Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:31–59
43:31Page 491
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ ٣١
And they said, "Why was this Qur’ān not sent down upon a great man from [one of] the two cities?"1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١] ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ .
﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ﴾ أيْ: مِن إحْداهُما، مَكَّةَ والطّائِفِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ: ﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ: بِالجاهِ والمالِ؛ فَإنَّ الرِّسالَةَ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِعَظِيمٍ عِنْدَهُمْ، قالَ القاضِي: ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّها رُتْبَةٌ رُوحانِيَّةٌ، تَسْتَدْعِي عَظِيمَ النَّفْسِ، بِالتَّحَلِّي بِالفَضائِلِ، والكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ، لا التَّزَخْرُفَ بِالزَّخارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
43:32Page 491
أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢
Do they distribute the mercy of your Lord? It is We who have apportioned among them their livelihood in the life of this world and have raised some of them above others in degrees [of rank] that they may make use of one another for service. But the mercy of your Lord is better than whatever they accumulate.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ .
﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ إنْكارٌ، فِيهِ تَجْهِيلٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَحَكُّمِهِمْ فِيما لا يَتَوَلّاهُ إلّا هو تَعالى. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: فَجَعَلْنا بَعْضَهم غَنِيًّا وبَعْضَهم فَقِيرًا: ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهُمْ﴾ أيْ: بِالغِنى: ﴿فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ﴾ يَعْنِي الغَنِيَّ: ﴿بَعْضًا﴾ يَعْنِي الفَقِيرَ: ﴿سُخْرِيًّا﴾ أيْ: مُسَخَّرًا في العَمَلِ، وما بِهِ قِوامُ المَعايِشِ، والوُصُولُ إلى النّافِعِ، لا لِكَمالٍ في المُوَسَّعِ عَلَيْهِ، ولا لِنَقْصٍ في المُقَتَّرِ عَلَيْهِ بَلْ لِحاجَةِ التَّضامِّ والتَّآلُفِ، الَّتِي بِها يَنْتَظِمُ شَمْلُهم. وأمّا النَّفَحاتُ الرَّبّانِيَّةُ، والعُلُومُ اللَّدُنْيَّةُ، (p-٥٢٧٠)فَلَيْسَتْ مِمّا يَسْتَدْعِي سِعَةً ويَسارًا؛ لِأنَّها اخْتِصاصٌ إلَهِيٌّ، وفَيْضٌ رَحْمانِيٌّ، يَمُنُّ بِهِ عَلى أنْفُسِ مُسْتَعَدِّيهِ، وأرْواحِ قابِلِيهِ.
و(السُّخْرِيُّ): بِالضَّمِّ مَنسُوبٌ إلى السُّخْرَةِ بِوَزْنِ (غُرْفَةٍ)، وهي الِاسْتِخْدامُ والقَهْرُ عَلى العَمَلِ.
﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ النُّبُوَّةَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الحُطامِ الفانِي؛ أيْ: والعَظِيمُ مَن أُعْطِيَها وحازَها، وهو النَّبِيُّ ﷺ؛ لا مَن حازَ الكَثِيرَ مِنَ الشَّهَواتِ المَحْبُوبَةِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى حَقارَةِ الدُّنْيا عِنْدَهُ، بِقَوْلِهِ:
43:33–35Page 491
وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ ٣٣
And if it were not that the people would become one community [of disbelievers],1 We would have made for those who disbelieve in the Most Merciful - for their houses - ceilings and stairways of silver upon which to mount.
وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤
And for their houses - doors and couches [of silver] upon which to recline
وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥
And gold ornament. But all that is not but the enjoyment of worldly life. And the Hereafter with your Lord is for the righteous.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ - ٣٥] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] .
﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُتَّفِقَةً عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى؛ أيْ: لَوْلا كَراهَةُ ذَلِكَ: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ أيْ: لِتَكْثِيرِ النِّعَمِ عَلَيْهِ، مَعَ كُفْرِهِ بِالمُنْعِمِ فَيَزْدادُ عَذابًا: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن: { لِمَن ﴿سُقُفًا﴾ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ، وبِضَمِّهِما، جَمْعًا: ﴿مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ﴾ أيْ: مَصاعِدَ مِن فِضَّةٍ: ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أيْ: يَرْتَقُونَ: ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا﴾ [الزخرف: ٣٤] أيْ: مِن فِضَّةٍ: ﴿وسُرُرًا﴾ [الزخرف: ٣٤] أيْ: مِن فِضَّةٍ: ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: ولَجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أيْ: زِينَةً مِن ذَهَبٍ وجَواهِرَ فَوْقَ الفِضَّةِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنْ لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى فَضِيلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: وما كَلُّ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي ذُكِرَتْ، مِنَ السُّقُفِ مِنَ الفِضَّةِ، والمَعارِجِ، والأبْوابِ، والسُّرُرِ مِنَ الفِضَّةِ، والزُّخْرُفِ، إلّا مَتاعٌ يَسْتَمْتِعُ بِهِ أهْلُ الدُّنْيا في الدُّنْيا: ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] أيْ: وزَيَّنَ الدّارَ (p-٥٢٧١)الآخِرَةَ، وبَهاؤُها عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ، أيِ: الَّذِينَ اتَّقُوا اللَّهَ فَخافُوا عِقابَهُ، فَجَدُّوا في طاعَتِهِ وحَذِرُوا مَعاصِيَهُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ. قالَ المَهايِمِيُّ: يَعْنِي لا خُصُوصِيَّةَ في ذَلِكَ المَتاعِ، بِحَيْثُ يَدُلُّ عَدَمُهُ عَلى عَدَمِ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَدَمُهُ عَلى عَدَمِ النُّبُوَّةِ، التَّقْوى. فالنُّبُوَّةُ إنَّما تَكُونُ لِمَن كَمُلَ تَقْواهُ، سَواءٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمْ لا، وإنَّما كانَتِ الزِّينَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ أحَقَّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّها تُثِيرُ ظَلَمَةَ الأهْوِيَةِ المانِعَةِ مِن رُؤْيَةِ الحَقِّ، بِحَيْثُ يَصِيرُ صاحِبُها أعْشى. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ مَعْنى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى تَقْدِيرِ: (لَوْلا كَراهَةُ ذَلِكَ). وإنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اجْتِماعُهم عَلى أمْرٍ واحِدٍ وهو الكُفْرُ، أيْ: أنَّ كَراهَةَ الِاجْتِماعِ عَلى الكُفْرِ هي المانِعَةُ مِن تَمْتِيعِ الكافِرِ بِها عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ- هو ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. فَوَرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَ لَمْ يُوَسِّعْ عَلى الكافِرِينَ لِلْفِتْنَةِ الَّتِي كانَ يُؤَدِّي إلَيْها التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مِن إطْباقِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ لِحُبِّهِمُ الدُّنْيا وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها، فَهَلّا وسَّعَ عَلى المُسْلِمِينَ لِيُطْبِقَ النّاسُ عَلى الإسْلامِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ مَفْسَدَةٌ أيْضًا؛ لِما تُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ لِأجْلِ الدُّنْيا. والدُّخُولُ في الدِّينِ لِأجْلِ الدُّنْيا مِن دِينِ المُنافِقِينَ فَكانَتِ الحِكْمَةُ فِيما دَبَّرَ؛ حَيْثُ جَعَلَ في الفَرِيقَيْنِ أغْنِياءَ وفُقَراءَ، وغَلَبَ الفَقْرُ عَلى الغِنى، هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وعِنْدِي أنْ لا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ الكَراهَةِ، وأنَّ مَعْنى الآيَةِ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى: لَوْلا أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا لِيَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، لِلتَّرافُدِ، والتَّعاوُنِ، والتَّضامِّ، وما بِهِ قِوامُ حَياتِهِمْ كالجِسْمِ الواحِدِ، لَجَعَلْنا لِلنّاسِ ما ذُكِرَ مِنَ الزَّيْنِ والحُلِيِّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلْحِكْمَةِ ومُخَرِّبٌ لِنِظامِ الوُجُودِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النّاسِ بِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، رِعايَةً لِلْأكْثَرِ وهُمُ الكُفّارُ؛ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ طَبَّقُوا ظَهْرَ الأرْضِ، ومَلَئُوا وجْهَها، وحَطًّا لِقَدْرِ الدُّنْيا وتَصْغِيرًا لِشَأْنِها، بِأنْ تُؤْتى لِمَن هو الأدْنى مَنزِلَةً، والأخَسِّ قَدْرًا.
وخُلاصَةُ المَعْنى: أنَّ خَلْقَهم (p-٥٢٧٢)أُمَّةً واحِدَةً مَدَنِيِّينَ بِالطَّبْعِ، مانِعٌ مِن بَسْطِ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ. وهَذا هو مَعْنى (لَوْلا) المُطَّرِدُ، أنَّ ما بَعْدَها أبَدًا مانِعٌ مِن جَوابِها؛ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: (حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ).
فَلَيْسَ المَعْنى عَلى ما ذَكَرُوهُ أبَدًا كَما يَظْهَرُ واضِحًا لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ. وبِالجُمْلَةِ، فالآيَةُ هَذِهِ تَتِمَّةٌ لِما قَبْلَها، في جَوابِ أُولَئِكَ الظّانِّينَ، أنَّ العَظَمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ تَسْتَتْبِعُ النُّبُوَّةَ.
فَبَيَّنَ تَعالى حِكْمَتَهُ في تَفاوُتِ الخَلْقِ في الآيَةِ الأُولى، وهي التَّسْخِيرُ. وفي الثّانِيَةِ حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ، وأنَّهُ لَوْلا التَّسْخِيرُ لَآتاها أحَطَّ الخَلْقِ وأبْعَدِهِمْ مِنهُ، مُبالَغَةً في الإعْلامِ بِضِعَتِها، وهَذا مِصْداقُ ما ورَدَ مِن أنَّ الدُّنْيا لا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وأنَّ ما عِنْدَهُ خَيْرٌ وأبْقى.
43:36Page 492
وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦
And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ .
﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ: يُعْرِضْ عَنْهُ، فَلَمْ يَخَفْ سَطْوَتَهُ، ولَمْ يَخْشَ عِقابَهُ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ أيْ: نَجْعَلْ لَهُ شَيْطانًا يُغْوِيهِ، ويُضِلُّهُ عَنِ السَّبِيلِ القَوِيمِ دائِمًا، لِمُقارَنَتِهِ لَهُ.
قالَ القاشانِيُّ: قُرِئَ: (يُعْشُ)، بِضَمِّ الشِّينِ، وفَتْحِها، والفَرْقُ أنَّ عَشا يُسْتَعْمَلُ إذا نَظَرَ نَظَرَ العَشى لِعارِضٍ أوْ مُتَعَمَّدًا، مِن غَيْرِ آفَةٍ في بَصَرِهِ. وعَشِيَ إذا إيفَ بَصَرُهُ. فَعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ: ومَن كانَ لَهُ اسْتِعْدادٌ صافٍ وفِطْرَةٌ سَلِيمَةٌ لِإدْراكِ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ، أيِ: القُرْآنَ النّازِلَ مِن عِنْدِهِ وفَهِمَ مَعْناهُ. وعَلِمَ كَوْنَهُ حَقًّا، فَتَعامى عَنْهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ وبَغْيٍ وحَسَدٍ، أوْ لَمْ يَفْهَمْهُ ولَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ، لِاحْتِجابِهِ بِالغَواشِي الطَّبِيعِيَّةِ، واشْتِغالِهِ بِاللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ عَنْهُ، أوْ لِاغْتِرازِهِ بِدِينِهِ وما هو عَلَيْهِ مِنَ اعْتِقادِهِ، ومَذْهَبِهِ الباطِلِ.
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ جِنِّيًّا فَيُغْوِيهِ بِالتَّسْوِيلِ والتَّزْيِينِ لِما انْهَمَكَ فِيهِ مِنَ اللَّذّاتِ، وحَرَصَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّخارِفِ، أوْ بِالشُّبَهِ والأباطِيلِ المُغْوِيَةِ لِما اعْتَكَفَ عَلَيْهِ بِهَواهُ مِن دِينِهِ، أوْ إنْسِيًّا يُغْوِيهِ، ويُشارِكُهُ في أمْرِهِ، ويُجانِسُهُ في طَرِيقِهِ، ويُبْعِدُهُ عَنِ الحَقِّ. وعَلى الثّانِي مَعْناهُ: ومَن إيفَ اسْتِعْدادُهُ في الأصْلِ، وشَقِيَ في الأزَلِ بِمَعْنى القَلْبِ عَنْ إدْراكِ حَقائِقِ الذِّكْرِ، وقَصَرَ عَنْ فَهْمِ مَعْناهُ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ مِن نَفْسِهِ أوْ جِنْسِهِ، يُقارِنُهُ في ضَلالَتِهِ وغَوايَتِهِ. انْتَهى.
43:37Page 492
وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧
And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided
(p-٥٢٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وإنَّ الشَّياطِينَ لِيَصُدُّونِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْشُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، فَيُزَيِّنُونَ لَهُمُ الضَّلالَةَ، ويَكْرَهُونَ لَهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ، والعَمَلَ بِطاعَتِهِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: يَظُنُّ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، بِتَزْيِينِ الشَّياطِينِ لَهم ما هم عَلَيْهِ، أنَّهم عَلى الصَّوابِ والهُدى.
43:38Page 492
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨
Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ .
﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ أيِ: العاشِي: ﴿قالَ﴾ أيْ: لِشَيْطانِهِ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ بُعْدَ المَشْرِقِ مِنَ المَغْرِبِ. فَغَلَّبَ المَشْرِقَ عَلى المَغْرِبِ، ثُمَّ ثَنّى. وقِيلَ: المُرادُ مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ. والتَّقْدِيرُ مِنَ المَغْرِبَيْنِ، فاخْتَصَرَ.
﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: حَتّى إذا حَضَرَ عِقابُنا اللّازِمُ لِاعْتِقادِهِ وأعْمالِهِ، والعَذابُ المُسْتَحِقُّ لِمَذْهَبِهِ ودِينِهِ، تَمَنّى غايَةَ البُعْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْطانِهِ الَّذِي أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ، وزَيَّنَ لَهُ ما وقَعَ بِسَبَبِهِ في العَذابِ، واسْتَوْحَشَ مِن قَرِينِهِ واسْتَذَمَّهُ، لِعَدَمِ الوَصْلَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، أوِ انْقِطاعِ الأسْبابِ بَيْنَهُما بِفَسادِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ.
43:39Page 492
وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩
And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ .
﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ التَّمَنِّي وقْتَ حُلُولِ العَذابِ واسْتِحْقاقِ العِقابِ، إذا ثَبَتَ وصَحَّ ظُلْمُكم في الدُّنْيا، وتَبَيَّنَ عاقِبَتُهُ، وكُشِفَ عَنْ حالِهِ؛ لِأنَّكم مُشْتَرِكُونَ في العَذابِ لِاشْتِراكِكم في سَبَبِهِ، (p-٥٢٧٤)أوْ ولَنْ يَنْفَعَكم كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ مَن شِدَّتِهِ وإيلامِهِ؛ أيْ: كَما يَنْفَعُ الواقِعِينَ في أمْرٍ صَعْبٍ، مُعاوَنَتُهم في تَحَمُّلِ أعْبائِهِ.
43:40Page 492
أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠
Then will you make the deaf hear, [O Muḥammad], or guide the blind or he who is in clear error?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إنْكارُ تَعْجِيبٍ مِن أنْ يَكُونَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ. وأرادَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ مِنهم إلّا هو وحْدَهُ تَعالى. وقَدْ تَكَرَّرَ في التَّنْزِيلِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالصُّمِّ العُمْيِ الضُّلّالِ؛ لِأنَّهُ لا أجْمَعَ مِن ذَلِكَ لِشَرْحِ حالِهِمْ، ولا أبْلَغَ مِنهُ؛ إذْ سُلِبُوا اسْتِماعَ حُجَجِ اللَّهِ وهُداهُ، كالأصَمِّ، وإبْصارَ آياتِ اللَّهِ والِاعْتِبارَ بِها، كالأعْمى. وقَصْدَ السَّبِيلِ الأمَمِ، كالضّالِّ الحائِرِ.
43:41Page 492
فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١
And whether [or not] We take you away [in death], indeed, We will take retribution upon them.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ .
﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أيْ: نَقْبِضُكَ قَبْلَ أنْ نُظْهِرَكَ عَلَيْهِمْ: ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الأُخْرَوِيِّ.
43:42Page 492
أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ ٤٢
Or whether [or not] We show you that which We have promised them, indeed, We are Perfect in Ability.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٢] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ .
﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] وفي تَعْبِيرِهِ بِالوَعْدِ، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ، إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو الواقِعُ. وهَكَذا كانَ؛ إذْ لَمْ يَفْلِتْ أحَدٌ مِن صَنادِيدِهِمْ، إلّا مَن تَحَصَّنَ بِالإيمانِ.
43:43Page 492
فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣
So adhere to that which is revealed to you. Indeed, you are on a straight path.
(p-٥٢٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٣] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي دِينَ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ وهو الإسْلامُ؛ فَإنَّهُ كامِلُ الِاسْتِقامَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. قالَ الشِّهابُ: هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ وأمْرٌ لِأُمَّتِهِ أوْ لَهُ، بِالدَّوامِ عَلى التَّمَسُّكِ. والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. أيْ: إذا كانَ أحَدُ هَذَيْنِ واقِعًا لا مَحالَةَ، فاسْتَمْسِكْ بِهِ.
43:44Page 492
وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤
And indeed, it is a remembrance1 for you and your people, and you [all] are going to be questioned.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٤] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ .
﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: وإنَّ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ لَشَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ مِن قُرَيْشٍ؛ لِما خَصَّهم بِهِ مِن نُزُولِهِ بِلِسانِهِمْ. أوِ المُرادُ بِقَوْمِهِ، أتْباعُهُ؛ أيْ: تَنْوِيهٌ بِقَدْرِكَ وبِقَدْرِ أُمَّتِكَ، لِما أعْطاهُ لَهم بِسَبَبِهِ مِنَ العُلُومِ، والمَزايا، والخَصائِصِ، والشَّرائِعِ المُلائِمَةِ لِسائِرِ الأحْوالِ، والأزْمانِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ المَوْعِظَةُ: ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ أيْ: عَمّا عَمِلْتُمْ فِيهِ، مِنَ ائْتِمارِكم بِأوامِرِهِ، وانْتِهائِكم عَنْ نَواهِيهِ.
43:45Page 492
وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥
And ask those We sent before you of Our messengers; have We made besides the Most Merciful deities to be worshipped?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ .
﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أيْ: هَلْ حَكَمْنا بِعِبادَةِ الأوْثانِ؟ وهَلْ جاءَتْ في مِلَّةٍ مِن مِلَلِهِمْ؟ قالَ القاضِي: والمُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادُ بِإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلى التَّوْحِيدِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِبِدَعٍ ابْتَدَعَهُ، فَيُكَذَّبُ ويُعادى لَهُ. انْتَهى.
(p-٥٢٧٦)والَّذِينَ أُمِرَ بِمَسْألَتِهِمُ الرَّسُولُ ﷺ، هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابَيْنِ: التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ. فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: أُمَمِهِمُ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَجْعَلُ سُؤالَهم بِمَنزِلَةِ سُؤالِ أنْبِيائِهِمْ؛ لِأنَّهم إنَّما يُخْبِرُونَهُ عَنْ كُتُبِ الرُّسُلِ، فَإذا سَألَهم فَكَأنَّهُ سَألَ الأنْبِياءَ.
43:46Page 492
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦
And certainly did We send Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, and he said, "Indeed, I am the messenger of the Lord of the worlds."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٦] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ أيِ: المُصَدِّقَةِ لَهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ لِيَنْهاهُ عَنِ الِاسْتِعْبادِ: ﴿ومَلَئِهِ﴾ أيْ: لِيَنْهاهم عَنِ التَّعَبُّدِ لَهُ: ﴿فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: فَأبانَ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ تَعالى، وأنْ لَيْسَ لِأحَدٍ سِواهُ اسْتِعْبادٌ، لِأنَّها حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ المُطْلَقَةِ.
43:47Page 492
فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧
But when he brought them Our signs, at once they laughed at them.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٧] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ .
﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ فَلَمّا أتاهم بِالحُجَجِ عَلى التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ؛ إذا فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ يَضْحَكُونَ؛ أيْ: كَما أنَّ قَوْمَكَ، مِمّا جِئْتَهم بِهِ مِنَ الآياتِ والعِبَرِ، يَسْخَرُونَ. وهَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ، عَمّا كانَ يَلْقى مِن مُشْرِكِي قَوْمِهِ، وإعْلامٌ مِنهُ لَهُ أنَّ قَوْمَهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ، لَنْ يَعْدُوا أنْ يَكُونُوا كَسائِرِ الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا عَلى مِنهاجِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، ونَدْبٌ مِنهُ نَبِيَّهُ ﷺ إلى الِاسْتِنانِ بِهِمْ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ، بِسُنَنِ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. وإخْبارٌ مِنهُ لَهُ أنَّ عُقْبى مَرَدَّتِهِمْ إلى البَوارِ والهَلاكِ. كَسُنَّتِهِ في المُتَمَرِّدِينَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهُ، وإظْفارِهِ بِهِمْ، وإعْلائِهِ أمْرَهُ. كالَّذِي فُعِلَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْمِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ. مِن إظْهارِهِمْ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. أفادَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
(p-٥٢٧٧)ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ مُوجِبَ الهُزْءِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِعِنادٍ، لا لِقُصُورِها، بِقَوْلِهِ:
43:48–50Page 493
وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨
And We showed them not a sign except that it was greater than its sister, and We seized them with affliction that perhaps they might return [to faith].
وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ ٤٩
And they said [to Moses], "O magician, invoke for us your Lord by what He has promised you. Indeed, we will be guided."
فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠
But when We removed from them the affliction, at once they broke their word.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٨ - ٥٠] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] .
﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أيِ: السّابِقَةِ عَلَيْها: ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ أيِ: الدُّنْيَوِيِّ كالسِّنِينَ، مِمّا يُلْجِئُ إلى الرُّجُوعِ، ولا أقَلَّ مِن رَجائِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿وقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] أيْ: مِن أنَّهُ لا يُعَذِّبُ مَن آمَنَ بِكَ لِيَكْشِفَ عَنّا العَذابَ: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] أيْ: بِما تَزْعُمُ أنَّهُ الهِدايَةُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] أيِ: العَهْدَ الَّذِي عاهَدُوا عَلَيْهِ، ويَتَمادَوْنَ في غَيِّهِمْ.
43:51–53Page 493
وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١
And Pharaoh called out among his people; he said, "O my people, does not the kingdom of Egypt belong to me, and these rivers flowing beneath me; then do you not see?
أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢
Or am I [not] better than this one [i.e., Moses] who is insignificant and hardly makes himself clear?1
فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣
Then why have there not been placed upon him bracelets of gold or come with him the angels in conjunction?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ - ٥٣] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] .
﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يَعْنِي أنْهارَ النِّيلِ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ما أنا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والخَيْرِ، وما فِيهِ مُوسى مِنَ الفَقْرِ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] أيْ: ضَعِيفٌ لا شَيْءَ لَهُ مِنَ المُلْكِ، (p-٥٢٧٨)والأمْوالِ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أيِ: الكَلامَ، لِمُخالَفَةِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ اللُّغَةَ القِبْطِيَّةَ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] أيْ: يُعِينُونَهُ ويُصَدِّقُونَهُ.
43:54–55Page 493
فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤
So he bluffed his people, and they obeyed him. Indeed, they were [themselves] a people defiantly disobedient [of Allāh].
فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥
And when they angered Us, We took retribution from them and drowned them all.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤، ٥٥] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] .
﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ أيْ: فاسْتَفَزَّهم بِهَذِهِ المُغالَطاتِ، وحَمَلَهم عَلى أنْ يَخِفُّوا لَهُ ويُصَدِّقُوهُ: ﴿فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ: أغْضَبُونا بِطاعَةِ عَدُوِّنا وقَبُولِ مُغالَطاتِهِ بِلا دَلِيلٍ، وتَكْذِيبِ مُوسى وآياتِهِ، ونِدائِهِ بِالسّاحِرِ، ونَكْثِ العُهُودِ: ﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] وذَلِكَ لِاسْتِغْراقِهِمْ في بَحْرِ الضَّلالِ، الأجْيالَ الطِّوالَ، وعَدَمِ نَفْعِ العِظَةِ مَعَهم بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
43:56–58Page 493
فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦
And We made them a precedent and an example for the later peoples.
۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ٥٧
And when the son of Mary was presented as an example,1 immediately your people laughed aloud.
وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ٥٨
And they said, "Are our gods better, or is he?"1 They did not present it [i.e., the comparison] except for [mere] argument. But, [in fact], they are a people prone to dispute.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦، ٥٨] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] .
﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾ أيْ: حُجَّةً لِلْهالِكِينَ بَعْدَهُمْ: ﴿ومَثَلا﴾ أيْ: عِبْرَةً: ﴿لِلآخِرِينَ﴾ أيِ: النّاجِينَ: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: في كَوْنِهِ كَآدَمَ، كَما أشارَتْ لَهُ آيَةُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] والمَعْنى: لِما بَيْنَ وصْفِهِ الحَقِّ مِن أنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، عِبادَتُهُ كُفْرُ، ودُعاؤُهُ شِرْكٌ، إذْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: مِن مَثَلِهِ المَضْرُوبِ ووَصْفِهِ المُبَيَّنِ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] أيْ: يُعْرِضُونَ، ولا يَعُونَ: ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] يَعْنُونَ بِآلِهَتِهِمُ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عَبَدُوهُمْ، (p-٥٢٧٩)زَعْمًا مِنهم أنَّهم بَناتُ اللَّهِ تَعالى، كَما ذُكِرَ عَنْهم ذَلِكَ في أوَّلِ السُّورَةِ. أيْ: أنَّهم خَيْرٌ مِن عِيسى وأفْضَلُ؛ لِأنَّهم مِنَ المَلَأِ الأعْلى والنَّوْعِ الأسْمى، فَإذا جازَتْ عِبادَةُ المَفْضُولِ وهو عِيسى، فَبِالأوْلى عِبادَةُ الأفْضَلِ وهُمُ المَلائِكَةُ. كَأنَّهم يُقِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ أُصُولًا صَحِيحَةً، ويَبْنُونَ عَلى تَمَسُّكِهِمْ أقْيِسَةً صَرِيحَةً، وغَفَلُوا، لِجَهْلِهِمْ، عَنْ بُطْلانِ المَقِيسِ والمَقِيسِ عَلَيْهِ، وأنَّ البُرْهانَ الصّادِعَ قامَ عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى، وعَلى اسْتِحالَةِ التَّوالُدِ في ذاتِهِ العَلِيَّةِ.
وإذا اتَّضَحَ الهُدى فَما وراءَهُ إلّا الضَّلالُ، والمُشاغَبَةُ بِالجِدالِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾ [الزخرف: ٥٨] أيْ: ما ضَرَبُوا لَكَ هَذا القَوْلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والخُصُومَةِ، لا عَنِ اعْتِقادٍ، لِظُهُورِ بُطْلانِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] أيْ: شَدِيدُو الخُصُومَةِ بِالباطِلِ تَمْوِيهًا وتَلْبِيسًا. وفي الحَدِيثِ: ««ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ»» وما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، هو الجَلِيُّ الواضِحُ، لِدَلالَةِ السِّياقِ والسِّباقِ فَقابِلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما حَكاهُ الغَيْرُ وأنْصِفْ. ثُمَّ جَلّى شَأْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِما يَرْفَعُ كُلَّ لَبْسٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
43:59Page 493
إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
He [i.e., Jesus] was not but a servant upon whom We bestowed favor, and We made him an example for the Children of Israel.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩] ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ: ﴿وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ، بِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ، مِمّا أيَّدَ نَبُّوتَهُ، ورِسالَتَهُ، وصَدَّقَ دَعْواهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences