبْحِ فِيها، وأنَّ شَرْطَها التَّراضِي، ومِن هَهُنا أخَذَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ اعْتِبارَ الإيجابِ والقَبُولِ لَفْظًا؛ لِأنَّ التَّراضِيَ أمْرٌ قَلْبِيٌّ فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ بِها مَن لَمْ يَشْتَرِطْهُما إذا حَصَلَ الرِّضا، انْتَهى.

أيْ لِأنَّ الأقْوالَ كَما تَدُلُّ عَلى التَّراضِي فَكَذَلِكَ الأفْعالُ تَدُلُّ في بَعْضِ المَحالِّ قَطْعًا، فَصَحَّ بَيْعُ المُعاطاةِ مُطْلَقًا.

وفِي "الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ": حَقِيقَةُ التَّراضِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ ها هُنا أمارَتُهُ، كالإيجابِ والقَبُولِ، وكالتَّعاطِي عِنْدَ القائِلِ بِهِ، وعَلى هَذا أهْلُ العِلْمِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرِدْ ما يَدُلُّ عَلى ما اعْتَبَرَهُ بَعْضُهم مِن ألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ البَيْعُ بِغَيْرِها، ولا يُفِيدُهم ما ورَدَ في الرِّواياتِ مِن نَحْوِ: (بِعْتُ مِنكَ وبِعْتُكَ) فَإنّا لا نُنْكِرُ أنَّ البَيْعَ يَصِحُّ بِذَلِكَ، وإنَّما النِّزاعُ في كَوْنِهِ لا يَصِحُّ إلّا بِها، ولَمْ يَرِدْ في ذَلِكَ شَيْءٌ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى:﴿تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ التَّراضِي هو المَناطُ، ولا بُدَّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ، بِأيِّ لَفْظٍ وقَعَ، وعَلى أيِّ صِفَةٍ كانَ، وبِأيِّ إشارَةٍ مُفِيدَةٍ حَصَلَ، انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لا تَقْتُلُوا مَن كانَ مِن جِنْسِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ كُلَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ قَتْلِهِمْ، بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَفْعَلُهُ عاقِلٌ.

والثّانِي: النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَمْرُو بْنُ العاصِ عَلى مَسْألَةِ التَّيَمُّمِ لِلْبَرْدِ، وأقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ (p-١٢٠٤)عَلى احْتِجاجِهِ، كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، ولَفْظُ أحْمَدَ:

عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ قالَ: «لَمّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ ذاتِ السَّلاسِلِ، قالَ: احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلَكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصْحابِي صَلاةَ الصُّبْحِ، قالَ: فَلَمّا قَدِمْنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: يا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ ؟! قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنَ أهْلَكَ، وذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا» وهَكَذا أوْرَدَهُ أبُو داوُدَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا، أيِ: المَعْنى الثّانِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أشْبَهُ بِالصَّوابِ، وقَدْ تَوافَرَتِ الأخْبارُ في النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ والوَعِيدِ عَلَيْهِ.

رَوى الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رِضى اللَّهِ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تَرَدّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهْوَ في نارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدّى فِيهِ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا، ومَن تَحَسّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسّاهُ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا، ومَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا» .

(p-١٢٠٥)وأخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْهُ - رِضى اللَّهِ عَنْهُ - قالَ: «شَهِدْنا خَيْبَرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإسْلامَ: هَذا مِن أهْلِ النّارِ فَلَمّا حَضَرَ القِتالُ قاتَلَ الرَّجُلُ أشَدَّ القِتالِ، حَتّى كَثُرَتْ بِهِ الجِراحَةُ، فَكادَ بَعْضُ النّاسِ يَرْتابُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ ألَمَ الجِراحَةِ، فَأهْوى بِيَدِهِ إلى كِنانَتِهِ، فاسْتَخْرَجَ مِنها أسْهُمًا، فَنَحَرَ بِها نَفْسَهُ، فاشْتَدَّ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، انْتَحَرَ فُلانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ، فَأذِّنْ أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفاجِرِ» وهَذا لَفْظُ البُخارِيِّ.

ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقالَ: لا أُصَلِّي عَلَيْهِ» .

وفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكم رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ فَأخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِها يَدَهُ، فَما رَقَأ الدَّمُ حَتّى ماتَ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: بادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .

ولِهَذا قالَ تَعالى:

4:30Page 83

وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.

(p-١٢٠٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [٣٠]

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: القَتْلَ ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ أيْ: مُتَعَدِّيًا فِيهِ، ظالِمًا في تَعاطِيهِ، أيْ: عالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجاسِرًا عَلى انْتِهاكِهِ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ أيْ: نُدْخِلُهُ ﴿نارًا﴾ أيْ: هائِلَةً شَدِيدَةَ العَذابٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هَيِّنًا عَلَيْهِ، لا عُسْرَ فِيهِ ولا صارِفَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

قالَ النَّسَفِيُّ: وهَذا الوَعِيدُ في حَقِّ المُسْتَحِلِّ لِلتَّخْلِيدِ، وفي حَقِّ غَيْرِهِ، لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِ دُخُولَ النّارِ مَعَ وعْدِ اللَّهِ بِمَغْفِرَتِهِ، انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском