Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:61–64
4:61Page 88
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [٦١]
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلى حُكْمِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في القُرْآنِ الَّذِي تَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾ أيْ: حُكْمِهِ ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَ (p-١٣٥٣)خُصُومَهم فَيُبْعِدُونَهم ﴿عَنْكَ صُدُودًا﴾ بَلِيغًا؛ لِيَتَمَكَّنُوا مِمّا يُرِيدُونَهُ بِالرِّشْوَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ﴾ إلَخْ تَكْمِلَةٌ لِمادَّةِ التَّعْجِيبِ بِبَيانِ إعْراضِهِمْ صَرِيحًا عَنِ التَّحاكُمِ إلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ إثْرَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ ذَلِكَ في ضِمْنِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ، وإظْهارُ (المُنافِقِينَ) في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالنِّفاقِ، وذَمِّهِمْ بِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
* *
تَنْبِيهٌ: في سَبَبِ نُزُولِها
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا﴾ [النساء: ٦٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢]
أقُولُ: ثُمَّ أسْلَمَ أبُو بَرْزَةَ وصَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ واسْمُهُ نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: صَحابِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، أسْلَمَ قَبْلَ الفَتْحِ، وغَزا سَبْعَ غَزَواتٍ، ثُمَّ نَزَلَ البَصْرَةَ، وغَزا خُراسانَ وماتَ بِها سَنَةَ خَمْسٍ وسِتِّينَ عَلى الصَّحِيحِ. انْتَهى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، أوْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الجُلاسُ بْنُ الصّامِتِ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ورافِعُ بْنُ زَيْدٍ، وبَشَرٌ - يَدَّعُونَ الإسْلامَ، فَدَعاهم رِجالٌ مِن قَوْمِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ في خُصُومَةٍ كانَتْ بَيْنَهم إلى الرَّسُولِ ﷺ فَدَعَوْهم إلى الكُهّانِ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ ورَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ خُصُومَةٌ فَقالَ اليَهُودِيُّ: أُحاكِمُكَ إلى أهْلِ دِينِكَ، أوْ قالَ: إلى النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ، فاخْتَلَفا، واتَّفَقا عَلى أنْ يَأْتِيا كاهِنًا في جُهَيْنَةَ، فَنَزَلَتْ، ولا تَعارُضَ لِما أسْلَفْناهُ في المُقَدِّمَةِ في بَحْثِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَتَذَكَّرْ.
(p-١٣٥٤)قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُنافِقًا مِن أهْلِ الكِتابِ، مِثْلُ: إنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا فَأظْهَرَ الإسْلامَ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠] إنَّما يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا المُنافِقِ. انْتَهى.
أقُولُ: ما اسْتَظْهَرَهُ مُنافٍ لِما أسْلَفْناهُ مِمّا رُوِيَ في نُزُولِها، عَلى أنَّ تَوْصِيفَهم بِالإيمانِ بِـ(ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ) لا يُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ؛ لِأنَّ هَذا كَثِيرًا ما يُذْكَرُ تَنْوِيهًا بِهِ وتَثْبِيتًا لِرُكْنِيَّتِهِ في الإيمانِ، وتَذْكِيرًا لَهُ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن سَبَرَ قاعِدَةَ التَّنْزِيلِ في أمْثالِهِ، فاعْرِفْهُ.
مَباحِثُ
الأوَّلُ: قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ إنْكارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى مَن يَدَّعِي الإيمانَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى الأنْبِياءِ الأقْدَمِينَ، وهو مَعَ ذَلِكَ يُرِيدُ أنْ يَتَحاكَمَ في فَصْلِ الخُصُوماتِ إلى غَيْرِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، كَما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ ساقَ ما قَدَّمْناهُ وقالَ: الآيَةُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإنَّها ذامَّةٌ لِمَن عَدَلَ عَنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وتَحاكَمُوا إلى ما سِواهُما مِنَ الباطِلِ، وهو المُرادُ بِـ(الطّاغُوتِ) هَهُنا، وأعْرَضُوا كالمُسْتَكْبِرِينَ كَما قالَ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٧٠] وهَؤُلاءِ بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] [النُّورِ: مِنَ الآيَةِ ٥١] الآيَةَ.
الثّانِي: قالَ القاضِي: يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّحاكُمُ إلى هَذا الطّاغُوتِ كالكُفْرِ، وعَدَمُ الرِّضا بِحُكْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ كُفْرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فَجَعَلَ التَّحاكُمَ (p-١٣٥٥)إلى الطّاغُوتِ يَكُونُ إيمانًا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ بِالطّاغُوتِ كُفْرٌ بِاللَّهِ، كَما أنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ إيمانٌ بِاللَّهِ.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٦٥] وهَذا نَصٌّ في تَكْفِيرِ مَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] [النُّورِ: مِنَ الآيَةِ ٦٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُخالَفَتَهُ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ.
وفِي هَذِهِ الآياتِ دَلائِلُ عَلى أنَّ مَن رَدَّ شَيْئًا مِن أوامِرِ اللَّهِ، أوْ أوامِرِ الرَّسُولِ ﷺ فَهو خارِجٌ عَنِ الإسْلامِ، سَواءٌ رَدَّهُ مِن جِهَةِ الشَّكِّ أوْ مِن جِهَةِ التَّمَرُّدِ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ ما ذَهَبَتِ الصَّحابَةُ إلَيْهِ مِنَ الحُكْمِ بِارْتِدادِ مانِعِي الزَّكاةِ وقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيِّهِمْ، نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
الرّابِعُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوبُ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والرِّضا بِما شَرَعَهُ، وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّحاكُمُ إلى غَيْرِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ.
قالَ الحاكِمُ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ كَفَرَ، وما ورَدَ مِن فِعْلِ عُمَرَ وقَتْلِهِ المُنافِقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دَمَهُ هَدْرٌ، لا قِصاصَ فِيهِ ولا دِيَةَ.
وهَهُنا فَرْعٌ، وهو أنْ يُقالَ: إذا تَحاكَمَ رَجُلانِ في أمْرٍ فَرَضِيَ أحَدُهُما بِحُكْمِ المُسْلِمِينَ وأبى الثّانِي وطَلَبَ المُحاكَمَةَ إلى حاكِمِ المَلاحِدَةِ - فَإنَّهُ يَكْفُرُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ رِضًا بِشِعارِ الكَفَرَةِ. انْتَهى.
الرّابِعُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا﴾ [النساء: ٦٠] دَقِيقَةٌ بَدِيعَةٌ، قالَ أبُو السُّعُودِ: (p-١٣٥٦)الِاقْتِصارُ في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِقْباحِ عَلى ذِكْرِ إرادَةِ التَّحاكُمِ دُونَ نَفْسِهِ مَعَ وُقُوعِهِ أيْضًا - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إرادَتَهُ مِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ ولا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ الوُقُوعِ، فَما ظَنُّكَ بِنَفْسِهِ؟!
الخامِسُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما صَدَّ المُنافِقُونَ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، وعَلِمُوا أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشا، وأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِمُرِّ الحُكْمِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ الصَّدُّ لِعَدَواتِهِمْ في الدِّينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
4:62Page 88
فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢
So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [٦٢]
﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، مُبَيِّنٌ غائِلَةَ جِناياتِهِمُ المَحْكِيَّةِ ووَخامَةَ عاقِبَتِها، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا ساقَتْهُمُ التَّقادِيرُ إلَيْكَ، في مَصائِبَ تَطْرُقُهم بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي مِنها المُحاكَمَةُ إلى الطّاغُوتِ والكَراهَةُ لِحُكْمِكَ، واحْتاجُوا إلَيْكَ في ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ لِلِاعْتِذارِ عَمّا صَنَعُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ كَذِبًا ﴿إنْ أرَدْنا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِذَلِكَ التَّحاكُمِ ﴿إلا إحْسانًا﴾ أيْ: فَصْلًا بِالوَجْهِ الحَسَنِ ﴿وتَوْفِيقًا﴾ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَةً لَكَ ولا تَسَخُّطًا لِحُكْمِكَ، فَلا تُؤاخِذْنا بِما فَعَلْنا، وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ.
قالَ الرّازِيُّ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: إنَّ المُرادَ مِنهُ قَتْلُ عُمَرَ صاحِبَهُمُ الَّذِي أقَرَّ أنَّهُ لا يَرْضى بِحُكْمِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهم جاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ- فَطالَبُوا عُمَرَ بِدَمِهِ، وحَلَفُوا أنَّهم ما أرادُوا بِالذَّهابِ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إلّا المَصْلَحَةَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
(p-١٣٥٧)قُلْتُ: واخْتِيارُهُ غَيْرُ مُخْتارٍ؛ لِأنَّ قِصَّةَ قَتْلِ عُمَرَ لَمْ تُرْوَ مِن طَرِيقٍ صَحِيحٍ ولا حَسَنٍ، فَهي ساقِطَةٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، واسْتِدْلالُ الحاكِمِ - الَّذِي قَدَّمْناهُ – مُسَلَّمٌ لَوْ صَحَّتْ.
الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أنَّهُ لا يَسْتَصْحِبُهم في الغَزَواتِ، وأنَّهُ يَخُصُّهم بِمَزِيدٍ مِنَ الإذْلالِ والطَّرْدِ عَنْ حَضْرَتِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ [الأحزاب: ٦١] [الأحْزابِ: ٦٠ - ٦١] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] [التَّوْبَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٣] وبِالجُمْلَةِ فَأمْثالُ هَذِهِ الآياتِ تُوجِبُ لَهُمُ الذُّلَّ العَظِيمَ، فَكانَتْ مَعْدُودَةً في مَصائِبِهِمْ، وإنَّما يُصِيبُهم ذَلِكَ لِأجْلِ نِفاقِهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم رَغِبُوا في حُكْمِ الطّاغُوتِ وكَرِهُوا حُكْمَ الرَّسُولِ بَشَّرَ الرَّسُولَ ﷺ أنَّهُ سَتُصِيبُهم مَصائِبُ تُلْجِئُهم إلَيْهِ وإلى أنْ يُظْهِرُوا لَهُ الإيمانَ بِهِ، وإلى أنْ يَحْلِفُوا بِأنَّ مُرادَهُمُ الإحْسانُ والتَّوْفِيقُ، قالَ: ومِن عادَةِ العَرَبِ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أنْتَ إذا كانَ كَذا وكَذا؟ ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ٢٥] ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى إذا كانَ مِنهم ذَلِكَ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم ويَعِظَهُمُ. انْتَهى.
4:63Page 88
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣
Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.
(p-١٣٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ [٦٣]
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ والمَيْلِ إلى الباطِلِ وإنْ أظْهَرُوا إسْلامَهم وعُذْرَهم بِحَلِفِهِمْ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا تُعاقِبْهم لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ ولا تَزِدْ عَلى كَفِّهِمْ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ عَمّا هم عَلَيْهِ ﴿وعِظْهُمْ﴾ أيِ: ازْجُرْهم عَمّا في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ وسَرائِرِ الشَّرِّ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ أيْ: مُؤَثِّرًا واصِلًا إلى كُنْهِ المُرادِ.
فَإنْ قِيلَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ ؟ فالجَوابُ: بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِيغًا﴾ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، أيْ: قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ مُؤَثِّرًا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ إنْ نَجَمَ مِنهُمُ النِّفاقُ وأطْلَعَ قَرْنَهُ، وأخْبِرْهم أنَّ ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ والنِّفاقِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، وما هَذِهِ المُكافَّةُ إلّا لِإظْهارِكُمُ الإيمانَ وإسْرارِكُمُ الكُفْرَ وإضْمارِهِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ ما تَكْشِفُونَ بِهِ غِطاءَكم لَمْ يَبْقَ إلّا السَّيْفُ.
أوْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُمْ﴾ أيْ: قُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ وقُلُوبِهِمُ المَطْوِيَّةِ عَلى النِّفاقِ قَوْلًا بَلِيغًا، وإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ، فَلا يُغْنِي عَنْكم إبْطانُهُ فَأصْلِحُوا أنْفُسَكم وطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ، وداوُوها مِن مَرَضِ النِّفاقِ، وإلّا أنْزَلَ اللَّهُ بِكم ما أنْزَلَ بِالمُجاهِرِينَ بِالشِّرْكِ مِنِ انْتِقامِهِ، وشَرًّا مِن ذَلِكَ وأغْلَظَ، أوْ قُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ خالِيًا بِهِمْ - لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم - مُسارًّا لَهم بِالنَّصِيحَةِ؛ لِأنَّها في السِّرِّ أنْجَعُ وفي الإمْحاضِ أدْخَلُ: ﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾ يَبْلُغُ مِنهم ويُؤَثِّرُ فِيهِمْ، كَذا يُسْتَفادُ مِنَ الكَشّافِ.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ" ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ شاهِدٌ عَلى الصِّحَّةِ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ حاصِلَهُ أمْرُهُ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى وجْهِ مَبْلَغِ صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ، وسِياقُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ: (p-١٣٥٩)﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٢] يَشْهَدُ لَهُ، فَإنَّهُ أخْبَرَ بِما سَيَقَعُ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ.
وأمّا الثّانِي: فَيُلائِمُهُ مِنَ السِّياقِ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الخُبْثِ والمَكْرِ والحِيَلِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِوَعْظِهِمْ والإعْراضِ عَنْ جَرائِمِهِمْ حَتّى لا تَكُونَ مُؤاخَذَتُهم بِها مانِعَةً مِن نُصْحِهِمْ ووَعْظِهِمْ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ كالشَّرْحِ لِلْوَعْظِ ولِذِكْرِ أهَمِّ ما يَعِظُهم فِيهِ، وتِلْكَ نُفُوسُهُمُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَذامِّ، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ الوَعْظَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وأمّا الثّالِثُ: فَيَشْهَدُ لَهُ سِيرَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في كَتْمِ عِنادِ المُنافِقِينَ، والتَّجافِي عَنْ إفْصاحِهِمْ، والسَّتْرِ عَلَيْهِمْ، حَتّى عُدَّ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صاحِبَ سِرِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِتَخْصِيصِهِ إيّاهُ بِالِاطِّلاعِ عَلى أعْيانِهِمْ وتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ بِأسْمائِهِمْ، وأخْبارُهُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وثَمَرَةُ الآيَةِ قُبْحُ الرِّياءِ والنِّفاقِ واليَمِينِ الكاذِبَةِ والعُذْرِ الكاذِبِ؛ لِأنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِإرادَتِهِمُ الإحْسانَ، وذَلِكَ كَذِبٌ، ثُمَّ قالَ: ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى لُزُومِ الوَعْظِ والمُبالَغَةِ فِيهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
4:64Page 88
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤
And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ [٦٤]
﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، جِيءَ بِهِ تَمْهِيدًا لِبَيانِ خُطَّتِهِمْ في تَرْكِ طاعَةِ الرَّسُولِ، والِاشْتِغالِ بِسِرِّ جِنايَتِهِمْ بِالِاعْتِذارِ بِالأباطِيلِ وعَدَمِ تَلافِيها بِالتَّوْبَةِ، أيْ: وما أرْسَلْنا رَسُولًا إلّا لِيُطاعَ فِيما حَكَمَ، لا لِيَطْلُبَ الحُكْمَ مِن غَيْرِهِ، فَطاعَتُهُ فَرْضٌ عَلى مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وإنْكارُ فَرْضِيَّتِها كُفْرٌ.
(p-١٣٦٠)وقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إذْنِهِ في طاعَتِهِ، وبِأنَّهُ أمْرُ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُطِيعُوهُ ويَتَّبِعُوهُ، لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنِ اللَّهِ فَطاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ ومَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَةُ اللَّهِ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: بِتَيْسِيرِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ في طاعَتِهِ.
﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ هَذا الظُّلْمَ العَظِيمَ غايَةَ العِظَمِ، إذْ عَرَّضُوها لِعَذابٍ عَلى عَذابِ النِّفاقِ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ.
﴿جاءُوكَ﴾ تائِبِينَ مِنَ النِّفاقِ مُتَنَصِّلِينَ عَمّا ارْتَكَبُوا ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ مِن ذَلِكَ وتابُوا إلَيْهِ تَعالى مِن صَنِيعِهِمْ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أيْ: دَعا لَهم بِالمَغْفِرَةِ، فَكانَ اسْتِغْفارُهُ شَفاعَةً لِقَبُولِ اسْتِغْفارِهِمْ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا﴾ أيْ: قابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ ﴿رَحِيمًا﴾ أيْ: مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وراءَ قَبُولِ التَّوْبَةِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمْ يَقِلْ: واسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، وعَدَلَ عَنْهُ إلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْظِيمًا لِاسْتِغْفارِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ شَفاعَةَ مَنِ اسْمُهُ الرَّسُولُ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ.
قالَ في "الِانْتِصافِ": وفي هَذا النَّوْعِ مِنَ الِالتِفاتِ خُصُوصِيَّةٌ، وهي اشْتِمالُهُ عَلى ذِكْرِ صِفَةٍ مُناسِبَةٍ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الِالتِفاتِ بِذِكْرِ الأعْلامِ الجامِدَةِ.
* *
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَوْبَةَ المُنافِقِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وِفاقًا، وأمّا الظّاهِرُ فَظاهِرُ الآيَةِ قَبُولُها؛ لِأنَّهُ جَعَلَ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَغْفِرًا لَهم وشافِعًا.
وعَنِ الرّاضِي بِاللَّهِ في (الباطِنِيَّةِ): إنْ أظْهَرُوا شُبَهَهم وما يَعْتادُونَ كَتْمَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى صِدْقِ تَوْبَتِهِمْ، فَيُقْبَلُ وإلّا فَلا، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن تَكَرَّرَتْ مِنهُ المَعْصِيَةُ والتَّوْبَةُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَوّابًا﴾ وذَلِكَ يُنْبِئُ عَنِ التَّكْرارِ، كَذا في بَعْضِ التَّفاسِيرِ.
الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ألَيْسَ لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وتابُوا عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ لَكانَتْ تَوْبَتُهم مَقْبُولَةً؟ فَما الفائِدَةُ في ضَمِّ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ إلى اسْتِغْفارِهِمْ: قُلْنا: الجَوابُ (p-١٣٦١)عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ كانَ مُخالَفَةً لِحُكْمِ اللَّهِ، وكانَ أيْضًا إساءَةً إلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَن كانَ ذَنْبُهُ كَذَلِكَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِذارُ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ لِغَيْرِهِ، فَلِهَذا المَعْنى وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم.
الثّانِي: إنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَرْضُوا بِحُكْمِ الرَّسُولِ ظَهَرَ مِنهم ذَلِكَ التَّمَرُّدُ، فَإذا تابُوا وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَفْعَلُوا ما يُزِيلُ عَنْهم ذَلِكَ التَّمَرُّدَ، وما ذاكَ إلّا بِأنْ يَذْهَبُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ ويَطْلُبُوا مِنهُ الِاسْتِغْفارَ.
الثّالِثُ: لَعَلَّهم إذا أتَوُا بِالتَّوْبَةِ أتَوْا بِها عَلى وجْهِ الخَلَلِ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْها اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ صارَتْ مُسْتَحِقَّةً لِلْقَبُولِ. انْتَهى.
أقُولُ: وثَمَّةَ وجْهٌ رابِعٌ: وهو التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ طاعَتَهُ طاعَتُهُ تَعالى، فَرِضاهُ رِضاهُ وسُخْطُهُ سُخْطُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences