Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:16–39
44:16Page 496
يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦
The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ .
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِمَّنْ وافَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى تَفْسِيرِهِ الدُّخانَ بِما تَقَدَّمَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، مِن رِوايَةِ العَوْفِيِّ عَنْهُ. وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وجَماعَةٍ عَنْهُ، وهو مُحْتَمَلٌ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنْ كانَ يَوْمُ بَدْرٍ يَوْمَ بَطْشَةٍ أيْضًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ. حَدَّثَنا ابْنُ عُلَيَّةَ. حَدَّثَنا خالِدٌ الحَذّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: البَطْشَةُ الكُبْرى يَوْمَ بَدْرٍ. وأنا أقُولُ هي يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ عَنْهُ. وبِهِ يَقُولُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنُ كَثِيرٍ.
فَصْلٌ:
ومِمَّنْ رَجَّحَ الوَجْهَ الأوَّلَ، وهو أنَّ المُرادَ بِالدُّخانِ يَوْمُ المَجاعَةِ والشِّدَّةِ مَجازًا، بِذِكْرِ المُسَبِّبِ وإرادَةِ السَّبَبِ. أوْ بِالِاسْتِعارَةِ، العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ حَيْثُ قالَ: والأوَّلُ هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ (p-٥٣٠٢)مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ قَطْعًا؛ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٣] إلَخْ، رَدٌّ لِكَلامِهِمْ، واسْتِدْعائِهِمُ الكَشْفَ، وتَكْذِيبٌ لَهم في الوَعْدِ بِالإيمانِ، المُنْبِئِ عَنِ التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ بِما اعْتَراهم مِنَ الدّاهِيَةِ، أيْ: كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ؟ أوْ مِن أيْنَ يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ ويَفُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهُمْ؟ ﴿وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] أيْ: والحالُ أنَّهم شاهَدُوا مِن دَواعِي التَّذَكُّرِ، ومُوجِباتِ الِاتِّعاظِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ في إيجابِها. حَيْثُ جاءَهم رَسُولٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، وبَيَّنَ لَهم مَناهِجَ الحَقِّ، بِإظْهارِ آياتٍ ظاهِرَةٍ ومُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ، تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ.
﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان: ١٤] عَنْ ذَلِكَ الرَّسُولِ وهو هُوَ، رَيْثَما يُشاهِدُونَ مِنهُ ما شاهَدُوهُ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقْتَنِعُوا بِالتَّوَلِّي. ﴿وقالُوا﴾ [الدخان: ١٤] في حَقِّهِ: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] أيْ: قالُوا تارَةً: يُعَلِّمُهُ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ ثَقِيفٍ. وأُخْرى مَجْنُونٌ، أوْ يَقُولُ بَعْضُهم كَذا وآخَرُونَ كَذا. فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِن قَوْمٍ هَذِهِ صِفاتُهم أنْ يَتَأثَّرُوا بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ؟ وما مَثَلُهم إلّا كَمَثَلِ الكَلْبِ إذا جاعَ ضَعُفَ، وإذا شَبِعَ طَغى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِمَزِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. أيْ:: إنّا نَكْشِفُ العَذابَ المَعْهُودَ عَنْكم كَشْفًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا. إنَّكم تَعُودُونَ إثْرَ ذَلِكَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وتَنْسَوْنَ هَذِهِ الحالَةَ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: { قَلِيلًا } الدَّلالَةُ عَلى زِيادَةِ خُبْثِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا عادُوا قَبْلَ تَمامِ الِانْكِشافِ، كانُوا بَعْدَهُ أسْرَعَ إلى العَوْدِ. وصِيغَةُ الفاعِلِ في الفِعْلَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِما لا مَحالَةَ، ولَقَدْ وقَعَ كِلاهُما حَيْثُ كَشَفَهُ اللَّهُ تَعالى، بِدُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَما لَبِثُوا أنْ عادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ. انْتَهى ما قالَهُ أبُو السُّعُودِ بِزِيادَةٍ.
فَصْلٌ:
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ في الآيَةِ، قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أُبَيٌّ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُسافِرٍ. (p-٥٣٠٣)حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَسّانَ. حَدَّثَنا ابْنُ مَهْيَعَةَ. حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قالَ: كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ غَرِيبٌ جِدًّا. بَلْ مُنْكَرٌ. انْتَهى.
أيْ: لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ مَرْفُوعًا ولا مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، تُرْجُمانِ القُرْآنِ، أوْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحْبِ، إلّا أنَّ عَدَمَ كَوْنِهِ مَأْثُورًا لا يُنافِي احْتِمالَ لَفْظِ الآيَةِ لَهُ، وصِدْقَها عَلَيْهِ، لاسِيَّما، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] مِمّا هو وعْدٌ بِظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الفَتْحِ. وحِينَئِذٍ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ﴾ [الدخان: ١٥] أيْ: ما يَنْزِلُ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، بِرَفْعِ القَتْلِ والأسْرِ عَنْهم. ومَعْنى: ﴿عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] أيْ: إلى لِقاءِ اللَّهِ ومُجازاتِهِ.
فَصْلٌ:
يَظْهَرُ مِمّا نَقَلْناهُ عَنِ السَّلَفِ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ الآيِ اللّاتِي أُخِذَتْ مِنَ الصَّحْبِ، عَلَيْهِمُ الرِّضْوانُ، اهْتِمامًا في مَعْناها، وعِنايَةً في البَحْثِ عَنِ المُرادِ مِنها. حَتّى كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مُصِرًّا عَلى وجْهٍ، وعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةُ عَلى وجْهٍ آخَرَ. عَلى ما أُسْنِدَ عَنْهم مِن طُرُقٍ، ولَعَمْرُ الحَقِّ! إنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَجَدِيرَةٌ بِزِيادَةِ العِنايَةِ. وهَكَذا كُلُّ ما كانَ مِن مَعارِكِ الأنْظارِ لِلْأئِمَّةِ الكِبارِ. وسَبَبُ الِاخْتِلافِ هو إيجازُ الأُسْلُوبِ الكَرِيمِ، وإيثارُهُ مِنَ الألْفاظِ أرَقَّها، وأوْجَزَها. مِمّا يَصْدُقُ لِبَلاغَتِهِ حَقِيقَةً تارَةً ومَجازًا أُخْرى. هَذا أوَّلًا.
وثانِيًا: لَمّا كانَ كَثِيرٌ مِنَ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ تَتَشابَهُ مَعَ الآياتِ، كانَ ذَلِكَ مِمّا يُقَرِّبُ بَيْنَهُما، ويَدْعُو إلى اتِّحادِ المُرادِ مِنهُما. لِما تَقَرَّرَ مِن شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْكِتابِ، وهَذا ما دَرَجَ عَلَيْهِ المُحَدِّثُونَ قاطِبَةً. فَتَرى أحَدَهم إذا رَأى في خَبَرٍ ما يُشِيرُ إلى آيَةٍ، قَطَعَ بِأنَّهُ تَفْسِيرُها ووَقَفَ عِنْدَهُ ولَمْ يَتَعَدَّهُ. وأمّا مَن فَتَحَ لِلتَّدَبُّرِ بابًا، ومَهَّدَ لِلنَّظَرِ مَجالًا، ورَأى أنَّ الأثَرَ قَدْ يَكُونُ مِن مَحْمُولاتِ الآيَةِ وما صَدَقاتِها، وأنَّها أعَمُّ وأشْمَلُ، أوْ إنَّ حَمْلَ الخَبَرِ عَلَيْها اشْتِباهٌ أفْضى إلَيْهِ التَّشابُهُ، (p-٥٣٠٤)فَذاكَ وسَّعَ لِلسّالِكِ المَسالِكَ، وفَتَحَ لِلْمُرِيدِ المَدارِكَ، ورَقّاهُ مِن حَظِيرَةِ النَّقْلِ إلى فَضاءِ العَقْلِ. ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ.
إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، رَأيْتَ أنَّ مَن فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَجاعَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِقُرَيْشٍ، أمْكَنَهُ تَطْبِيقُ الآيَةِ عَلَيْها مَجازًا في بَعْضِ مُفْرَداتِها، وحَقِيقَةً في بَقِيَّتِها وفي وُقُوعِ مِصْداقِها، في رَأْيِهِ. ومَن فَسَّرَها بِالدُّخّانِ المُنْتَظَرِ، المَرْوِيِّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وقَفَ مَعَ المَرْوِيِّ ورَأى أنَّهُ تَفْسِيرُها؛ لِأنَّ الأصْلَ التَّوافُقُ والحَمْلُ عَلى المَعْهُودِ؛ لِأنَّهُ الأقْرَبُ خُطُورًا والأسْبَقُ حُضُورًا، ومَن فَسَّرَها بِالظُّهُورِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، رَأى أنَّها مِن بَلِيغِ المَجازِ وبَدِيعِ الكِنايَةِ في ذَلِكَ، وأنَّ الوَعْدَ بِالِارْتِقابِ. كَثُرَ أشْباهُهُ ونَظائِرُهُ في غَيْرِ ما آيَةٍ، مُرادًا بِهِ الفَتْحُ. كَآيَةِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩] ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠]
فَهَذا وأمْثالُهُ يُبَيِّنُ مَآخِذَ الأئِمَّةِ، ومَدارِكَهم في التَّأْوِيلِ. وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ أطْرافَ المَدارِكِ قَدْ تَتَجاذَبُ اللَّفْظَ فَتَسْتَوْقِفُ الرَّأْيَ عَنِ التَّشَيُّعِ لِمُدْرِكٍ دُونَ آخَرَ. ما لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ ما يُرَشِّحُ أحَدَها وقَدْ يَظُنُّ الواقِفُ عَلى كَلامِ الرّازِيِّ المُتَقَدِّمِ، واحْتِجاجِهِ لِلْوَجْهِ الثّانِي بِما أطالَ بِهِ، أنْ لا مُنْتَدَحَ، بَعْدُ، عَنْهُ. مَعَ أنَّ لِلذّاهِبِ إلى غَيْرِهِ أنْ يُجِيبَ عَنِ احْتِجاجِهِ بِما أسْلَفْنا مِن صِحَّةِ المَجازِ. بَلْ وقُوَّتُهُ هُنا؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إنْذارٍ وإيعادٍ، والذَّوْقُ أكْبَرُ حاكِمٍ وإلَيْهِ مَرَدُّ البَلاغَةِ. ولا يَلْزَمُ المُتَأوِّلَ نُكْرانُهُ لِلدُّخانِ المُنْتَظَرِ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ. بَلْ يَتَعَرَّفُ بِأنَّهُ آيَةٌ آتِيَةٌ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ، ويَنْقَلِبُ هَذا النِّظامُ إلى نَشْأةٍ ثانِيَةٍ، وأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الِاشْتِراكِ اللَّفْظِيِّ اتِّحادُ المَتْلُوِّ والمَرْوِيِّ.
وبِالجُمْلَةِ، فاللَّفْظُ الكَرِيمُ يَتَناوَلُ المَعانِيَ الثَّلاثَةَ. وسَبَبُهُ تَحَقُّقُ مِصْداقِ الجَمِيعِ. وأمّا تَعْيِينُ واحِدٍ مِنها لِلْمُرادِ، فَصَعْبٌ جِدًّا فِيما أراهُ، لاسِيَّما ولَمْ يَتَّفِقِ الصَّحْبُ عَلى رَأْيٍ فِيها. هَذا ما نَقُولُهُ الآنَ. واللَّهُ العَلِيمُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
44:17Page 496
۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧
And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],
(p-٥٣٠٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ .
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ: ابْتُلِينا، قَبْلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ، بِإرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا. فاخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ: ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: عَلى اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ، أوْ في نَفْسِهِ. فَعَلى الأوَّلِ كَرِيمٌ بِمَعْنى مُكْرَمٍ أيْ: مُعَظَّمٍ. وعَلى الثّانِي، مِنَ الكَرَمِ بِمَعْنى الِاتِّصافِ بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ، حَسَبًا ونَسَبًا.
44:18Page 496
أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨
[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨] ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ .
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أيْ: أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ، لِأسِيرَ بِهِمْ إلى بِلادِنا الأُولى، وأطْلِقُوهم مِن أسْرِكم وحَبْسِكُمْ؛ فَإنَّهم قَوْمٌ أحْرارٌ، أبَوْا -لِلضَّيْمِ- هَذِهِ الدِّيارَ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ أيْ: عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ، الَّتِي حَمَّلَنِيها إلَيْكُمْ؛ لِأُنْذِرَكم بَأْسَهُ إنْ عَصَيْتُمْ.
44:19Page 497
وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩
And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: بِإنْكارِ رُبُوبِيَّتِهِ، ودَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وغَضَبِ عِبادِهِ: ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ واضِحَةٍ عَلى رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، ونَفْيِ رُبُوبِيَّتِكُمْ، وعَلى رِسالَتِي، وعَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عِبادُهُ الخاصَّةُ.
44:20Page 497
وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠
And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠] ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ .
﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ أيِ: اعْتَصَمْتُ بِهِ مِن رَجْمِكُمْ؛ يَعْنِي القَتْلَ، فَعَصَمَنِي، فَلا يَنالُنِي مِنكم مَكْرُوهٌ، مَعَ أنَّهُ لا يُعْصَمُ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ، وقَصَدَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، (p-٥٣٠٦)إظْهارَ مَزِيدِ شَجاعَتِهِ وثَباتِهِ في مَوْقِفٍ تَضْطَرِبُ فِيهِ الأفْئِدَةُ، وتَزِلُّ الأقْدامُ، خَوْفًا ورُعْبًا، وما ذاكَ إلّا لِإيوائِهِ إلى عِصْمَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ.
44:21Page 497
وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١
But if you do not believe me, then leave me alone."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١] ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ .
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: فَكُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنِّي. فَلَسْتُ بِمَوالٍ مِنكم أحَدًا.
44:22Page 497
فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢
And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢] ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ .
﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ أيْ: لَمّا تابُوا عَنْ إجابَتِهِ: ﴿أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ أيْ: مُشْرِكُونَ مُفْسِدُونَ.
44:23Page 497
فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣
[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣] ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ .
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلا﴾ أيْ: فَأجابَ دُعاءَهُ، وأوْحى إلَيْهِ بِأنْ سِرْ بِقَوْمِكَ لَيْلًا: ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: إنَّ فِرْعَوْنَ، وقَوْمَهُ مِنَ القِبْطِ مُتَّبِعُوكُمْ، إذا شَخَصْتُمْ عَنْ بَلَدِهِمْ وأرْضِهِمْ لِيُرْجِعُوكم.
44:24–25Page 497
وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤
And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."
كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥
How much they left behind of gardens and springs
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤، ٢٥] ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] .
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ: فَإذا قَطَعْتَ البَحْرَ أنْتَ وأصْحابُكَ، فاتْرُكْهُ ساكِنًا عَلى حالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها حِينَ دَخَلْتَهُ، ولا تَضْرِبْهُ بِعَصاكَ لِيَدْخُلَهُ القِبْطُ فَيَغْرَقُوا: ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ [الدخان: ٢٥] أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ بِالغَرَقِ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] أيْ: بَساتِينَ وعُيُونٍ يُسْقى مِنها، ويُتَنَعَّمُ بِالنَّظَرِ فِيها، هَذا في التَّفَكُّهِ والتَّنَزُّهِ.
(p-٥٣٠٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦] ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ .
﴿وزُرُوعٍ﴾ أيْ: قائِمَةٍ مَزارِعُهم لِلْقُوتِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: مَحافِلَ مُزَيَّنَةٍ، ومَنازِلَ مُزَخْرَفَةٍ.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧] ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ .
﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ أيْ: مُتَنَعِّمِينَ مِن نِساءٍ وأمْوالٍ وحَشَمٍ، وما لا يُحْصى مِنَ المُشْتَهِياتِ.
44:28Page 497
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨
Thus. And We caused to inherit it another people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ .
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ هَذا الإخْراجِ. فالكافُ، أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَفْهُومٍ مِنَ التَّرْكِ. أوْ هو خَبَرٌ مَحْذُوفٌ؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ. والمُرادُ بِهِ التَّأْكِيدُ والتَّقْرِيرُ.
﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ يَعْنِي مَن خَلْفَهم بَعْدَ مَهْلَكِهِمْ.
44:29Page 497
فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩
And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩] ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ .
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا ماتَ رَجُلٌ خَطِيرٌ، قالَتِ العَرَبُ في تَعْظِيمِ مَهْلَكِهِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وأظْلَمَتْ لَهُ الشَّمْسُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎تُبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ والقَمَرا
(p-٥٣٠٨)وقالَتِ الخارِجِيَّةُ:
؎أيا شَجَرَ الخابُورِ ما لَكَ مُورِقًا ∗∗∗ كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلى ابْنِ طَرِيفِ
وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ. مُبالَغَةً في وُجُوبِ الجَزَعِ والبُكاءِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِن بُكاءِ مُصَلّى المُؤْمِنِ، وآثارِهِ في الأرْضِ، ومَصاعِدِ عَمَلِهِ، ومَهابِطِ رِزْقِهِ في السَّماءِ: تَمْثِيلٌ. ونَفْيُ ذَلِكَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ فِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وبِحالِهِمْ، المُنافِيَةِ لِحالِ مَن يَعْظُمُ فَقْدُهُ، فَيُقالُ فِيهِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، وعَنِ الحَسَنِ: فَما بَكى عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ. يَعْنِي: فَما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ: ﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: مُؤَخَّرِينَ بِالعُقُوبَةِ. بَلْ عُوجِلُوا بِها، زِيادَةَ سُخْطٍ عَلَيْهِمْ.
44:30Page 497
وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠
And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠] ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ .
﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ يَعْنِي اسْتِعْبادَ فِرْعَوْنَ، وقَتْلَهُ أبْناءَهم.
44:31Page 497
مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١] ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ .
﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ العَذابِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ جَعَلَهُ عَذابًا مُبالَغَةً لِإفْراطِهِ في التَّعْذِيبِ، أوْ حالٌ مِن (المُهِينِ)، بِمَعْنى واقِعًا مِن جِهَتِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ أيْ: مُتَكَبِّرًا عَلى النّاسِ: ﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيِ: المُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، في العُتُوِّ والشَّرِّ.
44:32Page 497
وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢
And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.
(p-٥٣٠٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢] ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ .
﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: فَضَّلْناهم لِأجْلِ عِلْمٍ مَعَهُمْ، عَلى عالَمَيْ زَمانِهِمْ. أوْ عالِمِينَ بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُخْتارُوا ويُؤْثَرُوا.
44:33Page 497
وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣
And We gave them of signs that in which there was a clear trial.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣] ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿وآتَيْناهُمْ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى اخْتِبارِهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ والكَراماتِ: ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهم حُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى أعْدائِهِمْ.
44:34–35Page 497
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤
Indeed, these [disbelievers] are saying,
إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥
"There is not but our first death, and we will not be resurrected.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤، ٣٥] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] .
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] أيِ: المُتَعَقِّبَةُ لِلْحَياةِ، كَأنَّهم أرادُوا إلّا مَوْتَتَنا هَذِهِ. ولَيْسَ القَصْدُ إلى إثْباتِ ثانِيَةٍ. قالَ الإسْنَوِيُّ في (التَّمْهِيدِ): الأوَّلُ في اللُّغَةِ ابْتِداءُ الشَّيْءِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُ ثانٍ، وقَدْ لا يَكُونُ. كَما تَقُولُ: هَذا أوَّلُ ما اكْتَسَبْتُهُ. فَقَدْ تَكْتَسِبُ بَعْدَهُ شَيْئًا، وقَدْ لا تَكْتَسِبُ. كَذا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ، والزَّجّاجُ. ومِن فُرُوعِ المَسْألَةِ، ما لَوْ قالَ: إنْ كانَ أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَأنْتِ طالِقٌ، تَطْلُقُ إذا ولَدَتْهُ، وإنْ لَمْ تَلِدْ غَيْرَهُ، بِالِاتِّفاقِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: اتَّفِقُوا عَلى أنْ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ أوَّلًا، أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ آخِرٌ. وإنَّما الشَّرْطُ أنْ لا تُقَدِّمَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ. انْتَهى.
وما ذُكِرَ أظْهَرُ مِمّا لِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] أيْ: مَبْعُوثِينَ.
44:36Page 497
فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦
Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."
(p-٥٣١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦] ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في بَعْثِنا بَعْدَ بَلائِنا في قُبُورِنا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ حُجَّةٌ باطِلَةٌ، وشُبْهَةٌ فاسِدَةٌ؛ فَإنَّ المَعادَ إنَّما هو يَوْمُ القِيامَةِ، لا في دارِ الدُّنْيا. بَلْ بَعْدَ انْقِضائِها وذَهابِها وفَراغِها، يُعِيدُ اللَّهُ العالَمِينَ خَلْقًا جَدِيدًا، ويَجْعَلُ الظّالِمِينَ لِنارِ جَهَنَّمَ وقُودًا، ثُمَّ أنْذَرَهم تَعالى بَأْسَهُ الَّذِي لا يُرَدُّ، كَما حَلَّ بِأشْباهِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
44:37Page 497
أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧
Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧] ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .
﴿أهم خَيْرٌ﴾ أيْ: في القُوَّةِ والمَنَعَةِ: ﴿أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِجُرْمِهِمْ، وهو كُفْرُهم وفَسادُهم. وهم ما هم. فَما بالُ قُرَيْشٍ لا تَخافُ أنْ يُصِيبَها ما أصابَهُمْ؟ وقَوْمُ تُبَّعٍ هم حِمْيَرُ وأهْلُ سَبَأٍ. أهْلَكَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وفَرَّقَهم في البِلادِ شَذَرَ مَذَرَ. كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ [ سَبَأٍ] . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ كانُوا عَرَبًا مِن قَحْطانَ. كَما أنَّ هَؤُلاءِ عَرَبٌ مِن عَدْنانَ، وكانَتْ حِمْيَرُ كُلَّما مَلَكَ فِيهِمْ رَجُلٌ سَمَّوْهُ تُبَّعًا. كَما يُقالُ: (كِسْرى)، لِمَن مَلَكَ الفُرْسَ. و(قَيْصَرُ)، لِمَن مَلَكَ الرُّومَ. و(فِرْعَوْنُ)، لِمَن مَلَكَ مِصْرَ كافِرًا. و(النَّجاشِيُّ)، لِمَن مَلَكَ الحَبَشَةَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أعْلامِ الأجْناسِ.
لَكِنِ اتُّفِقَ أنَّ بَعْضَ تَبابِعَتِهِمْ خَرَجَ مِنَ اليَمَنِ، وسارَ في البِلادِ حَتّى وصَلَ إلى سَمَرْقَنْدَ، واشْتَدَّ مُلْكُهُ، وعَظُمَ سُلْطانُهُ وجَيْشُهُ، واتَّسَعَتْ مَمْلَكَتُهُ، وبِلادُهُ، وكَثُرَتْ رَعاياهُ، وهو الَّذِي مَصَّرَ الحِيرَةَ، فاتَّفَقَ أنَّهُ مَرَّ بِالمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وذَلِكَ في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَأرادَ قِتالَ أهْلِها فَمانَعُوهُ، وقاتَلُوهُ بِالنَّهارِ، وجَعَلُوا يَقْرُونَهُ بِاللَّيْلِ. فاسْتَحْيا مِنهم وكَفَّ عَنْهُمْ، واسْتَصْحَبَ مَعَهُ حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ يَهُودَ، كانا قَدْ نَصَحاهُ، وأخْبَراهُ أنْ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى هَذِهِ البَلْدَةِ. فَإنَّها مُهاجَرُ نَبِيٍّ يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ. فَرَجَعَ عَنْها، وأخَذَهُما مَعَهُ إلى بِلادِ اليَمَنِ. فَلَمّا اجْتازَ بِمَكَّةَ أرادَ هَدْمَ الكَعْبَةِ. فَنَهَياهُ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا. وأخْبَراهُ بِعَظَمَةِ (p-٥٣١١)هَذا البَيْتِ، وأنَّهُ مِن بِناءِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ عَلى يَدَيْ ذَلِكَ النَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، فَعَظَّمَها وطافَ بِها، وكَساها المُلاءَ والوَصائِلَ والحِبَرَ. ثُمَّ كَرَّ راجِعًا إلى اليَمَنِ، ودَعا أهْلَها إلى التَّهَوُّدِ مَعَهُ. وكانَ إذْ ذاكَ دِينُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فِيهِ مَن يَكُونُ عَلى الهِدايَةِ قَبْلَ بَعْثَةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَتَهَوَّدَ مَعَهُ عامَّةُ أهْلِ اليَمَنِ.
وقَدْ ذَكَرَ القِصَّةَ بِطُولِها الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في كِتابِهِ: (السِّيرَةُ). وتَرْجَمَهُ الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في (تارِيخِهِ) تَرْجَمَةً حافِلَةً، وذَكَرَ أنَّهُ مَلَكَ دِمَشْقَ. وساقَ ما رُوِيَ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ ولَعْنِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكَأنَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. كانَ كافِرًا ثُمَّ أسْلَمَ، وتابَعَ دِينَ الكَلِيمِ عَلى يَدَيْ مَن كانَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ في ذَلِكَ الزَّمانِ عَلى الحَقِّ قَبْلَ بَعْثَةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَجَّ البَيْتَ في زَمَنِ الجُرْهُمِيِّينَ وكَساهُ المُلاءَ، والوَصائِلَ مِنَ الحَرِيرِ والحِبَرِ، ونَحَرَ عِنْدِهِ سِتَّةَ آلافِ بَدَنَةٍ، وعَظَمَّهُ وأكْرَمَهُ، ثُمَّ عادَ إلى اليَمَنِ، وقَدْ ساقَ قِصَّتَهُ بِطُولِها الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُطَوَّلَةٍ مَبْسُوطَةٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وإلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أيْضًا، وهو أثْبَتُ وأكْبَرُ وأعْلَمُ. وكَذا رَوى قِصَّتَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في (السِّيرَةِ) كَما هو مَشْهُورٌ فِيها. وقَدِ اخْتَلَطَ عَلى الحافِظِ ابْنِ عَساكِرَ في بَعْضِ السِّياقاتِ، تَرْجَمَةُ تُبَّعٍ هَذا، بِتَرْجَمَةِ آخَرَ مُتَأخِّرٍ عَنْهُ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ؛ فَإنَّ تُبَّعًا هَذا المُشارَ إلَيْهِ في القُرْآنِ أسْلَمَ قَوْمُهُ عَلى يَدَيْهِ، ثُمَّ لَمّا تُوُفِّيَ عادُوا بَعْدَهُ إلى عِبادَةِ الثِّيرانِ والأصْنامِ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، كَما ذَكَرَهُ في سُورَةِ سَبَأٍ.
وتُبَّعٌ هَذا هو تُبَّعٌ الأوْسَطُ. واسْمُهُ أسْعَدُ أبُو كَرِبَ. ولَمْ يَكُنْ في حِمْيَرَ أطْوَلُ مُدَّةً مِنهُ. وتُوُفِّيَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوٍ مِن سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وذَكَرُوا أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ لَهُ الحَبْرانِ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ، أنَّ هَذِهِ البَلْدَةَ مُهاجَرُ نَبِيٍّ في آخِرِ الزَّمانِ اسْمُهُ أحْمَدُ، قالَ في ذَلِكَ شِعْرًا، واسْتَوْدَعَهُ عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ. فَكانُوا يَتَوارَثُونَهُ ويَرْوُونَهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وكانَ مِمَّنْ يَحْفَظُهُ أبُو أيُّوبَ خالِدُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، الَّذِي نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في دارِهِ، وهُوَ:(p-٥٣١٢)
؎شَهِدْتُ عَلى أحْمَدَ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بارِي النَّسَمْ
؎فَلَوْ مَدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ ∗∗∗ لَكُنْتُ وزِيرًا لَهُ وابْنَ عَمْ
؎وجاهَدْتُ بِالسَّيْفِ أعْداءَهُ ∗∗∗ وفَرَّجْتُ عَنْ صَدْرِهِ كُلَّ غَمْ
ثُمَّ ساقَ ابْنُ كَثِيرٍ آثارًا في النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ، وبِالجُمْلَةِ فَإنَّ قِصَّتَهُ المَذْكُورَةَ، والمَرْوِيَّ في شَأْنِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَنَدُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ، إلّا إنَّ ذَلِكَ مِمّا يَتَحَمَّلُ التَّوَسُّعَ فِيهِ، لِكَوْنِهِ نَبَأً مَحْضًا مُجَرَّدًا عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ. نَعَمْ، لا يُشَكُّ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَعْلَمُ مِن فَخامَةِ نَبَئِهِ المَرْوِيِّ لَها بِالتَّواتُرِ، ما فِيهِ أكْبَرُ مَوْعِظَةٍ لَها، ولِذا طَوى نَبَأهُ، إحالَةً عَلى ما تَعْرِفُهُ مِن أمْرِهِ، وما تَسَمَّرَ بِهِ مِن شَأْنِهِ. وما القَصْدُ إلّا العِظَةُ والِاعْتِبارُ، لا قَصَّ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ الأخْبارِ، وسَمَرًا مِنَ الأسْمارِ، كَما هو السِّرُّ في أمْثالِ نَبَئِهِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
44:38–39Page 497
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨
And We did not create the heavens and earth and that between them in play.
مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩
We did not create them except in truth, but most of them do not know.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨، ٣٩] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] .
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] أيِ: الِاسْتِدْلالِ عَلى خالِقِهِما، لِعِبادَتِهِ وطاعَتِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] أيْ: حِكْمَةَ خَلْقِها، فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences