Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
فصلت
Fussilat
Explained in Detail · Meccan · 54 ayahs
41:1–2Page 477
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢
[This is] a revelation from the Entirely Merciful, the Especially Merciful -
(p-٥١٨٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ فُصِّلَتْ
(حم السَّجْدَةِ) سُمِّيَتْ بِها لِاشْتِمالِها عَلى آيَةِ سَجْدَةٍ. تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ المَظاهِرِ بِالكُلِّيَّةِ. وأنَّ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ بِذاتِهِ أجَلَّ العِباداتِ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ.
(p-٥١٨٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١، ٢] ﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] .
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] قالَ أبُو السُّعُودِ: إنْ جُعِلَ: { حم } اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهو إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو الأظْهَرُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: { تَنْزِيلٌ } وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وخَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، إنْ جُعِلَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] مُتَعَلِّقٌ بِهِ، مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ، بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ. أوْ خَبَرٌ آخَرُ. أوْ: { تَنْزِيلٌ } مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، خَبَرُهُ: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ [فصلت: ٣]
41:3Page 477
كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣
A Book whose verses have been detailed, an Arabic Qur’ān1 for a people who know,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣] ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿كِتابٌ﴾ وهو عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَدارٌ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، واقِعٌ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ: بُيِّنَتْ بِالِاشْتِمالِ عَلى جَمِيعِ المَطالِبِ الدِّينِيَّةِ، مَعَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ يَتَيَسَّرُ فِيهِ مِن جَمِيعِ الفَوائِدِ ما لا يَتَيَسَّرُ في غَيْرِهِ. وانْتِصابُ: { قُرْآنًا } عَلى المَدْحِ، أوِ الحالِيَّةِ مِن: { كِتابٌ } لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ مِن: { آياتُهُ }: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِقْدارَهُ ومَعانِيهِ، أوْ لِأهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ.
41:4Page 477
بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤
As a giver of good tidings and a warner; but most of them turn away, so they do not hear.
(p-٥١٨٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤] ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ .
﴿بَشِيرًا﴾ أيْ: لِلْعامِلِينَ بِهِ، النّاظِرِينَ فِيهِ، والمُسْتَخْرَجِينَ مِنهُ، بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ: ﴿ونَذِيرًا﴾ أيْ: لِلْمُعْرِضِينَ عَنْهُ بِخُلُودِ الأبَدِ في نارِ جَهَنَّمَ: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ القَوْمِ، الَّذِينَ أُنْزِلَ هَذا القُرْآنُ بَشِيرًا ونَذِيرًا لَهُمْ، فَلَمْ يَتَدَبَّرُوهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: لا يَصْغُونَ لَهُ، عُتُوًّا واسْتِكْبارًا.
41:5Page 477
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥
And they say, "Our hearts are within coverings [i.e., screened] from that to which you invite us, and in our ears is deafness, and between us and you is a partition, so work;1 indeed, we are working."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥] ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ .
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: أغْطِيَةٍ مُتَكاثِفَةٍ، لا يَصِلُ إلَيْها شَيْءٌ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، مِنَ التَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ ما في هَذا القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ، والنَّهْيِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ، لا نَسْمَعُ ذَلِكَ، اسْتِثْقالًا لَهُ وكَراهِيَةً: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ: فَلا تَواصُلَ ولا تَلاقِيَ عَلى ما نُدْعى إلَيْهِ: ﴿فاعْمَلْ﴾ أيْ: عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، وانْصَبْ لَهُ: ﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيْ: عَلى ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا.
41:6–8Page 477
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦
Say, [O Muḥammad], "I am only a man like you to whom it has been revealed that your god is but one God; so take a straight course to Him and seek His forgiveness." And woe to those who associate others with Allāh –
ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧
Those who do not give zakāh, and in the Hereafter they are disbelievers.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them is a reward uninterrupted.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨] ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] .
(p-٥١٨٨)﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، وإخْلاصِ العِبادَةِ، مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الباطِلِ، والسُّبُلِ المُتَفَرِّقَةِ.
﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ: بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] أيْ: لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم. بِطاعَةِ اللَّهِ، أوْ لا يُنْفِقُونَ مِن أمْوالِهِمْ زَكاتَها. وهَذا ما رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ذَهابًا إلى أنَّ ذَلِكَ هو الأشْهَرُ مِن مَعْنى الزَّكاةِ. لاسِيَّما مَعَ ضَمِيمَةِ الإيتاءِ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن أخَصِّ صِفاتِ الكُفّارِ هو مَنعُ الزَّكاةِ، لِيُحَذِّرَ المُؤْمِنُونَ مِنَ ارْتِكابِهِ. وعَنْ قَتادَةَ: إنَّ الزَّكاةَ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ. فَمَن قَطَعَها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عَنْها هَلَكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ كانَ أهْلُ الرِّدَّةِ بَعْدَ نَبِيِّ اللَّهِ، قالُوا: أمّا الصَّلاةُ فَنُصَلِّي. وأمّا الزَّكاةُ، فَواللَّهِ! لا تُغْصَبُ أمْوالُنا. قالَ فَقالَأبُو بَكْرٍ: واللَّهِ! لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ. واللَّهِ! لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا مِمّا فَرَضَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، لَقاتَلْناهم عَلَيْهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٧] أيْ: بِإحْيائِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ لِلْمُجازاةِ: ﴿هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أيْ: عَلَيْهِمْ، أوْ غَيْرُ مَنقُوصٍ، أوْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، أوْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ.
41:9–10Page 477
۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩
Say, "Do you indeed disbelieve in He who created the earth in two days and attribute to Him equals? That is the Lord of the worlds."
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠
And He placed on it [i.e., the earth] firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction1 - for [the information of] those who ask.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩، ١٠] ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] .
﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: في مِقْدارِهِما (p-٥١٨٩)وعِلْمِهِمْ بِصِلَةِ المَوْصُولِ، أمّا لِما تَلَقَّوْهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، فاسْتَفاضَ بَيْنَهم. أوْ لِما سَمِعُوهُ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، كالتَّوْراةِ، فَأذْعَنَتْ بِذَلِكَ نُفُوسُهُمْ، حَتّى صارَ مَعْهُودًا لَها: ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أكْفاءَ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ: ﴿مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: أكْثَرَ خَيْرَها: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: مُسْتَوِيَةً بِالِامْتِزاجِ والِاعْتِدالِ، لِلطّالِبِينَ لِلْأقْواتِ والمُعايِشِ؛ أيْ: قَدَّرَها لَهُمْ، أوْ لِمَن سَألَ عَنْ مَبْلَغِ الأجَلِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الأرْضَ، وجَعَلَ فِيها الرَّواسِيَ والبَرَكَةَ، وتَقْدِيرَ الأقْواتِ. فَحَدَّهُ، كَما أخْبَرَ تَعالى، وأنَّهُ أرْبَعَةُ أيّامٍ.
41:11Page 477
ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١
Then He directed Himself1 to the heaven while it was smoke and said to it and to the earth, "Come [into being],2 willingly or by compulsion." They said, "We have come willingly."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١] ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: قَصَدَ إلى إيجادِهِما. وثُمَّ، لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ في الإحْكامِ وعَدَمِهِ، واخْتِلافِهِما في الجِهَةِ والجَوْهَرِ، لا لِلتَّراخِي في الزَّمانِ؛ إذْ لا زَمانَ هُناكَ. قالَهُ القاشانِيُّ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ثُمَّ ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ، أيْ: بِلا تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ: ﴿وهِيَ دُخانٌ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: جَوْهَرٌ لَطِيفٌ بِخِلافِ الجَواهِرِ الكَثِيفَةِ الثَّقِيلَةِ الأرْضِيَّةِ. وقالَ القاضِي: (دُخانٌ) أمْرٌ ظُلْمانِيٌّ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ مادَّتَها، أوِ الأجْزاءَ المُصَغَّرَةَ الَّتِي رُكِّبَتْ مِنها، وأصْلُهُ لِلرّازِيِّ حَيْثُ قالَ: لَمّا خَلَقَ تَعالى الأجْزاءَ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ، فَقَبْلَ أنْ خَلَقَ فِيها كَيْفِيَّةَ الضَّوْءِ، كانَتْ مُظْلِمَةً عَدِيمَةَ النُّورِ، ثُمَّ لَمّا رَكَّبَها وجَعَلَها سَماواتٍ، وكَواكِبَ، وشَمْسًا، وقَمَرًا، وأحْدَثَ صِفَةَ (p-٥١٩٠)الضَّوْءِ فِيها، فَحِينَئِذٍ صارَتْ مُسْتَنِيرَةً. فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ، حِينَ قَصَدَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَ مِنها السَّماواتِ، والشَّمْسَ، والقَمَرَ، كانَتْ مُظْلِمَةً. فَصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالدُّخانِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّخانِ إلّا أجْزاءٌ مُتَفَرِّقَةٌ، غَيْرُ مُتَواصِلَةٍ، عَدِيمَةُ النُّورِ. ثُمَّ قالَ: فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وهِيَ دُخانٌ﴾ أيْ: ذَرّاتٌ، أيْ: غازاتٌ؛ أيْ: سَدِيمٌ. ثُمَّ تَجاذَبَتْ كَما يَجْتَمِعُ السَّحابُ فَصارَتْ كُتْلَةً واحِدَةً. مِصْداقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] أيْ: كُتْلَةً واحِدَةً، فَدارَتْ ثُمَّ تَقَطَّعَتْ، وتَفَصَّلَتْ بِالقُوَّةِ الدّافِعَةِ، فَتَكَوَّنَتِ الأرْضُ والسَّماواتُ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] أيْ: فَصَلْناهُما، فَصارَتا كُراتٍ مِنَ الماءِ في يَوْمَيْنِ، أيْ: ألْفَيْ سَنَةٍ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] وفي هَذا الوَقْتِ كانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ. أيْ: كانَ مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ عَلى الماءِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعَلَّقَ أمْرُهُ وإرادَتُهُ بِإيجادِهِما، فَوُجِدَتا في الحالِ مَعًا. كالمَأْمُورِ المُطِيعِ، إذا ورَدَ عَلَيْهِ أمْرُ الآمِرِ المُطاعِ لَمْ يَلْبَثْ في امْتِثالِهِ. وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ؛ إذْ لا قَوْلَ ثَمَّةَ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قالَ اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُهُ لِلسَّماءِ والأرْضِ: جِيئا بِما خَلَقْتُ فِيكُما. أمّا أنْتَ يا سَماءُ، فَأطْلِعِي ما خَلَقْتُ فِيكِ مِنَ الشَّمْسِ، والقَمَرِ، والنُّجُومِ. وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَأخْرِجِي ما خَلَقْتُ فِيكِ مِنَ الأشْجارِ، والثِّمارِ، والنَّباتِ، وتَشَقَّقِي عَنِ الأنْهارِ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: جِئْنا بِما أحْدَثْتَ فِينا مِن خَلْقِكَ، مُسْتَجِيبِينَ لِأمْرِكَ، لا نَعْصِي أمْرَكَ. انْتَهى.
يَعْنِي أنَّ إثْباتَ المُقاوَلَةِ مَعَ السَّماءِ والأرْضِ مِنَ المَجازِ. إمّا بِالِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. كَما تَقُولُ: (p-٥١٩١)(نَطَقَتِ الحالُ). فَتُجْعَلُ الحالَ كَإنْسانٍ يَتَكَلَّمُ في الدَّلالَةِ، ثُمَّ يُتَخَيَّلُ لَهُ النُّطْقُ الَّذِي هو لازِمُ المُشَبَّهِ بِهِ، ويُنْسَبُ إلَيْهِ. وإمّا بِالِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنْ شَبَّهَ فِيهِ حالَةَ السَّماءِ والأرْضِ الَّتِي بَيْنَهُما وبَيْنَ خالِقِهِما، في إرادَةِ تَكْوِينِهِما وإيجادِهِما، بِحالَةِ أمِيرٍ ذِي جَبَرُوتٍ لَهُ نَفاذٌ في سُلْطانِهِ، وإطاعَةٌ مِن تَحْتِ تَصَرُّفِهِ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ.
وقَدْ رَدَّ غَيْرُ واحِدٍ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ في الجَماداتِ تَمْيِيزًا ونُطْقًا عَلى ظاهِرِ أمْثالِ هَذِهِ النُّصُوصِ، مِنهُمُ ابْنُ حَزْمٍ. قالَ في (الفِصَلِ): وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ فَقَدْ عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ والمُشاهَدَةِ أنَّ القَوْلَ في اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، إنَّما هو دَفْعُ آلاتِ الكَلامِ مِن أنابِيبِ الصَّدْرِ، والحَلْقِ، والحَنَكِ، واللِّسانِ، والشَّفَتَيْنِ، والأضْراسِ، بِهَواءٍ يَصِلُ إلى آذانِ السّامِعِ، فَيَفْهَمُ بِهِ مُراداتِ القائِلِ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا، فَلِكُلِّ مَن لا لِسانَ لَهُ، ولا شَفَتَيْنِ، ولا أضْراسَ، ولا حَنَكَ، ولا حَلْقَ، فَلا يَكُونُ مِنهُ القَوْلُ المَعْهُودُ مِنّا. هَذا مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ ذُو عَقْلٍ. فَإذا هَذا هَكَذا كَما قُلْنا بِالعِيانِ، فَكُلُّ قَوْلٍ ورَدَ بِهِ نَصٌّ ولَفْظٌ مُخْبِرٌ بِهِ عَمَّنْ لَيْسَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ هو القَوْلَ المَعْهُودَ عِنْدَنا. لَكِنَّهُ مَعْنًى آخَرُ. فَإذْ هَذا كَما ذَكَرْنا، فَبِالضَّرُورَةِ صَحَّ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ إنَّما هو عَلى نَفاذِ حُكْمِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَصْرِيفِهِ لَهُما. انْتَهى.
وكَذا الحالُ فِي: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ فَإنَّهُما لَمّا نُزِّلا وهُما مِنَ الجَماداتِ- مَنزِلَةَ العُقَلاءِ، إذْ أُمِرا وخُوطِبا عَلى طَرِيقِ المَكْنِيَّةِ، أوِ التَّمْثِيلِيَّةِ، أثْبَتَ لَهُما ما هو مِن صِفاتِ العُقَلاءِ مِنَ الطَّوْعِ والكَرْهِ تَرْشِيحًا. وهُما مُؤَوَّلانِ بِ: (طائِعٍ وكارِهٍ)؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَقَعُ حالًا بِدُونِ ذَلِكَ، ويَجُوزُ كَوْنُهُما مَفْعُولًا مُطْلَقًا. وإنَّما قالَ: ﴿طائِعِينَ﴾ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ مَعَ اخْتِصاصِهِ بِالعُقَلاءِ الذُّكُورِ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ (طائِعاتٍ)، أوْ (طائِعَتَيْنِ) نَظَرًا إلى الخِطابِ، والإجابَةِ، والوَصْفِ بِالطَّوْعِ، والكُرْهِ.
41:12Page 478
فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢
And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
(p-٥١٩٢)﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: أحْكَمَهُنَّ بِإزالَةِ رَخاوَةِ الدُّخانِ. قالَ المَهايِمِيُّ ولَمْ يُجْعَلْ لِمادَّتِها يَوْمًا؛ لِأنَّها كَمادَّةِ الأرْضِ. فَدَخَلَتْ في يَوْمِها: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ أيْ: ما أمَرَ بِهِ فِيها، ودَبَّرَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، والخَلْقِ الَّذِي فِيها، وما لا يُعْلَمُ: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ فَإنَّها كالسَّقْفِ المَرْفُوعِ المُزَيَّنِ بِمَصابِيحَ مُعَلَّقَةٍ بِهِ، ما يَدْعُو إلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى قُدْرَةِ صانِعِها وحِكْمَتِهِ: ﴿وحِفْظًا﴾ أيْ: مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْتَرِقَ أخْبارَها: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾
41:13Page 478
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣
But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٣] ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ .
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ، وعَنِ الإيمانِ بِهَذا العَزِيزِ الغالِبِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي اقْتَضى عِلْمُهُ تَرْتِيبَ بَعْضِ الأُمُورِ: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ لِأنَّكم مِثْلُهُما في العِنادِ، ومِثْلَ عادٍ في الِاسْتِكْبارِ، ومِثْلَ ثَمُودَ في اسْتِحْبابِ العَمى عَلى الهُدى. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ بَيَّنّا فِيما مَضى أنَّ مَعْنى الصّاعِقَةِ كُلُّ ما أفْسَدَهُ الشَّيْءُ، وغَيَّرَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ. وقِيلَ في هَذا المَوْضُوعِ: عُنِيَ بِها وقْعَةٌ مِنَ اللَّهِ وعَذابٌ.
41:14–16Page 478
إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤
[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."
فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥
As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦
So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٦] ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْـزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] .
(p-٥١٩٣)﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: أتَوْهم مِن كُلِّ جانِبٍ، واجْتَهَدُوا بِهِمْ، وأعْمَلُوا فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، فَلَمْ يَرَوْا مِنهم إلّا العُتُوَّ، والإعْراضَ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهم مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَأُعْلِمَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، وتَقُولُ: (اسْتَدَرْتُ بِفُلانٍ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ حِيلَةٌ).
وحاصِلُهُ جَعْلُ الجِهَتَيْنِ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، عَلى ما عُرِفَ في مِثْلِهِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، بَذْلُ الوُسْعِ في دَعْوَتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: جاءُوهم بِالوَعْظِ مِن جِهَةِ الزَّمَنِ الماضِي، وما جَرى فِيهِ عَلى الكُفّارِ، ومِن جِهَةِ المُسْتَقْبَلِ، وما سَيَجْرِي عَلَيْهِمْ. فالمُرادُ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الزَّمَنُ الماضِي، وبِما خَلْفَهُمُ المُسْتَقْبَلُ. ويَجُوزُ فِيهِ العَكْسُ، كَما ذُكِرَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: إرْسالَ رَسُولٍ: ﴿لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ بِما تَدْعُونَنا إلَيْهِ: ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ: ﴿كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أيْ: حَتّى نَخافَ عَذابَهُ، لَوْ تَرَكْنا عِبادَتَهُ، أوْ عَبَدْنا مَعَهُ غَيْرَهُ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أيْ: فَيَجِبُ أنْ يُحْذَرَ عِقابُهُ ويُتَّقى عَذابُهُ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا﴾ [فصلت: ١٥] أيِ: الَّتِي هي أقْوى الدَّلائِلِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: لِعُتُوِّهِمْ بِالقُوَّةِ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: شَدِيدَةَ الصَّوْتِ في هُبُوبِها: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: مَشْؤُوماتٍ عَلَيْهِمْ: ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] أيْ: في الأُخْرى، كَما لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّازِيُّ: اسْتَدَلَّ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأيّامِ قَدْ يَكُونُ (p-٥١٩٤)نَحْسًا وبَعْضُها قَدْ يَكُونُ سَعْدًا؛ لِأنَّ النَّحْسَ يُقابِلُهُ السَّعْدُ، والكَدَرُ يُقابِلُهُ الصّافِي. ثُمَّ أطالَ الرّازِيُّ في الجَوابِ والإيرادِ. ولا يَخْفى أنَّ السَّعْدَ والنَّحْسَ إنَّما هو أمْرٌ إضافِيٌّ لا ذاتِيٌّ. وإلّا لَكانَ اليَوْمَ الَّذِي يَراهُ المُنَجِّمُونَ نَحْسًا، مَشْؤُومُ الطّالِعَ عَلى كُلِّ ما أشْرَقَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وكَذا ما يَرَوْنَهُ سَعْدًا، والواقِعُ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ إذِ اليَوْمُ النَّحْسُ عِنْدَ زَيْدٍ، قَدْ يَكُونُ سَعْدًا عِنْدَ بَكْرٍ. بَلِ السّاعَةُ بَلِ الدَّقِيقَةُ. فَأيْنَ تِلْكَ الدَّعْوى؟ والقُرْآنُ أتى عَلى أُسْلُوبِ العَرَبِ البَدِيعِ. ومِن لَطائِفِهِمْ تَسْمِيَةُ وقْتِ الشِّدَّةِ، والبُؤْسِ بِالنَّحْسِ، ومُقابِلِها بِالسَّعْدِ. فالنَّحْسُ نَحْسٌ عَلى صاحِبِهِ، والسَّعْدُ سَعْدٌ عَلى صاحِبِهِ.
41:17Page 478
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٧
And as for Thamūd, We guided them, but they preferred blindness over guidance, so the thunderbolt of humiliating punishment seized them for what they used to earn.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧] ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الحَقِّ، وطَرِيقَ الرُّشْدِ، ونَهَيْناهم أنْ يَتَّبِعُوا الضَّلالَةَ، وأمَرْناهم أنْ يَقْتَفُوا الهُدى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الآثامِ، بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ.
41:18Page 478
وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ١٨
And We saved those who believed and used to fear Allāh.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨] ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .
﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ويَخافُونَ وعِيدَهُ. وذَلِكَ بِالإيمانِ بِهِ وحْدَهُ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ.
41:19Page 478
وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩
And [mention, O Muḥammad], the Day when the enemies of Allāh will be gathered to the Fire while they are [driven], assembled in rows,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩] ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ .
﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ يُجْمَعُ، لِمَزِيدِ الفَضِيحَةِ، (p-٥١٩٥)بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، أعْداءُ اللَّهِ المُشْرِكُونَ والجاحِدُونَ، إلى النّارِ فَيَجِيءُ أوَّلُهم عَلى أخِرِهِمْ، لِيَتِمَّ إلْزامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، فَلا يَبْقى لَهم مَقالٌ لَهُمْ؛ لِأنَّهم لا يَزالُونَ يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
41:20Page 478
حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠
Until, when they reach it, their hearing and their eyes and their skins will testify against them of what they used to do.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠] ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: فَبالَغُوا في إنْكارِ المُخالَفَةِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّهم سَمِعُوا الحُجَجَ فَأعْرَضُوا عَنْها، وسَمِعُوا الشُّبَهَ فاتَّبَعُوها، وسَمِعُوا الفَواحِشَ فاسْتَحْسَنُوها: ﴿وأبْصارُهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّهم رَأوُا الآياتِ فَلَمْ يَعْتَبِرُوها، ورَأوُا القَبائِحَ فاخْتارُوها: ﴿وجُلُودُهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّهم باشَرُوا المَعاصِيَ، فَوَصَلَ أثَرُها إلى القُوَّةِ اللّامِسَةِ مِنهُمْ، فَيَشْهَدُ كُلُّ عُضْوٍ وجُزْءٍ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences