Al-QasimiAn‑Nisa · 4:3–5

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:3–5, continued

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَوّى في السُّهُولَةِ واليُسْرِ بَيْنَ الحُرَّةِ الواحِدَةِ وبَيْنَ الإماءِ مِن غَيْرِ حَصْرٍ ولا تَوْقِيتِ عَدَدٍ، ولَعَمْرِي إنَّهُنَّ أقَلُّ تَبِعَةً وأقْصَرُ شَغَبًا وأخَفُّ مُؤْنَةً مِنَ المَهائِرِ، لا عَلَيْكَ أكْثَرْتَ مِنهُنَّ أمْ أقْلَلْتَ، عَدَلَتْ بَيْنَهُنَّ في القَسْمِ أمْ لَمْ تَعْدِلْ، عَزَلَتْ عَنْهُنَّ أمْ لَمْ تَعْزِلِ، انْتَهى.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الِاقْتِصارُ عَلى واحِدَةٍ أوْ عَلى التَّسَرِّي ﴿أدْنى﴾ أيْ: أقْرَبُ ﴿ألا تَعُولُوا﴾ أيْ: مِن أنْ لا تَمِيلُوا ولا تَجُورُوا؛ لِانْتِفائِهِ رَأْسًا بِانْتِفاءِ مَحَلِّهِ في الأوَّلِ، وانْتِفاءِ خَطَرِهِ في الثّانِي بِخِلافِ اخْتِيارِ العَدَدِ في المَهائِرِ، فَإنَّ المَيْلَ المَحْظُورَ مُتَوَقَّعٌ فِيهِ لِتَحَقُّقِ المَحَلِّ والخَطَرِ، هَذا إنْ قُدِّرَ (تَعُولُوا) مُضارِعَ عالَ، بِمَعْنى جارَ ومالَ عَنِ الحَقِّ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.

ومِنَ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ فِيهِ كَوْنُهُ مُضارِعَ عالَ بِمَعْنى كَثُرَ عِيالُهُ، قالَ في "القامُوسِ": وعالَ فُلانٌ عَوْلًا وعِيالَةً: كَثُرَ عِيالُهُ، كَأعْوَلَ وأعْيَلَ، انْتَهى.

وعَلى هَذا الوَجْهِ اقْتَصَرَ الإمامُ المَهايَمِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في تَفْسِيرِهِ حَيْثُ قالَ: أيْ: أقْرَبُ مِن أنْ لا تَكْثُرَ عِيالُكم فَيُمْكِنُ مَعَهُ القَناعَةُ بِحَيْثُ لا يَضْطَرُّ إلى الجَوْرِ في أمْوالِ اليَتامى، انْتَهى.

ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، والشّافِعِيِّ، وأمّا قَوْلُ ابْنِ كَثِيرٍ في هَذا التَّفْسِيرِ: هَهُنا نَظَرٌ، فَإنَّهُ كَما يُخْشى كَثْرَةُ العائِلَةِ مِن تَعْدادِ الحَرائِرِ كَذَلِكَ يُخْشى مِن تَعْدادِ السَّرارِيِّ - فَجَوابُهُ - كَما قالَ الرّازِيُّ - مِن (p-١١١٨)وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو أنَّ الجَوارِيَ إذا كَثُرْنَ فَلَهُ أنْ يُكَلِّفَهُنَّ الكَسْبَ، وإذا اكْتَسَبْنَ أنْفَقْنَ عَلى أنْفُسِهِنَّ وعَلى مَوْلاهُنَّ أيْضًا، وحِينَئِذٍ تَقِلُّ العِيالُ، أمّا إذا كانَتِ المَرْأةُ حُرَّةً، لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.

الثّانِي: أنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ مَمْلُوكَةً، فَإذا عَجَزَ المَوْلى عَنِ الإنْفاقِ عَلَيْها باعَها وتَخَلَّصَ مِنها، أمّا إذا كانَتْ حُرَّةً فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْها، والعُرْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ ما دامَ يُمْسِكُ الزَّوْجَةَ فَإنَّها لا تُطالِبُهُ بِالمَهْرِ، فَإذا حاوَلَ طَلاقَها طالَبَتْهُ بِالمَهْرِ فَيَقَعُ الزَّوْجُ في المِحْنَةِ، انْتَهى.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ بِالنِّكاحِ حُقُوقٌ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ مَن خَشِيَ الوُقُوعَ فِيما لا يَجُوزُ قَبُحَ مِنهُ ما دَعا إلى ذَلِكَ القَبِيحِ، فَلا يَجُوزُ لِمَن عَرَفَ أنَّهُ يَخُونُ مالَ اليَتِيمِ - إذا تَزَوَّجَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ - أنْ يَتَزَوَّجَ أكْثَرَ، وكَذا إذا عَرَفَ أنَّهُ يَخُونُ الوَدِيعَةَ ولا يَحْفَظُها، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ الوَدِيعَةِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ العَدْلَ واجِبٌ بَيْنَ الزَّوْجاتِ، وأنَّ مَن عَرَفَ أنَّهُ لا يَعْدِلُ فَإنَّهُ لا تَحِلُّ لَهُ الزِّيادَةُ عَلى واحِدَةٍ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ زَواجَهُ الصَّغِيرَةَ مِن غَيْرِ أبِيها وجَدِّها جائِزٌ، ولِلْفُقَهاءِ مَذاهِبُ في ذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ.

الثّانِي: في سِرِّ ما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ مِن إصْلاحِ النَّسْلِ، قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الِاجْتِماعِ مِن فَلاسِفَةِ المُسْلِمِينَ في مَقالَةٍ عُنْوانُها " الإسْلامُ وإصْلاحُ النَّسْلِ" ما مِثالُهُ: ما زالَ البَشَرُ يَسْعى مُنْذُ أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ وراءَ إصْلاحِ ما يَقْتَنِيهِ مِن خَيْلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ لِيَكْثُرَ انْتِفاعُهُ بِهِ، فَيَخْتارُ لِإناثِ هَذِهِ الحَيَواناتِ أفْحُلًا كَرِيمَةً، هي عَلى ما يَرُومُهُ مِنَ الصِّفاتِ؛ لِيَحْصُلَ مِنها عَلى نَسْلٍ أنْفَعَ لَهُ مِن أُمَّهاتِهِ.

وقَدْ زادَتْ رَغْبَةُ النّاسِ بِهَذا العَصْرِ في إصْلاحِ النَّوْعِ النّافِعِ مِنَ الحَيَوانِ، فَضَرَّبُوهُ ورَقَّوْهُ بِاخْتِيارِ الأفْحُلِ المُناسِبَةِ؛ حَتّى حَصَلُوا عَلى صِنْفٍ مِنَ الخَيْلِ الجِيادِ تُسابِقُ الرِّياحَ فَتَجْرِي (١٦) مِتْرًا في الثّانِيَةِ مِنَ الزَّمَنِ، وعَلى صِنْفٍ مِنَ البَقَرِ تَحْلِبُ في اليَوْمِ الواحِدِ خَمْسِينَ أُقَّةً، وعَلى صِنْفٍ مِنَ المَعْزى والغَنَمِ شَعَرُهُ أوْ صُوفُهُ مِثْلُ الحَرِيرِ نُعُومَةً، ولَمْ يَقْصُرْ (p-١١١٩)إصْلاحُهم عَلى الحَيَوانِ، بَلْ تَجاوَزَ إلى النَّباتِ، فَحَصَلُوا بِفَضْلِهِ عَلى أشْجارٍ كَثِيرَةِ الثَّمَرِ لَذِيذَتِهِ، وانْتَفَعُوا انْتِفاعًا كَبِيرًا، ما تَيَسَّرَ لِأسْلافِهِمْ.

نَعَمْ، إنَّ البَشَرَ افْتَكَرُوا في إصْلاحِ الحَيَوانِ الصّامِتِ والنَّباتِ، وعَلِمُوا ما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ، فَسَعَوْا إلَيْهِ السَّعْيَ الَّذِي يَرْضاهُ العِلْمُ، وجَنَوْا ثِمارَ ذَلِكَ السَّعْيِ، ولَكِنَّهم ما افْتَكَرُوا في إصْلاحِ ما هو أهَمُّ مِن كُلِّ ذَلِكَ: في إصْلاحِ الحَيَوانِ الذَّكِيِّ، والشِّرِّيرُ أكْثَرُ مِنَ الصّالِحِ، والجَبانُ أكْثَرُ مِنَ الشُّجاعِ، والكاذِبُ أكْثَرُ مِنَ الصّادِقِ، والكَسْلانُ أكْثَرُ مِن أخِي الجَدِّ النَّشِيطِ، ولَوْ أنَّهم أصْلَحُوا نَسْلَهم لَما وُجِدَ في النّاسِ مَن يُولَدُ مَرِيضًا ويَعِيشُ مَرِيضًا، فَلا يَنْتَفِعُ بِوُجُودِهِ المُجْتَمَعُ، وهو كَثِيرٌ.

قامَ مِن بَيْنِ هَذا الجِيلِ فَيْلَسُوفانِ: ألْمانِيٌّ وإنْكِلِيزِيٌّ، وأخَذا يُعَلِّمانِ بِكِتاباتِهِما المَبْنِيَّةِ عَلى البَراهِينِ وُجُوبَ إصْلاحِ الإنْسانِ لِنَسْلِ الإنْسانِ، ويُعَدِّدانِ فَوائِدَ الإصْلاحِ لِنَوْعِهِ، ويُبَيِّنانِ لِلْمَلَأِ أنَّ الرُّقِيَّ المَطْلُوبَ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وطَفِقا يَلُومانِ النّاسَ عَلى اعْتِنائِهِمْ بِإصْلاحِ المَواشِي وإهْمالِهِمْ إصْلاحَ أنْفُسِهِمُ، الأمْرُ الَّذِي هو أهَمُّ مِن ذَلِكَ كَثِيرًا، وذَكَرا لِذَلِكَ طُرُقًا:

(مِنها) مَنعُ أصْحابِ العاهاتِ والأمْراضِ المُزْمِنَةِ وأُولِي الجَرائِمِ الكَبِيرَةِ مِنَ الزَّواجِ؛ لِيَنْقَطِعَ نَسْلُهُمُ الَّذِي يَجِيءُ غالِبًا عَلى شاكِلَتِهِمْ.

(ومِنها) إباحَةُ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ لِلنّابِغِينَ مِنَ الرِّجالِ؛ لِيَكْثُرَ نَسْلُهُمْ، وقالا: إذا جَرى المُجْتَمَعُ عَلى هَذا الِانْتِخابِ الصِّناعِيِّ قُرُونًا عَدِيدَةً كانَ نَسْلُ الإنْسانِ الأخِيرُ - بِحُكْمِ نامُوسِ الوِراثَةِ - سالِمًا مِنَ الأمْراضِ، حَسَنَ الطَّوِيَّةِ، لَيْسَ فِيهِ مَيْلٌ إلى الشَّرِّ، قَوِيًّا، ذَكِيَّ الفُؤادِ، نابِغًا في العُلُومِ الَّتِي يَتَعَلَّمُها، كَأنَّهُ نَوْعٌ أرْقى مِنَ الإنْسانِ الحاضِرِ، وكانَتْ أهَمُّ طَرِيقَةٍ أبْدَياها لِلِارْتِقاءِ المُنْتَظَرِ لِلْبَشَرِ في المُسْتَقْبَلِ، هي طَرِيقَةُ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ في الحاضِرِ لِلنّابِغِينَ مِنَ النّاسِ، فَإنَّ مَنعَ أصْحابِ الأمْراضِ المُزْمِنَةِ والجُناةِ مِنَ الزَّواجِ إنَّما يُفِيدُ في تَقْوِيَةِ النَّسْلِ وجَعْلِهِ مَيّالًا بِالفِطْرَةِ إلى الخَيْرِ لَيْسَ إلّا، لا في جَعْلِهِ أذْكى مِن آبائِهِ وأسْمى مَدارِكَ.

وتَعَدُّدُ الزَّوْجاتِ لِلنّابِغِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ جاءَ بِهِ الإسْلامُ قَبْلَ هَذَيْنِ الفَيْلَسُوفَيْنِ بِأكْثَرَ مِن ألْفٍ وثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقَدْ أباحَ لَهم تَعْدُدَهُنَّ إلى أرْبَعٍ؛ لِيَكْثُرَ نَسْلُهُمْ، (p-١١٢٠)فَيَكْثُرَ عَدَدُ النّابِغِينَ، الَّذِينَ بِهِمْ وحْدَهم تَتِمُّ الأعْمالُ الكَبِيرَةُ في هَذِهِ الدُّنْيا، فَهو مِن مُكْتَشَفاتِ هَذا الدِّينِ الِاجْتِماعِيَّةِ.

وقَدْ جُعِلَ رِضاهُنَّ بِذَلِكَ شَرْطًا لَهُ؛ لِئَلّا يَكُونَ فِيهِ إجْحافٌ بِحُقُوقِهِنَّ، والعاقِلَةُ مِنَ النِّساءِ تُفَضِّلُ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِنابِغَةٍ مِنَ الرِّجالِ - وإنْ كانَ ذا زَوْجاتٍ أُخَرَ - عَلى أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِرَجُلٍ أحْمَقَ، وإنِ اقْتَصَرَ عَلَيْها؛ لِأنَّها تَعْلَمُ أنَّ أوْلادَها مِنَ الأوَّلِ يَنْجُبُونَ أكْثَرَ مِنهم مَنِ الثّانِي.

وأمّا غَيْرُ النّابِغِينَ مِنهم فَإنَّ الدِّينَ يَمْنَعُهم مِن نِكاحِ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ؛ لِئَلّا يَكْثُرَ نَسْلُهُمْ، قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِعُمُومِ الأُمَّةِ، فَهي تَأْذَنُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ إلى أرْبَعٍ، إذا آنَسَ مِن نَفْسِهِ القُدْرَةَ عَلى العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، وإلّا وجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِصارُ عَلى واحِدَةٍ؛ لِئَلّا يَجُورَ عَلَيْهِنَّ.

والقُدْرَةُ عَلى العَدْلِ بَيْنَ أرْبَعٍ مِنَ النِّساءِ مُتَوَقِّفٌ عَلى عَقْلٍ كَبِيرٍ وسِياسَةٍ في الإدارَةِ وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ في المُعامَلَةِ، لا تَتَأتّى إلّا لِمَن كانَ نابِغَةً بَيْنَ الرِّجالِ، ذا مَكانَةٍ مِنَ العَقْلِ تَرْفَعُهُ عَلى أقْرانِهِ، والرَّجُلُ النّابِغَةُ إذا تَزَوَّجَ بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ كَثُرَ نَسْلُهُ فَكَثُرَ النَّوابِغُ.

والشَّعْبُ الَّذِي يَكْثُرُ نَوابِغُهُ أقْدَرُ عَلى الغَلَبَةِ في تَنازُعِ البَقاءِ مِن سائِرِ الشُّعُوبِ، كَما يَدُلُّنا عَلَيْهِ التّارِيخُ.

ثُمَّ خاطَبَ اللَّهُ - في مَكانٍ آخَرَ - الخائِفِينَ أنْ لا يَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ - وهم غَيْرُ النَّوابِغِ مِنَ المُسْلِمِينَ - بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] فَأمَرَهم في هَذِهِ الآيَةِ - الَّتِي هي في المَعْنى تَتِمَّةٌ لِلْأوْلى - أنْ لا يَقْتَرِنُوا بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ؛ لِأنَّهم في دَرَجَةٍ مِنَ العَقْلِ هي دُونَ دَرَجَةِ النّابِغِينَ، لَنْ يَسْتَطِيعُوا مَعَها إتْيانَ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ، المُتَوَقِّفِ عَلى عَقْلٍ كَبِيرٍ يُسَهِّلُ لِصاحِبِهِ أنْ يُرْضِيَهُنَّ جَمْعاءَ، كَما يَأْتِيهِ النّابِغُونَ والدُّهاةُ مِنَ النّاسِ، وحَرَّمَ عَلى هَؤُلاءِ - الَّذِينَ لَمْ يَحُوزُوا المَقْدِرَةَ عَلى العَدْلِ - التَّزَوُّجَ بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ؛ لِئَلّا يَقَعَ الظُّلْمُ مِنَ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ، وهو كَثِيرُ الصُّدُورِ مِنَ الأوْساطِ، ومَن كانَ دُونَهم في سُلَّمِ الِارْتِقاءِ؛ ولِئَلّا يَكْثُرَ نَسْلُ غَيْرِ النّابِغِينَ، وهو الأهَمُّ، فَتَبْقى الأُمَّةُ في مَكانِها مِنَ الِانْحِطاطِ.

(p-١١٢١)وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ في الآيَةِ الأوْلى لِعُمُومِ الأُمَّةِ، غَيْرَ أنَّ الشَّرْطَ بِالعَدْلِ جَعَلَهُ خاصًّا بِالعادِلِينَ مِنهُمْ، وهُمُ النّابِغُونَ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ عَلى إتْيانِ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ لِوُفُورِ عَقْلِهِمْ.

والغايَةُ مِن أمْرِ هَذا الصِّنْفِ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَزَوَّجُوا بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ إلى أرْبَعٍ، هو تَكْثِيرُ نَسْلِهِمْ لِيَسْتَفِيدَ مِن كَثْرَةِ أمْثالِهِمُ المُجْتَمَعُ، كَما أسْلَفْنا، ولَكِنَّ النّابِغَةَ لا يَأْتِي نَسْلُهُ في الغالِبِ نَوابِغُ، بِمُجَرَّدِ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ، فَإنَّ الزَّوْجَةَ المُتَوَسِّطَةَ أوِ المُنْحَطَّةَ يَكُونُ أوْلادُها في الغالِبِ أوْساطًا أوْ مُنْحَطِّينَ، وإنْ كانَ أبُوهم راقِيًا، فَلا تَحْصُلُ الفائِدَةُ المَطْلُوبَةُ مِن تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ وهي إصْلاحُ النَّسْلِ.

بَلْ يَجِبُ لِلْحُصُولِ عَلى هَذا المَطْلَبِ الأسْنى أنْ يَقْتَرِنَ النّابِغُونَ بِالنّابِغاتِ؛ لِيَكُونَ أوْلادُهم مِثْلَهم نُبُوغًا أوْ أنْبَغَ مِنهُمْ، بِحُكْمِ سُنَّةِ الوِراثَةِ، وذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ إذا أحْسَنَ النّابِغُونَ اخْتِيارَ الأزْواجِ، فَنَكَحُوا ما طابَ لَهُمْ، والنّابِغَةُ لا يَطِيبُ لَهُ أنْ يَقْتَرِنَ إلّا بِمَن جَمَعَتْ نُبُوغًا مِثْلَ نُبُوغِهِ، إلى حُسْنٍ رائِعٍ، فَإنَّ مُعاشَرَةَ الحَمْقاءِ لَيْسَ مِمّا يَطِيبُ لِلْعاقِلِ الرّاقِي، وإنَّ الخَيْرَ يُطْلَبُ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: (وانْكِحُوا مِنَ النِّساءِ) وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ إشارَةٌ إلى مَراتِبِ نُبُوغِ الرَّجُلِ الثَّلاثِ، فَكَأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَتَجاوَزَ الَّذِي قَلَّ نُبُوغُهُ الِاقْتِرانَ بِاثْنَتَيْنِ، وأنْ لا يَتَجاوَزَ الَّذِي نُبُوغُهُ مُتَوَسِّطٌ الِاقْتِرانَ بِثَلاثٍ، وأنْ يَحِلَّ لِلَّذِي نُبُوغُهُ أعْلى مِنَ الأوَّلَيْنِ الِاقْتِرانُ بِأرْبَعٍ.

وأمّا الخائِفُونَ أنْ لا يَعْدِلُوا فَيَجِبُ أنْ لا يَتَجاوَزُوا الِاقْتِرانَ بِواحِدَةٍ؛ لِأنَّهم أُناسٌ لَنْ يَسْتَطِيعُوا - مَعَ كُلِّ حِرْصِهِمْ - أنْ يَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ؛ لِقُصُورِ عَقْلِهِمْ في سِياسَةِ المَنزِلِ وعَدَمِ نُبُوغِهِمْ، وهُناكَ إنْسانٌ نُبُوغُهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ نُبُوغٍ، هو مُحَمَّدٌ ﷺ، الَّذِي اخْتارَهُ اللَّهُ لِوُفُورِ حِكْمَتِهِ رَسُولًا مِنهُ إلى البَشَرِ، قَدْ أحَلَّ لَهُ أنْ يَقْتَرِنَ بِأكْثَرَ مِن أرْبَعٍ لِقُدْرَتِهِ عَلى العَدْلِ بَيْنَهُنَّ.

وأظُنُّكَ - بَعْدَ قِراءَةِ ما أوْرَدْتُ - تَعْتَرِفُ - إنْ كُنْتَ مِنَ المُنْصِفِينَ - أنَّ الإسْلامَ جاءَ (p-١١٢٢)قَبْلَ أكْثَرَ مِن ألْفٍ وثَلاثِمِائَةِ عامٍ بِسُنَّةٍ لِلزَّواجِ، عَلَيْها وحْدَها يَتَوَقَّفُ إصْلاحُ نَسْلِ البَشَرِ، الَّذِي أخَذَ في هَذا القَرْنِ أفْرادٌ مِن فَلاسِفَةِ الغَرْبِ يَحُضُّونَ عَلَيْهِ، تِلْكَ السُّنَّةُ هي تَعَدُّدُ الزَّوْجاتِ بَعْدَ أنْ كانَ الرَّأْيُ العامُّ في الغَرْبِ يَعِيبُهُ عَلَيْها، هَذا هو الإسْلامُ يُقَرِّرُ أكْبَرَ قاعِدَةٍ لِلتَّرَقِّي، وهو إباحَةُ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ، اللّاتِي يَطِبْنَ لِوُفُورِ جَمالِهِنَّ وعَقْلِهِنَّ لِأفْرادٍ نابِغِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، لا يَخافُونَ لِوُفُورِ عَقْلِهِمْ أنْ لا يَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ، ولَكِنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَأْتَمِرُوا بِأمْرِ اللَّهٍ، فَأباحُوا هَذا التَّعَدُّدَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، لِلْخائِفِينَ أنْ لا يَعْدِلُوا ولِغَيْرِ الخائِفِينَ، فَفَسَدَ النَّسْلُ، والَّذِي أعانَ عَلى فَسادِهِ هو كَوْنُ القُدْرَةِ عَلَيْهِ أصْبَحَتْ - بِحُكْمِ الجَهْلِ - مُنْحَصِرَةً في المالِ الَّذِي يَجْمَعُهُ الغاصِبُ والسّارِقُ والكاسِبُ، فَكَثُرَ نَسْلُ الظّالِمِينَ، وقَلَّ نَسْلُ العادِلِينَ مِن أهْلِ العَقْلِ الرّاجِحِ، انْتَهى كَلامُهُ، وهو اسْتِنْباطٌ بَدِيعٌ.

4:4Page 77

وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts1 graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [٤]

﴿وآتُوا﴾ أيْ: أعْطُوا ﴿النِّساءَ﴾ أيِ: اللّاتِي أُمِرَ بِنِكاحِهِنَّ ﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ (جَمْعُ صَدُقَةٍ كَسَمُرَةَ) وهي المَهْرُ ﴿نِحْلَةً﴾ أيْ: عَطاءً غَيْرَ مُسْتَرَدٍّ بِحِيلَةٍ تُلْجِئُهُنَّ إلى الرَّدِّ، والنِّحْلَةُ (بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّها، عَلى ما رَواهُ ابْنُ دُرَيْدٍ) اسْمُ مَصْدَرٍ لِـ (نَحَلَ) والمَصْدَرُ النُّحْلُ (بِالضَّمِّ) وهو العَطاءُ بِلا عِوَضٍ، والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ المُهُورِ بِالنِّحْلَةِ - مَعَ كَوْنِها واجِبَةً عَلى الأزْواجِ - لِإفادَةِ مَعْنى الإيتاءِ عَنْ كَمالِ الرِّضا وطِيبِ الخاطِرِ.

فائِدَتانِ:

الأُولى: هَذا الخِطابُ إمّا لِلْأزْواجِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والنَّخَعِيِّ وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، فَإنَّ ما قَبْلَهُ خِطابٌ لِلنّاكِحِينَ وهُمُ الأزْواجُ، وإمّا لِأوْلِياءِ النِّساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ (p-١١٢٣)كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ لا تُعْطِي النِّساءَ مِن مُهُورِهِنَّ شَيْئًا.

ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لِمَن وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ: هَنِيئًا لَكَ النّافِجَةُ، ومَعْناهُ إنَّكَ تَأْخُذُ مَهْرَها إبَلًا فَتَضُمُّها إلى إبِلِكَ فَتَنَفِجُ مالَكَ أيْ: تُعَظِّمُهُ.

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: النّافِجَةُ ما يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنَ الحُلْوانِ إذا زَوَّجَ ابْنَتَهُ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وأمَرَ بِدَفْعِ الحَقِّ إلى أهْلِهِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ وأبِي صالِحٍ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ.

الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيتاءِ المُناوَلَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِالتِزامَ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] [التَّوْبَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٩]، والمَعْنى حَتّى يَضْمَنُوها ويَلْتَزِمُوها، فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأوَّلِ كانَ المُرادُ أنَّهم أُمِرُوا بِدَفْعِ المُهُورِ الَّتِي قَدْ سَمَّوْها لَهُنَّ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي كانَ المُرادُ أنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباحُ إلّا بِعِوَضٍ يُلْزَمُ، سَواءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُسَمَّ، إلّا ما خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في المَوْهُوبَةِ.

ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جامِعًا لِلْوَجْهَيْنِ مَعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّدُقاتِ، وتَذْكِيرُهُ لِإجْرائِهِ مَجْرى ذَلِكَ، أيْ: فَإنْ أحْلَلْنَ لَكم مِنَ المَهْرِ شَيْئًا بِطِيبَةِ نَفْسٍ؛ جَلْبًا لِمَوَدَّتِكُمْ، لا لِحَياءٍ عَرَضَ لَهُنَّ مِنكم أوْ مِن غَيْرِكُمْ، ولا لِاضْطِرارِهِنَّ إلى البَذْلِ مِن شَكاسَةِ أخْلاقِكم وسُوءِ مُعاشَرَتِكم.

﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أيْ: فَخُذُوهُ وتَصَرَّفُوا فِيهِ تَمَلُّكًا، وتَخْصِيصُ الأكْلِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ.

وهَنِيئًا مَرِيئًا: صِفَتانِ مِن (هَنُؤَ الطَّعامُ ومَرُؤَ) إذا كانَ سائِغًا لا تَنْغِيصَ فِيهِ، وقِيلَ: الهَنِيءُ ما أتاكَ بِلا مَشَقَّةٍ ولا تَبِعَةٍ، والمَرِيءُ حَمِيدُ المَغَبَّةِ، وهُما عِبارَةٌ عَنِ التَّحْلِيلِ والمُبالَغَةِ في الإباحَةِ وإزالَةِ التَّبِعَةِ؛ لِأنَّهُنَّ كالرِّجالِ في التَّصَرُّفاتِ والتَّبَرُّعاتِ.

* *

(p-١١٢٤)تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لِلْآيَةِ ثَمَراتٌ:

مِنها: أنَّهُ لا بُدَّ في النِّكاحِ مِن صَداقٍ.

ومِنها: أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلْمَرْأةِ كَسائِرِ الدُّيُونِ.

ومِنها: أنَّ لَها أنْ تَتَصَرَّفَ فِيهِ بِما شاءَتْ، ولَمْ تَفْصِلِ الآيَةُ بَيْنَ أنْ تَقْبِضَهُ أمْ لا، ولِذا قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَها بَيْعُ مَهْرِها قَبْلَ قَبْضِهِ، ولِبَعْضِهِمْ: لا تَبِيعُهُ حَتّى تَقْبِضَهُ، كالمِلْكِ بِالشِّراءِ.

ومِنها: أنَّهُ يَسْقُطُ عَنِ الزَّوْجِ بِإسْقاطِها مَعَ طِيبِ نَفْسِها، وقَدْ رَأى شُرَيْحٌ إقالَتَها إذا رَجَعَتْ، واحْتَجَّ بِالآيَةِ.

رَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ مَعَ زَوْجِها شُرَيْحًا في عَطِيَّةٍ أعْطَتْها إيّاهُ، وهي تَطْلُبُ الرُّجُوعَ، فَقالَ شُرَيْحٌ: رَدَّ عَلَيْها، فَقالَ الرَّجُلُ: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ﴾ ؟ فَقالَ: لَوْ طابَتْ نَفْسُها عَنْهُ لَما رَجَعَتْ فِيهِ.

ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: أُقِيلُها فِيما وهَبَتْ ولا أقْبَلُهُ؛ لِأنَّهُنَّ يُخْدَعْنَ.

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كَتَبَ إلى قُضاتِهِ: أنَّ النِّساءَ يُعْطِينَ رَغْبَةً ورَهْبَةً، فَأيُّما امْرَأةٍ أعْطَتْهُ ثُمَّ أرادَتْ أنْ تَرْجِعَ فَذَلِكَ لَها، نَقَلَهُ الرّازِيُّ.

أقُولُ: ما رَآهُ شُرَيْحٌ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ هو الفِقْهُ الصَّحِيحُ والِاسْتِنْباطُ البَدِيعُ، إذِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى ضِيقِ المَسْلَكِ في ذَلِكَ ووُجُوبِ الِاحْتِياطِ، حَيْثُ بُنِيَ الشَّرْطُ عَلى طِيبِ النَّفْسِ، ولَمْ يَقُلْ: فَإنْ وهَبْنَ لَكُمْ؛ إعْلامًا بِأنَّ المُراعى هو تَجافِي نَفْسِها عَنِ المَوْهُوبِ طَيِّبَةً، وبِرُجُوعِها يَظْهَرُ عَدَمُ طِيبِ نَفْسِها، وذَلِكَ بَيِّنٌ.

4:5Page 77

وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٥

And do not give the weak-minded your property,1 which Allāh has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [٥]

﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ وُجُوهًا يَحْتَمِلُها النَّظْمُ الكَرِيمُ:

(p-١١٢٥)الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِالسُّفَهاءِ اليَتامى، كَما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والخِطابُ حِينَئِذٍ لِلْأوْلِياءِ، نُهُوا أنْ يُؤْتُوا اليَتامى أمْوالَهم مَخافَةَ أنْ يُضَيِّعُوها لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ السَّفِيهَ هو الخَفِيفُ الحِلْمِ.، وإنَّما أُضِيفَتْ لِلْأوْلِياءِ - وهي لِلْيَتامى - تَنْزِيلًا لِاخْتِصاصِها بِأصْحابِها مَنزِلَةَ اخْتِصاصِها بِالأوْلِياءِ، فَكَأنَّ أمْوالَهم عَيْنُ أمْوالِهِمْ؛ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ الجِنْسِيِّ والنَّسَبِيِّ؛ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٩]، أيْ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا حَيْثُ عُبِّرَ عَنْ بَنِي نَوْعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ؛ مُبالَغَةً في زَجْرِهِمْ عَنْ قَتْلِهِمْ، فَكَأنَّ قَتْلَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ أيَّدَ ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ أصْحابِها بِجَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ الأوْلِياءِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ أيْ: جَعَلَها اللَّهُ شَيْئًا تَقُومُونَ وتَنْتَعِشُونَ، فَلَوْ ضَيَّعْتُمُوها لَضِعْتُمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ أيِ: اجْعَلُوها مَكانًا لِرِزْقِهِمْ وكِسْوَتِهِمْ، بِأنْ تَتَّجِرُوا وتَتَرَبَّحُوا؛ حَتّى تَكُونَ نَفَقاتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: كَلامًا لَيِّنًا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ، ومِنهُ أنْ يَعِدَهم عِدَّةً جَمِيلَةً، بِأنْ يَقُولَ ولِيُّهُمْ: إذا صَلُحْتُمْ ورَشَدْتُمْ سَلَّمْنا إلَيْكم أمْوالَكم.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُرادَ بِالسُّفَهاءِ النّاسُ والصِّبْيانُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما، فالخِطابُ عامٌّ، والنَّهْيُ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَعْمِدَ إلى ما خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المالِ فَيُعْطِيَهُ امْرَأتَهُ وأوْلادَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى أيْدِيهِمْ، وإنَّما سَمّاهم سُفَهاءَ؛ اسْتِخْفافًا بِعَقْلِهِمْ واسْتِهْجانًا لِجَعْلِهِمْ قُوّامًا عَلى أنْفُسِهِمْ.

قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَقُولُ: لا تَعْمِدْ إلى مالِكَ خَوَّلَكَ اللَّهُ وجَعَلَهُ لَكَ مَعِيشَةً فَتُعْطِيَهُ امْرَأتَكَ أوِ ابْنَتَكَ ثُمَّ تُنْظَرُ إلى ما في أيْدِيهِمْ، ولَكِنْ أمْسِكْ مالَكَ وأصْلِحْهُ وكُنْ أنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِن كِسْوَتِهِمْ ومُؤْنَتِهِمْ ورِزْقِهِمْ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ (p-١١٢٦)يُرادَ بِالسُّفَهاءِ كُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ يَفِي بِحِفْظِ المالِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ النِّساءُ والصِّبْيانُ والأيْتامُ كُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

قالَ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ.

قالَ السُّيُوطِيُّ فِي: "الإكْلِيلِ": في هَذِهِ الآيَةِ الحَجْرُ عَلى السَّفِيهِ، وأنَّهُ لا يُمَكَّنُ مِن مالِهِ، وأنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنهُ ويُكْسى، ولا يُنْفَقُ في التَّبَرُّعاتِ، وأنَّهُ يُقالُ لَهُ مَعْرُوفٌ كَـ: (إنْ رَشَدْتَ دَفَعْنا إلَيْكَ مالَكَ، وإنَّما يَحْتاطُ لِنَفْعِكَ).

واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن قالَ بِالحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ البالِغِ، سَواءٌ طَرَأ عَلَيْهِ أمْ كانَ مِن حِينِ البُلُوغِ، ومَن قالَ بِالحَجْرِ عَلى مَن يُخْدَعُ في البُيُوعِ، ومَن قالَ بِأنَّ مَن يَتَصَدَّقُ عَلى مَحْجُورٍ، وشَرَطَ أنْ يُتْرَكَ في يَدِهِ لا يُسْمَعُ مِنهُ في ذَلِكَ.

لَطِيفَةٌ:

فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ حَثٌّ عَلى حِفْظِ الأمْوالِ وعَدَمِ تَضْيِيعِها.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: المالُ سِلاحُ المُؤْمِنِ، ولَأنْ أتْرُكَ مالًا يُحاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِن أنْ أحْتاجَ إلى النّاسِ.

وعَنْ سُفْيانَ - وكانَتْ لَهُ بِضاعَةٌ يُقَلِّبُها -: لَوْلاها لَتَمَندَلَ بِي بَنُو العَبّاسِ.

وعَنْ غَيْرِهِ (وقِيلَ لَهُ: إنَّها تُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيا): لَإنْ أدْنَتْنِي مِنَ الدُّنْيا لَقَدْ صانَتْنِي عَنْها.

وكانُوا يَقُولُونَ: اتَّجِرُوا واكْتَسِبُوا، فَإنَّكم في زَمانٍ إذا احْتاجَ أحَدُكم كانَ أوَّلُ ما يَأْكُلُ دِينَهُ، ورُبَّما رَأوْا رَجُلًا في جِنازَةٍ، فَقالُوا لَهُ: اذْهَبْ إلى دُكّانِكَ، انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском