Al-QasimiAn‑Nisa · 4:71–78

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:71–78

4:71Page 89

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

(p-١٣٩٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [٧١]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أيْ: تَيَقَّظُوا واحْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ ولا تُمَكِّنُوهُ مِن أنْفُسِكُمْ، يُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا تَيَقَّظَ واحْتَرَزَ مِنَ المُخَوَّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَقِي بِها نَفْسَهُ، ويُطْلَقُ الحَذَرُ عَلى ما يُحْذَرُ بِهِ ويَصُونُ، كالسِّلاحِ والحُزَمِ، أيِ: اسْتَعَدُّوا لِلْعَدُوِّ، والحَذَرُ عَلى هَذا حَقِيقَةٌ، وعَلى الأوَّلِ مِنَ الكِنايَةِ والتَّخْيِيلِ بِتَشْبِيهِ الحَذَرِ بِالسِّلاحِ وآلَةِ الوِقايَةِ.

قالَ في "الإكْلِيلِ": فِيهِ الأمْرُ بِاتِّخاذِ السِّلاحِ، وأنَّهُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ وعَلى اسْتِعْمالِ الحَذَرِ، وهو الحَزْمُ مِنَ العَدُوِّ، وتَرْكُ التَّفْرِيطِ، وكَذَلِكَ ما يَحْذَرُونَهُ وهو اسْتِعْمالُ السِّلاحِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، فَتَكُونُ الرِّياضَةُ بِالمُسابَقَةِ والرِّهانِ في الخَيْلِ مِن أعْمالِ الجِهادِ.

﴿فانْفِرُوا﴾ أيِ: اخْرُجُوا إلى الجِهادِ ﴿ثُباتٍ﴾ جَمْعُ (ثُبَةٍ) بِمَعْنى الجَماعَةِ، كَما في القامُوسِ، أيْ: جَماعاتٍ مُتَفَرِّقِينَ، سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وفِرْقَةً بَعْدَ فُرْقَةٍ؛ إظْهارًا لِلْجَراءَةِ.

﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ كُلُّكم كَوْكَبَةً واحِدَةً؛ إيقاعًا لِلْمَهابَةِ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ، ومُبالَغَةً في التَّحَرُّزِ عَنِ الخَطَرِ.

قالَ الحاكِمُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الإمامِ.

4:72Page 89

وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allāh has favored me in that I was not present with them."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ [٧٢]

﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ: لَيَتَثاقَلَنَّ ولَيَتَخَلَّفَنَ عَنِ الجِهادِ والخُرُوجِ مَعَ الجَماعَةِ لِنِفاقٍ، أوْ مَعْناهُ: لَيُثَبِّطَنَ غَيْرَهُ، كَما كانَ المُنافِقُونَ يُثَبِّطُونَ غَيْرَهُمْ، وكانَ هَذا دَيْدَنُ المُنافِقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وهو الَّذِي ثَبَّطَ النّاسَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ التّابِعِينَ أنَّ الآيَةَ (p-١٣٩٣)نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، فَإنَّ ما حُكِيَ عَنْهم هو دَأْبُهُمْ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وُقُوفًا مَعَ صَدْرِ الآيَةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٧١] ثُمَّ قالَ ﴿وإنَّ مِنكُمْ﴾ وقَدْ قالَ تَعالى في المُنافِقِينَ: ﴿ما هم مِنكُمْ﴾ [المجادلة: ١٤]

قالَ الحاكِمُ: والتَّقْدِيرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: وإنَّ مِنكم - عَلى زَعْمِهِ - في الظّاهِرِ أوْ في حُكْمِ الشَّرْعِ.

﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ كَهَزِيمَةٍ، وشَهادَةٍ، وغَلَبِ العَدُوِّ لَكم لِما لِلَّهِ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿قالَ﴾ أيِ: المُبَطِّئُ فَرِحًا بِصُنْعِهِ ومُعْجَبًا بِرَأْيِهِ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بِالقُعُودِ ﴿إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ أيْ: حاضِرًا في المَعْرَكَةِ، فَيُصِيبُنِي ما أصابَهُمْ، يَعُدُّ ذَلِكَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَرَ ما فاتَهُ مِنَ الأجْرِ في الصَّبْرِ أوِ الشَّهادَةِ إنْ قُتِلَ.

4:73Page 89

وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣

But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [٧٣]

﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ كَفَتْحٍ، وغَنِيمَةٍ، ونَصْرٍ، وظَفَرٍ، ونِسْبَةُ إصابَةِ الفَضْلِ إلى جَنابِهِ تَعالى دُونَ إصابَةِ المُصِيبَةِ مِنَ العاداتِ الشَّرِيفَةِ التَّنْزِيلِيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] [الشُّعَراءِ: ٨٠].

﴿لَيَقُولَنَّ﴾ نَدامَةً عَلى تَثَبُّطِهِ وقُعُودِهِ وتَهالُكًا عَلى حُطامِ الدُّنْيا، وتَحَسُّرًا عَلى فَواتِهِ ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أيْ: صِلَةٌ في الدِّينِ، ومَعْرِفَةٌ بِالصُّحْبَةِ ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فَأُصِيبَ غَنائِمَ كَثِيرَةً، وحَظًّا وافِرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: " كَأنَّ لَمْ " إلَخْ، اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ وهُوَ: " لَيَقُولَنّ " ومَفْعُولِهِ وهُوَ: " يا لَيْتَنِي " إلَخْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَعْفِ عَقِيدَتِهِمْ، وأنَّ قَوْلَهم هَذا قَوْلُ مَن لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ مَعَكم مَوَدَّةٌ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُوادُّونَ المُؤْمِنِينَ ويُصادِقُونَهم في الظّاهِرِ، وإنْ كانُوا (p-١٣٩٤)يَبْغُونَ لَهُمُ الغَوائِلَ في الباطِنِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ أيْضًا مِن قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ ذَلِكَ تَأْكِيدُ وُجُوبِ الجِهادِ وتَحْرِيمُ التَّثْبِيطِ عَنْهُ. انْتَهى.

ولَمّا ذَمَّ تَعالى المُبَطِّئِينَ عَنِ الجِهادِ رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ فِيهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

4:74Page 89

۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤

So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [٧٤]

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: يَبِيعُونَها بِها وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الآجِلَةَ عَلى العاجِلَةِ ويَسْتَبْدِلُونَها بِها، والمَعْنى: إنْ صَدَّ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهم في طَلَبِ الآخِرَةِ، ويُقالُ: عَنى بِالمَوْصُولِ المُنافِقِينَ المُبَطِّئِينَ، أيِ: الَّذِينَ يَشْتَرُونَها ويَخْتارُونَها عَلى الآخِرَةِ، فَيَكُونُ وعْظًا لَهم بِأنْ يُبَدِّلُوا التَّثْبِيطَ بِالجِهادِ.

﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ أيْ: يُسْتَشْهَدُ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ أيْ: يَظْفَرْ عَلى العَدُوِّ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ نُعْطِيهِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ ثَوابًا وافِرًا.

رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إلّا جِهادًا في سَبِيلِي، وإيمانًا بِي، وتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهو عَلَيَّ ضامِنٌ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ أُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ نائِلًا ما نالَ مِن أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ» (لَفْظُ مُسْلِمٍ ).

4:75Page 90

وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?

(p-١٣٩٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [٧٥]

﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِتالِ، عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ؛ مُبالَغَةً في التَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، أيْ: في سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ هم كَأنْفُسِكُمْ، وهو تَخْلِيصُهم مِنَ الأسْرِ وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ، أوْ عَلى "السَّبِيلِ" بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: في خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، يَعْنِي: وأخْتَصُّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ خَلاصَ المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ، وخَلاصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي الكُفّارِ مِن أعْظَمِ الخَيْرِ وأخَصِّهِ.

قالَ في "الِانْتِصافِ": وفي النَّصْبِ مُبالَغَةٌ في الحَثِّ عَلى خَلاصِهِمْ مِن جِهَتَيْنِ:

إحْداهُما: التَّخْصِيصُ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي إضْمارَ النّاصِبِ الَّذِي هو أخْتَصُّ، ولَوْلا النَّصْبُ لَكانَ التَّخْصِيصُ مَعْلُومًا مِن إفْرادِهِ بِالذِّكْرِ، ولَكِنْ أكَّدَ هَذا المَعْلُومَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ بِأنْ أخْرَجَهُ إلى النُّطْقِ.

﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوْ حالٌ مِنهُمْ، وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ الهِجْرَةِ، فَبَقُوا بِمَكَّةَ مُسْتَذَلِّينَ مُسْتَضْعَفِينَ يَلْقَوْنَ مِنهُمُ الأذى الشَّدِيدَ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو لَهم فَيَقُولُ: «اللَّهم أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» كَما في الصَّحِيحِ.

(p-١٣٩٦)وإنَّما ذَكَرَ (الوِلْدانِ) مَعَهُمْ؛ تَكْمِيلًا لِلِاسْتِعْطافِ واسْتِجْلابِ المَرْحَمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ، بِحَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الصِّبْيانَ، وإيذانًا بِإجابَةِ الدُّعاءِ الآتِي بِسَبَبِ مُشارَكَتِهِمْ في الدُّعاءِ.

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ مِن إيذاءِ أهْلِ مَكَّةَ وإذْلالِهِمْ إيّاهُمْ، مُتَبَرِّئِينَ مِنَ المُقامِ بِها ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ الَّذِي هو ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وبِأذِيَّةِ المُسْلِمِينَ، وهي مَكَّةُ، و(الظّالِمِ) صِفَتُها، وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إذا أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ كانَ كالفِعْلِ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ، بِحَسَبِ ما عَمِلَ فِيهِ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: سَخِّرْ لَنا مِن عِنْدِكَ حافِظًا يَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ناصِرًا يَدْفَعُ عَنّا أذِيّاتِ أعْدائِنا، أوِ المَعْنى: واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، أيْ: لِتَكُنْ أنْتَ ولِيُّنا وناصِرُنا، وقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دُعاءَهم حَيْثُ يَسَرَّ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ، وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وأعَزَّ ناصِرٍ، فَفَتَحَ مَكَّةَ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ فَتَوَلّاهم أيَّ تَوَلٍّ، ونَصَرَهم أيَّةَ نُصْرَةٍ، حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها.

ورَوى البُخارِيُّ بِالسَّنَدِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وبِهِ إلَيْهِ قالَ: كانَتْ أُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ.

(p-١٣٩٧)قالَ الرّازِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتَلَةِ، وقَدْ بَلَغَ حالُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى ما بَلَغَ في الضَّعْفِ، فَهَذا حَثٌّ شَدِيدٌ عَلى القِتالِ، وبَيانُ العِلَّةِ الَّتِي صارَ لَها القِتالُ واجِبًا، وهو ما في القِتالِ مِن تَخْلِيصِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ مِن أيْدِي الكَفَرَةِ؛ لِأنَّ هَذا الجَمْعَ إلى الجِهادِ يَجْرِي مَجْرى فِكاكِ الأسِيرِ. انْتَهى.

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدُ لُزُومِ الجِهادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وبَخَّ عَلى تَرْكِهِ، تَدُلُّ الآيَةُ عَلى لُزُومِ اسْتِنْقاذِ المُسْلِمِ مِن أيْدِي الكُفّارِ، ويَأْتِي مِثْلُ هَذا اسْتِنْقاذُهُ مِن كُلِّ مَضَرَّةٍ، مِن ظالِمٍ أوْ لِصٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ، ووَجْهُ مَأْخَذِ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ كالعِلْمِ لِلِانْقِطاعِ إلَيْهِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الوِلْدانِ حُكْمُ الآباءِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ أرادَ الصِّغارَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرِّجالِ والنِّساءِ الأحْرارَ والحَرائِرَ، وبِالوِلْدانِ العَبِيدَ والإماءَ؛ لِأنَّ العَبْدَ والأمَةَ يُقالُ لَهُما: الوَلِيدُ والوَلِيدَةُ، وقِيلَ (لِلْوِلْدانِ والوَلائِدِ) الوَلَدانَ؛ لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، كَما يُقالُ: الآباءُ والإخْوَةُ، وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلدّاعِي حَقًّا عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ اخْتِصاصًا لِنُصْرَتِهِ، وتَدُلُّ عَلى لُزُومِ الهِجْرَةِ مِن دِيارِ الكُفْرِ، وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَذِلُّ نَفْسَهُ بِجَعْلِهِ مُسْتَضْعَفًا؛ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ المُقاتَلَةَ لِزَوالِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، وفي الآياتِ هَذِهِ تَأْكِيداتٌ مُتَتابِعَةٌ عَلى لُزُومِ الجِهادِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ ناصِرُ الدِّينِ في "الِانْتِصافِ": وقَفْتُ عَلى نُكْتَةٍ في هَذِهِ الآيَةِ حَسَنَةٍ، وهي أنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ ذُكِرَتْ في الكِتابِ العَزِيزِ فالظُّلْمُ يُنْسَبُ إلَيْها بِطَرِيقِ المَجازِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] [النَّحْلِ: مِنَ الآيَةِ ١١٢] وقَوْلِهِ: (p-١٣٩٨)﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] [القَصَصِ: مِنَ الآيَةِ ٥٨]وأمّا هَذِهِ القَرْيَةُ (فِي سُورَةِ النِّساءِ) فَيَنْسَبُ الظُّلْمُ إلى أهْلِها عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهامَكَّةُ، فَوُقِّرَتْ عَنْ نِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها؛ تَشْرِيفًا لَها، شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ شَجَّعَ تَعالى المُؤْمِنِينَ ورَغَّبَهم في الجِهادِ بِقَوْلِهِ:

4:76Page 90

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [٧٦]

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي في طاعَتِهِ لِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، فَهو ولِيُّهم وناصِرُهم ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ في طاعَةِ الشَّيْطانِ الآمِرِ بِغايَةِ الطُّغْيانِ، كَإيذاءِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وقِتالِ أقْوِيائِهِمْ ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: جُنْدَهُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وذَكَّرَهم بِهَذا العُنْوانِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةٌ لِقِتالِهِمْ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، والإشْعارِ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى لِما أنَّ قِتالَهم في سَبِيلِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ رَغْبَةِ المُؤْمِنِينَ في القِتالِ وتَقْوِيَةِ عَزائِمِهِمْ عَلَيْهِ، فَإنَّ وِلايَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَمٌ في العِزَّةِ والقُوَّةِ، كَما أنَّ وِلايَةَ الشَّيْطانِ مَثَلٌ في الذِّلَّةِ والضَّعْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقاتِلُوا يا أوْلِياءَ اللَّهِ أوْلِياءَ الشَّيْطانِ، ثُمَّ صَرَّحَ في التَّعْلِيلِ فَقِيلَ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ: في حَدِّ ذاتِهِ، فَكَيْفَ بِالقِياسِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يُتَعَرَّضْ لِبَيانِ قُوَّةِ جَنابِهِ تَعالى؛ إيذانًا بِظُهُورِها.

قالُوا: فائِدَةُ إدْخالِ (كانَ) في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ التَّأْكِيدُ بِبَيانِ أنَّهُ مُنْذُ كانَ كانَ كَذَلِكَ، فالمَعْنى: إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ مُنْذُ كانَ كانَ مَوْصُوفًا بِالضَّعْفِ. انْتَهى.

(والكَيْدُ): السَّعْيُ في فَسادِ الحالِ عَلى جِهَةِ الِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، يُقالُ: كادَهُ يَكِيدُهُ إذا سَعى في إيقاعِ الضَّرَرِ عَلى جِهَةِ الحِيلَةِ عَلَيْهِ، أفادَهُ الرّازِيُّ.

4:77Page 90

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

(p-١٣٩٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [٧٧]

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ اسْتِئْذانِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القِتالِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِهِ ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ أيْ: عَنِ القِتالِ، فَإنَّكم لَمْ تُؤْمَرُوا بِهِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ: أتِمُّوا الصَّلَواتِ الخَمْسَ بِوُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها، وما يَجِبُ فِيها مِن مَواقِيتِها، وأعْطُوا زَكاةَ أمْوالِكم ﴿فَلَمّا كُتِبَ﴾ أيْ: فُرِضَ ﴿عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ أيِ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ حِينَ قَوِيَ حالُهم ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: طائِفَةٌ مِنهم وهُمُ المُنافِقُونَ، وإدْخالُهم مَعَ المُؤْمِنِينَ لِما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم مِنهم ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ أيْ: يَخافُونَ أهْلَ مَكَّةَ الكُفّارَ أنْ يَقْتُلُوهم ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: كَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ بَأْسَهُ ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ أيْ: أكْثَرَ خَوْفًا مِنهُ.

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ يُوهِمُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ مُحالٌ (أُجِيبَ) بِأنَّ (أوْ) إمّا بِمَعْنى (بَلْ) أوْ هي لِلتَّنْوِيعِ عَلى أنَّ المَعْنى: أنَّ خَشْيَةَ بَعْضِهِمْ كَخَشْيَةِ اللَّهِ وخَشْيَةَ بَعْضِهِمْ أشَدُّ مِنها، أوْ لِلْإبْهامِ عَلى السّامِعِ، بِمَعْنى أنَّهم عَلى إحْدى الصِّفَتَيْنِ مِنَ المُساواةِ والشِّدَّةِ، وهو قَرِيبٌ مِمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] [الصّافّاتِ: ١٤٧] يَعْنِي أنَّ مَن يُبْصِرُهم يَقُولُ: إنَّهم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ.

* *

تَنْبِيهٌ:

حَكى المُفَسِّرُونَ هُنا رِوايَةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ (p-١٤٠٠)المُهاجِرِينَ، وأنَّهم كانُوا يَلْقَوْنَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أذًى شَدِيدًا، فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ويَقُولُوا: ائْذَنْ لَنا في قِتالِهِمْ، فَيَقُولُ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «كُفُّوا أيْدِيَكُمْ، فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ، واشْتَغَلُوا بِإقامَةِ دِينِكم مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ» ثُمَّ بَعْدَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ لَمّا أُمِرُوا بِقِتالِهِمْ في وقْعَةِ بَدْرٍ كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَسَوابِقِها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ تَقْرِيعًا لَهم وتَحْذِيرًا لِلْمُخْلِصِينَ مِن شاكِلَتِهِمْ، والقَوْلُ بِنُزُولِها في بَعْضِ المُؤْمِنِينَ لا يَصِحُّ لِوُجُوهٍ:

مِنها: أنَّ في إسْنادِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَن لَيْسَ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ.

ومِنها: أنْ طَلَبَهم لِلْجِهادِ وهم في مَكَّةَ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ والعُدَدِ، ومُمالَأةِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ - في غايَةِ البُعْدِ.

ومِنها: أنَّ السِّياقَ في المُنافِقِينَ، وقَدِ ابْتُدِئَ الكَلامُ في شَأْنِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] إلى قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ [النساء: ٨٩] الآيَةَ، كَما يَظْهَرُ مِنَ التَّدَبُّرِ الصّادِقِ.

ومِنها: أنَّ هَذا السِّياقَ اشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالمُنافِقِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِهِمْ: ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ ولا يَكُونُ هَذا الوَصْفُ إلّا لِكافِرٍ أوْ مُنافِقٍ، وحَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ ولَمْ يُعْهَدْ هَذا عَنِ المُؤْمِنِينَ، بَلِ المَحْفُوظُ مُبادَرَتُهم لِلْجِهادِ، كَما رَوى ابْنُ إسْحاقَ في "السِّيرَةِ" «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشارَ النّاسَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ وأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ وأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرِو فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ امْضِ لِما أراكَ اللَّهُ، فَنَحْنُ مَعَكَ، واللَّهِ لا نَقُولُ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٤] ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنا إلى بَرْكِ الغَمادِ لَجالَدْنا مَعَكَ مِن دُونِهِ حَتّى تَبْلُغَهُ.

(p-١٤٠١)ثُمَّ قالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: امْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ، فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ، ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا غَدًا، إنّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ صُدُقٌ في اللِّقاءِ».

ومِنها أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٧٨]، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن كَلامِ المُنافِقِينَ، ثُمَّ صَرَّحَ تَعالى في آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] فَزالَ اللَّبْسُ وبَرِحَ الخَفاءُ.

وما أشْبَهَ هَذِهِ الآياتِ بِقَوْلِهِ تَعالى في (سُورَةِ مُحَمَّدٍ): ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد: ٢٠] أيْ: تَأْمُرُنا بِالجِهادِ: ﴿فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ [محمد: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] [مُحَمَّدٍ: ٢٩].

﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ أيِ: الجِهادَ في سَبِيلِكَ ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ: هَلّا عافَيْتَنا وتَرَكْتَنا حَتّى نَمُوتَ بِآجالِنا ﴿قُلْ﴾ أيْ: تَزْهِيدًا لَهم فِيما يُؤَمِّلُونَ بِالقُعُودِ مِنَ المَتاعِ الفانِي، وتَرْغِيبًا فِيما يَنالُونَهُ بِالجِهادِ مِنَ النَّعِيمِ الباقِي ﴿مَتاعُ الدُّنْيا﴾ أيْ: ما يُتَمَتَّعُ ويُنْتَفَعُ بِهِ في الدُّنْيا ﴿قَلِيلٌ﴾ سَرِيعُ التَّقَضِّي، وشِيكُ الِانْصِرامِ، وإنْ أُخِّرْتُمْ إلى ذَلِكَ الأجَلِ.

﴿والآخِرَةُ﴾ أيْ: ثَوابُها الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الثَّوابُ المَنُوطُ بِالجِهادِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: لَكم مِن ذَلِكَ المَتاعِ الفانِي لِكَثْرَتِهِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ، وصَفائِهِ عَنِ الكُدُوراتِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ حَثًّا لَهم عَلى اتِّقاءِ العِصْيانِ والإخْلالِ بِمُوجَبِ التَّكْلِيفِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: (p-١٤٠٢)تُجْزَوْنَ ولا تُنْقَصُونَ أدْنى شَيْءٍ مِن أُجُورِ أعْمالِكُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَسْعاكم في شَأْنِ القِتالِ، فَلا تَرْغَبُوا عَنْهُ.

(والفَتِيلُ) ما في شِقِّ النَّواةِ مِنَ الخَيْطِ، يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ.

وقُرِئَ: " يُظْلِمُونَ " بِالياءِ؛ إعادَةً لِلضَّمِيرِ إلى ظاهِرِ (مَن) أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: قَرَأ الحَسَنُ: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، قالَ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا صَحِبَها عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وما الدُّنْيا كُلُّها أوَّلُها وآخِرُها إلّا كَرَجُلٍ نامَ نَوْمَةً فَرَأى في مَنامِهِ بَعْضَ ما يُحِبُّ ثُمَّ انْتَبَهَ، وقالَ ابْنُ مُعِينٍ: كانَ أبُو مَصْهَرٍ يُنْشِدُ:

؎ولا خَيْرَ في الدُّنْيا لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ اللَّهِ في دارِ المُقامِ نَصِيبُ

؎فَإنْ تُعْجِبِ الدُّنْيا رِجالًا فَإنَّها ∗∗∗ مَتاعٌ قَلِيلٌ والزَّوالُ قَرِيبُ

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ الفِرارُ مِنَ المَوْتِ؛ لِأنَّهُ لا خَلاصَ لَهم مِنهُ، بِقَوْلِهِ:

4:78Page 90

أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ٧٨

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allāh"; and if evil befalls them, they say,1 "This is from you." Say, "All [things] are from Allāh." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [٧٨]

﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ أيْ: في أيِّ مَكانٍ تَكُونُوا عِنْدَ الأجَلِ ﴿يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ أيِ: الَّذِي لِأجْلِهِ تَكْرَهُونَ القِتالَ؛ زَعْمًا مِنكم أنَّهُ مِن مَظانِّهِ، وتُحِبُّونَ القُعُودَ عَنْهُ، عَلى زَعْمِ أنَّهُ مَنجاةٌ مِنهُ، أيْ: وإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ فَبِأنْ يَقَعَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُسْتَعْقِبًا لِلسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ كانَ أوْلى مِن أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] [الأحْزابِ: ١٦].

﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾ (p-١٤٠٣)أيْ: حُصُونٍ: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أيْ: مَرْفُوعَةٍ مُسْتَحْكَمَةٍ، لا يَصِلُ إلَيْها القاتِلُ الإنْسانِيُّ، لَكِنَّها لا تَمْنَعُ القاتِلَ الإلَهِيَّ، كَما قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى:

؎ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ

وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ هَهُنا حِكايَةً مُطَوَّلَةً عَنْ مُجاهِدٍ، والشّاهِدُ مِنها هُنا أنَّها كانَتْ أُخْبِرَتْ بِأنَّها تَمُوتُ بِالعَنْكَبُوتِ، فاتَّخَذَ لَها زَوْجُها قَصْرًا مَنِيعًا شاهِقًا؛ لِيُحْرِزَها مِن ذَلِكَ، فَبَيْنَما هم يَوْمًا فَإذا العَنْكَبُوتُ في السَّقْفِ، فَأراها إيّاها فَقالَتْ: أهَذِهِ الَّتِي تَحْذَرُها عَلَيَّ؟! واللَّهِ لا يَقْتُلُها إلّا أنا، فَأنْزِلُوها مِنَ السَّقْفِ، فَعَمَدَتْ إلَيْها فَوَطِئَتْها بِإبْهامِ رِجْلِها فَقَتَلَتْها، فَطارَ مِن سُمِّها شَيْءٌ فَوَقَعَ بَيْنَ ظُفْرِها ولَحْمِها، واسْوَدَّتْ رِجْلُها، فَكانَ في ذَلِكَ أجْلُها، فَماتَتْ.

ولَمّا حَكى تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ كَوْنَهم مُتَثاقِلِينَ عَنِ الجِهادِ، خائِفِينَ مِنَ المَوْتِ، غَيْرَ راغِبِينَ في سَعادَةِ الآخِرَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِخَلَّةٍ لَهم أشْنَعَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ كَخِصْبٍ ورِزْقٍ مِن ثِمارٍ وزُرُوعٍ وأوْلادٍ ونَحْوِها ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن قِبَلِهِ، (p-١٤٠٤)لَمّا عَلِمَ فِينا الخَيْرَ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ كَقَحْطٍ وجَدْبٍ، وغَلاءِ السِّعْرِ، ونَقْصٍ في الزُّرُوعِ والثِّمارِ، ومَوْتِ أوْلادِ ونِتاجٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ يَعْنُونَ: مِن شُؤْمِكَ، كَما قالَ تَعالى عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] [الأعْرافِ: مِنَ الآيَةِ ١٣١]وعَنْ قَوْمٍ صالِحٍ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] [النَّمْلِ: مِنَ الآيَةِ ٤٧].

قالَ أبُو السُّعُودِ: فَأُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يَرُدَّ زَعْمَهُمُ الباطِلَ ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ بِبَيانِ إسْنادِ الكُلِّ إلَيْهِ تَعالى عَلى الإجْمالِ، إذْ لا يَجْتَرِءُونَ عَلى مُعارَضَةِ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، خَلْقًا وإيجادًا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ في وُقُوعِ شَيْءٍ مِنها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما تَزْعُمُونَ، بَلْ وُقُوعُ الأُولى مِنهُ تَعالى بِالذّاتِ تَفَضُّلًا، ووُقُوعُ الثّانِيَةِ بِواسِطَةِ ذُنُوبِ مَنِ ابْتُلِيَ بِها عُقُوبَةً، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ، فَهَذا الجَوابُ المُجْمَلُ في مَعْنى ما قِيلَ رَدًّا عَلى أسْلافِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] أيْ: إنَّما سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ، أوْ سَبَبُ إصابَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي هي ذُنُوبُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا عِنْدَ غَيْرِهِ، حَتّى يُسْنِدُوها إلَيْهِ ويَطَّيَّرُوا بِهِ.

﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أيْ: قَوْلًا، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْيِيرِهِمْ بِالجَهْلِ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ والتَّعَجُّبِ مِن كَمالِ غَباوَتِهِمْ، إذْ لَوْ فَقِهُوا شَيْئًا لَعَلِمُوا مِمّا يُوعَظُونَ بِهِ أنَّ اللَّهَ هو القابِضُ الباسِطُ، وأنَّ النِّعْمَةَ مِنهُ تَعالى بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ، والبَلِيَّةَ بِطَرِيقِ العُقُوبَةِ عَلى ذُنُوبِ العِبادِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском