Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:79–84
4:79Page 90
مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٧٩
What comes to you of good is from Allāh, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself.1 And We have sent you, [O Muḥammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allāh as Witness.2
(p-١٤٠٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [٧٩]
﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ أيْ: نِعْمَةٍ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: فَمِن نِعْمَتِهِ وتَفَضُّلِهِ ابْتِداءً ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ أيْ: بَلِيَّةٍ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ أيْ: مِن شُؤْمِها بِسَبَبِ اقْتِرافِها المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لَها، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ الإيجادِ مُنْتَسِبَةً إلَيْهِ تَعالى، نازِلَةً مِن عِنْدِهِ عُقُوبَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] [الشُّورى: ٣٠].
رَوى ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما مِن عَثْرَةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ ولا خَدْشِ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ، وما يَغْفِرُ اللَّهُ أكْثَرُ» .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نُكْتَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، قالَ وقَرَأ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]» .
(p-١٤٠٦)لَطِيفَةٌ
الخِطابُ فِي: ﴿أصابَكَ﴾ عامٌّ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ، لا لِلنَّبِيِّ ﷺ، كَقَوْلِهِ:
؎إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ
ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ ﷺ كَما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، لَكِنْ لا لِبَيانِ حالِهِ ﷺ، بَلْ لِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِإظْهارِ كَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، والإشْعارِ بِأنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وبَلادَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الخِطابِ، لا سِيَّما بِمِثْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ الأنِيقَةِ، قَرَّرَهُ أبُو السُّعُودِ.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وثَمَرَةُ الآيَةِ رَدُّ التَّطَيُّرِ والتَّشاؤُمِ.
﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ بَيانٌ لِجَلالَةِ مَنصِبِهِ ﷺ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بَعْدَ بَيانِ بُطْلانِ زَعْمِهِمُ الفاسِدِ في حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِناءً عَلى جَهْلِهِمْ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، وتَعْرِيفُ (النّاسِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ، أيْ: فَمِن أيْنَ يُتَصَوَّرُ لَكَ الشُّؤْمُ وقَدْ أُرْسِلْتَ داعِيًا العُمُومَ إلى الخَيْراتِ؟! فَأنْتَ مَنشَأُ كُلِّ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: عَلى رِسالَتِكَ وصِدْقِكَ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ عَلى يَدَيْكَ، أيْ: وإذا ثَبَتَتْ رِسالَتُكَ فاليُمْنُ في طاعَتِكَ، والشُّؤْمُ في مُخالَفَتِكَ.
4:80Page 91
مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠
He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.
(p-١٤٠٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [٨٠]
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُبَلِّغٌ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَمَرْجِعُ الطّاعَةِ وعَدِمَها هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ومَن تَوَلّى﴾ عَنْ طاعَتِهِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: كَفِيلًا تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم وتَحاسِبُهم عَلَيْها وتُعاقِبُهم بِحَسَبِها ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] [الرَّعْدِ: ٤٠].
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى وُجُوبَ طاعَةِ الرَّسُولِ تَأثَّرَهُ بِذِكْرِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ، فَقالَ:
4:81Page 91
وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١
And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [٨١]
﴿ويَقُولُونَ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ، وهم عِنْدَكَ ﴿طاعَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ، أيْ: أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ، ويَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنى: أطَعْناكَ طاعَةً، كَما يَقُولُ المُنْقادُ: سَمْعًا وطاعَةً، وسَمْعٌ وطاعَةٌ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: سَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يُقالُ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ فَيَقُولُ: حَمْدُ اللَّهِ وثَناءٌ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: أمْرِي وشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ وثَناءٌ عَلَيْهِ، ولَوْ نُصِبَ (حَمْدَ اللَّهِ) كانَ عَلى الفِعْلِ، والرَّفْعُ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الطّاعَةِ واسْتِقْرارِها.
﴿فَإذا بَرَزُوا﴾ أيْ: خَرَجُوا ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: مِن مَجْلِسِكَ ﴿بَيَّتَ﴾ أيْ: دَبَّرَ لَيْلًا ﴿طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ القائِلِينَ المَذْكُورِينَ وهم رُؤَساؤُهم ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أيْ: خِلافَ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ؛ لِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الرَّدِّ والعِصْيانِ، وإنَّما يُظْهِرُونَ ما يُظْهِرُونَ عَلى وجْهِ النِّفاقِ.
(p-١٤٠٨)تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: في "القامُوسِ وشَرْحِهِ" وبَيَّتَ الأمْرَ: عَمِلَهُ أوْ دَبَّرَهُ لَيْلًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما فُكِّرَ فِيهِ أوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ، ويُقالُ: بَيَّتَ بِلَيْلٍ ودَبَّرَ بِلَيْلٍ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وفِي الحَدِيثِ: «أنَّهُ كانَ ﷺ لا يُبَيِّتُ مالًا ولا يَقِيلُهُ»، أيْ: إذا جاءَهُ مالٌ لا يُمْسِكُهُ إلى اللَّيْلِ ولا إلى القائِلَةِ، بَلْ يُعَجِّلُ قِسْمَتَهُ. انْتَهى.
ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ أمْرٍ تَفَكَّرَ فِيهِ وتَأمَّلَ في مَصالِحِهِ ومَفاسِدِهِ كَثِيرًا يُقالُ فِيهِ مُبَيَّتٌ، وفي اشْتِقاقِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مِنَ البَيْتُوتَةِ؛ لِأنَّ أصْلَحَ الأوْقاتِ لِلْفِكْرِ أنْ يَجْلِسَ الإنْسانُ في بَيْتِهِ بِاللَّيْلِ، فَهُناكَ تَكُونُ الخَواطِرُ أخْلى، والشَّواغِلُ أقَلَّ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ أنَّ الإنْسانَ وقْتَ اللَّيْلِ يَكُونُ في البَيْتِ، والغالِبُ أنَّهُ يَسْتَقْصِي الأفْكارَ في اللَّيْلِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ الفِكْرُ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا.
الثّانِي: اشْتِقاقُهُ مِن أبْياتِ الشِّعْرِ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ يُدَبِّرُها ويُسَوِّيها، قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ إذا أرادُوا قَرْضَ الشِّعْرِ بالَغُوا في التَّفَكُّرِ فِيهِ، فَسَمَّوُا المُتَفَكَّرَ فِيهِ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا؛ تَشْبِيهًا لَهُ بِبَيْتِ الشِّعْرِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ يُسَوّى ويُدَبَّرُ.
الثّانِي: تَذْكِيرُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ (طائِفَةٌ) غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّها في مَعْنى الفَوْجِ والفَرِيقِ، وإسْنادُهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم لِبَيانِ أنَّهُمُ المُتَصَدُّونَ لَهُ بِالذّاتِ، والباقُونَ أتْباعٌ لَهم في ذَلِكَ، لا لِأنَّ الباقِينَ ثابِتُونَ عَلى الطّاعَةِ.
﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ بِما يَأْمُرُ بِهِ حَفَظَتَهُ الكاتِبِينَ المُوَكَّلِينَ بِالعِبادِ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَعْنى في هَذا التَّهْدِيدِ أنَّهُ تَعالى يُخْبِرُ بِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ ويُسِرُّونَهُ فِيما بَيْنَهُمْ، وما يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ لَيْلًا مِن مُخالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ وعِصْيانِهِ، وإنْ كانُوا قَدْ أظْهَرُوا لَهُ الطّاعَةَ والمُوافَقَةَ، وسَيَجْزِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واللَّهُ يَكْتُبُهُ في جُمْلَةِ ما يُوحِي إلَيْكَ في كِتابِهِ، فَيُطْلِعُكَ عَلى أسْرارِهِمْ، فَلا يَحْسَبُوا أنَّ إبْطانَهم يُغْنِي عَنْهُمْ، فالقَصْدُ لِتَهْدِيدِهِمْ عَلى الأوَّلِ، وتَحْذِيرِهِمْ مِنَ (p-١٤٠٩)النِّفاقِ لِأنَّ اللَّهَ يُظْهِرُهُ عَلى الثّانِي.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَجافَ عَنْهم ولا تُعاقِبْهم ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثِقْ بِاللَّهِ في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يَكْفِيكَ شَرَّهم ويَنْتَقِمُ مِنهم ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ كَفِيلًا بِالنُّصْرَةِ والدَّوْلَةِ لَكَ عَلَيْهِمْ.
4:82Page 91
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢
Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [٨٢]
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمُ القُرْآنَ وإعْراضِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما فِيهِ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ؛ لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى بِمُشاهَدَةِ ما فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الوَحْيُ الصّادِقُ والنَّصُّ النّاطِقُ بِنِفاقِهِمُ المَحْكِيِّ عَلى ما هو عَلَيْهِ.
وأصْلُ التَّدَبُّرِ التَّأمُّلُ والنَّظَرُ في أدْبارِ الأمْرِ وعَواقِبِهِ خاصَّةً، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ، سَواءٌ كانَ نَظَرًا في حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وأجْزائِهِ، أوْ سَوابِقِهِ وأسْبابِهِ، أوْ لَواحِقِهِ وأعْقابِهِ.
﴿ولَوْ كانَ﴾ أيِ: القُرْآنُ ﴿مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ تَعالى كَما يَزْعُمُونَ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ بِأنْ يَكُونَ بَعْضُ أخْبارِهِ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، إذْ لا عِلْمَ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ، ماضِيَةً كانَتْ أوْ مُسْتَقْبَلَةً لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ، وحَيْثُ كانَتْ كُلُّها مُطابَقَةً لِلْواقِعِ تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْلا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ مِمّا يُسِرُّهُ المُنافِقُونَ وما يُبَيِّتُونَهُ مُخْتَلِفًا، بَعْضُهُ حَقٌّ وبَعْضُهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: إنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَواطَئُونَ في السِّرِّ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُطْلِعُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ذَلِكَ، ويُخْبِرُهُ بِها مُفَصَّلَةً، فَقِيلَ لَهم إنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى لَما اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ، ولَوَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ، فَلَمّا لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَطُّ عُلِمَ أنَّهُ بِإعْلامِهِ تَعالى، وأمّا حَمْلُ الِاخْتِلافِ عَلى التَّناقُضِ وتَفاوُتِ النَّظْمِ في البَلاغَةِ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
* *
(p-١٤١٠)تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وعَلى القَوْلِ بِفَسادِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُنافِقِينَ بِالِاسْتِدْلالِ بِهَذا الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، أفادَهُ الرّازِيُّ.
وفِي الآيَةِ - أيْضًا - الحَثُّ عَلى تَدَبُّرِ القُرْآنِ لِيُعْرَفَ إعْجازُهُ مِن مُوافَقَتِهِ لِلْعُلُومِ واشْتِمالِهِ عَلى فَوائِدَ مِنها، وكَمالِ حُجَجِهِ وبَلاغَتِهِ العُلْيا، ومُوافَقَةِ أحْكامِهِ لِلْحِكْمَةِ، وأخْبارِهِ الماضِيَةِ لِكُتُبِ الأوَّلِينَ، والمُسْتَقْبَلَةِ لِلْواقِعِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: مَن أمْعَنَ في البَحْثِ عَنْ مَعانِي كِتابِ اللَّهِ، مُحافِظًا عَلى ما جاءَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنْ أصْحابِهِ الَّذِينَ شاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وحَصَّلَ مِنَ الأحْكامِ ما يُسْتَفادُ مِن مَنطُوقِهِ ومَفْهُومِهِ، وعَنْ مَعانِي السُّنَّةِ وما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، مُقْتَصِرًا عَلى ما يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ مِنها - فَإنَّهُ الَّذِي يُحْمَدُ ويُنْتَفَعُ بِهِ، وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ عَمَلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ مِنَ التّابِعِينَ فَمَن بَعْدَهُمُ. انْتَهى.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ (وهُوَ عَبْدُ اللَّهِ البَصْرِيُّ، مِن صِغارِ التّابِعِينَ) أنَّهُ قالَ: ثَلاثٌ أُحِبُّهُنَّ لِنَفْسِي ولِإخْوانِي: هَذِهِ السُّنَّةُ أنْ يَتَعَلَّمُوها ويَسْألُوا عَنْها، والقُرْآنُ أنْ يَتَفَهَّمُوهُ ويَسْألُوا النّاسَ عَنْهُ، ويَدَعُوا النّاسَ إلّا مِن خَيْرٍ. وفي رِوايَةٍ (فَيَتَدَبَّرُوهُ) بَدَلَ (يَتَفَهَّمُوهُ).
قالَ الكِرْمانِيُّ: قالَ في القُرْآنِ: يَتَفَهَّمُوهُ، وفي السُّنَّةِ: يَتَعَلَّمُوها؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ المُسْلِمَ يَتَعَلَّمُ القُرْآنَ في أوَّلِ أمْرِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى الوَصِيَّةِ بِتَعَلُّمِهِ، فَلِهَذا أوْصى بِتَفَهُّمِ مَعْناهُ وإدْراكِ مَنطُوقِهِ. انْتَهى.
وفِي بَقِيَّةِ الآيَةِ العُذْرُ لِلْمُصَنِّفِينَ فِيما يَقَعُ لَهم مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ؛ لِأنَّ السَّلامَةَ عَنْ ذَلِكَ مِن خَصائِصِ القُرْآنِ،
4:83Page 91
وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣
And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ نَوْعًا آخَرَ مِن مَفاسِدِهِمْ، وهو إظْهارُهم أسْرارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومُبادَرَتُهم بِأخْبارِ السَّرايا وإذاعَتِها بِقَوْلِهِ تَعالى:
(p-١٤١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا﴾ [٨٣]
﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ أيْ: مِمّا يُوجِبُ أحَدَهُما ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ أيْ: أفْشَوْهُ، فَتَعُودُ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الإرْجافاتِ لا تَنْفَكُّ عَنِ الكَذِبِ الكَثِيرِ.
والثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الخَبَرُ في جانِبِ الأمْنِ زادُوا فِيهِ زِياداتٍ كَثِيرَةً، فَإذا لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الزِّياداتُ أوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِلضُّعَفاءِ في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَرْوُونَ تِلْكَ الإرْجافاتِ عَنِ الرَّسُولِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في جانِبِ الخَوْفِ تَشَوَّشَ الأمْرُ بِسَبَبِهِ عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، ووَقَعُوا عِنْدَهُ في الحَيْرَةِ والِاضْطِرابِ، فَكانَتْ تِلْكَ الإرْجافاتُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ مِن هَذا الوَجْهِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإرْجافَ سَبَبٌ لِتَوْفِيرِ الدَّواعِي عَلى البَحْثِ الشَّدِيدِ والِاسْتِقْصاءِ التّامِّ، وذَلِكَ سَبَبٌ لِظُهُورِ الأسْرارِ، وذَلِكَ مِمّا لا يُوافِقُ مَصْلَحَةَ المَدِينَةِ.
والرّابِعُ: أنَّ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ كانَتْ قائِمَةً بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَكُلُّ ما كانَ أمْنًا لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ كانَ خَوْفًا لِلْفَرِيقِ الثّانِي، فَإنَّ وقَعَ خَبَرُ الأمْنِ لِلْمُسْلِمِينَ وحُصُولُ العَسْكَرِ وآلاتِ الحَرْبِ لَهم أرْجَفَ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ، فَوَصَلَ الخَبَرُ في أسْرَعِ مُدَّةٍ إلى الكُفّارِ، فَأخَذُوا في التَّحَصُّنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وفي الِاحْتِرازِ عَنِ اسْتِيلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإنْ وقَعَ خَبَرُ الخَوْفِ لِلْمُسْلِمِينَ بالَغُوا في ذَلِكَ وزادُوا فِيهِ، وألْقَوُا الرُّعْبَ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ والمَساكِينِ، فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ ذَلِكَ الإرْجافَ كانَ مُنْشِئًا لِلْفِتَنِ والآفاتِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ذَمَّ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الإذاعَةَ وذَلِكَ التَّشْهِيرَ، ومَنَعَهم مِنهُ، أفادَهُ الرّازِيُّ.
﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي جاءَهم ﴿إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ هم كُبَراءُ الصَّحابَةِ البُصَراءُ في الأُمُورِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أوِ الَّذِينَ يُؤَمَّرُونَ مِنهم وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا ﴿لَعَلِمَهُ﴾ أيِ: الأمْرَ (p-١٤١٢)﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أيْ: يَسْتَعْلِمُونَهُ ويَتَطَلَّبُونَهُ وهُمُ المُنافِقُونَ المُذِيعُونَ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ، يَعْنِي لَوْ أنَّهم قالُوا: نَسْكُتُ حَتّى نَسْمَعَهُ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ ونَعْرِفَ الحالَ فِيهِ مِن جِهَتِهِمْ - لَعَلِمُوا صِحَّتَهُ وأنَّهُ هَلْ هو مِمّا يُذاعُ أوْ لا؟ وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ يَعْنِي لَمْ يَقِلْ: (لَعَلِمُوهُ) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، أوْ لِذَمِّهِمْ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَئِهِمْ في الفَحْصِ عَنِ اسْتِخْراجِ وإظْهارِ خَفِيِّ ذَلِكَ الأمْرِ.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": في هَذِهِ الآيَةِ تَأْدِيبٌ لِكُلِّ مَن يُحَدِّثُ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ، وكَفى بِهِ كَذِبًا، وخُصُوصًا عَنْ مِثْلِ السَّرايا والمُناصِبِينَ الأعْداءَ والمُقِيمِينَ في نَحْرِ العَدُوِّ، وما أعْظَمَ المَفْسَدَةَ في لَهَجِ العامَّةِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُونَ مِن أخْبارِهِمْ، خَيْرًا أوْ غَيْرَهُ. انْتَهى.
وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كَفى بِالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ» .
وعِنْدَ أبِي داوُدَ والحاكِمِ عَنْهُ: «كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا» ورَواهُ الحاكِمُ أيْضًا عَنْ أبِي أُمامَةَ.
هَذا، ونَقَلَ الرّازِيُّ وجْهًا آخَرَ في المَوْصُولِ، وهو أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ طائِفَةٌ مِن أُولِي الأمْرِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّ المُنافِقِينَ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ لَكانَ عِلْمُهُ حاصِلًا عِنْدَ مَن يَسْتَنْبِطُ هَذِهِ الوَقائِعَ مِن أُولِي الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ أُولِي الأمْرِ فَرِيقانِ: بَعْضُهم مَن يَكُونُ مُسْتَنْبِطًا، وبَعْضُهم مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
فَقَوْلُهُ (مِنهُمْ) يَعْنِي لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ المُخْفِيّاتِ مِن طَوائِفِ أُولِي الأمْرِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِرَدِّ هَذِهِ الأخْبارِ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ هُمُ المُنافِقُونَ، فَكَيْفَ جَعَلَ أُولِي الأمْرِ مِنهم في قَوْلِهِ: ﴿وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ ؟ قُلْنا: إنَّما جَعَلَ أُولِي الأمْرِ مِنهم عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ (p-١٤١٣)يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٧٢] وقَوْلُهُ: ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] انْتَهى.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ السُّيُوطِيِّ في "الإكْلِيلِ": قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾ الآيَةَ، هَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في الِاسْتِنْباطِ والِاجْتِهادِ.
وقَوْلُ المَهايِمِيِّ: فَلَوْ وجَدُوا في القُرْآنِ ما يُوهِمُ الِاخْتِلافَ لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ اسْتِفْسارُ الرَّسُولِ والعُلَماءِ الَّذِينَ هم أُولُو الأمْرِ، لِيُعَلِّمَهم مِنهُمُ المُجْتَهِدُونَ في اسْتِنْباطِ وُجُوهِ التَّوْفِيقِ.
وقالَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ كَتْمُ ما يَضُرُّ إظْهارُهُ المُسْلِمِينَ، وأنَّ إذاعَتَهُ قَبِيحَةٌ، وأنَّهُ لا يُخْبَرُ بِما لَمْ يُعْرَفْ صِحَّتُهُ، وتَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ الإرْجافِ عَلى المُسْلِمِينَ، وعَلى أنَّهُ يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلى العُلَماءِ في الفُتْيا، وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القِياسِ والِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهُ اسْتِنْباطٌ. انْتَهى.
* *
تَنْبِيهٌ:
ما نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ وأبُو السُّعُودِ وغَيْرُهُمْ، مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَهُمْ﴾ عَنى بِهِ طائِفَةً مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ - فَإنْ أرادُوا بِالضَّعَفَةِ المُنافِقِينَ فَصَحِيحٌ، وإلّا فَبَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ كَما يُعْلَمُ مِن سِباقِ الآيَةِ وسِياقِها، وكَذا ما نَوَّعُوهُ مِنَ الأقْوالِ في مَعْناهُ، فَكُلُّهُ لَمْ يُصِبِ المَرْمى، والَّذِي يُعْطِيهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ في الآيَةِ هو الوَجْهُ الأوَّلُ، ولَها إشْعارٌ بِالوَجْهِ الثّانِي لا تَأْباهُ، فَتَبَصَّرْ ولا تَكُنْ أسِيرَ التَّقْلِيدِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِإرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الكِتابِ ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ بِالكُفْرِ والضَّلالِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنكم مِمَّنْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ صائِبٍ فاهْتَدى بِهِ إلى الحَقِّ والصَّوابِ، وعَصَمَهُ عَنْ مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، كَمَنِ اهْتَدى إلى الحَقِّ في زَمَنِ الفَتْرَةِ، كَقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ وأضْرابِهِ، وهم عَشَرَةٌ، وقَدْ أوْضَحْتُ شَأْنَهم في كِتابِي "إيضاحِ الفِطْرَةِ في أهْلِ الفَتْرَةِ " فِي: (الفَصْلِ (p-١٤١٤)الرّابِعَ عَشَرَ) فانْظُرْهُ.
ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، أنَّ المُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ هُنا هو نُصْرَتُهُ تَعالى ومَعُونَتُهُ اللَّذانِ عَناهُما المُنافِقُونَ بِقَوْلِهِمْ: (فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) أيْ: لَوْلا تَتابُعُ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ، وتَوَلَّيْتُمْ إلّا القَلِيلَ مِنكم مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ البَصِيرَةِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ مَدارُ الحَقِيَّةِ عَلى النَّصْرِ في كُلِّ حِينٍ، واسْتَحْسَنَ هَذا الوَجْهَ الرّازِيُّ، وقالَ: هو الأقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ، قالَ الخَفاجِيُّ: لِارْتِباطِهِ بِما بَعْدَهُ.
هَذا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " إلّا قَلِيلًا " مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ (أذاعُوهُ) أوْ (لَعَلِمَهُ) واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لِما قَبْلَهُ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُسْتَثْنًى مِن جُمْلَةِ (اتَّبَعْتُمْ) فَسَدَ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ عَدَمُ اتِّباعِ القَلِيلِ لِلشَّيْطانِ لَيْسَ بِفَضْلِ اللَّهِ، وهو لا يَسْتَقِيمُ، وبَيانُ لُزُومِهِ أنَّ (لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وقَدْ أبانَتِ امْتِناعَ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ لِلشَّيْطانِ، فَإذا جَعَلْتَ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ فَقَدْ سَلَبْتَ تَأْثِيرَ فَضْلِ اللَّهِ في امْتِناعِ الِاتِّباعِ عَنِ البَعْضِ المُسْتَثْنى ضَرُورَةً، وجَعَلْتَ هَؤُلاءِ المُسْتَثْنَيْنَ مُسْتَبِدِّينَ بِالإيمانِ وعِصْيانِ الشَّيْطانِ بِأنْفُسِهِمْ، ألا تَراكَ إذا قُلْتَ (لِمَن تُذَكِّرُهُ بِحَقِّكَ عَلَيْهِ): لَوْلا مُساعَدَتِي لَكَ لَسُلِبَتْ أمْوالُكَ إلّا قَلِيلًا، كَيْفَ لَمْ تَجْعَلْ لِمُساعَدَتِكَ أثَرًا في بَقاءِ القَلِيلِ لِلْمُخاطَبِ، وإنَّما مَنَنْتَ عَلَيْهِ بِتَأْثِيرِ مُساعَدَتِكَ في بَقاءِ أكْثَرِ مالِهِ، لا في كُلِّهِ، ومِنَ المُحالِ أنْ يَعْتَقِدَ مُسْلِمٌ أنَّهُ عُصِمَ في شَيْءٍ مِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ إلّا بِفَضْلِهِ تَعالى عَلَيْهِ، هَذا مُلَخَّصٌ ما قَرَّرَهُ صاحِبُ الِانْتِصافِ، وهَوَّلَ فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّ صَرْفَ الِاسْتِثْناءِ إلى ما يَلِيهِ ويَتَّصِلُ بِهِ لِتَبادُرِهِ فِيهِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الشَّيْءِ البَعِيدِ عَنْهُ، واللّازِمُ مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ مَعْنًى مَخْصُوصٌ، وهو ما بَيَّناهُ، فَإنَّ عَدَمَ الِاتِّباعِ إذا لَمْ يَكُنْ بِهَذا الفَضْلِ المَخْصُوصِ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ بِفَضْلٍ آخَرَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
4:84Page 91
فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤
So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1
(p-١٤١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ [٨٤]
﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وهو جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما حُكِيَ مِن عَدَمِ طاعَةِ المُنافِقِينَ وكَيْدِهِمْ فَقاتِلْ أنْتَ وحْدَكَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِما فَعَلُوا، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ أيْ: إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ، بِالتَّقَدُّمِ إلى الجِهادِ، فَإنَّ اللَّهَ هو ناصِرُكَ لا الجُنُودَ، فَإنْ شاءَ نَصَرَكَ وحْدَكَ كَما يَنْصُرُكَ وحَوْلَكَ الأُلُوفُ، أيْ: ومَن نَكَّلَ فَلا عَلَيْكَ مِنهُ ولا تُؤاخَذُ بِهِ.
قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ أشْجَعَ الخَلْقِ وأعْرَفَهم بِكَيْفِيَّةِ القِتالِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما كانَ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ إلّا وهو ﷺ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ولَقَدِ اقْتَدى بِهِ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ حاوَلَ الخُرُوجَ وحْدَهُ إلى قِتالِ (p-١٤١٦)مانِعِي الزَّكاةِ، ومَن عَلِمَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: سَألْتُ البَراءَ بْنَ عازِبٍ عَنِ الرَّجُلِ يَلْقى المِائَةَ مِنَ العَدُوِّ فَيُقاتِلُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ؟ قالَ: قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنْهُ قالَ: قُلْتُ لِلْبَراءِ: الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلى المُشْرِكِينَ، أهْوَ مِمَّنْ ألْقى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ إنَّما ذَلِكَ في النَّفَقَةِ.
﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: عَلى الخُرُوجِ مَعَكَ وعَلى القِتالِ، ورَغِّبْهم فِيهِ وشَجِّعْهم عَلَيْهِ، كَما «قالَ لَهم ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وهو يُسَوِّي الصُّفُوفَ: قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ،» وقَدْ ورَدَتْ (p-١٤١٧)أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في التَّرْغِيبِ في ذَلِكَ، مِنها:
ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» .
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ﴾ أيْ: يَمْنَعَ ﴿بَأْسَ﴾ أيْ: قِتالَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم كَفّارُ مَكَّةَ أيْ: بِتَحْرِيضِكَ إيّاهم عَلى القِتالِ، تَبْعَثُ هِمَمَهم عَلى مُناجَزَةِ الأعْداءِ ومُدافَعَتِهِمْ عَنْ حَوْزَةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ، ومُقاوَمَتِهِمْ ومُصابَرَتِهِمْ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى﴾ إلَخْ عِدَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُحَقَّقَةُ الإنْجازِ بِكَفِّ شِدَّةِ الكَفَرَةِ ومَكْرُوهِهِمْ، فَإنَّ ما صُدِّرَ بِـ(لَعَلَّ وعَسى) مُقَرَّرُ الوُقُوعِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ، حَيْثُ رُوِيَ في السِّيرَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واعَدَ أبا سُفْيانَ (p-١٤١٨)بَعْدَ حَرْبِ أُحُدٍ مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى في ذِي القِعْدَةِ، فَلَمّا بَلَغَ المِيعادُ دَعا النّاسَ إلى الخُرُوجِ، وخَرَجَ في شَعْبانَ سَنَةَ أرْبَعٍ في سَبْعِينَ راكِبًا، ووافَوُا المَوْعِدَ وألْقى اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَرَجَعُوا مِن مَرِّ الظَّهْرانِ». انْتَهى بِزِيادَةٍ.
وقالَ في ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ (وقِيلَ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ ):
؎وعَدْنا أبا سُفْيانَ بَدْرًا فَلَمْ نَجِدْ لِمِيعادِهِ صِدْقًا وما كانَ وافِيا
؎فَأُقْسِمُ لَوْ وافَيْتَنا فَلَقِيتَنا ∗∗∗ لَأُبْتَ ذَمِيمًا وافْتَقَدْتَ المَوالِيا
؎تَرَكْنا بِها أوْصالَ عُتْبَةَ وابْنِهِ ∗∗∗ وعَمْرًا أبا جَهْلٍ تَرَكْناهُ ثاوِيا
؎عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ أُفٍّ لِدِينِكم ∗∗∗ وأمْرِكُمُ السَّيِّئِ الَّذِي كانَ غاوِيا
؎فَإنِّي وإنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقائِلٌ ∗∗∗ فِدًى لِرَسُولِ اللَّهِ أهْلِي ومالِيا
؎أطَعْناهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينا بِغَيْرِهِ ∗∗∗ شِهابًا لَنا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هادِيا
﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا﴾ أيْ: شِدَّةً وقُوَّةً مِن قُرَيْشٍ ﴿وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ أيْ: تَعْذِيبًا وعُقُوبَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: هو قادِرٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] [مُحَمَّدٍ: مِنَ الآيَةِ ٤]انْتَهى.
قالَ الخَفاجِيُّ: والقَصْدُ التَّهْدِيدُ أوِ التَّشْجِيعُ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ التَّحْرِيضَ عَلى القِتالِ شَفاعَةٌ في تَكْفِيرِ الكَبائِرِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ فَقالَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences