Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:43
4:43Page 85
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣
O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying1 or in a state of janābah,2 except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women [i.e., had sexual intercourse] and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allāh is ever Pardoning3 and Forgiving.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [٤٣]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ (p-١٢٤٤)نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ في جَماعَةٍ كانُوا يَشْرَبُونَها ثُمَّ يُصَلُّونَ، أيْ: مِن مُقْتَضى إيمانِكُمُ الحَياءُ مِنَ اللَّهِ، ومِنَ الحَياءِ مِنهُ أنْ لا تَقُومُوا إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ سُكارى لا تَعْلَمُونَ ما تُخاطِبُونَهُ، فالحَياءُ مِنَ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجَبِ النَّهْيِ، وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى قُرْبانِ الصَّلاةِ - مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّهْيُ عَنْ إقامَتِها - لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ هَذا النَّهْيُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ «قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢١٩] الآيَةَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلاها عَلى عُمَرَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَكانُوا لا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] [المائِدَةِ: ٩٠ - ٩١] فَقالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا».
ولَفْظُ أبِي داوُدَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قِصَّةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفِيهِ: «نَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ (p-١٢٤٥)فَكانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا قامَتِ الصَّلاةُ يُنادِي: لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ».
ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ [أبِي] حاتِمٍ، عَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ: صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعا أُناسًا مِنَ المُهاجِرِينَ وأُناسًا مِنَ الأنْصارِ، فَأكَلْنا وشَرِبْنا حَتّى سَكِرْنا، ثُمَّ افْتَخَرْنا، فَرَفَعَ رَجُلٌ لِحى بَعِيرٍ فَغَرَزَ بِها أنْفَ سَعْدٍ، فَكانَ سَعْدٌ مَغْرُوزَ الأنْفِ، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ الآيَةَ.
والحَدِيثُ بِطُولِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، ورَواهُ أهْلُ السُّنَنِ إلّا ابْنَ ماجَهْ.
ورَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ هو وعَبْدُ الرَّحْمَنِ ورَجُلٌ آخَرُ شَرِبُوا الخَمْرَ فَصَلّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَخَلَّطَ فِيها، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ الآيَةَ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا فَدَعانا وسَقانا مِنَ الخَمْرِ، فَأخَذَتِ الخَمْرُ مِنّا، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَدَّمُوا فُلانًا، قالَ فَقَرَأ: (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ * ما أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ * ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ، وكَذا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
﴿ولا جُنُبًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ إذِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والجُنُبُ الَّذِي أصابَتْهُ الجَنابَةُ، يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والواحِدُ والجَمْعُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ جَرى مَجْرى المَصْدَرِ الَّذِي هو الإجْنابُ.
﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ أيْ: مارِّينَ بِلا لُبْثٍ ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ مِنَ الجَنابَةِ: أيْ: لا تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلاةِ - وهو المَسْجِدُ - وأنْتُمْ جُنُبٌ إلّا مُجْتازِينَ فِيهِ، إمّا لِلْخُرُوجِ مِنهُ أوْ لِلدُّخُولِ فِيهِ.
(p-١٢٤٦)رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَعْنى الآيَةِ قالَ: لا تَدْخُلُوا المَسْجِدَ وأنْتُمْ جُنُبٌ إلّا عابِرِي سَبِيلٍ، قالَ: تَمُرُّ بِهِ مَرًّا، ولا تَجْلِسُ، ثُمَّ رَواهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وثُلَّةٌ مِنَ التّابِعِينَ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ اللَّيْثِ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ إنَّ رِجالًا مِنَ المَسْجِدِ تُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ، ولا ماءَ عِنْدَهم فَيُرِيدُونَ الماءَ ولا يَجِدُونَ مَمَرًّا إلّا في المَسْجِدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَشْهَدُ لِصِحَّةِ ما قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ في المَسْجِدِ إلّا خَوْخَةَ أبِي بَكْرٍ» .
وهَذا قالَهُ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ؛ عِلْمًا مِنهُ أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَيَلِي الأمْرَ بَعْدَهُ ويَحْتاجُ إلى الدُّخُولِ في المَسْجِدِ كَثِيرًا لِلْأُمُورِ المُهِمَّةِ فِيما يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأمَرَ بِسَدِّ الأبْوابِ الشّارِعَةِ (p-١٢٤٧)إلى المَسْجِدِ إلّا بابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومَن رَوى (إلّا بابَ عَلِيٍّ ) كَما وقَعَ في بَعْضِ السُّنَنِ فَهو خَطَأٌ، والصَّوابُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ.
ومِن هَذا التَّأْوِيلِ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ الأئِمَّةِ عَلى أنَّهُ يَحْرُمُ عَلى الجُنُبِ المُكْثُ في المَسْجِدِ، ويَجُوزُ لَهُ المُرُورُ.
وثَمَّةُ تَأْوِيلٌ آخَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسافِرُونَ، أيْ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ جُنُبًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مُسافِرِينَ، فَيَكُونُ هَذا الِاسْتِثْناءُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الإقْدامُ عَلى الصَّلاةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الماءِ.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَلِيٍّ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: لا يَقْرَبُ الصَّلاةَ إلّا أنْ يَكُونَ مُسافِرًا تُصِيبُهُ الجَنابَةُ فَلا يَجِدُ الماءَ، فَيُصَلِّي حَتّى يَجِدَ الماءَ، ثُمَّ رَواهُ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ: ورَواهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أيْضًا: أنَّهُ في السَّفَرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُسْتَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ (p-١٢٤٨)عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ المُسْلِمِ، وإنْ لَمْ تَجِدِ الماءَ عَشْرَ حِجَجٍ، فَإذا وجَدْتَ الماءَ فَأمِسَّهُ بَشَرَتَكَ فَإنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكَ» وفي هَذا التَّأْوِيلِ بَقاءُ لَفْظِ الصَّلاةِ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ في الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، وفي التَّأْوِيلِ السّابِقِ تَكُونُ الصَّلاةُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَحْمُولَةً عَلى مَواضِعِها.
قالَ في "فَتْحِ البَيانِ": وبِالجُمْلَةِ، فالحالُ الأُولى أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ تُقَوِّي بَقاءَ الصَّلاةِ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِن دُونِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ السّابِقُ يُقَوِّي ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ يُقَوِّي تَقْدِيرَ المُضافِ، أيْ: لا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ قُيُودِ النَّهْيِ (أعْنِي: (لا تَقْرَبُوا) وهو قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ ) يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ مَعْناها الحَقِيقِيُّ، وبَعْضُ قُيُودِ النَّهْيِ (وهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ ) يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مَواضِعُ الصَّلاةِ، ولا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعَ قَيْدِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ نَهْيَيْنِ مُقَيَّدٍ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِقَيْدٍ، وهُما: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ الَّتِي هي ذاتُ الأذْكارِ والأرْكانِ وأنْتُمْ سُكارى، ولا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ حالَ كَوْنِكم جُنُبًا إلّا حالَ عُبُورِكُمُ المَسْجِدَ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وغايَةُ ما يُقالُ في هَذا: إنَّهُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وهو جائِزٌ بِتَأْوِيلِ مَشْهُورٍ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ (بَعْدَ حِكايَتِهِ لِلتَّأْوِيلَيْنِ): وأوْلى القَوْلَيْنِ بِالتَّأْوِيلِ لِذَلِكَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ: (p-١٢٤٩)﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ إلّا مُجْتازِي طَرِيقٍ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَ المُسافِرِ إذا عَدَمَ الماءَ - وهو جُنُبٌ - في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ إلى آخِرِهِ، فَكانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ لَوْ كانَ مَعْنِيًّا بِهِ المُسافِرُ لَمْ يَكُنْ لِإعادَةِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ مَعْنى مَفْهُومٌ، وقَدْ مَضى ذِكْرُ حُكْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وإذْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُ الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا المَساجِدَ لِلصَّلاةِ مُصَلِّينَ فِيها وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ، ولا تَقْرَبُوها أيْضًا جُنُبًا حَتّى تَغْتَسِلُوا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ.
قالَ: و(العابِرُ السَّبِيلِ) المُجْتازُهُ مَرًّا وقَطْعًا، يُقالُ مِنهُ: عَبَرْتُ هَذا الطَّرِيقَ فَأنا أعْبُرُهُ عَبْرًا وعُبُورًا، ومِنهُ قِيلَ: عَبَرَ فُلانٌ النَّهَرَ إذا قَطَعَهُ وجازَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلنّاقَةِ القَوِيَّةِ عَلى الأسْفارِ: هي عُبْرُ أسْفارٍ، وعَبْرُ أسْفارٍ؛ لِقُوَّتِها عَلى الأسْفارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي نَصَرَهُ (يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ ) هو قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ، وكَأنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ تَعاطِي الصَّلاةِ عَلى هَيْئَةٍ ناقِصَةٍ تُناقِضُ مَقْصُودَها، وعَنِ الدُّخُولِ إلى مَحَلِّها عَلى هَيْئَةٍ ناقِصَةٍ وهي الجَنابَةُ المُباعِدَةُ لِلصَّلاةِ ولِمَحَلِّها أيْضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ ومَواضِعِها حالَ الجَنابَةِ، والمَعْنى: لا تَقْرَبُوها حالَ الجَنابَةِ حَتّى تَغْتَسِلُوا إلّا حالَ عُبُورِكُمُ السَّبِيلَ.
* *
تَنْبِيهاتٌ:
الأُولى: في الآيَةِ تَحْرِيمُ الصَّلاةِ عَلى السَّكْرانِ حالَ سُكْرِهِ حَتّى يَصْحُوَ، وبُطْلانُها وبُطْلانُ الِاقْتِداءِ بِهِ، وعَلى الجُنُبِ حَتّى يَغْتَسِلَ إلّا أنْ يَكُونَ مُسافِرًا، فَيُباحُ لَهُ التَّيَمُّمُ.
الثّانِي: تَمَسَّكَ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ طَلاقَ السَّكْرانِ لا يَقَعُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْلَمْ ما يَقُولُهُ انْتَفى القَصْدُ، وبِهِ قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، وعَطاءٌ، والقاسِمُ، ورَبِيعَةُ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، (p-١٢٥٠)وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، والمُزَنِيُّ، واخْتارَهُ الطَّحاوِيُّ، والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في "زادِ المَعادِ" لِلْإمامِ ابْنِ القَيِّمِ.
الثّالِثُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ رِدَّةَ السَّكْرانِ لَيْسَتْ بِرِدَّةٍ؛ لِأنَّ قِراءَةَ سُورَةِ الكافِرِينَ بِطَرْحِ اللّاءاتِ كُفْرٌ، ولَمْ يَحْكم بِكُفْرِهِ حَتّى خاطَبَهم بِاسْمِ الإيمانِ، وما أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، ولا بِتَجْدِيدِ الإيمانِ، ولِأنَّ الأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلى أنَّ مَن أجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ مُخْطِئًا لا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، قالَهُ النَّسَفِيُّ.
الرّابِعُ: اسْتُدِلَّ بِأحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى تَحْرِيمِ دُخُولِ المَسْجِدِ عَلى السَّكْرانِ؛ لِما يُتَوَقَّعُ مِنهُ مِنَ التَّلْوِيثِ وفُحْشِ القَوْلِ، فَيُقاسُ بِهِ كُلُّ ذِي نَجاسَةٍ يُخْشى مِنها التَّلْوِيثُ والسِّبابُ ونَحْوُهُ، كَذا في "الإكْلِيلِ".
الخامِسُ: اسْتَدَلَّ ابْنُ الفُرْسِ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ لَهم في الآيَةِ عَلى تَكْلِيفِ السَّكْرانِ ودُخُولِهِ تَحْتَ الخِطابِ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ قُصِدَ بِهِ الَّذِينَ صَلَّوْا في حالِ السُّكْرِ، فَإنَّما نَزَلَ بَعْدَ صَحْوِهِمْ، كَذا في "الإكْلِيلِ".
السّادِسُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ رَدٌّ عَلى مَن أباحَ جُلُوسَ الجُنُبِ مُطْلَقًا إذا تَوَضَّأ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ غايَةَ التَّحْرِيمِ الغُسْلَ، فَلا يَقُومُ مَقامَهُ الوُضُوءُ، كَذا في "الإكْلِيلِ".
أقُولُ: إنَّما يَكُونُ هَذا حُجَّةً لَوْ كانَتِ الآيَةُ نَصًّا في تَأْوِيلٍ واحِدٍ، وحَيْثُ تَطَرَّقَ الِاحْتِمالُ لَها - عَلى ما رَأيْتَ - فَلا.
وقَدْ تَمَسَّكَ المُبِيحُ - وهو الإمامُ أحْمَدُ - بِما رَوى هو وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في "سُنَنِهِ" بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في "سُنَنِهِ": حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هو الدَّراوَرْدِيُّ - عَنْ هِشامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: رَأيْتُ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ في المَسْجِدِ وهم مُجْنِبُونَ إذا تَوَضَّؤُوا وُضُوءَ الصَّلاةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
(p-١٢٥١)السّابِعُ: قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ حُكْمَ النَّهْيِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ، كَما في صُورَةِ السُّكْرِ؛ تَشْوِيقًا إلى البَيانِ، ورَوْمًا لِزِيادَةِ تَقَرُّرِهِ في الأذْهانِ.
الثّامِنُ: قالَ أيْضًا: في الآيَةِ الكَرِيمَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُصَلِّيَ حَقُّهُ أنْ يَتَحَرَّزَ عَمّا يَلِيهِ ويَشْغَلُ قَلْبَهُ، وأنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ عَمّا يُدَنِّسُها، ولا يَكْتَفِي بِأدْنى مَراتِبِ التَّزْكِيَةِ عِنْدَ إمْكانِ أعالِيها.
التّاسِعُ: أشْعَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ حالَ النُّعاسِ، كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا نَعَسَ أحَدُكم وهو يُصَلِّي فَلْيَنْصَرِفْ ولْيَنَمْ حَتّى يَعْلَمَ ما يَقُولُ» وفي رِوايَةٍ: «فَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ» .
وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَعْنِ بِها سُكْرَ الخَمْرِ، وإنَّما عَنى بِها سُكْرَ النُّوَّمِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ أنَّ المُرادَ سُكْرُ الشَّرابِ.
(p-١٢٥٢)قالَ الرّازِيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ السُّكْرِ حَقِيقَةٌ في السُّكْرِ مِن شُرْبِ الخَمْرِ، والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ.
والثّانِي: أنَّ جَمِيعَ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الآيَةَ إذا نَزَلَتْ في واقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ولِأجْلِ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ امْتَنَعَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّبَبُ مُرادًا بِتِلْكَ الآيَةِ.
العاشِرُ: قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّعْرِيضُ بِالنَّهْيِ عَنِ السُّكْرِ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ بِالصَّلاةِ في الخَمْسَةِ الأوْقاتِ، مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَلا يَتَمَكَّنُ شارِبُ الخَمْرِ مِن أداءِ الصَّلاةِ في أوْقاتِها دائِمًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
وعَلى هَذا فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] [آلِ عِمْرانَ: ١٠٢] وهو الأمْرُ لَهم بِالتَّأهُّبِ لِلْمَوْتِ عَلى الإسْلامِ، والمُداوَمَةِ عَلى الطّاعَةِ لِأجْلِ ذَلِكَ، انْتَهى.
الحادِي عَشَرَ: قالَ الرّازِيُّ: قالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ إلَخْ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المائِدَةِ، وأقُولُ: الَّذِي يُمْكِنُ ادِّعاءُ النَّسْخِ فِيهِ أنْ يُقالَ: نَهى عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ حالَ السُّكْرِ مَمْدُودًا إلى غايَةِ أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ ما يَقُولُ، والحُكْمُ المَمْدُودُ إلى غايَةٍ يَقْتَضِي انْتِهاءَ ذَلِكَ الحُكْمِ عِنْدَ تِلْكَ الغايَةِ، فَهَذا يَقْتَضِي جَوازَ قُرْبانِ الصَّلاةِ مَعَ السُّكْرِ إذا صارَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ ما يَقُولُ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَرَّمَ الخَمْرَ بِآيَةِ المائِدَةِ فَقَدْ رَفَعَ هَذا الجَوازَ، فَثَبَتَ أنَّ آيَةَ المائِدَةِ ناسِخَةٌ لِبَعْضِ مَدْلُولاتِ هَذِهِ الآيَةِ، هَذا ما حَضَرَ بِبالِي في تَقْرِيرِ هَذا النَّسْخِ.
والجَوابُ عَنْهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ حاصِلَ هَذا النَّهْيِ راجِعٌ إلى النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ المُوجِبِ لِلسُّكْرِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ الصَّلاةِ، وتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ إلّا عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ الضَّعِيفِ، ومِثْلُ هَذا لا يَكُونُ نَسْخًا. انْتَهى.
﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أيْ: ولَمْ تَجِدُوا (p-١٢٥٣)بِقُرْبِكم ماءً تَسْتَعْمِلُونَهُ، ومِنهُ فَقْدُ مَن يُناوِلُهُ إيّاهُ، أوْ خَشْيَتُهُ الضَّرَرَ بِهِ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ لا تَجِدُونَهُ فِيهِ ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ أيْ: أوْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ، والغائِطُ هو المَكانُ المُنْخَفِضُ، فالمَجِيءُ مِنهُ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ المُعْتادَ أنَّ مَن يُرِيدُهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ لِيُوارِيَ شَخْصَهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ.
قالَ الخازِنُ: كانَتْ عادَةُ العَرَبِ إتْيانَ الغائِطِ لِلْحَدَثِ، فَكَنَّوْا بِهِ عَنِ الحَدَثِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ إذا أرادَ قَضاءَ الحاجَةِ طَلَبَ غائِطًا مِنَ الأرْضِ، يَعْنِي مَكانًا مُنْخَفِضًا مِنها يَحْجُبُهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، فَسُمِّيَ الحَدَثُ بِهَذا الِاسْمِ، فَهو مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَكانِهِ. انْتَهى.
وإسْنادُ المَجِيءِ إلى واحِدٍ مُبْهَمٍ مِنَ المُخاطَبِينَ دُونَهم لِلتَّفادِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَتِهِمْ إلى ما يُسْتَحْيا مِنهُ أوْ يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ، كَذا قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ إيثارُ الكِنايَةِ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ عَلى التَّصْرِيحِ بِالجِماعِ، قالَ الشِّهابُ: وفي ذِكْرِ (أحَدٌ) دُونَ غَيْرِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ يَنْفَرِدُ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ كَما هو دَأْبُهُ وأدَبُهُ.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: فَلا تَسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ، بَلِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أيِ: اقْصِدُوا: ﴿صَعِيدًا﴾ أيْ: تُرابًا، أوْ وجْهَ الأرْضِ ﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: طاهِرًا ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، وتَقْرِيرٌ لَهُما، فَإنَّ مِن عادَتِهِ المُسْتَمِرَّةِ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الخاطِئِينَ ويَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِينَ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُيَسِّرًا لا مُعَسِّرًا، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
الأوَّلُ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ راجِعٌ إلى جَمِيعِ ما قَبْلَها، وحِينَئِذٍ لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ في الكُلِّ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، وأمّا ما قِيلَ أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ وُجِدَ المانِعُ هَهُنا مِن تَقْيِيدِ السَّفَرِ والمَرَضِ بِعَدَمِ الوُجُودِ لِلْماءِ، وهو أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عُذْرٌ مُسْتَقِلٌّ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كالصَّوْمِ - فَلا يُفِيدُ؛ لِأنَّ عَدَمَ الوُجُودِ مُعْتَبَرٌ فِيهِما لِإباحَةِ التَّيَمُّمِ قَطْعًا، إذْ لَيْسَ السَّفَرُ بِمُجَرَّدِهِ مُبِيحًا، وكَذَلِكَ المَرَضُ.
(p-١٢٥٤)وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّهُ قَدْ يُباحُ لِلْمَرِيضِ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الماءِ إذا خَشِيَ الضَّرَرَ بِهِ - فَعَدَمُ الوُجُودِ في حَقِّهِ إذْنٌ غَيْرُ قَيْدٍ، فالجَوابُ: أنَّ هَذا داخِلٌ تَحْتَ عَدَمِ الماءِ؛ لِأنَّ مَن تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِعْمالُهُ هو عادِمٌ لَهُ، إذْ لَيْسَ المُرادُ الوُجُودَ الَّذِي لا يَنْفَعُ، فَمَن كانَ يُشاهِدُ ماءً في قَعْرِ بِئْرٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الوُصُولُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهو عادِمٌ لَهُ، وهَكَذا خَوْفُ السَّبِيلِ الَّذِي يُسْلَكُ إلى الماءِ، وهَكَذا مَن كانَ يَحْتاجُهُ لِلشُّرْبِ فَهو عادِمٌ لَهُ.
ولَئِنْ سَلَّمْنا – تَنَزُّلًا - أنَّ المُرادَ مُطْلَقُ الوُجُودِ فَنَقُولُ: المُدَّعى أنَّهُ تَعالى جَوَّزَ التَّيَمُّمَ لِلْمَرِيضِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى مَنعِهِ مِنَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُودِهِ لِعارِضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الماءِ.
فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ تَسْتَدِلُّونَ حِينَئِذٍ عَلى إباحَةِ تَيَمُّمِهِ؟ قُلْنا: مِنَ التَّحْقِيقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ المُتَعَذَّرَ اسْتِعْمالُهُ مَعْدُومٌ شَرْعًا، وكَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٩٥] وقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [الحَجِّ: مِنَ الآيَةِ ٧٨].
ومِمّا أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «خَرَجْنا في سَفَرٍ، فَأصابَ رَجُلًا مِنّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ في رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَألَ أصْحابَهُ، فَقالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً في التَّيَمُّمِ؟ فَقالُوا: ما نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وأنْتَ تَقْدِرُ عَلى الماءِ، فاغْتَسَلَ فَماتَ، فَلَمّا قَدِمْنا عَلى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقالَ: قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّهُ، ألا سَألُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، إنَّما كانَ يَكْفِيهِ أنْ (p-١٢٥٥)يَتَيَمَّمَ ويَعْصِرَ (ويَعْصِبَ) عَلى جُرْحِهِ [خِرْقَةً] ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهِ، ويَغْسِلَ سائِرَ جَسَدِهِ» .
ومِمّا رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصْحابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا عَمْرُو! صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ فَأخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسالِ، وقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا»، فَهَذا وما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلى جَوازِ العُدُولِ إلى التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ.
قالَ مَجْدُ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: في حَدِيثِ عَمْرٍو مِنَ العِلْمِ أنَّ التَّمَسُّكَ بِالعُمُوماتِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ. انْتَهى.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في «قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ كانَ مَرِيضًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُومَ فَيَتَوَضَّأ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ خادِمٌ فَيُناوِلُهُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مُرْسَلٌ.
الثّانِيَةُ: ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَفْهُومُ عَدَمِ الوُجُودِ المُقَيَّدِ بِالقِيامِ إلى الصَّلاةِ هو المُعْتَبَرُ في تَسْوِيغِ التَّيَمُّمِ، كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ، لا عَدَمُ الوُجُودِ مَعَ طَلَبٍ مَخْصُوصٍ، كَما قِيلَ: إنَّهُ يُطْلَبُ في كُلِّ جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ في مَيْلٍ، أوْ يُنْتَظَرُ إلى آخِرِ الوَقْتِ حَتّى لا يَبْقى إلّا ما يَسَعُ الصَّلاةَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ - إذْ لا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ، فَإذا دَخَلَ الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِلصَّلاةِ، وأرادَ المُصَلِّي القِيامَ إلَيْها فَلَمْ يَجِدْ حِينَئِذٍ ما يَتَوَضَّأُ بِهِ، أوْ يَغْتَسِلُ في مَنزِلِهِ أوْ مَسْجِدِهِ، أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُما، كانَ ذَلِكَ عُذْرًا مُسَوِّغًا لِلتَّيَمُّمِ، فَلَيْسَ المُرادُ بِعَدَمِ الوُجُودِ في ذَلِكَ أنْ لا يَجِدَهُ بَعْدَ (p-١٢٥٦)الكَشْفِ والبَحْثِ وإخْفاءِ السُّؤالِ، بَلِ المُرادُ أنْ لا يَكُونَ مَعَهُ عِلْمٌ أوْ ظَنٌّ بِوُجُودِ شَيْءٍ مِنهُ هُنالِكَ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ في تِلْكَ الحالَةِ مِن تَحْصِيلِهِ بِشِراءٍ أوْ نَحْوِهِ. فَهَذا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَجِدِ الماءَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، والواجِبُ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ عُرْفٍ شَرْعِيٍّ.
وقَدْ وقَعَ مِنهُ ﷺ ما يُشْعِرُ بِما ذَكَرْناهُ، فَإنَّهُ تَيَمَّمَ في المَدِينَةِ مِن جِدارٍ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن دُونِ أنْ يَسْألَ ويُطْلُبَ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْهُ في الطَّلَبِ شَيْءٌ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، فَهَذا كَما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الطَّلَبِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ انْتِظارِ آخِرِ الوَقْتِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ «الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَيَمَّما في سَفَرٍ ثُمَّ وجَدا الماءَ، فَأعادَ أحَدُهُما ولَمْ يُعِدِ الآخَرُ، فَقالَ ﷺ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أصَبْتَ السُّنَّةَ» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والحاكِمُ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ، فَإنَّهُ يَرُدُّ (p-١٢٥٧)قَوْلَ مَن قالَ بِوُجُوبِ الِانْتِظارِ إلى آخِرِ الوَقْتِ عَلى المُتَيَمِّمِ، سَواءٌ كانَ مُسافِرًا أوْ مُقِيمًا، كَذا في (الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ).
الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُسافِرَ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ تَيَمَّمَ، طالَ سَفَرُهُ أوْ قَصُرَ.
الرّابِعَةُ: قُرِئَ في السَّبْعِ (لامَسْتُمْ ولَمَسْتُمْ) والمُلامَسَةُ واللَّمْسُ يَرِدانِ - لُغَةً - بِمَعْنى الجَسِّ بِاليَدِ، وبِمَعْنى الجِماعِ، قالَ المَجْدُ في "القامُوسِ" لَمَسَهُ يَلْمِسُهُ ويَلْمُسُهُ: مَسَّهُ بِيَدِهِ، والجارِيَةَ جامَعَها، ثُمَّ قالَ: والمُلامَسَةُ المُماسَّةُ والمُجامَعَةُ.
ومِن ثَمَّةَ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ والأئِمَّةُ في المَعْنِيِّ بِذَلِكَ هُنا، فَمِن قائِلٍ بِأنَّ اللَّمْسَ حَقِيقَةٌ في الجَسِّ بِاليَدِ، مَجازٌ في غَيْرِهِ، والأصْلُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّهُ الرّاجِحُ، لا سِيَّما عَلى قِراءَةِ (لَمَسْتُمْ) إذْ لَمْ يَشْتَهِرْ في الوِقاعِ كالمُلامَسَةِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ أنَّهُ قالَ: المُلامَسَةُ ما دُونَ الجِماعِ، وعَنْهُ: القُبْلَةُ مِنَ المَسِّ وفِيها الوُضُوءُ، رَواهُما ابْنُ جَرِيرٍ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنَ المُباشَرَةِ، ومِنَ اللَّمْسِ بِيَدِهِ، ومِنَ القُبْلَةِ، وكانَ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ هو الغَمْزُ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ نافِعٍ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَتَوَضَّأُ مِن قُبْلَةِ المَرْأةِ، ويَرى فِيها الوُضُوءَ، ويَقُولُ: هي مِنَ اللِّماسِ.
وذَكَرَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ ذَلِكَ، قالُوا: ومِمّا يُؤَيِّدُ بَقاءَ اللَّمْسِ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] [الأنْعامِ: مِنَ الآيَةِ ٧] أيْ: جَسُّوهُ.
«وقالَ ﷺ لِماعِزٍ حِينَ أقَرَّ بِالزِّنى - يُعَرِّضُ لَهُ بِالرُّجُوعِ (p-١٢٥٨)عَنِ الإقْرارِ -: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أوْ لَمَسْتَ؟» .
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «واليَدُ زِناها اللَّمْسُ» .
وقالَتْ عائِشَةُ: «قَلَّ يَوْمٌ إلّا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيُقَبِّلُ ويَلْمِسُ».
ومِنهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ بَيْعِ المُلامَسَةِ،» وهو يَرْجِعُ إلى الجَسِّ بِاليَدِ.
واسْتَأْنَسُوا أيْضًا بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أحْمَدُ عَنْ مُعاذٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما تَقُولُ في رَجُلٍ لَقِيَ امْرَأةً لا يَعْرِفُها، فَلَيْسَ يَأْتِي الرَّجُلُ مِنِ امْرَأتِهِ شَيْئًا إلّا أتاهُ مِنها غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يُجامِعْها، قالَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ: (p-١٢٥٩)﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] [هُودَ: مِنَ الآيَةِ ١١٤] الآيَةَ، قالَ: فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: تَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ قالَ مُعاذٌ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ألَهُ خاصَّةً أمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً؟ فَقالَ: بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً» .
ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ، والنَّسائِيُّ مُرْسَلًا، قالُوا: فَأمَرَهُ بِالوُضُوءِ؛ لِأنَّهُ لَمَسَ المَرْأةَ ولَمْ يُجامِعْها.
* *
فَصْلٌ
ومِن قائِلٍ: إنَّ المَعْنِيَّ بِاللَّمْسِ هُنا الجِماعُ، وذَلِكَ لِوُرُودِهِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْناهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِن كِناياتِ التَّنْزِيلِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣٧] وقالَ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٤٩] وقالَ في آيَةِ الظِّهارِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] [القَصَصِ: مِنَ الآيَةِ ٣].
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٢٦٠)فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قالَ: الجِماعُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences