Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:93, continued
قُلْتُ هُما مَحْمُولانِ عَلى عَدَمِ صُدُورِ التَّوْبَةِ مِنَ القاتِلِ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما في البابِ مِنَ الأدِلَّةِ القاضِيَةِ بِالقَبُولِ عُمُومًا وخُصُوصًا، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا حَدِيثُ الرَّجُلِ القاتِلِ لِلْمِائَةِ، الَّذِي تَنازَعَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ، وحَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ، فَإنَّهُما يُلْجِئانِ إلى المَصِيرِ إلى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ، ولا سِيَّما مَعَ ما قَدَّمْنا مِن تَأخُّرِ حَدِيثِ عُبادَةَ، (p-١٤٦٦)ومَعَ كَوْنِ الحَدِيثَيْنِ في الصَّحِيحَيْنِ بِخِلافِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ومُعاوِيَةَ، وأيْضًا في حَدِيثِ مُعاوِيَةَ نَفْسِهِ ما يُرْشِدُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، فَإنَّهُ جَعَلَ الرَّجُلَ القاتِلَ عَمْدًا مُقْتَرِنًا بِالرَّجُلِ الَّذِي يَمُوتُ كافِرًا، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي يَمُوتُ كافِرًا مُصِرًّا عَلى ذَنْبِهِ غَيْرَ تائِبٍ مِنهُ مِنَ المُخَلَّدِينَ في النّارِ، فَيُسْتَفادُ مِن هَذا التَّقْيِيدِ أنَّ التَّوْبَةَ تَمْحُو ذَنْبَ الكُفْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ القَرِينُ الَّذِي هو القَتْلُ أوْلى بِقَبُولِها.
وقَدْ قالَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ في "الكَشّافِ": إنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها مِنَ التَّهْدِيدِ والإبْعادِ والإبْراقِ والإرْعادِ أمْرٌ عَظِيمٌ وخَطْبٌ غَلِيظٌ، قالَ: ومِن ثَمَّ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما رُوِيَ، مِن أنَّ تَوْبَةَ قاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وعَنْ سُفْيانَ: كانَ أهْلُ العِلْمِ إذا سُئِلُوا قالُوا: لا تَوْبَةَ لَهُ، وذَلِكَ مَحْمُولٌ مِنهم عَلى الِاقْتِداءِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في التَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ، وإلّا فَكُلُّ ذَنْبٍ مَمْحُوٌّ بِالتَّوْبَةِ، وناهِيكَ بِمَحْوِ الشِّرْكِ دَلِيلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ: «لَزَوالُ الدُّنْيا أهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِن قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» وهو عِنْدَ النَّسائِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو، أخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، انْتَهى كَلامُ الشَّوْكانِيِّ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "الجَوابِ الكافِي": لَمّا كانَ الظُّلْمُ والعُدْوانُ مُنافِيَيْنِ لِلْعَدْلِ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، وأرْسَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رُسُلَهُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأنْزَلَ كُتُبَهُ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ - كانَ (أيِ: الظُّلْمُ) مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ عِنْدَ اللَّهِ، وكانَتْ دَرَجَتُهُ في العَظَمَةِ بِحَسَبِ مَفْسَدَتِهِ في نَفْسِهِ، وكانَ قَتْلُ الإنْسانِ المُؤْمِنِ مِن أقْبَحِ الظُّلْمِ وأشَدِّهِ، ثُمَّ قالَ: ولَمّا (p-١٤٦٧)كانَتْ مَفْسَدَةُ القَتْلِ هَذِهِ المَفْسَدَةَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٣٢].
ثُمَّ قالَ: وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: أوَّلُ ما يُنْتِنُ مِنَ الإنْسانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ لا يَأْكُلَ إلّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، ومَنِ اسْتَطاعَ أنْ لا يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِن دَمٍ أهْرَقَهُ فَلْيَفْعَلْ.
وفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ نافِعٍ، قالَ: نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ (p-١٤٦٨)بْنُ عُمَرَ يَوْمًا إلى الكَعْبَةِ فَقالَ: ما أعْظَمَكِ وأعْظَمَ حُرْمَتَكِ والمُؤْمِنُ أعْظَمُ حُرْمَةً مِنكِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَزالُ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرامًا» وذَكَرَ البُخارِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مِن ورَطاتِ الأُمُورِ الَّتِي لا مَخْرَجَ لِمَن أوْقَعَ نَفْسَهُ فِيها سَفْكُ الدَّمِ الحَرامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «سِبابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ وقِتالُهُ كُفْرٌ» .
وفِيهِما أيْضًا عَنْهُ ﷺ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ» .
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْهُ ﷺ: «مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عامًا» .
هَذِهِ عُقُوبَةُ قاتِلِ عَدُوِّ اللَّهِ، إذا كانَ مُعاهَدًا في عَهْدِهِ وأمانِهِ، فَكَيْفَ بِعُقُوبَةِ قاتِلِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ؟!
(p-١٤٦٩)وإذا كانَتِ امْرَأةٌ قَدْ دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حَتّى ماتَتْ جُوعًا وعَشَطًا، فَرَآها النَّبِيُّ ﷺ في النّارِ والهِرَّةُ تَخْدِشُها في وجْهِها وصَدْرِها، فَكَيْفَ عُقُوبَةُ مَن حَبَسَ مُؤْمِنًا حَتّى ماتَ بِغَيْرِ جُرْمٍ؟!
وفِي بَعْضِ السُّنَنِ عَنْهُ ﷺ: «لَزَوالُ الدُّنْيا أهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِن قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» .
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ أيْضًا قَبْلَ ذَلِكَ: وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَزاءَ قَتْلِ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ عَمْدًا الخُلُودَ في النّارِ، وغَضَبَ الجَبّارِ ولَعْنَتَهُ، وإعْدادَ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ، هَذا مُوجِبُ قَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ.
ولا خِلافَ أنَّ الإسْلامَ الواقِعَ بَعْدَ القَتْلِ - طَوْعًا واخْتِيارًا - مانِعٌ مِن نُفُوذِ ذَلِكَ الجَزاءِ، وهَلْ تَمْنَعُ تَوْبَةُ المُسْلِمِ مِنهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ؟ فِيهِ قَوْلانِ لِلسَّلَفِ والخَلَفِ، وهُما رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ.
والَّذِينَ قالُوا: لا تَمْنَعُ التَّوْبَةُ مِن نُفُوذِهِ رَأوْا أنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ لَمْ يَسْتَوْفِهِ في دارِ الدُّنْيا وخَرَجَ مِنهُ بِظُلامَتِهِ فَلا بُدَّ أنْ يُسْتَوْفى لَهُ في دارِ العَدْلِ، قالُوا: فَما اسْتَوْفاهُ الوارِثُ فَإنَّما اسْتَوْفى مَحْضَ حَقِّهِ الَّذِي خَيَّرَهُ اللَّهُ، مِنِ اسْتِيفائِهِ والعَفْوِ عَنْهُ، وما يَنْفَعُ المَقْتُولَ مِنِ اسْتِيفاءِ وارِثِهِ؟! وأيُّ اسْتِدْراكٍ لِظُلامَتِهِ حَصَلَ لَهُ بِاسْتِيفاءِ وارِثِهِ؟ وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في المَسْألَةِ أنَّ حَقَّ المَقْتُولِ لا يَسْقُطُ بِاسْتِيفاءِ الوارِثِ، وهي وجْهانِ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وغَيْرِهِما، ورَأتْ طائِفَةٌ أنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ واسْتِيفاءِ الوارِثِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ تَهْدِمُ ما قَبْلَها، والذَّنْبَ الَّذِي قَدْ جَناهُ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ.
قالُوا: وإذا كانَتِ التَّوْبَةُ تَمْحُو أثَرَ الكُفْرِ والسِّحْرِ - وهُما أعْظَمُ إثْمًا مِنَ القَتْلِ - فَكَيْفَ تَقْصُرُ عَنْ مَحْوِ أثَرِ القَتْلِ؟ وقَدْ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَةَ الكُفّارِ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلِياءَهُمْ، وجَعَلَهم مِن خِيارِ عِبادِهِ، ودَعا الَّذِينَ أحْرَقُوا أوْلِياءَهُ وفَتَنُوهم عَنْ دِينِهِمْ ودَعاهم إلى التَّوْبَةِ.
(p-١٤٧٠)وقالَ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وهَذا في حَقِّ القاتِلِ، وهي تَتَناوَلُ الكُفْرَ فَما دُونَهُ، قالُوا: وكَيْفَ يَتُوبُ العَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ ويُعاقَبُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؟ هَذا مَعْلُومٌ انْتِفاؤُهُ في شَرْعِ اللَّهِ وجَزائِهِ، قالُوا: وتَوْبَةُ هَذا المُذْنِبِ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ، ولا يُمْكِنُ تَسْلِيمُها إلى المَقْتُولِ، فَأقامَ الشّارِعُ ولِيَّهُ مَقامَهُ، وجَعَلَ تَسْلِيمَ النَّفْسِ إلَيْهِ كَتَسْلِيمِها إلى المَقْتُولِ، بِمَنزِلَةِ تَسْلِيمِ المالِ الَّذِي عَلَيْهِ لِوارِثِهِ، فَإنَّهُ يَقُومُ مَقامَ تَسْلِيمِهِ لِلْمَوْرُوثِ.
والتَّحْقِيقُ في المَسْألَةِ أنَّ القَتْلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ:
حَقٌّ لِلَّهِ، وحَقٌّ لِلْمَظْلُومِ المَقْتُولِ، وحَقٌّ لِلْوَلِيِّ، فَإذا سَلَّمَ القاتِلُ نَفْسَهُ طَوْعًا واخْتِيارًا إلى الوَلِيِّ؛ نَدَمًا عَلى ما فَعَلَ، وخَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وتَوْبَةً نَصُوحًا - فَقَطَعَ حَقَّ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ، وحَقَّ الوَلِيِّ بِالِاسْتِيفاءِ أوِ الصُّلْحِ أوِ العَفْوِ، وبَقِيَ حَقُّ المَقْتُولِ يُعَوِّضُهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ عَبْدِهِ التّائِبِ المُحْسِنِ، ويُصْلِحُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَلا يَبْطُلُ حَقُّ هَذا ولا تَبْطُلُ تَوْبَةُ هَذا.
* *
فَصْلٌ
ومِنَ العُلَماءِ مَنِ اخْتارَ التَّوَقُّفَ في هَذا المَقامِ، مِنهُمُ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ المُرْتَضى اليَمانِيُّ، فَإنَّهُ قالَ في كِتابِهِ: "إيثارُ الحَقِّ" في (بَحْثِ الوَعْدِ والوَعِيدِ) ما نَصُّهُ: لا شَكَّ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَخْصِيصَ العُمُوماتِ بِالأدِلَّةِ المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ مَقْبُولٌ، إمّا عَلى جِهَةِ الجَمْعِ - ولا شَكَّ في جَوازِهِ وصِحَّتِهِ وحُسْنِهِ - والإجْماعِ عَلى ذَلِكَ وكَثْرَةِ وُقُوعِهِ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ وخَلَفِها، بَلْ لا شَكَّ في تَقْدِيمِهِ في الرُّتْبَةِ والبِدايَةِ بِذَلِكَ قَبْلَ التَّرْجِيحِ، فَإنْ تَعَذَّرَ الجَمْعُ فالتَّرْجِيحُ، فَإنَّ وُضِّحَ عُمِلَ بِهِ، فَإنْ لَمْ يَتَّضِحْ وجَبَ الوَقْفُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] [الإسْراءِ: ٣٦].
ولِذَلِكَ اخْتَرْتُ الوَقْفَ في حُكْمِ قاتِلِ المُؤْمِنِ بَعْدَ الِانْتِصافِ مِنهُ لِلْمَظْلُومِ (p-١٤٧١)والقَطْعَ عَلى أنَّهُ فاسِقٌ مَلْعُونٌ، واجِبٌ قَتْلُهُ والبَراءَةُ مِنهُ، والقَطْعُ أنَّ جَزاءَهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها، كَما قالَ تَعالى عَلى ما أرادَ، وإنَّما وقَفْتُ في مَحَلِّ التَّعارُضِ الَّذِي أوْضَحْتُهُ في "العَواصِمِ" لا عَلى حَسَبِ ما قِيلَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ بَيَّنَ جَزاءَهُ الَّذِي لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ إنْ شاءَ؟ أوْ بَيَّنَ جَزاءَهُ الَّذِي تَخَيَّرَ لَهُ في تَنْجِيزِهِ حِينَ لَمْ يَبْقَ إلّا حَقُّهُ بَعْدَ اسْتِيفاءِ حَقِّ المَظْلُومِ المَقْتُولِ؟ واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.
فَمَن رَجَّحَ الجَمْعَ بَيْنَ وعِيدِ القاتِلِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٤٨] وسائِرِ آياتِ الرَّجاءِ وأحادِيثِهِ - قالَ بِالأوَّلِ، ومَن رَجَّحَ وعِيدَ القاتِلِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي الأحادِيثِ المُخَصِّصَةِ لِقَتْلِ المُؤْمِنِ بِقَطْعِ الرَّجاءِ - كَما أوْضَحْتُهُ في "العَواصِمِ" - رَجَّحَ وعِيدَ القاتِلِ، ومَن تَعارَضَتْ عَلَيْهِ ولَمْ يَرَ في تَنْجِيزِ الِاعْتِقادِ مَصْلَحَةً ولا لَهُ مُوجِبًا ولا إلَيْهِ ضَرُورَةً - رَجَّحَ الوَقْفَ، واللَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ ونِيَّتِهِ، ولا شَكَّ في تَرْجِيحِ النَّصِّ الخاصِّ عَلى العُمُومِ وتَقْدِيمِهِ، وعَلَيْهِ عَمَلُ عُلَماءِ الإسْلامِ في أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ، ومَن لَمْ يُقَدِّمْهُ في بَعْضِ المَواضِعِ لَمْ يُمْكِنْهُ الوَفاءُ بِذَلِكَ في كُلِّ مَوْضِعٍ، واضْطَرَّ إلى التَّحَكُّمِ والتَّلَوُّنِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَدْ أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى تَخْصِيصِ الصَّغائِرِ مِن آياتِ الوَعِيدِ العامَّةِ عَلى جَمِيعِ المَعاصِي، مَتى كانَ أهْلُ الصَّغائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن ذَلِكَ خُلْفٌ في آياتِ الوَعِيدِ ولا كَذِبٌ ولا تَكْذِيبٌ لِشَيْءٍ مِنها، فَكَذَلِكَ سائِرُ ما صَحَّ مِن أحادِيثِ الرَّجاءِ لَيْسَ فِيهِ مُناقَضَةٌ لِعُمُوماتِ آياتِ الوَعِيدِ، ولا يَسْتَلْزِمُ تَجْوِيزَ الخُلْفِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بابٌ واحِدٌ.
ولِذَلِكَ اشْتُهِرَتْ أحادِيثُ الرَّجاءِ في عَصْرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، ولَمْ يُنْكِرْها أحَدٌ، بَلْ رُواتُها أكابِرُهم وأئِمَّتُهُمْ، وفي "العَواصِمِ" مِن ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِضْعَةَ عَشَرَ أثَرًا، بَلِ المُخَصِّصاتُ لِلْعُمُوماتِ في ذَلِكَ قُرْآنِيَّةٌ، وعُمُوماتُ الوَعْدِ مانِعَةٌ قَبْلَ تَخْصِيصِ الوَعِيدِ مِنَ الجَزْمِ عَلى وُقُوعِ عُمُومِهِ دُونَ عُمُومِ الوَعْدِ، عَلى أنَّ الخُلْفَ (p-١٤٧٢)عِنْدَ جَماعاتٍ كَثِيرَةٍ لا يَكُونُ إلّا في عَدَمِ الوَفاءِ بِالوَعْدِ بِالخَيْرِ، وأمّا الوَعِيدُ بِالشَّرِّ فَقَدِ اخْتُلِفَ في تَرْكِهِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُسَمّى عَفْوًا، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ.
؎أُنْبِئْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أوْعَدَنِي والعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
وإنَّما اخْتَلَفُوا - مَعَ تَسْمِيَتِهِ عَفْوًا - هَلْ يُسَمّى خُلْفًا أمْ لا؟ ومَن مَنَعَ مِن ذَلِكَ مَنَعَ صِحَّةَ النَّقْلِ لَهُ لُغَةً، واحْتَجَّ عَلى امْتِناعِهِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ اجْتِماعُ اسْمِ مَدْحٍ واسْمُ ذَمٍّ عَلى مُسَمًّى واحِدٍ. انْتَهى.
* *
فَصْلٌ
تُشْرَعُ الكَفّارَةُ في قَتْلِ العَمْدِ؛ لِما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ واثِلَةَ بْنَ الأسْقَعِ قالَ: «أتى النَّبِيَّ ﷺ نَفَرٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، فَقالُوا: إنَّ صاحِبًا لَنا قَدْ أوْجَبَ، قالَ: فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً يَفْدِي اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها (p-١٤٧٣)عُضْوًا مِنهُ مِنَ النّارِ» .
ورَواهُ أيْضًا بِسَنَدٍ آخَرَ عَنْهُ، قالَ: «أتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في صاحِبٍ لَنا قَدْ أوْجَبَ، قالَ: أعْتِقُوا عَنْهُ، يُعْتِقِ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنهُ عُضْوًا مِنَ النّارِ» .
وهَذا رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، ولَفْظُ أبِي داوُدَ: «قَدْ أوْجَبَ (يَعْنِي النّارَ) بِالقَتْلِ» .
قالَ الشَّوْكانِيُّ في "نَيْلِ الأوْطارِ": في حَدِيثِ واثِلَةَ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الكَفّارَةِ في قَتْلِ العَمْدِ، وهَذا إذا عُفِيَ عَنِ القاتِلِ أوْ رَضِيَ الوارِثُ بِالدِّيَةِ، وأمّا إذا اقْتُصَّ مِنهُ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ بَلِ القَتْلُ كَفّارَتُهُ؛ لِحَدِيثِ عُبادَةَ المَذْكُورِ في البابِ، ولِما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في "المَعْرِفَةِ": «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: القَتْلُ كَفارَّةٌ» وهو مِن حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ.
قالَ الحافِظُ: لَكِنَّهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ وهْبٍ عَنْهُ فَيَكُونُ حَسَنًا، ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى عَمّا يُؤَدِّي إلى القَتْلِ العَمْدِ مِن قِلَّةِ المُبالاةِ في الأُمُورِ بِقَوْلِهِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences