Al-QasimiAn‑Nisa · 4:65–70

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:65–70, continued

قالَ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ": تَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذا جاءَ الحَدِيثُ يُوافِقُ قَوْلَ مَن قَلَّدَهُ - وقَدْ خالَفَهُ راوِيهِ - يَقُولُ: الحُجَّةُ فِيما رَوى لا في قَوْلِهِ، فَإذا جاءَ قَوْلُ الرّاوِي مُوافِقًا لِقَوْلِ مَن قَلَّدَهُ والحَدِيثُ يُخالِفُهُ قالَ: لَمْ يَكُنِ الرّاوِي يُخالِفُ ما رَواهُ إلّا وقَدْ صَحَّ عِنْدَهُ نَسْخُهُ، وإلّا كانَ قَدْحًا في عَدالَتِهِ، فَيَجْمَعُونَ في كَلامِهِمْ بَيْنَ هَذا وهَذا.

بَلْ قَدْ رَأيْنا ذَلِكَ في البابِ الواحِدِ، وهَذا مِن أقْبَحِ التَّناقُضِ، والَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ، ولا يَسَعُنا غَيْرُهُ، أنَّ الحَدِيثَ إذا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَصِحَّ عَنْهُ حَدِيثٌ آخَرُ يَنْسَخُهُ - أنَّ الفَرْضَ عَلَيْنا وعَلى الأُمَّةِ الأخْذُ بِحَدِيثِهِ وتَرْكُ كُلِّ ما خالَفَهُ، ولا نَتْرُكُهُ لِخِلافِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ كائِنًا مَن كانَ، لا راوِيهِ ولا غَيْرِهِ، إذْ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَنْسى الرّاوِي الحَدِيثَ ولا يَحْضُرُهُ وقْتَ الفُتْيا، أوْ لا يَتَفَطَّنُ لِدَلالَتِهِ عَلى تِلْكَ المَسْألَةِ، أوْ أنْ يَتَأوَّلَ فِيهِ تَأْوِيلًا مَرْجُوحًا، أوْ يَقُومَ في ظَنِّهِ ما يُعارِضُهُ ولا يَكُونُ مُعارَضًا في نَفْسِ الأمْرِ، أوْ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ في فَتْواهُ بِخِلافِهِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ أعْلَمُ مِنهُ، وأنَّهُ إنَّما خالَفَهُ لِما هو أقْوى مِنهُ، ولَوْ قُدِّرَ انْتِقاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ ولا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بِانْتِفائِهِ ولا ظَنِّهِ لَمْ يَكُنِ الرّاوِي مَعْصُومًا، ولَمْ تُوجِبْ مُخالَفَتُهُ لِما رَواهُ سُقُوطَ عَدالَتِهِ حَتّى تَغْلِبَ سَيِّئاتُهُ حَسَناتِهِ، وبِخِلافِ هَذا الحَدِيثِ الواحِدِ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ، اهـ.

(p-١٣٧٩)وقالَ الفُلانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في "الإيقاظِ" قالَ عُثْمانُ بْنُ عُمَرَ: جاءَ رَجُلٌ إلى مالِكِ بْنِ أنَسٍ فَسَألَهُ عَنْ مَسْألَةٍ فَقالَ لَهُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذا وكَذا، فَقالَ الرَّجُلُ: أرَأيْتَ؟ فَقالَ مالِكٌ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قالَ مالِكٌ: لَمْ تَكُنْ مِن فُتْيا النّاسِ أنْ يُقالَ لَهُمْ: لِمَ قُلْتَ هَذا؟ كانُوا يَكْتَفُونَ بِالرِّوايَةِ ويَرْضَوْنَ بِها.

قالَ الجُنَيْدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الطُّرُقُ كُلُّها مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اقْتَفى أثَرَ الرَّسُولِ ﷺ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في (فَتْوًى لَهُ) قَدْ ثَبَتَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ أنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَرَضَ عَلى العِبادِ طاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ، ولَمْ يُوجِبْ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ طاعَةَ أحَدٍ بِعَيْنِهِ، في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، إلّا رَسُولَهُ ﷺ، حَتّى كانَ صِدِّيقُ الأُمَّةِ وأفْضَلُها بَعْدَ نَبِيِّها ﷺ ورَضِيَ عَنْهُ يَقُولُ: أطِيعُونِي ما أطَعْتُ اللَّهَ، فَإذا عَصَيْتُ اللَّهَ فَلا طاعَةَ لِي عَلَيْكم.

واتَّفَقُوا كُلُّهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مَعْصُومًا في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ: كُلُّ أحَدٍ يُؤْخَذُ مِن كَلامِهِ ويُتْرَكُ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.

وهَؤُلاءِ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ قَدْ نَهَوُا النّاسَ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ في كُلِّ ما يَقُولُونَهُ، وذَلِكَ هو الواجِبُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هَذا رَأْيِي، وهَذا أحْسَنُ ما رَأيْتُ، فَمَن جاءَ بِرَأْيٍ خَيْرٍ مِنهُ قَبِلْناهُ، ولِهَذا لَمّا اجْتَمَعَ أفْضَلُ أصْحابِهِ أبُو يُوسُفَ بِإمامِ دارِ الهِجْرَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ وسَألَهُ عَنْ مَسْألَةِ الصّاعِ، وصَدَقَةِ الخُضْرَواتِ، ومَسْألَةِ الأحْباسِ، فَأخْبَرَهُ مالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ في ذَلِكَ، فَقالَ: رَجَعْتُ لِقَوْلِكَ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ، ولَوْ رَأى صاحِبِي ما رَأيْتُ لَرَجَعَ كَما رَجَعْتُ.

ومالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّما أنا بَشَرٌ أُصِيبُ وأُخْطِئُ فاعْرِضُوا قَوْلِي عَلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، أوْ كَلامٌ هَذا مَعْناهُ.

(p-١٣٨٠)والشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا صَحَّ الحَدِيثُ بِخِلافِ قَوْلِي فاضْرِبُوا بِقَوْلِي الحائِطَ، وإذا رَأيْتَ الحُجَّةَ مَوْضُوعَةً عَلى طَرِيقٍ فَهي قَوْلِي.

ثُمَّ قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وإذا قِيلَ لِهَذا المُسْتَفْتِي المُسْتَرْشِدِ: أنْتَ أعْلَمُ أمِ الإمامُ الفُلانِيُّ؟ كانَتْ هَذِهِ مُعارَضَةً فاسِدَةً؛ لِأنَّ الإمامَ الفُلانِيَّ قَدْ خالَفَهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَن هو نَظِيرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ، ولَسْتَ مِن هَذا ولا مِن هَذا، ولَكِنَّ نِسْبَةَ هَؤُلاءِ الأئِمَّةِ إلى نِسْبَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومُعاذٍ ونَحْوِهِمْ إلى الأئِمَّةِ وغَيْرِهِمْ، فَكَما أنَّ هَؤُلاءِ الصَّحابَةَ بَعْضُهم لِبَعْضِ أكْفاءٌ في مَوارِدِ النِّزاعِ، فَإذا تَنازَعُوا في شَيْءٍ رَدُّوهُ إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ، وإنْ كانَ بَعْضُهم قَدْ يَكُونُ أعْلَمَ في مَواضِعَ أُخَرَ، وكَذَلِكَ مَوارِدُ النِّزاعِ بَيْنَ الأئِمَّةِ، وقَدْ تَرَكَ النّاسُ قَوْلَ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في مَسْألَةِ تَيَمُّمِ الجُنُبِ، وأخَذُوا بِقَوْلِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وغَيْرِهِ لَمّا احْتَجَّ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَرَكُوا قَوْلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في دِيَةِ الأصابِعِ، وأخَذُوا بِقَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ لَمّا كانَ مِنَ السُّنَّةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَذِهِ وهَذِهِ سَواءٌ» .

وقَدْ كانَ بَعْضُ النّاسِ يُناظِرُ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في المُتْعَةِ، فَقالَ لَهُ: قالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوشِكُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ، أقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وتَقُولُونَ: قالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لَمّا سَألُوهُ عَنْها، فَأمَرَ بِها فَعارَضُوهُ بِقَوْلِ عُمَرَ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ عُمَرَ لَمْ يُرِدْ ما يَقُولُونَهُ، فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَقالَ لَهُمْ، أرَسُولُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُتَبَّعَ أمْ عُمَرُ ؟ مَعَ عِلْمِ النّاسِ بِأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ أعْلَمُ مِنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ولَوْ فُتِحَ هَذا البابُ لَأوْجَبَ أنْ يُعْرَضَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وبَقِيَ كُلُّ إمامٍ في أتْباعِهِ بِمَنزِلَةِ النَّبِيِّ في أُمَّتِهِ، وهَذا تَبْدِيلٌ لِلدِّينِ، وشَبِيهٌ بِما عابَ اللَّهُ بِهِ النَّصارى في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] [التَّوْبَةِ: ٣١] واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. انْتَهى.

(p-١٣٨١)وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في خُطْبَةِ "زادِ المَعادِ": فاللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَّقَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ بِمُتابَعَتِهِ ﷺ، وجَعَلَ شَقاوَةَ الدّارَيْنِ في مُخالَفَتِهِ، فَلِأتْباعِهِ الهُدى والأمْنُ والفَلاحُ والعِزَّةُ والكِفايَةُ والنُّصْرَةُ والوِلايَةُ والتَّأْيِيدُ وطِيبُ العَيْشِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولِمُخالِفِيهِ الذِّلَّةُ والصَّغارُ والخَوْفُ والضَّلالُ والخِذْلانُ والشَّقاءُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ أقْسَمَ ﷺ بِأنْ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَتّى يَكُونَ هو أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ووَلَدِهِ ووالِدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، وأقْسَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مَن لَمْ يُحَكِّمْهُ في كُلِّ ما تَنازَعَ فِيهِ هو وغَيْرُهُ، ثُمَّ يَرْضى بِحُكْمِهِ، ولا يَجِدُ في نَفْسِهِ حَرَجًا مِمّا حَكَمَ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ لَهُ تَسْلِيمًا، ويَنْقادُ لَهُ انْقِيادًا، وقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٣٦] فَقَطَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّخْيِيرَ بَعْدَ أمْرِهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، فَلَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَخْتارَ شَيْئًا (p-١٣٨٢)بَعْدَ أمْرِهِ ﷺ، بَلْ إذا أمَرَ فَأمْرُهُ حَتْمٌ، وإنَّما الخِيَرَةُ في قَوْلِ غَيْرِهِ، إذا خَفِيَ أمْرُهُ، وكانَ ذَلِكَ الغَيْرُ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهِ وبِسُنَّتِهِ، فَبِهَذِهِ الشُّرُوطِ يَكُونُ قَوْلُ غَيْرِهِ سائِغَ الِاتِّباعِ، لا واجِبَ الِاتِّباعِ، فَلا يَجِبُ عَلى أحَدٍ اتِّباعُ قَوْلِ أحَدٍ سِواهُ، بَلْ غايَتُهُ أنَّهُ يَسُوغُ لَهُ اتِّباعُهُ، ولَوْ تَرَكَ الأخْذَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ عاصِيًا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَأيْنَ هَذا مِمَّنْ يَجِبُ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ اتِّباعُهُ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مُخالَفَتُهُ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ كُلِّ قَوْلٍ لِقَوْلِهِ، فَلا حُكْمَ لِأحَدٍ مَعَهُ، ولا قَوْلَ لِأحَدٍ مَعَهُ، كَما لا تَشْرِيعَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وكُلُّ حَيٍّ سِواهُ فَإنَّما يَجِبُ اتِّباعُهُ عَلى قَوْلِهِ إذا أمَرَ بِما أمَرَ بِهِ ونَهى عَمّا نَهى عَنْهُ، فَكانَ مُبَلِّغًا مَحْضًا ومُخْبِرًا، لا مُنْشِئًا ومُؤَسِّسًا، فَمَن أنْشَأ أقْوالًا وأسَّسَ قَواعِدَ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وتَأْوِيلِهِ لَمْ يَجِبْ عَلى الأُمَّةِ اتِّباعُها ولا التَّحاكُمُ إلَيْها، حَتّى تُعْرَضَ عَلى ما جاءَ بِهِ، فَإنْ طابَقَتْهُ ووافَقَتْهُ وشَهِدَ لَها بِالصِّحَّةِ قُبِلَتْ حِينَئِذٍ، وإنْ خالَفَتْهُ وجَبَ رَدُّها واطِّراحُها، وإنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيها أحَدُ الأمْرَيْنِ جُعِلَتْ مَوْقُوفَةً، وكانَ أحْسَنُ أحْوالِها أنْ يَجُوزَ الحُكْمُ والإفْتاءُ بِها، وأمّا أنَّهُ يَجِبُ ويَتَعَيَّنُ، فَكَلّا. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

4:66Page 89

وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [٦٦]

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقَ، والمَعْنى: إنّا لَوْ شَدَّدْنا التَّكْلِيفَ عَلى النّاسِ نَحْوُ أنْ نَأْمُرَهم بِالقَتْلِ والخُرُوجِ عَنِ الأوْطانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ولَما فَعَلَهُ إلّا الأقَلُّونَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ كُفْرُهم وعِنادُهُمْ، (p-١٣٨٣)فَلَمّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ؛ رَحْمَةً مِنّا عَلى عِبادِنا، بَلِ اكْتَفَيْنا بِتَكْلِيفِهِمْ في الأُمُورِ السَّهْلَةِ، فَلْيَقْبَلُوها بِالإخْلاصِ، ولْيَتْرُكُوا التَّمَرُّدَ والعِنادَ، حَتّى يَنالُوا خَيْرَ الدّارِينَ. انْتَهى.

ونَقَلَهُ فِيما بَعْدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلَيْهِ فَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ في (عَلَيْهِمْ) إلى المُنافِقِينَ، وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ، وهو عَوْدُهُ إلى النّاسِ كافَّةً، ويَكُونُ المُرادُ بِـ(القَلِيلِ) المُؤْمِنِينَ، وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾ فَهو مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا وآخِرُها خاصًّا، قَرَّرَهُ الرّازِيُّ.

رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ بِسَنَدِهِ إلى أبِي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ مِن أُمَّتِي لَرِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي» ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ نَحْوَهُ.

وأسْنَدَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: افْتَخَرَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ ورَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: واللَّهِ لَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنا القَتْلَ فَقَتَلْنا أنْفُسَنا، فَقالَ ثابِتٌ: واللَّهِ لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وأسْنَدَ أيْضًا عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ نَزَلَتْ لَكانَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ مِنهم».

وأسْنَدَ أيْضًا عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: «لَمّا تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ أشارَ بِيَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ فَقالَ: لَوْ أنَّ اللَّهَ كَتَبَ ذَلِكَ لَكانَ هَذا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ».

* *

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ حَقِيقَةَ القَتْلِ والخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ، وقِيلَ: أرادَ التَّعَرُّضَ لِلْقَتْلِ بِالجِهادِ، وأرادَ الهِجْرَةَ بِالخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ، والمَعْنى: لَوْ أُمِرَ المُنافِقُونَ كَما أُمِرَ المُؤْمِنُونَ ما فَعَلُوهُ. انْتَهى.

والقَوْلُ الثّانِي بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا يُعْدَلُ عَنِ الحَقِيقَةِ إلّا لِضَرُورَةٍ، ولِمُنافاتِهِ لِلْآثارِ المَذْكُورَةِ الصَّرِيحَةِ في الأوَّلِ.

الثّانِي: الضَّمِيرُ في (فَعَلُوهُ) لِلْمَكْتُوبِ الشّامِلِ لِلْقَتْلِ والخُرُوجِ، لِدَلالَةِ (كَتَبْنا) عَلَيْهِ، أوْ هو عائِدٌ عَلى أحَدِ مَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ، قالَ الخَفاجِيُّ: ولِلْعَطْفِ بِـ(أوْ) لَزِمَ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ. انْتَهى.

(p-١٣٨٤)أقُولُ: ذَكَرَ الشَّيْخُ خالِدٌ في "التَّصْرِيحِ" أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ في العَطْفِ بِـ(أوْ) رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، والتَّثْنِيَةُ رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، فَأفادَ جَوازَ الوَجْهَيْنِ، قالَ مُحَشِّيهِ العَلّامَةُ يس: الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ أنَّ (أوِ) الَّتِي لِلشَّكِّ والإبْهامِ يُفْرَدُ بَعْدَها الضَّمِيرُ، والَّتِي لِلتَّنْوِيعِ يُطابَقُ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١٣٥] ونَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ هِشامٍ في "المُغْنِي" في (بَحْثِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ) فَقالَ (فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] ): الظّاهِرُ أنَّ الجَوابَ: فاللَّهُ أوْلى بِهِما، ولا يَرُدُّ ذَلِكَ تَثْنِيَةَ الضَّمِيرِ كَما قَدْ تَوَهَّمُوا؛ لِأنَّ (أوْ) هُنا لِلتَّنْوِيعِ، حُكْمُها حُكْمُ (الواوِ) في وُجُوبِ المُطابَقَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الأبَدِيُّ وهو الحَقُّ. انْتَهى.

وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ ما اشْتُهِرَ مِن أنَّهُ إذا ذُكِرَ مُتَعاطِفانِ بِـ(أوْ) فَإنَّهُ يُعادُ الضَّمِيرُ إلى أحَدِهِما - لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ.

الثّالِثُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ.

﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أيْ: مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ وطاعَتِهِ والِانْقِيادِ لِما يَحْكُمُ بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، وسُمِّيَتْ أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ مَواعِظَ؛ لِاقْتِرانِها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿لَكانَ﴾ أيْ: فِعْلُهم ذَلِكَ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ في عاجِلِهِمْ ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أيْ: لِإيمانِهِمْ، وأبْعَدَ مِنَ الِاضْطِرابِ.

4:67Page 89

وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧

And then We would have given them from Us a great reward.

(p-١٣٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [٦٧]

﴿وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا﴾ أيْ: مِن عِنْدِنا ﴿أجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا ﴿عَظِيمًا﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

4:68Page 89

وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨

And We would have guided them to a straight path.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [٦٨]

﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: لَثَبَّتْناهم في الدُّنْيا عَلى دِينٍ قَوِيمٍ نَرْتَضِيهِ، وهو الإسْلامُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى فَضْلَ الطّاعَةِ وأنَّ ثَمَرَتَها مُرافَقَةُ أقْرَبِ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ وأرْفَعِهِمْ دَرَجاتٍ عِنْدَهُ، فَقالَ:

4:69Page 89

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩

And whoever obeys Allāh and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allāh has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [٦٩]

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ المُنْعَمَ بِهِ إشْعارًا بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الَّذِينَ أنْبَأهُمُ اللَّهُ أكْمَلَ الِاعْتِقاداتِ والأحْكامِ، وأمَرَهم بِإنْبائِها الخَلْقَ، كُلًّا بِمِقْدارِ اسْتِعْدادِهِ ﴿والصِّدِّيقِينَ﴾ (جَمْعُ صِدِّيقٍ) وهو المُبالِغُ في صِدْقِ ظاهِرِهِ بِالمُعامَلَةِ، وباطِنِهِ بِالمُراقَبَةِ، أوِ الَّذِي يَصْدُقُ قَوْلُهُ بِفِعْلِهِ كَذا في "المَدارِكِ".

قالَ الرّازِيُّ: لِلْمُفَسِّرِينَ (فِي الصِّدِّيقِ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ الدِّينِ لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ فَهو صِدِّيقٌ، والدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] [الحَدِيدِ: مِنَ الآيَةِ ١٩].

الثّانِي: قالَ قَوْمٌ: الصِّدِّيقُونَ أفاضِلُ أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-١٣٨٦)والسَّلامُ.

الثّالِثُ: أنَّ الصِّدِّيقَ اسْمٌ لِمَن سَبَقَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أوْلى الخَلْقِ بِهَذا الوَصْفِ، ثُمَّ جَوَّدَ الرّازِيُّ الكَلامَ في سَبْقِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى التَّصْدِيقِ، وفي كَوْنِهِ صارَ قُدْوَةً لِلنّاسِ في ذَلِكَ، فانْظُرْهُ.

﴿والشُّهَداءِ﴾ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿والصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ صَلُحَتْ أحْوالُهم وحَسُنَتْ أعْمالُهم ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ وما بَعْدَهُما ﴿رَفِيقًا﴾ يَعْنِي في الجَنَّةِ، والرَّفِيقُ الصّاحِبُ، سُمِّيَ رَفِيقًا لِارْتِفاقِكَ بِهِ وبِصُحْبَتِهِ، وإنَّما وُحِّدَ (الرَّفِيقُ) وهو صِفَةُ الجَمْعِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ بِهِ عَنِ الواحِدِ والجَمْعِ، كالصَّدِيقِ والخَلِيطِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، مُؤَكِّدٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا! ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ قُرِئَ (وحَسْنَ) بِسُكُونِ السِّينِ.

* *

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: لَيْسَ المُرادُ بِكَوْنِ مَن أطاعَ اللَّهَ وأطاعَ الرَّسُولَ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ.... إلَخْ - كَوْنَ الكُلِّ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ في الدَّرَجَةِ بَيْنَ الفاضِلِ والمَفْضُولِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، بَلِ المُرادُ كَوْنُهم في الجَنَّةِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ المَكانُ؛ لِأنَّ الحِجابَ إذا زالَ شاهَدَ بَعْضُهم بَعْضًا، وإذا أرادُوا الزِّيادَةَ قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذِهِ المَعِيَّةِ.

الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا مَرْتَبَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ في الفَضْلِ والعِلْمِ إلّا هَذا الوَصْفُ، وهو كَوْنُ الإنْسانِ صِدِّيقًا، ولِذا أيْنَما ذُكِرَ في القُرْآنِ الصِّدِّيقُ والنَّبِيُّ لَمْ يُجْعَلْ بَيْنَهُما واسِطَةٌ.

(p-١٣٨٧)كَما قالَ تَعالى في وصْفِ إسْماعِيلَ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] [مَرْيَمَ: مِنَ الآيَةِ ٥٤] وفي صِفَةِ إدْرِيسَ: ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦] [مَرْيَمَ: مِنَ الآيَةِ ٥٦] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ يَعْنِي إنَّكَ إنْ تَرَقَّيْتَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ وصَلْتَ إلى النُّبُوَّةِ، وإنْ نَزَلْتَ مِنَ النُّبُوَّةِ وصَلْتَ إلى الصِّدِّيقِيَّةِ، ولا مُتَوَسِّطَ بَيْنَهُما، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] [الزُّمَرِ: مِنَ الآيَةِ ٣٣] فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما واسِطَةً.

وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ عَلى نَفْيِ الواسِطَةِ فَقَدْ وفَّقَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ المَوْصُوفَةَ بِأنَّها خَيْرُ أُمَّةٍ حَتّى جَعَلُوا الإمامَ بَعْدَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أبا بَكْرٍ، عَلى سَبِيلِ الإجْماعِ، ولَمّا تُوُفِّيَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ دَفَنُوهُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما ذاكَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ الواسِطَةَ بَيْنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ ارْتَفَعَتِ الواسِطَةُ بَيْنَهُما في الوُجُوهِ الَّتِي عَدَدْناها، أفادَهُ الرّازِيُّ.

الثّالِثُ: رَوى الطَّبَرِيُّ في سَبَبِ نُزُولِها عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مَحْزُونٌ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يا فُلانُ! ما لِي أراكَ مَحْزُونًا؟! فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! شَيْءٌ فَكَّرْتُ فِيهِ، فَقالَ: ما هُوَ؟ قالَ نَحْنُ نَغْدُو عَلَيْكَ ونَرُوحُ نَنْظُرُ إلى وجْهِكَ ونُجالِسُكَ، غَدًا تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ فَلا نَصِلُ إلَيْكَ، فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ إلَخْ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ – فَبَشَّرَهُ».

وقَدْ رُوِيَ هَذا الأثَرُ مُرْسَلًا عَنْ مَسْرُوقٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ (p-١٣٨٨)وعامِرٍ الشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ، وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وهو مِن أحْسَنِها سَنَدًا: قالَ الطَّبَرِيُّ: حَدَّثَنِي المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ (فِي هَذِهِ الآيَةِ): «إنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: قَدْ عَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَهُ فَضْلُهُ عَلى مَن آمَنَ بِهِ في دَرَجاتِ الجَنَّةِ، مِمَّنِ اتَّبَعَهُ وصَدَّقَهُ، فَكَيْفَ لَهم إذا اجْتَمَعُوا في الجَنَّةِ أنْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الأعْلَيْنَ يَنْحَدِرُونَ إلى مَن هو أسْفَلَ مِنهُمْ، فَيَجْتَمِعُونَ في رِياضِها فَيَذْكُرُونَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ، ويَنْزِلُ لَهم أهْلُ الدَّرَجاتِ فَيَسْعَوْنَ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَ وما يَدَّعُونَ بِهِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ويَتَنَعَّمُونَ فِيهِ» .

ورَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن وجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي وأحَبُّ إلَيَّ مِن أهْلِي وأحَبُّ إلَيَّ مِن ولَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَكَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتِي ومَوْتَكَ عَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنْ دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أنْ لا أراكَ، فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيَّ ﷺ حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ الآيَةَ،» وهَكَذا رَواهُ الحافِظُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المَقْدِسِيُّ في كِتابِهِ في "صِفَةِ الجَنَّةِ" بِإسْنادٍ قالَ فِيهِ: لا أرى بِهِ بَأْسًا.

الرّابِعُ: رُوِيَ في السُّنَّةِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أخْبارٌ وافِرَةٌ، مِنها: في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأسْلَمِيِّ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ وحاجَتِهِ فَقالَ لِي: سَلْ! فَقُلْتُ: أسْألُكَ مُرافَقَتَكَ في الجَنَّةِ فَقالَ: أوَغَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: هو ذاكَ، قالَ: فَأعِنِّي عَلى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» .

ومِنها في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ (p-١٣٨٩)عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهَنِيِّ: قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! شَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وصَلَّيْتُ الخَمْسَ وأدَّيْتُ زَكاةَ مالِي، وصُمْتُ شَهْرَ رَمَضانَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن ماتَ عَلى ذَلِكَ كانَ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ يَوْمَ القِيامَةِ هَكَذا - ونَصَبَ أُصْبُعَيْهِ - ما لَمْ يَعُقَّ والِدَيْهِ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ.

ومِنها ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أبِيهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: مَن قَرَأ ألْفَ آيَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى كُتِبَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا» إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ومِنها ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «التّاجِرُ الصَّدُوقُ الأمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأعْظَمُ مِن هَذا كُلِّهِ بِشارَةً ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ والمَسانِيدِ وغَيْرِهِما مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُحِبُّ القَوْمَ ولَمّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقالَ: المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ» .

(p-١٣٩٠)قالَ أنَسٌ: فَما فَرِحَ المُسْلِمُونَ فَرَحَهم بِهَذا الحَدِيثِ.

وفِي رِوايَةٍ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: «إنِّي لَأُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأُحِبُّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وأرْجُو أنْ يَبْعَثَنِي مَعَهم وإنْ لَمْ أعْمَلْ كَعَمَلِهِمْ».

وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ مِن فَوْقِهِمْ كَما يَتَراءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ في الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أوِ المَغْرِبِ لِتَفاضُلِ ما بَيْنَهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! تِلْكَ مَنازِلُ الأنْبِياءِ لا يَبْلُغُها غَيْرُهُمْ، قالَ: بَلى والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ» أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ الإمامِ مالِكٍ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

4:70Page 89

ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠

That is the bounty from Allāh, and sufficient is Allāh as Knower.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [٧٠]

﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، إشارَةٌ إلى ما لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الأجْرِ ومَزِيدِ الهِدايَةِ ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، أوْ إلى فَضْلِ هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ومَزِيَّتِهِمْ، فالمُشارُ إلَيْهِ إمّا جَمِيعُ ما قَبْلَهُ أوْ ما يَلِيهِ ﴿الفَضْلُ﴾ صِفَةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: ذَلِكَ الفَضْلُ العَظِيمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ، (p-١٣٩١)أوِ " الفَضْلُ " خَبَرٌ، و:" مِنَ اللَّهِ "حالٌ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، أيْ: ذَلِكَ الثَّوابُ لِكَمالِ دَرَجَتِهِ كَأنَّهُ هو الفَضْلُ، وإنَّ ما سِواهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مَوْجُودًا وكائِنًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا أنَّ أعْمالَ المُكَلَّفِينَ تُوجِبُهُ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": مُعْتَقَدُنا مَعاشِرَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الطّاعاتِ والأعْمالَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها هَؤُلاءِ الخَواصِّ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى وفِعْلُهُ، وإنَّ قُدَرَهم لا تَأْثِيرَ لَها في أعْمالِهِمْ، بَلِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَخْلُقُ عَلى أيْدِيهِمُ الطّاعاتِ ويُثِيبُهم عَلَيْها، فالطّاعَةُ إذًا مِن فَضْلِهِ، فَلَهُ الفَضْلُ عَلى كُلِّ حالٍ، والمِنَّةُ في الفاتِحَةِ والمَآلِ، وكَفى بِقَوْلِ سَيِّدِ البَشَرِ في ذَلِكَ حُجَّةً وقُدْوَةً، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِنكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولُ اللَّهِ؟! قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ مِنهُ وبِرَحْمَةٍ» قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، اللَّهُمَّ! اخْتِمْ لَنا بِاقْتِفاءِ السُّنَّةِ، وأدْخِلْنا بِفَضْلِكَ المَحْضِ الجَنَّةَ. انْتَهى كَلامُ النّاصِرِ.

والحَدِيثُ المَذْكُورُ أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ وبِمَقادِيرِ الفَضْلِ واسْتِحْقاقِ أهْلِهِ.

قالَ الرّازِيُّ: ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في تَوْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الطّاعَةِ وكَيْفِيَّةَ الجَزاءِ والتَّفَضُّلِ، وذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ المُكَلَّفَ في كَمالِ الطّاعَةِ، والِاحْتِرازِ عَنِ التَّقْصِيرِ فِيهِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى - بَعْدَ التَّرْغِيبِ في طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ - الأمْرَ بِالجِهادِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ أشَقُّ الطّاعاتِ وأعْظَمُ الأُمُورِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها تَقْوِيَةُ الدِّينِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском