Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:85–87
4:85Page 91
مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥
Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1
(p-١٤١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [٨٥]
﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ أيْ: يَتَوَسَّطُ في أمْرٍ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ؛ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ حَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِ الكُفّارِ ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ وهو ثَوابُ الشَّفاعَةِ والتَّسَبُّبُ إلى الخَيْرِ الواقِعِ بِها.
﴿ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ وهي ما كانَتْ بِخِلافِ الحَسَنَةِ، بِأنْ كانَتْ في أمْرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ أيْ: نَصِيبٌ مِن وِزْرِها الَّذِي تَرَتَّبَ عَلى سَعْيِهِ، مُساوٍ لَها في المِقْدارِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ شَيْءٌ.
فَوائِدُ:
الأُولى: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ مَدْحُ الشَّفاعَةِ وذَمُّ السِّعايَةِ وهي الشَّفاعَةُ السَّيِّئَةُ وذِكْرُ النّاسِ عِنْدَ السُّلْطانِ بِالسُّوءِ، وهي مَعْدُودَةٌ مِنَ الكَبائِرِ.
الثّانِيَةُ: رُوِيَ في فَضْلِ الشَّفاعَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها:
ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا أتاهُ طالِبُ حاجَةٍ أقْبَلَ عَلى جُلَسائِهِ فَقالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ويَقْضِي اللَّهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ما أحَبَّ» .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في (p-١٤٢٠)«قِصَّةِ بَرِيرَةَ وزَوْجِها قالَ: قالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ راجَعْتِهِ! قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قالَ: إنَّما أنا أشْفَعُ قالَتْ: لا حاجَةَ لِي فِيهِ،» رَواهُ البُخارِيُّ.
الثّالِثَةُ: قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَفاعاتِ النّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَما يَجُوزُ في الدِّينِ أنْ يُشْفَعَ فِيهِ فَهو شَفاعَةٌ حَسَنَةٌ، وما لا يَجُوزُ أنْ يُشْفَعَ فِيهِ فَهو شَفاعَةٌ سَيِّئَةٌ.
ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً كانَ لَهُ فِيها أجْرٌ، وإنْ لَمْ يُشَفَّعْ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (مَن يَشْفَعْ)ولَمْ يَقُلْ: (مَن يُشَفَّعْ) ويَتَأيَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا» نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
الرّابِعَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الَّتِي رُوعِيَ بِها حَقُّ مُسْلِمٍ، ودُفِعَ بِها عَنْهُ شَرٌّ، أوْ جُلِبَ إلَيْهِ خَيْرٌ، وابْتُغِيَ بِها وجْهُ اللَّهِ، ولَمْ تُؤْخَذْ عَلَيْها رِشْوَةٌ، وكانَتْ في أمْرٍ جائِزٍ، لا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، ولا في حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ، يَعْنِي الواجِبَةَ عَلَيْهِ، والسَّيِّئَةُ ما كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ، وعَنْ مَسْرُوقٍ: أنَّهُ شَفَعَ شَفاعَةً فَأهْدى إلَيْهِ المَشْفُوعُ جارِيَةً فَغَضِبَ ورَدَّها، وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ما في قَلْبِكَ لَما تَكَلَّمْتُ في حاجَتِكَ، ولا أتَكَلَّمُ فِيما بَقِيَ مِنها. انْتَهى.
(p-١٤٢١)ورَوى أبُو داوُدَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: مَن شَفَعَ لِأخِيهِ بِشَفاعَةٍ فَأهْدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْها، فَقَبِلَها، فَقَدْ أتى بابًا عَظِيمًا مِن أبْوابِ الرِّبا» .
وهَذا الحَدِيثُ أوْرَدَهُ أيْضًا المُنْذِرِيُّ في "كِتابِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ" في تَرْجَمَةِ (التَّرْغِيبِ في قَضاءِ حَوائِجِ المُسْلِمِينَ وإدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وما جاءَ فِيمَن شَفَعَ فَأُهْدِيَ إلَيْهِ) ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، ومَن كانَ في حاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرُبِ الدُّنْيا يَوْمَ القِيامَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن عَبْدٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَأسْبَغَها عَلَيْهِ ثُمَّ جَعَلَ مِن حَوائِجِ النّاسِ إلَيْهِ فَتَبَرَّمَ، فَقَدْ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ لِلزَّوالِ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَمْرٍو.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في "صَحِيحِهِ" عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ وصْلَةً لِأخِيهِ المُسْلِمِ إلى ذِي سُلْطانٍ في مَبْلَغِ بِرٍّ، أوْ تَيْسِيرِ عَسِيرٍ - أعانَهُ اللَّهُ عَلى إجازَةِ الصِّراطِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ دَحْضِ الأقْدامِ» .
وفِي رِوايَةٍ لِلطَّبَرانِيِّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: «رَفَعَهُ اللَّهُ في الدَّرَجاتِ العُلا مِنَ الجَنَّةِ» .
ورَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ مِن مُوجِباتِ المَغْفِرَةِ إدْخالَكَ السُّرُورَ عَلى أخِيكَ المُسْلِمِ» .
ورَواهُ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «أفْضَلُ الأعْمالِ إدْخالُ السُّرُورِ عَلى المُؤْمِنِ» .
ورَواهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وغَيْرِهِمُ، انْظُرِ التَّرْغِيبَ.
(p-١٤٢٢)الخامِسَةُ: نُكْتَةُ اخْتِيارِ النَّصِيبِ في (الحَسَنَةِ) والكِفْلِ في (السَّيِّئَةِ) ما أشَرْنا إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ النَّصِيبَ يَشْمَلُ الزِّيادَةَ؛ لِأنَّ جَزاءَ الحَسَناتِ يُضاعَفُ، وأمّا الكِفْلُ فَأصْلُهُ المُرْكَبُ الصَّعْبُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْمِثْلِ المُساوِي، فَلِذا اخْتِيرَ؛ إشارَةً إلى لُطْفِهِ بِعِبادِهِ، إذْ لَمْ يُضاعِفِ السَّيِّئاتِ كالحَسَناتِ، ويُقالُ: إنَّهُ وإنْ كانَ مَعْناهُ المِثْلَ لَكِنَّهُ غَلَبَ في الشَّرِّ ونَدَرَ في غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] [الحَدِيدِ: ٢٨] فَلِذا خَصَّ بِهِ السَّيِّئَةَ تَطْرِيَةً وهَرَبًا مِنَ التَّكْرارِ.
و(مِن) بَيانِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ، أفادَهُ الخَفاجِيُّ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أيْ: مُقْتَدِرًا مِن (أقاتَ عَلى الشَّيْءِ) إذا اقْتَدَرَ عَلَيْهِ كَما قالَ:
؎وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا
أيْ: رُبَّ ذِي حِقْدٍ عَلَيَّ كَفَفْتُ السُّوءَ عَنْهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، أوْ شَهِيدًا حافِظًا، واشْتِقاقُهُ مِنَ (القُوتِ) فَإنَّهُ يُقَوِّي البَدَنَ ويَحْفَظُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
4:86Page 91
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦
And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.
(p-١٤٢٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [٨٦]
﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ أيْ: إذا سُلِّمَ عَلَيْكم فَدُعِيَ لِسَلامَةِ حَياتِكم وصِفاتِكُمُ الَّتِي بِها كَمالُ الحَياةِ بِتَحِيَّةٍ، فَقِيلَ: السَّلامُ عَلَيْكم ﴿فَحَيُّوا﴾ أيْ: أداءً لِحَقِّ المُسْلِمِ عَلَيْكم ﴿بِأحْسَنَ مِنها﴾ أيْ: بِتَحِيَّةٍ أحْسَنَ مِنها، بِأنْ تَقُولُوا: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، ولَوْ قالَها المُسْلِمُ زِيدَ: وبَرَكاتُهُ.
قالَ الرّاغِبُ: أصْلُ التَّحِيَّةِ الدُّعاءُ بِالحَياةِ وطُولِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ دُعاءٍ، وكانَتِ العَرَبُ إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًا يَقُولُ: حَيّاكَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَها الشَّرْعُ في السَّلامِ، وهي تَحِيَّةُ الإسْلامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] [إبْراهِيمَ: مِنَ الآيَةِ ٢٣] وقالَ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٤٤] وقالَ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١] [النُّورِ: مِنَ الآيَةِ ٦١].
(p-١٤٢٤)قالُوا: في السَّلامِ مَزِيَّةٌ عَلى (حَيّاكَ) لِما أنَّهُ دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِطُولِ الحَياةِ، ولَيْسَ في الدُّعاءِ بِطُولِ الحَياةِ ذَلِكَ، ولِأنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى، فالبَداءَةُ بِذِكْرِهِ مِمّا لا رَيْبَ في فَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ.
﴿أوْ رُدُّوها﴾ أيْ: أجِيبُوها بِمِثْلِها، ورَدُّ السَّلامِ ورَجْعُهُ: جَوابُهُ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ المُجِيبَ يَرُدُّ قَوْلَ المُسَلِّمِ ويُكَرِّرُهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ: فَيُحاسِبُكم عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ التَّحِيَّةِ، فَحافِظُوا عَلى مُراعاتِها حَسْبَما أُمِرْتُمْ بِهِ، وفي الآيَةِ فَوائِدُ شَتّى:
الأُولى: نُكْتَةُ نَظْمِها مَعَ آياتِ الجِهادِ هو التَّمْهِيدُ لِمَنعِ المُؤْمِنِينَ مِن قَتْلِ مَن ألْقى إلَيْهِمُ السَّلامَ في الحَرْبِ الآتِي قَرِيبًا، بِبَيانِ أنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ حَقًّا يُؤَدّى إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّلامَ نَوْعٌ مِنَ الإكْرامِ، والمُكَرَّمُ يُقابِلُ بِمِثْلِ إكْرامِهِ أوْ أزْيَدَ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ الرَّجُلَ في الجِهادِ كانَ يَلْقاهُ الرَّجُلُ في دارِ الحَرْبِ أوْ ما يُقارِبُها فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَدْ لا يَلْتَفِتُ إلى سَلامِهِ عَلَيْهِ ويَقْتُلُهُ، ورُبَّما ظَهَرَ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَمَنَعَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهُ، وأمَرَهم أنَّ كُلَّ مَن يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ويُكْرِمُهم بِنَوْعٍ مِنَ الإكْرامِ يُقابِلُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الإكْرامِ أوْ أزْيَدَ، فَإنَّهُ إنْ كانَ كافِرًا لا يَضُرُّ المُسْلِمَ إنْ قابَلَ إكْرامَ ذَلِكَ الكافِرِ بِنَوْعٍ مِنَ الإكْرامِ، أمّا إنْ كانَ مُسْلِمًا وقَتَلَهُ فَفِيهِ أعْظَمُ المَضارِّ والمَفاسِدِ.
ولِذا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ: هو مُحاسِبُكم عَلى كُلِّ أعْمالِكُمْ، وكافٍ في إيصالِ جَزاءِ أعْمالِكم إلَيْكُمْ، فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِن مُخالَفَةِ هَذا التَّكْلِيفِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِحِفْظِ الدِّماءِ، والمَنعِ مِن إهْدارِها.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: (p-١٤٢٥)مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فارْدُدْ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾
وقالَ قَتادَةُ: (فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها) يَعْنِي لِلْمُسْلِمِينَ (أوْ رُدُّوها) يَعْنِي لِأهْلِ الذِّمَّةِ، ومِن هُنا حَكى الماوَرْدِيُّ وجْهًا: أنَّهُ يَقُولُ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ إذا ابْتَدَؤُوا: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، ولا يَقُولُ: ورَحْمَةُ اللَّهِ، نَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ.
ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ولا تَقُلْ: ورَحْمَةُ اللَّهِ؛ فَإنَّها اسْتِغْفارٌ.
وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ لِنَصْرانِيٍّ سَلَّمَ عَلَيْهِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: ألَيْسَ في رَحْمَةِ اللَّهِ يَعِيشُ؟ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ لَحِظَ الأخْبارَ بِذَلِكَ ولَمْ يُرِدْ مَضْمُونَ التَّحِيَّةِ، ومَعَ هَذا فالثّابِتُ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وعَلَيْكم» كَما يَأْتِي.
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ السَّلامِ ووُجُوبُ رَدِّهِ، واسْتَدَلَّ بِها الجُمْهُورُ عَلى رَدِّ السَّلامِ عَلى كُلِّ مُسَلِّمٍ، مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، لَكِنْ مُخْتَلِفانِ في صِيغَةِ الرَّدِّ.
الثّانِيَةُ: ورَدَ في إفْشاءِ السَّلامِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها:
قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ، مِنها: وإفْشاءُ السَّلامِ،» رَواهُ الشَّيْخانِ.
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (p-١٤٢٦)- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتّى تُؤْمِنُوا ولا تُؤْمِنُوا حَتّى تَحابُّوا، ألا أدُلُّكم عَلى شَيْءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكم» رَواهُ مُسْلِمٌ.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّها النّاسُ! أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وصِلُوا الأرْحامَ، وصَلُّوا والنّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ السَّلامِ، قالَ الرّازِيُّ: إنْ شاءَ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وإنْ شاءَ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم.
قالَ تَعالى في حَقِّ نُوحٍ: ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ [هود: ٤٨] [هُودَ: مِنَ الآيَةِ ٤٨] وقالَ عَنِ الخَلِيلِ: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] [مَرْيَمَ: مِنَ الآيَةِ ٤٧] وقالَ في قِصَّةِ لُوطٍ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] [هُودَ: مِنَ الآيَةِ ٦٩] (p-١٤٢٧)وقالَ عَنْ يَحْيى: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ [مريم: ١٥] [مَرْيَمَ: مِنَ الآيَةِ ١٥] وقالَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] [النَّمْلِ: مِنَ الآيَةِ ٥٩] وقالَ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] [الرَّعْدِ: مِنَ الآيَةِ ٢٤] وقالَ عَنْ نَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] [يس: ٥٨] وقالَ: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] [الأنْعامِ: ٥٤].
وأمّا بِالألِفِ واللّامِ فَقَوْلُهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] [طه: مِنَ الآيَةِ ٤٧] وقالَ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] [مَرْيَمَ: ٣٣] فَثَبَتَ أنَّ الكُلَّ جائِزٌ. انْتَهى.
(p-١٤٢٨)قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الواحِدِيُّ: أنْتَ في تَعْرِيفِ السَّلامِ وتَنْكِيرِهِ بِالخِيارِ. انْتَهى.
ولِكَثْرَةِ وُرُودِ التَّنْكِيرِ في القُرْآنِ - عَلى ما بَيَّناهُ - فَضَّلَهُ بَعْضُهم عَلى التَّعْرِيفِ.
الرّابِعَةُ: في فَضْلِهِ:
رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والدّارِمِيُّ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ" فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَشْرٌ ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: عِشْرُونَ ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ثَلاثُونَ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وفي البابِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وعَلِيٍّ وسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ.
وقالَ البَزّارُ: قَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ، هَذا أحْسَنُها إسْنادًا.
وفِي رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ مِن رِوايَةِ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - زِيادَةٌ عَلى هَذا، قالَ: «ثُمَّ أتى آخَرُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ ومَغْفِرَتُهُ قالَ: أرْبَعُونَ قالَ: هَكَذا تَكُونُ الفَضائِلُ» .
وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ لا يُزادُ عَلى (وبَرَكاتُهُ) لا يُقالُ: رِوايَةُ (ومَغْفِرَتُهُ) عِنْدَ أبِي داوُدَ هي مِن طَرِيقِ أبِي مَرْحُومٍ واسْمُهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ، عَنْ أبِيهِ، وأبُو مَرْحُومٍ ضَعَّفَهُ يَحْيى، وقالَ أبُو حاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ولا يُحْتَجُّ بِهِ؛ لِأنّا نَقُولُ: قَدْ حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ رِوايَتَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ، وصَحَّحَها أيْضًا هو وابْنُ خُزَيْمَةَ والحاكِمُ وغَيْرُهم.
قالَ النَّسائِيُّ: لا يُتْرَكُ حَدِيثُ الرَّجُلِ حَتّى يَجْتَمِعَ الجَمِيعُ عَلى تَرْكِهِ.
عَوْدٌ:
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومَن قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ (p-١٤٢٩)كُتِبَتْ عِشْرُونَ حَسَنَةً، ومَن قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ كُتِبَتْ لَهُ ثَلاثُونَ حَسَنَةً» .
ورَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو في مَجْلِسٍ فَقالَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، فَقالَ: عَشْرُ حَسَناتٍ ثُمَّ مَرَّ آخَرُ فَقالَ: سَلامٌ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ فَقالَ: عِشْرُونَ حَسَنَةً ثُمَّ مَرَّ آخَرُ فَقالَ: سَلامٌ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ فَقالَ: ثَلاثُونَ حَسَنَةً فَقامَ رَجُلٌ مِنَ المَجْلِسِ ولَمْ يُسَلِّمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما أوْشَكَ ما نَسِيَ صاحِبُكُمْ، إذا جاءَ أحَدُكم إلى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، وإنْ قامَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأوْلى بِأحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ» .
ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبْخَلُ النّاسِ مَن بَخِلَ بِالسَّلامِ» ورَواهُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ولِأحْمَدَ والبَزّارِ نَحْوُهُ عَنْ جابِرٍ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا لَقِيَ المُؤْمِنَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وأخَذَ بِيَدِهِ تَناثَرَتْ خَطاياهُما كَما تَتَناثَرُ ورَقُ الشَّجَرِ» قالَ المُنْذِرِيُّ: ورُواتُهُ لا أعْلَمُ فِيهِمْ مَجْرُوحًا.
ورَوى البَزّارُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا التَقى الرَّجُلانِ المُسْلِمانِ فَسَلَّمَ أحَدُهُما عَلى صاحِبِهِ، فَإنَّ أحَبَّهُما إلى اللَّهِ أحْسَنُهُما بِشْرًا لِصاحِبِهِ، فَإذا تَصافَحا نَزَلَتْ عَلَيْهِما مِائَةُ رَحْمَةٍ؛ لِلْبادِئِ مِنهُما تِسْعُونَ، ولِلْمُصافِحِ عَشَرَةٌ» .
ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوْلى النّاسِ بِاللَّهِ مَن بَدَأهم بِالسَّلامِ» .
(p-١٤٣٠)الخامِسَةُ: في بَعْضِ أحْكامِهِ المَأْثُورَةِ رَوى أبُو داوُدَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يُجْزِئُ عَنِ الجَماعَةِ إذا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ، ويُجْزِئُ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهم» .
وفِي المُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا سَلَّمَ واحِدٌ مِنَ القَوْمِ أجْزَأ عَنْهم» قالَ النَّوَوِيُّ: هَذا مُرْسَلٌ صَحِيحُ الإسْنادِ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا عائِشَةُ هَذا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلامَ قالَتْ: قُلْتُ: وعَلَيْهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، تَرى ما لا نَرى (تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ)».
قالَ النَّوَوِيُّ: ووَقَعَ في بَعْضِ رِواياتِ الصَّحِيحَيْنِ (وبَرَكاتُهُ) ولَمْ يَقَعْ في بَعْضِها، وزِيادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
وفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ، عَنْ غالِبٍ القَطّانِ، عَنْ رَجُلٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي قالَ: «بَعَثَنِي أبِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ائْتِهِ فَأقْرِئْهُ السَّلامَ، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إنَّ أبِي يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَقالَ: عَلَيْكَ وعَلى أبِيكَ السَّلامُ» .
قالَ النَّوَوِيُّ: هَذا وإنْ كانَ رِوايَةً عَنْ مَجْهُولٍ فَأحادِيثُ الفَضائِلِ يُتَسامَحُ فِيها عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، فَيُسْتَفادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُبَلِّغِ كالمُسَلِّمِ.
ورَوى أبُو داوُدَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا لَقِيَ أحَدُكم أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ (p-١٤٣١)فَإنْ حالَتْ بَيْنَهُما شَجَرَةٌ أوْ جِدارٌ أوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ» فَفِيهِ أنَّ مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ إنْسانٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ عَلى قُرْبٍ نُدِبَ التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ ثانِيًا وثالِثًا.
ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ: «يُسَلِّمُ الرّاكِبُ عَلى الماشِي، والماشِي عَلى القاعِدِ، والقَلِيلُ عَلى الكَثِيرِ» .
ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ: «أنَّهُ مَرَّ عَلى صِبْيانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ».
ولَفْظُ أبِي داوُدَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى غِلْمانٍ يَلْعَبُونَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ».
وعِنْدَ ابْنِ السُّنِّيِّ فِيهِ، فَقالَ: «السَّلامُ عَلَيْكم يا صِبْيانُ» .
ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: «مَرَّ عَلَيْنا النَّبِيُّ ﷺ في نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنا».
ورَوى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وعَلَيْكم» .
ورَوِيا عَنْ أُسامَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلى مَجْلِسٍ فِيهِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ (p-١٤٣٢)الأوْثانِ واليَهُودِ والمُسْلِمِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ».
ورَوى مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ ولا النَّصارى بِالسَّلامِ، فَإذا لَقِيتُمْ أحَدَهم في طَرِيقٍ فاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ» .
قالَ النَّوَوِيُّ: رُوِّينا في مُوَطَّأِ مالِكٍ أنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلى اليَهُودِيِّ أوِ النَّصْرانِيِّ هَلْ يَسْتَقِيلُهُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: لا، قالَ أبُو سَعْدٍ المُتَوَلِّي الشّافِعِيُّ: لَوْ أرادَ تَحِيَّةَ ذِمِّيٍّ فَعَلَّها بِغَيْرِ السَّلامِ، بِأنْ يَقُولَ: هَداكَ اللَّهُ أوْ أنْعَمَ اللَّهُ صَباحَكَ.
قالَ النَّوَوِيُّ: هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو سَعْدٍ لا بَأْسَ بِهِ، إذا (p-١٤٣٣)احْتاجَ إلَيْهِ فَيَقُولُ: صُبِّحْتَ بِالخَيْرِ أوْ بِالسَّعادَةِ أوْ بِالعافِيَةِ، أوْ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالسُّرُورِ أوْ بِالسَّعادَةِ والنِّعْمَةِ أوْ بِالمَسَرَّةِ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ.
السّادِسَةُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: السَّلامُ تَطَوُّعٌ والرَّدُّ فَرِيضَةٌ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ هو قَوْلُ العُلَماءِ قاطِبَةً: أنَّ الرَّدَّ واجِبٌ عَلى مَن سُلِّمَ عَلَيْهِ، فَيَأْثَمُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ لِأنَّهُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ انْتَهى، وفي تَرْكِ الرَّدِّ إهانَةٌ وازْدِراءٌ وهو حَرامٌ، ولِذا نُدِبَ لِلْجَمْعِ المُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ أنْ يُجِيبُوا كُلُّهُمْ؛ إظْهارًا لِلْإكْرامِ ومُبالَغَةً فِيهِ، وإنْ كانَ الفَرْضُ يَسْقُطُ بِبَعْضِهِمْ.
4:87Page 92
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧
Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [٨٧]
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: لَيَبْعَثَنَّكم مِن قُبُورِكم ويَحْشُرَنَّكم إلى حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فَيُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: القِيامَةُ والقِيامُ كالطِّلابَةِ والطِّلابِ، وهي قِيامُهم مِنَ القُبُورِ أوْ قِيامُهم لِلْحِسابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] [المُطَفِّفِينَ: ٦].
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في يَوْمِ القِيامَةِ أوْ في الجَمْعِ.
﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أصْدَقَ مِنهُ تَعالى في حَدِيثِهِ وخَبَرِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وبَيانٌ لِاسْتِحالَتِهِ؛ لِأنَّهُ نَقْصٌ وقَبِيحٌ؛ إذْ مَن كَذَبَ لَمْ يَكْذِبْ إلّا لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى أنْ يَجُرَّ مَنفَعَةً بِكَذِبِهِ أوْ يَدْفَعَ مَضَرَّةً، أوْ هو جاهِلٌ بِقُبْحِهِ، أوْ هو سَفِيهٌ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ في أخْبارِهِ، ولا يُبالِي بِأيِّهِما نَطَقَ، فَظَهَرَ اسْتِحالَةُ الكَذِبِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، والغَيْرُ - وإنْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى صِدْقِهِ - فَكَذِبُهُ مُمْكِنٌ إذا لَمْ يُنْظَرْ إلَيْها.
(p-١٤٣٤)فَوائِدُ:
الأُولى: قالَ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنّا بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦] أنْ لا يَصِيرَ الرَّجُلُ المُسَلِّمُ مَقْتُولًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] ثُمَّ بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الوَعِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ مُتَلازِمانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إشارَةٌ إلى العَدْلِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ١٨] وكَقَوْلِهِ في طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] [طه: ١٤] وهو إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] [طه: ١٥] وهو إشارَةٌ إلى العَدْلِ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَجْمَعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولا شَكَّ أنَّهُ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.
الوَجْهُ الثّانِي: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكم وحَيّاكم فاقْبَلُوا سَلامَهُ وأكْرِمُوهُ وعامِلُوهُ بِناءً عَلى الظّاهِرِ، فَإنَّ البَواطِنَ إنَّما يَعْرِفُها اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، إنَّما تَنْكَشِفُ بَواطِنُ الخَلْقِ لِلْخَلْقِ في يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إمّا خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ و(لَيَجْمَعَنَّكُمْ) إلَخْ ... جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها أوْ خَبَرٌ ثانٍ، وإمّا اعْتِراضٌ والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ.
الثّالِثَةُ: تَعْدِيَةُ (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) بِـ(إلى) لِكَوْنِهِ بِمَعْنى الحَشْرِ كَما بَيَّنّا، أوْ لِكَوْنِ (إلى) بِمَعْنى (فِي) كَما أثْبَتَهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences