Al-QasimiAsh‑Shuraa · 42:24–47

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:24–47

42:24Page 486

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٤

Or do they say, "He has invented about Allāh a lie"? But if Allāh willed, He could seal over your heart.1 And Allāh eliminates falsehood and establishes the truth by His words. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: بِدَعْوى النُّبُوَّةِ والوَحْيِ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لَوِ افْتَرَيْتَ عَلَيْهِ كَذِبًا كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ الجاهِلُونَ، يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ، أيْ: يَطْبَعُ عَلى قَلْبِكَ ويَسْلُبُكَ ما كانَ آتاكَ مِنَ القُرْآنِ. كَقَوْلِهِ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] أيْ: لانْتَقَمْنا مِنهُ أشَدَّ الِانْتِقامِ، وما قَدَرَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ أنْ يَحْجِزَ عَنْهُ. انْتَهى.

وهَذا تَفْسِيرٌ بِالأشْباهِ والنَّظائِرِ مِنَ الآياتِ، يُؤْثِرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الأئِمَّةِ، ما وجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا؛ فَإنَّ التَّنْزِيلَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ومَآلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى، كَما أوْضَحَهُ أبُو السُّعُودِ، هو الِاسْتِشْهادُ عَلى بُطْلانِ ما قالُوا، بِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ تَعالى، لَمَنَعَهُ مِن ذَلِكَ قَطْعًا، فَخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ مَعْنًى مِن مَعانِيهِ، ولَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ. وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ. بَلْ تَواتَرَ الوَحْيُ حِينًا فَحِينًا، تَبَيَّنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ، حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ؛ فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ. وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وإنَّهُ في البُعْدِ مِثْلَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، والدُّخُولِ في الجُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى (p-٥٢٤٣)قُلُوبِهِمْ. ومِثْلُ هَذا أنْ يُخَوَّنَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي. لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي. وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُ رُكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. انْتَهى.

قالَ الشِّهابُ: فَمَعْناهُ إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ كَما فَعَلَ بِهِمْ. فَهو تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَذْكِيرٌ لِإحْسانِهِ إلَيْهِ وإكْرامِهِ، لِيَشْكُرَ بِهِ ويَتَرَحَّمَ عَلى مَن خُتِمَ عَلى قَلْبِهِ، فاسْتَحَقَّ غَضَبَ رَبِّهِ، ولَوْلا ذَلِكَ ما اجْتَرَأ عَلى نِسْبَتِهِ لَما ذُكِرَ؛ ولِذا أتى (بِإنْ)، في مَوْضِعِ (لَوْ)، إرْخاءً لِلْعِنانِ، وتَلْمِيحًا لِلْبُرْهانِ. عَلى أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ وصْفُهُ بِما ذَكَرُوهُ. فالتَّفْرِيعُ بِالنَّظَرِ لِلْمَعْنى المُكَنّى عَنْهُ، وحاصِلُهُ أنَّهم اجْتَرَؤُوا عَلى هَذا المُحالِ؛ لِأنَّهُ مَطْبُوعُونَ عَلى الضَّلالِ. انْتَهى.

﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِنَفْيِ الِافْتِراءِ عَمّا يَقُولُهُ ﷺ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ مُفْتَرًى لَمَحَقَهُ؛ إذْ مِن سُنَّتِهِ تَعالى مَحْوُ الباطِلِ وإثْباتُ الحَقِّ بِوَحْيِهِ.

فَلَيْسَ: (يَمْحُ)، مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى الجَزاءِ، بَلْ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ، والكَلامِ السّابِقِ، ولِذا أُعِيدَ لَفْظُ الجَلالَةِ، ورُفِعَ (يُحِقُّ). قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ، وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِن نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيَجْرِي الأمْرُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.

42:25Page 486

وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٢٥

And it is He who accepts repentance from His servants and pardons misdeeds, and He knows what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ .

﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ رُجُوعَهُ إذا راجَعَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وطاعَتَهُ، مِن بَعْدِ كُفْرِهِ: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: مَعاصِيهِ الَّتِي تابَ مِنها: ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ، وهو مُجازِيكم عَلَيْهِ.

42:26–27Page 486

وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ ٢٦

And He answers [the supplication of] those who have believed and done righteous deeds and increases [for] them from His bounty. But the disbelievers will have a severe punishment.

۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٢٧

And if Allāh had extended [excessively] provision for His servants, they would have committed tyranny throughout the earth. But He sends [it] down in an amount which He wills. Indeed He is, of His servants, Aware and Seeing.

(p-٥٢٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٦، ٢٧] ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَـزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] .

﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: يَسْتَجِيبُ لَهم. فَحَذَفَ اللّامَ كَما حَذَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: يُثِيبُهم عَلى طاعَتِهِمْ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى ثَوابِهِمْ، مِنَّةً مِنهُ وطَوْلًا: ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] أيْ: تَجاوَزُوا الحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ لَهم إلى غَيْرِهِ، بِرُكُوبِهِمْ ما حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الغِنى مَبْطَرَةٌ مَأْشَرَةٌ: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ﴿ولَكِنْ يُنَـزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] أيْ: ولَكِنْ يُنَزِّلُ مِن رِزْقِهِ ما يَشاؤُهُ بِقَدَرٍ، لِكِفايَتِهِمْ: ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: يَعْرِفُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أحْوالُهُمْ، فَيُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهُمْ، وأقْرَبُ إلى جَمْعِ شَمْلِهِمْ، فَيُفْقِرُ ويُغْنِي، ويَمْنَعُ ويُعْطِي، ويَقْبِضُ ويَبْسُطُ، كَما تُوجِبُهُ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ، ولَوْ أغْناهم جَمِيعًا لَبَغَوْا، ولَوْ أفْقَرَهم لَهَلَكُوا.

42:28Page 486

وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٨

And it is He who sends down the rain after they had despaired and spreads His mercy. And He is the Protector, the Praiseworthy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ .

﴿وهُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ: بَرَكاتِ الغَيْثِ، (p-٥٢٤٥)ومَنافِعَهُ، وآثارَهُ مِنَ الخِصْبِ والرَّخاءِ.

﴿وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيِ: الَّذِي يَتَوَلّى الخَلْقَ بِإحْسانِهِ، والمَحْمُودُ عَلى أيادِيهِ عِنْدَهم.

42:29Page 486

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩

And of His signs is the creation of the heavens and earth and what He has dispersed throughout them of creatures. And He, for gathering them when He wills, is competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ .

﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ أيْ: مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ وإنْ تَفَرَّقَتْ أوْصالُهم.

تَنْبِيهٌ:

ذَهَبَ بَعْضُ الباحِثِينَ في آياتِ القُرْآنِ الفَلَكِيَّةِ، والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ إلى مَعْنًى آخَرَ في هَذِهِ الآيَةِ. وعِبارَتُهُ: يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في السَّماواتِ دَوابَّ، ويُسْتَدَلُّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [النور: ٤٥] أنَّ هَذِهِ الدَّوابَّ لَيْسَتْ مَلائِكَةً كَما قالَ المُفَسِّرُونَ، بَلْ حَيَواناتٍ كَحَيَواناتِ الأرْضِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم حَيَوانٌ عاقِلٌ كالإنْسانِ، ويَلْزَمُ لِحَياةِ تِلْكَ الحَيَواناتِ أنْ يَكُونَ في السَّماواتِ نَباتاتٌ، وأشْجارٌ، وبِحارٌ، وأنْهارٌ كَما تَحَقَّقَ في هَذا العَصْرِ لَدى عُلَماءِ الرَّصْدِ.

ثُمَّ قالَ: لَعَمْرِي، إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ ألْفٍ وثَلاثِمِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، لَآيَةٌ لِأهْلِ هَذا العَصْرِ وأيَّةُ آيَةٍ، آيَةٌ لِأهْلِ العِلْمِ والفَلْسَفَةِ الَّذِينَ يَبْذُلُونَ الأمْوالَ والأرْواحَ بِلا حَدٍّ، ولا حِسابٍ، لِيَتَوَصَّلُوا إلى مَعْرِفَةِ سِرٍّ مِن أسْرارِ الكائِناتِ، ومَعَ هَذا الجِدِّ العَنِيفِ والجُهْدِ المُتَواصِلِ مُنْذُ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلّا بِالظَّنِّ إلى ما أنْبَأتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ.

(p-٥٢٤٦)وجُلُّ ما تَوَصَّلُوا إلَيْهِ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ، إنَّ الأرْضَ أصْغَرُ مِنَ الشَّمْسِ، وأنَّها تَدُورُ حَوْلَها، وإنَّ الكَواكِبَ السَّيّاراتِ كُرَيّاتٌ، وإنَّ النُّجُومَ الثَّوابِتَ شُمُوسٌ، ولَها سَيّاراتٌ تَدُورُ حَوْلَها، ولَمّا ثَبَتَ لَدَيْهِمْ جَمِيعًا وُجُودُ الماءِ والهَواءِ، وحُصُولُ الصَّيْفِ والشِّتاءِ في هَذِهِ السَّيّاراتِ، ظَنُّوا أنَّهُ يُوجَدُ فِيها عالَمٌ كَعالَمِ الأرْضِ.

وبَدَأ البَعْضُ مِنهم يُفَكِّرُونَ بِإيجادِ الوَسائِلِ لِلْمُخابَرَةِ بِالكَهْرَبائِيَّةِ مَعَ سُكّانِ المِرِّيخِ الَّذِي هو أقْرَبُ السَّيّاراتِ إلَيْنا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُسْتَحِيلِ فَنًّا. ويُسْتَدَلُّ عَلى إمْكانِيَّتِهِ مِن آخِرِ الآيَةِ نَفْسِها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَتَخابَرا ويَجْتَمِعا فِكْرًا، إذا لَمْ يَجْتَمِعا جِسْمًا. فَلْيَنْظُرِ الفَلَكِيُّونَ إلى ما حَوَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ المَكْنُوزَةُ في القُرْآنِ. ولْيَعْلَمِ المُعْجَبُونَ مِنّا بِالعُلُومِ العَصْرِيَّةِ، الضّارِبُونَ صَفْحًا عَنِ العُلُومِ الإسْلامِيَّةِ، ما في كِتابِ اللَّهِ مِنَ الحِكْمَةِ والبَيانِ. وقالَ أيْضًا: لا يَخْفى أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ نَزَلَ لِبَيانِ الحَقِّ وتَعْلِيمِ الدِّينِ، أوَّلًا وبِالذّاتِ. لَكِنْ، تَمْهِيدًا لِهَذا السَّبِيلِ، أتى بِشَذَراتٍ مِنَ العُلُومِ الفَلَكِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ، وصَرَفَ بَصائِرَ النّاسِ إلى التَّفْكِيرِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما هُنَّ عَلَيْهِ مِنَ الإبْداعِ، فَوَجَّهَ أبْصارَهم إلى التَّأمُّلِ في خَلْقِ الإنْسانِ، وما عَلَيْهِ مِنَ التَّرْكِيبِ العَجِيبِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الفَلَكِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ في أكْثَرَ مِن ثَلاثِمِائَةِ آيَةٍ.

فالمُفَسِّرُونَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، لَمّا فَسَّرُوا هَذِهِ الآياتِ، شَرَحُوا مَعانِيَها عَلى مِقْدارِ مُحِيطِ عِلْمِهِمْ بِالعُلُومِ الفَلَكِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ، ولا يَخْفى ما كانَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآلاتُ في زَمَنِهِمْ مِنَ النُّقْصانِ، لاسِيَّما عِلْمُ الفَلَكِ. فَهم مَعْذُورُونَ إذا لَمْ يَفْهَمُوا مَعانِيَ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي تُحَيِّرُ عُقُولَ فَلاسِفَةِ هَذا العَصْرِ، المُتَضَلِّعِينَ بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ. لِذَلِكَ لَمْ يُفَسِّرُوا هَذِهِ الآياتِ حَقَّ تَفْسِيرِها، بَلْ أوَّلُوها وصَرَفُوا مَعانِيَها عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ أوِ الكِنايَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.

وقالَ عالِمٌ فَلَكِيٌّ أيْضًا: يَقُولُ العُلَماءُ: إنَّهُ مِنَ المُحَقَّقِ أنَّ هَذِهِ السَّيّاراتِ مَسْكُونَةٌ بِحَيَواناتٍ تُشْبِهُ الحَيَواناتِ الَّتِي عَلى أرْضِنا هَذِهِ، ويَكُونُ كُلُّ كَوْكَبٍ مِنها أرْضًا بِالنِّسْبَةِ لِحَيَواناتِهِ، وباقِي الكَواكِبِ سَماواتٌ بِالنِّسْبَةِ لَها.

(p-٥٢٤٧)قالَ: والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ الحَيَواناتِ في هَذِهِ الكَواكِبِ صَحِيحٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ويَقُولُ: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]

42:30Page 486

وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ ٣٠

And whatever strikes you of disaster - it is for what your hands have earned; but He pardons much.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ .

﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: فَبِسَبَبِ مَعاصِيكُمْ، وما اجْتَرَمْتُمْ مِنَ الآثامِ: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها.

42:31Page 486

وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٣١

And you will not cause failure [to Allāh]1 upon the earth. And you have not besides Allāh any protector or helper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣١] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .

﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِمُعْجِزِينَ رَبَّكم إنْ أرادَ عُقُوبَتَكُمْ؛ لِأنَّكم في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ: إذا أرادَ عَذابَكم. فاتَّقُوهُ واخْشَوْهُ.

42:32–33Page 487

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٣٢

And of His signs are the ships in the sea, like mountains.

إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣

If He willed, He could still the wind, and they would remain motionless on its surface. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٢، ٣٣] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] .

﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ﴾ أيِ: السُّفُنُ الجارِيَةُ: ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ.

(p-٥٢٤٨)﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: فَيَبْقَيْنَ ثَوابِتَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: في جَرْيِ هَذِهِ الجَوارِي في البَحْرِ، بِتَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى الرِّيحَ لِجَرْيِها: ﴿لآياتٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: لَعِبْرَةً، وعِظَةً، وحُجَّةً بَيِّنَةً عَلى القُدْرَةِ الأزَلِيَّةِ: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أيْ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ. وإنَّما آثَرَ وصْفَيْهِ المَذْكُورَيْنِ، تَذْكِيرًا بِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ مِن وفْرَةِ الصَّبْرِ وكَثْرَةِ الشُّكْرِ؛ إذْ لا يَكْمُلُ الإيمانُ بِدُونِهِما. (والإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ).

42:34–35Page 487

أَوۡ يُوبِقۡهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ ٣٤

Or He could destroy them1 for what they earned; but He pardons much.

وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٣٥

And [that is so] those who dispute concerning Our signs may know that for them there is no place of escape.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٤، ٣٥] ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] .

﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ: أوْ يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ: ﴿بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ لِيَنْتَقِمَ مِنهُمْ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ [الشورى: ٣٥] أيْ: يُخاصِمُونَ الرَّسُولَ في آياتِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ أنَّهم ما لَهم مِن مَحِيدٍ عَنْ عَذابِهِ.

42:36–38Page 487

فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦

So whatever thing you have been given - it is but [for] enjoyment of the worldly life. But what is with Allāh is better and more lasting for those who have believed and upon their Lord rely

وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ ٣٧

And those who avoid the major sins and immoralities, and when they are angry, they forgive,

وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٨

And those who have responded to their Lord and established prayer and whose affair is [determined by] consultation among themselves, and from what We have provided them, they spend,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٦، ٣٨] ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] .

(p-٥٢٤٩)﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّهُ مِنَ الشَّهَواتِ: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: فَهو مَتاعٌ لَكُمْ، تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا، ولَيْسَ مِنَ الآخِرَةِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن ثَوابِهِ الأُخْرَوِيِّ: ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ وذَلِكَ لِخُلُوصِهِ عَنِ الشَّوائِبِ ودَوامِهِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: في أُمُورِهِمْ وقِيامِهِمْ بِأسْبابِهِمْ: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] أيْ: يَصْفَحُونَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: حِينَما دَعاهم إلى تَوْحِيدِهِ والبَراءَةِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَتَشاوَرُوا ويَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِن فَرْطِ تَدَبُّرِهِمْ وتَيَقُّظِهِمْ، وصِدْقِ تَآخِيهِمْ في إيمانِهِمْ وتَحابِّهِمْ في اللَّهِ تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] أيْ: فَيُؤَدُّونَ ما فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُقُوقِ لِأهْلِها، مِن زَكاةٍ ونَفَقَةٍ. وما نُدِبُوا إلَيْهِ مِن مُواساةٍ وصَدَقَةٍ ومَعُونَةٍ.

42:39Page 487

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ ٣٩

And those who, when tyranny strikes them, they retaliate [in a just manner].1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٩] ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ .

﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: بِالعَدالَةِ. احْتِرازًا عَنِ الذِّلَّةِ والِانْظِلامِ، لِكَوْنِهِمْ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ، قائِمِينَ بِالحَقِّ والعَدْلِ الَّذِي ظِلُّهُ في نُفُوسِهِمْ. قالَ القاشانِيُّ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في الباغِي الَّذِي حَمِدَ تَعالى ذِكْرَهُ، المُنْتَصَرِ مِنهُ بَعْدَ بَغْيِهِ عَلَيْهِ. فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو المُشْرِكُ إذا بَغى عَلى المُسْلِمِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو كُلُّ باغٍ بَغى فَحَمِدَ المُنْتَصِرَ مِنهُ. وإلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ حَيْثُ قالَ: يَنْتَصِرُونَ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدُوا.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا القَوْلُ الثّانِي أوْلى مِن ذَلِكَ بِالصَّوابِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ مِن ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى. بَلْ حَمْدُ كُلِّ مُنْتَصِرٍ بِحَقٍّ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِ.. فَإنْ قالَ قائِلٌ: وما في الِانْتِصارِ (p-٥٢٥٠)مِنَ المَدْحِ؟ قِيلَ: إنَّ في إقامَةِ الظّالِمِ عَلى سَبِيلِ الحَقِّ، وعُقُوبَتِهِ بِما هو لَهُ أهْلٌ، تَقْوِيمًا لَهُ. وفي ذَلِكَ أعْظَمُ المَدْحِ. انْتَهى.

وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: أهم مَحْمُودُونَ في الِانْتِصارِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لِأنَّ مَن أخَذَ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ حَدَّ اللَّهِ وما أمَرَ بِهِ فَلَمْ يُسْرِفْ في القَتْلِ، إنْ كانَ ولِيَّ دَمٍ، أوْ رَدَّ عَلى سَفِيهٍ مُحاماةً عَلى عِرْضِهِ ورَدْعًا لَهُ، فَهو مُطِيعٌ، وكُلُّ مُطِيعٍ مَحْمُودٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، بِقَوْلِهِ:

42:40–42Page 487

وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠

And the retribution for an evil act is an evil one like it, but whoever pardons and makes reconciliation - his reward is [due] from Allāh. Indeed, He does not like wrongdoers.

وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١

And whoever retaliates after having been wronged - those have not upon them any cause [for blame].

إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٢

The cause is only against the ones who wrong the people and tyrannize upon the earth without right. Those will have a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ - ٤٢] ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] .

﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أيْ: وجَزاءُ سَيِّئَةِ المُسِيءِ ما ماثَلَها؛ إذِ النُّقْصانُ حَيْفٌ والزِّيادَةُ ظُلْمٌ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ العَفْوَ أوْلى، فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ: ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَوابُهُ عَلَيْهِ. وفي إبْهامِهِ، ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِهِ؛ حَيْثُ جُعِلَ حَقًّا عَلى العَظِيمِ الكَرِيمِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: البادِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ، والمُعْتَدِينَ في الِانْتِقامِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١] أيْ: بَعْدَ ما ظُلِمَ. فالمَصْدَرُ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، أوْ هو مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] أيْ: لِلْمُعاقِبِ، ولا لِلْعاتِبِ والعائِبِ؛ لِأنَّهُمُ انْتَصَرُوا مِنهم بِحَقٍّ. ومَن أخَذَ حَقَّهُ مِمَّنْ وجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَتَعَدَّ ولَمْ يَظْلِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؟

﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: يَبْدَءُوهم بِالظُّلْمِ والإضْرارِ، (p-٥٢٥١)أوْ يَعْتَدُونَ في الِانْتِقامِ: ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويُفْسِدُونَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وبَغْيِهِمْ.

42:43Page 487

وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٣

And whoever is patient and forgives - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣] ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .

﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الأذى: ﴿وغَفَرَ﴾ أيْ: لِمَن ظَلَمَهُ، ولَمْ يَنْتَصِرْ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيِ: الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ عِبادَهُ، وعَزَمَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ بِها.

تَنْبِيهٌ:

نَقَلَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ" عَنِ الكَيا الهَرّاسِيِّ أنَّهُ قالَ: قَدْ نَدَبَ اللَّهُ إلى العَفْوِ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] أنَّ الِانْتِصارَ أفْضَلُ. قالَ: وهو مَحْمُولٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ؛ لِئَلّا يَتَجَرَّأ الفُسّاقُ عَلى أهْلِ الدِّينِ، وآياتُ العَفْوِ فِيمَن نَدِمَ وأقْلَعَ. انْتَهى.

وعَجِيبٌ فَهْمُهُ الأفْضَلِيَّةَ مِنَ الآيَةِ؛ فَإنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، عِبارَةً ولا إشارَةً؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ. وإنَّما بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَهم إذا شاءُوا، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ مَشْرُوعِيَّتَهُ بِشَرْطِ رِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى، وهو الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ الكَلامُ، وتَمَّ بِهِ السِّياقُ. وكَذَلِكَ لا حاجَةَ إلى حَمْلِ الِانْتِصارِ عَلى مَن تَعَدّى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الِانْتِصارَ بِالمِثْلِ مِن فُرُوعِ عِلْمِ العُقُوباتِ، والجَزاءِ المَشْرُوعَةِ لِإقامَةِ الحَقِّ والعَدْلِ، ودَفْعِ الظُّلْمِ عَنِ النَّفْسِ والصَّغارِ، ورَفْعِ الأحْقادِ والأضْغانِ، وأمّا العَفْوُ والصَّفْحُ، فَذاكَ مِن فُرُوعِ عِلْمِ الأخْلاقِ، وتَهْذِيبِ النُّفُوسِ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ المُسامَحَةِ بِالحَقِّ وإسْقاطِ المُسْتَحِقِّ، رَغْبَةً في تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وهَضْمًا لَها وحِرْصًا عَلى خَيْرِ الأمْرَيْنِ، وأوْفَرِ الأجْرَيْنِ، وكِلاهُما مِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ، وتَوَسُّطِها بَيْنَ الِاقْتِصاصِ البَتَّةَ، والعَفْوِ كُلِّيًّا؛ لِأنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ يَرى فِيهِما إفْراطًا وتَفْرِيطًا، والدِّينُ دِينُ الفِطْرَةِ، وهي تَتَقاضى القِصاصَ بِالمِثْلِ، وتَراهُ حَقًّا لَها بِجِبِلَّتِها، والقَضاءُ الأدَبِيُّ، والوازِعُ الرَّحْمانِيُّ يُرْشِدُها إلى ما هو أمْثَلُ إنْ شاءَتْ، ويُبَرْهِنُ لَها أمِثْلِيَّتُهُ، (p-٥٢٥٢)مِمّا لا يَبْعُدُ إذا راجَعَتْ نَفْسَها وثابَتْ إلى رُشْدِها، أنْ تُؤْثِرَهُ ولا تُؤْثِرَ عَلَيْهِ. كَيْفَ وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَلى أنَّ الِانْتِصارَ لا يَكادُ يُؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ السَّيِّئَةِ والِاعْتِداءِ، خُصُوصًا في حالِ الحَرْدِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ. فَرُبَّما كانَ المُجازِي مِنَ الظّالِمِينَ وهو لا يَشْعُرُ.

42:44Page 487

وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤

And he whom Allāh sends astray - for him there is no protector beyond Him. And you will see the wrongdoers, when they see the punishment, saying, "Is there for return [to the former world] any way?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٤] ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ .

﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: ومَن خَذَلَهُ عَنِ الرَّشادِ، فَلَيْسَ لَهُ مِن ولِيٍّ يَلِيهِ، فَيَهْدِيهِ لِسَبِيلِ الصَّوابِ، ويُسَدِّدُهُ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: رَجْعَةٍ إلى الدُّنْيا. وذَلِكَ اسْتِعْتابٌ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ.

42:45–47Page 488

وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥

And you will see them being exposed to it [i.e., the Fire], humbled from humiliation, looking from [behind] a covert glance. And those who had believed will say, "Indeed, the [true] losers are the ones who lost themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, the wrongdoers are in an enduring punishment."

وَمَا كَانَ لَهُم مِّنۡ أَوۡلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ٤٦

And there will not be for them any allies to aid them other than Allāh. And whoever Allāh sends astray - for him there is no way.

ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ ٤٧

Respond to your Lord before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. No refuge will you have that Day, nor for you will there be any denial.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٥ - ٤٧] ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] .

(p-٥٢٥٣)﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيِ: النّارِ.

﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: مِن طَرْفٍ قَدْ خَفِيَ مِن ذُلِّهِ وصَغارِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: بِالتَّعْرِيضِ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ، وتَفْوِيتِ النَّعِيمِ المُؤَبَّدِ. ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: أجِيبُوا أيُّها النّاسُ داعِيَ اللَّهِ، وآمِنُوا بِهِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ ما حَكَمَ بِهِ فَ: (مِن)، صِلَةُ (مَرَدَّ)، أوْ هي صِلَةُ (يَأْتِيَ)؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ مِنَ اللَّهِ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ: ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] أيْ: إنْكارٍ لِما اقْتَرَفْتُمُوهُ؛ لِأنَّهُ مُحْصِي عَلَيْكُمْ، أوْ نَكِيرٌ يُنْكِرُ عَلى اللَّهِ في مُؤاخَذَتِكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском