Al-QasimiAz‑Zukhruf · 43:60–88

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:60–88

43:60Page 493

وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ٦٠

And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٠] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ .

﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ أيْ: بَدَلَكُمْ: ﴿مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أيْ: يَكُونُونَ مَكانَكم. إيعادٌ لَهم بِأنَّهم في قَبْضَةِ المَشِيئَةِ في إهْلاكِهِمْ، وإبْدالِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم.

(p-٥٢٨٠)كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقِيلَ مَعْنى: ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم مَلائِكَةً، كَما ولَّدْنا عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ، لِتَعْرِفُوا تَمَيُّزَنا بِالقُدْرَةِ. واللَّفْظُ الكَرِيمُ يَحْتَمِلُهُ، إلّا أنَّ الأظْهَرَ هو الأوَّلُ، لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ التَّنْزِيلِ، مِن خَواتِمِ أمْثالِ ما تَقَدَّمَ، بِنَظائِرِ هَذا الوَعِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

43:61–62Page 494

وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١

And indeed, he [i.e., Jesus] will be [a sign for] knowledge of the Hour, so be not in doubt of it, and follow Me.1 This is a straight path.

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٢

And never let Satan avert you. Indeed, he is to you a clear enemy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦١، ٦٢] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢]

﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْقُرْآنِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ، أيْ: وإنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ يَعْلَمُ بِالسّاعَةِ ويُخْبِرُ عَنْها وعَنْ أهْوالِها، وفي جَعْلِهِ عَيْنَ العِلْمِ، مُبالَغَةٌ. والعِلْمُ بِمَعْنى العَلامَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ: إنَّ ظُهُورَهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ. ونُزُولَهُ إلى الأرْضِ في آخِرِ الزَّمانِ دَلِيلٌ عَلى فَناءِ الدُّنْيا. وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ أنَّ عِيسى سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِها. فَإنَّهُ هو ومُعْجِزاتُهُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ. فالآيَةُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَلاقَتُهُ المُسَبَّبِيَّةُ؛ إذْ أطْلَقَ المُسَبِّبَ وهو العِلْمُ، وأرادَ السَّبَبَ وهو عِيسى ومُعْجِزاتُهُ. كَقَوْلِكَ: (أمْطَرَتِ السَّماءُ نَباتًا)؛ أيْ: مَطَرًا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ النَّباتُ.

وقُرِئَ: "وإنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسّاعَةِ" بِفَتْحَتَيْنِ. أيْ: أنَّهُ كالجَبَلِ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ ونَحْوِهِ؛ فَبِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُهْتَدى إلى طَرِيقَةِ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى إمْكانِ السّاعَةِ وكَيْفِيَّةِ حُصُولِها. انْتَهى. وهو جَيِّدٌ.

﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ﴾ أيِ: اتَّبِعُوا هُدايَ، أوْ شَرْعِي، أوْ رَسُولِي، أوْ هو أمْرٌ لِلرَّسُولِ أنْ يَقُولَهُ. ﴿هَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ، أوْ ما أدْعُوكم إلَيْهِ: ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الزخرف: ٦٢] أيْ: عَنِ الِاتِّباعِ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢]

43:63–64Page 494

وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣

And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."

(p-٥٢٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٣، ٦٤] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] .

﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أيْ: مِن أحْكامِ التَّوْراةِ وغَيْرِها. كاخْتِلافِ اليَهُودِ في القِيامَةِ، لِعَدَمِ صَراحَتِها في كُتُبِهِمْ. وقَدْ جاءَ في نَحْوِها آيَةُ: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] وقَدْ وضَعَ عَنِ اليَهُودِ شَيْئًا مِن إصْرِ التَّوْراةِ، وأغْلالِ النّامُوسِ، كَما فَعَلَ في يَوْمِ السَّبْتِ، خَفَّفَ شِدَّةَ حُكْمِهِ.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (ولِأُبَيِّنَ لَكم كُلَّ ما تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ. بَلْ تَرَكَ بَيانَ كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، كالفَسادِ الَّذِي دَخَلَ في أغْلَبِ كُتُبِهِمْ لِلْفارْقِلِيطِ (مُحَمَّدٍ ﷺ) - الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، لِعَدَمِ اسْتِعْدادِ النّاسِ في زَمَنِهِ لِقَبُولِ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ. كَما قالَ هو نَفْسُهُ فِي: (إنْجِيلِ يُوحَنّا)، في الإصْحاحِ السّادِسَ عَشَرَ، وخُصُوصًا إذا تَعَرَّضَ لِلطَّعْنِ في كُتُبِهِمْ، وهي رَأْسُ مالِهِمُ الوَحِيدُ وتُراثُ أجْدادِهِمْ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَشَكَّ فِيهِ الكَثِيرُونَ مِنهم وكَذَّبُوهُ، ولَما اتَّبَعَهُ إلّا الأقَلُّونَ أوِ النّادِرُونَ، فَتَضِيعُ الفائِدَةُ مِن بَعْثَتِهِ الَّتِي بَيَّنّاها في المَتْنِ، وهي الَّتِي بُعِثَ مِن أجْلِها.

وأمّا قَوْلُ اللَّهِ تَعالى عَنْ لِسانِهِ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [آل عمران: ٥٠] فالمُرادُ بِمِثْلِ هَذا التَّعْبِيرِ، أنَّهُ بِمَجِيئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَقَّقَتْ نُبُوّاتُ التَّوْراةِ عَنْهُ، وبِهِ صَحَّتْ وصَدَقَتْ. وكَلِمَةُ (التَّوْراةِ)، تُطْلَقُ عَلى كِتابِ العَهْدِ القَدِيمِ؛ فالمَعْنى أنَّ مَجِيءَ عِيسى كانَ وفْقَ ما أنْبَأ بِهِ النَّبِيُّونَ عَنْهُ مِن قَبْلُ. ولَوْلاهُ لَما صَدَقَتْ تِلْكَ النُّبُوّاتُ؛ فَإنَّها لا تَنْطَبِقُ إلّا عَلَيْهِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ (p-٥٢٨٢)عِيسى يُقِرُّ كُلَّ ما في التَّوْراةِ، كَما يَتَوَهَّمُ النَّصارى الآنَ مِن مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وإلّا لَما قالَ بَعْدَها مُباشَرَةً: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] فَكَيْفَ يُقِرُّها وهو قَدْ جاءَ ناسِخًا لِبَعْضِ ما فِيها؟ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ ولا تَكُنْ كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَهْرِفُونَ بِما لا يَعْرِفُونَ، ويُفَسِّرُونَ ما لا يَفْهَمُونَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو وجِيهٌ جِدًّا.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ [الزخرف: ٦٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ اللَّهَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ عَلَيْنا إفْرادَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ وإخْلاصَ الطّاعَةِ لَهُ، رَبِّي ورَبُّكم جَمِيعًا. فاعْبُدُوهُ وحْدَهُ لا تُشْرِكُوا مَعَهُ في عِبادَتِهِ شَيْئًا؛ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ ولا يَنْبَغِي أنَّ يُعْبَدَ شَيْءٌ سِواهُ.

﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] أيْ: هَذا الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ، مِنَ اتِّقاءِ اللَّهِ وطاعَتِي، وإفْرادِ اللَّهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، هو الطَّرِيقُ القَوِيمُ. وإذا كانَ هَذا قَوْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ المُلْحِدِينَ فِيهِ والمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. ثُمَّ أشارَ إلى وعِيدِ مَن خالَفَ الحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

43:65Page 494

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥

But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٥] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ .

﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ أيِ: الفِرَقُ المُتَحَزِّبَةُ اخْتِلافًا نَشَأ: ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أيْ: لا مِن قَوْلِهِ تَعالى، ولا مِن قَوْلِ عِيسى. بَلْ ظُلْمًا وعِنادًا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: مُؤْلِمٍ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ، وكَثْرَةِ الفَضائِحِ، وظُلْمِهِمْ بِتَرْكِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.

43:66–67Page 494

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦

Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?

ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧

Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٦، ٦٧] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .

(p-٥٢٨٣)﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ: ﴿إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيِ: المُتَخالُّونَ عَلى المَعاصِي والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيْ: مُعادٍ، يَتَبَرَّأُ كُلٌّ مِن صاحِبِهِ: ﴿إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيِ: المُتَصادِقِينَ في طاعَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: الخُلَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ خَيْرِيَّةً، أوْ لا. والخَيْرِيَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ في اللَّهِ أوْ لِلَّهِ ومَحَبَّتِهِ. وغَيْرُ الخَيْرِيَّةِ إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُها اللَّذَّةَ النَّفْسانِيَّةَ أوِ النَّفْعَ العَقْلِيَّ.

والقِسْمُ الأوَّلُ هو المَحَبَّةُ الرُّوحانِيَّةُ الذّاتِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَناسُبِ الأرْواحِ في الأزَلِ، الَّتِي قالَ فِيها: ««فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ»» فَهم إذا بَرَزُوا في هَذِهِ النَّشْأةِ، وتَوَجَّهُوا إلى الحَقِّ، وتَجَدَّدُوا عَنْ مَوادِّ الرِّجْسِ، فَلَمّا تَلاقَوْا تَعارَفُوا، وإذا تَعارَفُوا تَحابُّوا، لِتَجانُسِهِمُ الأصْلِيِّ، وتَوافُقِهِمْ في الوُجْهَةِ والطَّرِيقَةِ، وتَشابُهِهِمْ في السِّيرَةِ والغَرِيزَةِ، وتَجَرُّدِهِمْ عَنِ الأغْراضِ الفاسِدَةِ والأعْراضِ الذّاتِيَّةِ، الَّتِي هي سَبَبُ العَداوَةِ.

وانْتَفَعَ كُلٌّ مِنهم بِالآخَرِ في سُلُوكِهِ وعِرْفانِهِ. والتَذَّ بِلِقائِهِ، وتَصَفّى بِصَفائِهِ، وتَعاوَنُوا في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَهي الخُلَّةُ التّامَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي لا تَزُولُ أبَدًا كَمَحَبَّةِ الأنْبِياءِ، والأصْفِياءِ، والأوْلِياءِ، والشُّهَداءِ.

والقِسْمُ الثّانِي هو المَحَبَّةُ القَلْبِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَناسُبِ الأوْصافِ، والأخْلاقِ، والسِّيَرِ الفاضِلَةِ، ونَشْأتُهُ الِاعْتِقاداتُ، والأعْمالُ الصّالِحَةُ. كَمَحَبَّةِ الصُّلَحاءِ والأبْرارِ فِيما بَيْنَهُمْ، ومَحَبَّةِ العُرَفاءِ والأوْلِياءِ إيّاهم. ومَحَبَّةِ الأنْبِياءِ أُمَمَهم.

والقِسْمُ الثّالِثُ هو المَحَبَّةُ النَّفْسانِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، والأعْراضِ الجُزْئِيَّةِ. كَمَحَبَّةِ الأزْواجِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ، ومَحَبَّةِ الفُجّارِ والفُسّاقِ المُتَعاوِنِينَ في اكْتِسابِ الشَّهَواتِ، واسْتِلابِ الأمْوالِ.

والقِسْمُ الرّابِعُ هو المَحَبَّةُ العَقْلِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَسْهِيلِ أسْبابِ المَعاشِ، وتَيْسِيرِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَمَحَبَّةِ التُّجّارِ والصُّنّاعِ، ومَحَبَّةِ المُحْسَنِ إلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ. فَكُلُّ ما اسْتَنَدَ إلى غَرَضٍ فانٍ، وسَبَبٍ زائِلٍ، زالَ (p-٥٢٨٤)بِزَوالِهِ، وانْقَلَبَ عِنْدَ فِقْدانِهِ عَداوَةً. لِتَوَقُّعِ كُلٍّ مِنَ المُتَحابِّينَ ما اعْتادَ مِن صاحِبِهِ، مِنَ اللَّذَّةِ المَعْهُودَةِ، والنَّفْعِ المَأْلُوفِ، وامْتِناعِهِ لِزَوالِ سَبَبِهِ، ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ أحَدُ القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ، أطْلَقَ الكَلامَ، وقالَ: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] لِانْقِطاعِ أسْبابِ الوَصْلَةِ بَيْنَهُمْ، وانْتِفاءِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ عَنْهُمْ، وامْتِناعِ حُصُولِ اللَّذَّةِ الحِسِّيَّةِ، والنَّفْعِ الجُسْمانِيِّ، وانْقِلابِهِما حَسَراتٍ وآلامًا وضَرَرًا وخُسْرانًا. قَدْ زالَتِ اللَّذّاتُ والشَّهَواتُ، وبَقِيَتِ العُقُوباتُ والتَّبِعاتُ، فَكُلٌّ يَمْقُتُ صاحِبَهُ ويُبْغِضُهُ؛ لِأنَّهُ يَرى ما بِهِ مِنَ العَذابِ، مِنهُ وبِسَبَبِهِ.

ثُمَّ اسْتَثْنى المُتَّقِينَ المُتَناوِلِينَ لِلْقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ لِقِلَّتِهِمْ، كَما لَقالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ولَعَمْرِي، إنَّ القِسْمَ الأوَّلَ أعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ؛ وهُمُ الكامِلُونَ في التَّقْوى، البالِغُونَ إلى نِهايَتِها، الفائِزُونَ بِجَمِيعِ مَراتِبِها. ويَلِيهِمُ القِسْمُ الثّانِي، وكِلا القِسْمَيْنِ، لِاشْتِراكِهِما في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، وطَلَبِ ثَوابِهِ، واجْتِنابِ سُخْطِهِ، وعِقابِهِ، نَسَبَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ:

43:68Page 494

يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨

[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٨] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ .

﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ: لِأمْنِهِمْ مِنَ العَذابِ: ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ أيْ: عَلى فَواتِ لَذّاتِ الدُّنْيا؛ لِكَوْنِهِمْ عَلى ألَذَّ مِنها وأبْهَجَ، وأحْسَنَ حالًا وأجْمَلَ.

43:69Page 494

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩

[You] who believed in Our verses and were Muslims.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٩] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ .

﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: صَدَّقُوا بِكِتابِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وعَمِلُوا بِما جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهُمْ: ﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: أهْلَ خُضُوعٍ لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ، وقَبُولٍ مِنهم لِما جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم عَنْ رَبِّهِمْ، عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حُنَفاءَ، لا يَهُودَ، ولا نَصارى، ولا أهْلَ أوْثانٍ.

43:70Page 494

ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠

Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."

(p-٥٢٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٠] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ .

﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ أيْ: تُسَرَّوْنَ سُرُورًا يَظْهَرُ حِبارُهُ، أيْ: أثَرُهُ عَلى وُجُوهِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]

43:71–72Page 494

يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١

Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.

وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢

And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١، ٧٢] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] .

﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ الصِّحافُ جَمْعُ (صَفْحَةٍ)، وهي آنِيَةُ الأكْلِ. والأكْوابُ جَمْعُ (كُوبٍ)، وهو ما يُشْرَبُ مِنهُ كالكُوزِ، إلّا أنَّ الكُوبَ ما لا عُرْوَةَ لَهُ. قالَ الشِّهابُ: العُرْوَةُ ما يُمْسَكُ مِنهُ ويُسَمّى أُذُنًا. ولِذا قالَ مَن ألْغَزَ فِيهِ:

؎وذِي أُذُنٍ بِلا سَمْعٍ لَهُ قَلْبٌ بِلا قَلْبِ

؎إذا اسْتَوْلى عَلى صَبٍّ ∗∗∗ فَقُلْ ما شِئْتَ في الصَّبِّ

ومِنَ اللَّطائِفِ هُنا ما قِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَتْ أوانِي المَأْكُولاتِ أكْثَرَ بِالنِّسْبَةِ لِأوانِي المَشْرُوبِ عادَةً، جَمَعَ الأوَّلَ جَمْعَ كَثْرَةٍ، والثّانِيَ جَمْعَ قِلَّةٍ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ أيْ: بِمُشاهَدَتِهِ: ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] أيْ: مِنَ الخَيْراتِ، والأعْمالِ الصّالِحاتِ. وقَدْ شَبَّهَ ما اسْتَحَقُّوهُ بِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها الباقِي لَهُمْ، بِما يُخَلِّفُهُ المَرْءُ لِوُرّاثِهِ مِنَ الأمْلاكِ والأرْزاقِ. ويَلْزَمُهُ تَشْبِيهُ العَمَلِ نَفْسِهِ بِالمُورِثِ، (عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ)، فَهو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ.

43:73Page 494

لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣

For you therein is much fruit1 from which you will eat.

(p-٥٢٨٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٣] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ .

﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: ما اشْتَهَيْتُمْ، و(مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، ورُجِّحَ بِدَلالَتِهِ عَلى كَثْرَةِ النِّعَمِ، وأنَّها غَيْرُ مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ، وأنَّها مُزَيَّنَةٌ بِالثِّمارِ أبَدًا، مُوقَرَةٌ بِها.

43:74–75Page 495

إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤

Indeed, the criminals will be in the punishment of Hell, abiding eternally.

لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٥

It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤، ٧٥] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] .

﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ، والمَعاصِيَ في الدُّنْيا: ﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥] أيْ: لا يُخَفَّفُ ولا يُنْقَصُ: ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] أيْ: مُسْتَسْلِمُونَ يائِسُونَ.

43:76Page 495

وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦

And We did not wrong them, but it was they who were the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٦] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ .

﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: بِهَذا العَذابِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِكُفْرِهِمُ اللَّهَ، وجُحُودِهِمْ تَوْحِيدَهُ.

43:77–78Page 495

وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧

And they will call, "O Mālik,1 let your Lord put an end to us!" He will say, "Indeed, you will remain."

لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٨

We had certainly brought you the truth, but most of you, to the truth, were averse.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٧، ٧٨] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] .

﴿ونادَوْا﴾ أيْ: بَعْدَ إدْخالِهِمْ جَهَنَّمَ: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أيْ: لِيُمِتْنا. أيْ: سَلْهُ أنْ يَفْعَلَ بِنا ذَلِكَ. تُمَنَّوْا تَعَطُّلَ الحَواسِّ وعَدَمَ الإحْساسِ، لِشِدَّةِ التَّألُّمِ بِالعَذابِ الجُسْمانِيِّ (p-٥٢٨٧)﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ أيْ: لابِثُونَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] أيْ: لا تَقْبَلُونَهُ وتَنْفِرُونَ مِنهُ، وعَبَّرَ (بِالأكْثَرِ)؛ لِأنَّ مِنَ الأتْباعِ مَن يَكْفُرُ تَقْلِيدًا.

لَطِيفَةٌ:

قالَ القاشانِيُّ: سُمِّيَ خازِنُ النّارِ (مالِكًا) لِاخْتِصاصِهِ بِمَن مَلَكَ الدُّنْيا وآثَرَها. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ [النازعات: ٣٧] ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النازعات: ٣٨] ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] كَما سُمِّيَ خازِنُ الجَنَّةِ (رِضْوانًا) لِاخْتِصاصِهِ بِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ورَضُوا عَنْهُ.

43:79Page 495

أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ ٧٩

Or have they devised [some] affair?1 But indeed, We are devising [a plan].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٩] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ .

﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ أيْ: أمْ أبْرَمَ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا فَأحْكَمُوهُ، يَكِيدُونَ بِهِ الحَقَّ الَّذِي جاءَهُمْ، فَإنّا مُحْكِمُونَ لَهم ما يُخْزِيهِمْ ويُذِلُّهُمْ، مِنَ النَّكالِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]

43:80Page 495

أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠

Or do they think that We hear not their secrets and their private conversations? Yes, [We do], and Our messengers [i.e., angels] are with them recording.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٠] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ .

﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ: ما أخْفَوْهُ مِن تَناجِيهِمْ بِما يَمْكُرُونَ، فَلا نُجازِيهِمْ عَلَيْهِ لِخَفائِهِ عَلَيْنا: ﴿بَلى﴾ أيْ: نَسْمَعُهُما ونَطَّلِعُ عَلَيْهِما: ﴿ورُسُلُنا﴾ يَعْنِي الحَفَظَةَ: ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أيْ: ما تَكَلَّمُوا بِهِ ولَفَظُوا مِن قَوْلٍ، ثُمَّ أشارَ إلى رَدِّ إفْكِهِمْ في أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، خَتْمًا لِلسُّورَةِ مِمّا بُدِئَتْ بِهِ، المُسَمّى عِنْدَ البَدِيعِيِّينَ: (رَدَّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ). فَقالَ سُبْحانَهُ:

43:81Page 495

قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ ٨١

Say, [O Muḥammad], "If the Most Merciful had a son, then I would be the first of [his] worshippers."1

(p-٥٢٨٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨١] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ .

﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيْ: لِذَلِكَ الوَلَدِ. والأوَّلِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِينَ، لا لِمَن تَقَدَّمَهم. قالَ الشِّهابُ: ولَوْ أُبْقِيَ عَلى إطْلاقِهِ، عَلى أنَّ المُرادَ إظْهارُ الرَّغْبَةِ والمُسارَعَةِ، جازَ. انْتَهى.

43:82Page 495

سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢

Exalted is the Lord of the heavens and the earth, Lord of the Throne, above what they describe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٢] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ .

﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ عَلى نَفْيِ التّالِي. وهو عِبادَةُ الوَلَدِ؛ أيْ: أُوَحِّدُهُ وأُنَزِّهُهُ تَعالى عَمّا يَصِفُونَهُ مَن كَوْنِهِ مُماثِلًا لِشَيْءٍ، لِكَوْنِهِ رَبًّا خالِقًا لِلْأجْسامِ كُلِّها، فَلا يَكُونُ مِن جِنْسِها، فَيُفِيدُ انْتِقاءُ الوَلَدِ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ. وأمّا دَلالَتُهُ عَلى الثّانِي، فَإذا جُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ﴾ إلَخْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا مِن كَلامِ الرَّسُولِ؛ أيْ: (نَزِّهْ رَبَّ السَّماواتِ عَمّا يَصِفُونَهُ)، فَيَكُونُ نَفْيًا لِلْمُتَقَدِّمِ ويَكُونُ تَعْلِيقُ عِبادَةِ الرَّسُولِ مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، والمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَحْوى بِدَلالَةِ المَفْهُومِ، أبْلَغُ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ مِن دَلالَةِ المَنطُوقِ. كَما قالَ في اسْتِبْعادِ الرُّؤْيَةِ: ﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] انْتَهى.

43:83Page 495

فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٨٣

So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٣] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .

﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا﴾ أيْ: في باطِلِهِمْ: ﴿ويَلْعَبُوا﴾ أيْ: في دُنْياهُمْ: ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (p-٥٢٨٩)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ يَوْمُ يُصْلِيهِمُ اللَّهُ بِفِرْيَتِهِمْ عَلَيْهِ جَهَنَّمَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

43:84Page 495

وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٤

And it is He [i.e., Allāh] who is [the only] deity in the heaven, and on the earth [the only] deity. And He is the Wise, the Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٤] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ .

﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ أيِ: المَعْبُودُ فِيهِما بِلا شَرِيكٍ. ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ أيْ: في تَدْبِيرِ خَلْقِهِ، وتَسْخِيرِهِمْ لِما يَشاءُ بِمَصالِحِهِمْ.

43:85–86Page 495

وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٥

And blessed is He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them and with whom is knowledge of the Hour and to whom you will be returned.

وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٨٦

And those they invoke1 besides Him do not possess [power of] intercession; but only those who testify to the truth [can benefit], and they know.2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٥، ٨٦] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]

﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أيِ: الشَّفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، كَما زَعَمُوا أنَّ أنْدادَهم شُفَعاءُ: ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أيْ: مَن آمَنَ بِاللَّهِ، وأقَرَّ بِتَوْحِيدِهِ، وهم يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ تَوْحِيدِهِ؛ أيْ: وحَّدُوهُ، وأخْلَصُوا لَهُ عَلى عِلْمٍ مِنهم ويَقِينٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ عَلى بَصِيرَةٍ وعِلْمٍ، فَإنَّهُ تَنْفَعُ شَفاعَتُهُ عِنْدَهُ، بِإذْنِهِ لَهُ. ا ه

(p-٥٢٩٠)تَنْبِيهٌ:

قالَ الشِّهابُ: اسْتَدَلَّ الفُقَهاءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّهادَةَ لا تَكُونُ إلّا عَنْ عِلْمٍ، وأنَّها تَجُوزُ وإنْ لَمْ يَشْهَدْ.

وفِي (الإكْلِيلِ) قالَ الكِيا: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّهادَةَ بِالحَقِّ غَيْرُ نافِعَةٍ إلّا مَعَ العِلْمِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ لا يُغْنِي مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِصِحَّةِ المَقالَةِ. والثّانِي: أنَّ شَرْطَ الشَّهاداتِ في الحُقُوقِ وغَيْرِها، أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ عالِمًا بِها.

43:87Page 495

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧

And if you asked them1 who created them, they would surely say, "Allāh." So how are they deluded?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٧] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَنا لِتَعَذُّرِ المُكابَرَةِ فِيهِ مِن فَرْطِ ظُهُورِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ.

43:88Page 495

وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨

And [Allāh acknowledges] his saying,1 "O my Lord, indeed these are a people who do not believe."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٨] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

﴿وقِيلِهِ﴾ أيْ: قِيلُ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، شاكِيًا إلى رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وما يَتَلَقّى مِنهُمْ: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أمَرْتَنِي بِإنْذارِهِمْ، وأرْسَلْتَنِي إلَيْهِمْ لِدُعائِهِمْ إلَيْكَ: ﴿قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ واليَوْمِ الآخِرِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском