Al-QasimiAl‑Fath · 48:15–26

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:15–26

48:15Page 512

سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥

Those who remained1 behind will say when you set out toward the war booty to take it, "Let us follow you." They wish to change the words of Allāh. Say, "Never will you follow us. Thus did Allāh say before." So they will say, "Rather, you envy us." But [in fact] they were not understanding except a little.2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلا﴾ .

﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ أيْ: بِعُذْرِ الِاشْتِغالِ بِأمْوالِهِمْ، وأهْلِيهِمْ بَعْدَ طَلَبِهِمْ الِاسْتِغْفارَ لَهُمْ: ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ أيْ: قَصَدْتُمُ السَّيْرَ: ﴿إلى مَغانِمَ﴾ أيْ: أماكِنِها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ ما كانَ اللَّهُ وعَدَ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ مِن غَنائِمِ خَيْبَرَ: ﴿ذَرُونا﴾ أيِ: اتْرُكُونا في الِانْطِلاقِ إلَيْها: ﴿نَتَّبِعْكُمْ﴾ أيْ: نَشْهَدْ مَعَكم قِتالَ أهْلِها: ﴿يُرِيدُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُهُورِ كَذِبِهِمْ في الِاعْتِذارِ، وطَلَبِ الِاسْتِغْفارِ: ﴿أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وعْدُ اللَّهِ الَّذِي وعَدَ (p-٥٤١٣)أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ غَنائِمَ خَيْبَرَ لَهُمْ، ووَعَدَهم ذَلِكَ عِوَضًا مِن غَنائِمِ أهْلِ مَكَّةَ؛ إذِ انْصَرَفُوا عَنْهم عَلى صُلْحٍ، ولَمْ يُصِيبُوا مِنهم شَيْئًا.

وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ إرادَتَهُمُ الخُرُوجَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ:﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ. وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ، وأقامَ بِالمَدِينَةِ بَقِيَّتَها وأوائِلَ المُحَرَّمِ، ثُمَّ غَزا خَيْبَرَ بِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، فَفَتَحَها وغَنِمَ أمْوالًا كَثِيرَةً، فَخَصَّها بِهِمْ.

قالَ الشُّرّاحُ: وكانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ. ثُمَّ كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وبَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أيْضًا. وفي مُنْصَرَفِهِ مِن تَبُوكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ [التوبة: ٨٣] الآيَةَ. فَكَيْفَ يَحْمِلُ عَلى ما كانَ في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ نَزَلَ بَعْدَها بِكَثِيرٍ؟ -واللَّهُ أعْلَمُ- ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ أيْ: إلى خَيْبَرَ إذا أرَدْنا السَّيْرَ إلَيْها. وهو نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ. قالَ الشِّهابُ: فالخَبَرُ مَجازٌ عَنِ النَّهْيِ الإنْشائِيِّ، وهو أبْلَغُ.

﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مِن قَبْلِ مَرْجِعِنا إلَيْكم. إنَّ غَنِيمَةَ خَيْبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ مَعَنا، ولَسْتُمْ مِمَّنْ شَهِدَها، فَلَيْسَ لَكم أنْ تَتْبَعُونا إلى خَيْبَرَ، لِأنَّ غَنِيمَتَها لِغَيْرِكُمْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أيْ: أنْ نُصِيبَ مَعَكم مَغْنَمًا إنْ نَحْنُ شَهِدْنا مَعَكُمْ، فَلِذَلِكَ تَمْنَعُونَنا مِنَ الخُرُوجِ مَعَكم. قالَ الشِّهابُ: وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ. أيْ: بَلْ إنَّما ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم حَسَدًا.

﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: عَنِ اللَّهِ تَعالى ما لَهم وما عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ الدِّينِ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ (p-٥٤١٤)أيْ: فَهْمًا قَلِيلًا، وهو ما كانَ في أُمُورِ الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ تَعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا.

48:16Page 513

قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦

Say to those who remained behind of the bedouins, "You will be called to [face] a people of great military might; you may fight them, or they will submit.1 So if you obey, Allāh will give you a good reward; but if you turn away as you turned away before, He will punish you with a painful punishment."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ .

﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ: عَنِ المَسِيرِ مَعَكَ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: يَفُوقُ قِتالَ مَن أُقاتِلُهُمْ، بِحَيْثُ لا دَخْلَ لِلصُّلْحِ والأمْنِ فِيهِ، بَلْ: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ أيْ: يَدْخُلُونَ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ حَرْبٍ ولا قِتالٍ. وقُرِئَ شاذًّا: " أوْ يُسَلِّمُوا " بِمَعْنى إلّا أنْ يُسَلِّمُوا، أوْ حَتّى يُسَلِّمُوا، ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ يَعْنِي الغَنِيمَةَ في الدُّنْيا، والجَنَّةَ في الآخِرَةِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: عَنِ الحُدَيْبِيَةِ: ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: لِتَضاعُفِ جُرْمِكم.

ثُمَّ خَصَّ مِن هَذا الوَعِيدِ أصْحابَ الأعْذارِ، وإنْ حَدَثَتْ بَعْدَ التَّخَلُّفِ الأوَّلِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

48:17Page 513

لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٧

There is not upon the blind any guilt or upon the lame any guilt or upon the ill any guilt [for remaining behind]. And whoever obeys Allāh and His Messenger - He will admit him to gardens beneath which rivers flow; but whoever turns away - He will punish him with a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ .

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: وإنْ أمْكَنَهُ القِتالُ بِإحْساسِ صَوْتِ مَشْيِ (p-٥٤١٥)العَدُوِّ، ومَشْيِ فَرَسِهِ، لَكِنْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ حِفْظُ نَفْسِهِ عَنْهُ ﴿ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ﴾ أيْ: وإنْ أمْكَنَهُ القِتالُ قاعِدًا، لَكِنْ لا يُمْكِنُهُ الكَرُّ والفَرُّ، ولا يَقْوى قُوَّةَ القائِمِ: ﴿ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أيْ: فَإنَّهُ وإنْ أمْكَنَهُ الإبْصارُ والقِيامُ، فَلا قُوَّةَ لَهُ في دَفْعِ العَدُوِّ، فَضْلًا عَنِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ هَؤُلاءِ، وإنْ فاتَهُمُ الجِهادُ، لا يَنْقُصُ ثَوابُهم إذا أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ عَنْ إطاعَتِهِما، وإنْ كانَ أعْمى، أوْ أعْرَجَ، أوْ مَرِيضًا: ﴿يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: بِالمَذَلَّةِ دُنْيا، والنّارِ أُخْرى.

تَنْبِيهٌ:

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ هم (أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ)- عَلى أقْوالٍ:

أحَدُها- أنَّهم هَوازِنُ.

الثّانِي - ثَقِيفٌ، وكِلاهُما غَزاهُ النَّبِيُّ ﷺ.

الثّالِثُ- بَنُو حَنِيفَةَ الَّذِينَ تابَعُوا مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ، وغَزاهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الرّابِعُ - أهْلُ فارِسَ والرُّومُ، الَّذِينَ غَزاهم عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ومَثارُ الخِلافِ هو عُمُومُ ظاهِرِ الآيَةِ، وشُمُولُ مِصْداقِها لِكُلِّ الغَزَواتِ المَذْكُورَةِ. ولَوْ عُدَّ مِنَ الأوْجُهِ كُفّارُ مَكَّةَ، لَمْ يَبْعُدْ، بَلْ عِنْدِي هو الأقْرَبُ، لِأنَّ السِّينَ لِلِاسْتِقْبالِ القَرِيبِ؛ فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عِدَةً بِفَتْحِ مَكَّةَ، مُنْصَرَفَهُ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وعَلى أثَرِها كانَتْ غَزْوَةُ الفَتْحِ الأعْظَمِ، الَّتِي لَمْ يَتَخَلَّفُ عَنْها مِنَ القَبائِلِ الشَّهِيرَةِ أحَدٌ، إذْ دَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِتالِ قُرَيْشٍ أوْ يُسَلِّمُوا، فَكانَ ما كانَ مِن إسْلامِهِمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا -واللَّهُ أعْلَمُ-.

(p-٥٤١٦)

48:18Page 513

۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨

Certainly was Allāh pleased with the believers when they pledged allegiance to you, [O Muḥammad], under the tree, and He knew what was in their hearts, so He sent down tranquility upon them and rewarded them with an imminent conquest1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨] ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْـزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ .

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ، حِينَ بايَعُوهُ عَلى مُناجَزَةِ قُرَيْشٍ الحَرْبَ، وعَلى أنْ لا يَفِرُّوا، ولا يُوَلُّوهُمُ الدُّبُرَ، تَحْتَ شَجَرَةٍ هُناكَ.

وقَدْ أجْمَعَ الرُّواةُ في (الصِّحاحِ) عَلى أنَّ الشَّجَرَةَ لَمْ تُعْلَمْ بَعْدُ. فَفي (الصَّحِيحَيْنِ) مِن حَدِيثِ أبِي عَوانَةَ عَنْ طارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كانَ أبِي مِمَّنْ بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. قالَ: فانْطَلَقْنا مِن قابِلٍ حاجِّينَ، فَخَفِيَ عَلَيْنا مَكانُها، وإنْ كانَتْ بَيَّنَتْ لَكُمْ، فَأنْتُمْ أعْلَمُ. وفِيهِما أيْضًا عَنْ سُفْيانَ قالَ: إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مَوْضِعِها.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كانَ جَدِّي يُقالُ لَهُ حَزْنٌ، وكانَ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَأتَيْناها مِن قابِلٍ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْنا.

ثُمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وزَعَمُوا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ بِذَلِكَ المَكانِ بَعْدَ أنْ ذَهَبَتِ الشَّجَرَةُ فَقالَ: أيْنَ كانَتْ؟ فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقُولُ: هُنا، وبَعْضُهم يَقُولُ: ها هُنا! فَلَمّا كَثُرَ اخْتِلافُهم قالَ: سِيرُوا، هَذا التَّكَلُّفُ، فَذَهَبَتِ الشَّجَرَةُ، وكانَتْ سُمْرَةً، إمّا ذَهَبَ بِها سَيْلٌ، وإمّا شَيْءٌ سِوى ذَلِكَ. انْتَهى.

(p-٥٤١٧)وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): رَوى ابْنُ سَعْدٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ نافِعٍ أنَّ عُمَرَ بَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا يَأْتُونَ الشَّجَرَةَ، فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَتَوَعَّدَهُمْ، ثُمَّ أمَرَ بِقَطْعِها، فَقُطِعَتْ!.

ولا يُنافِي ما تَقَدَّمَ، لِاحْتِمالِ أنَّ هَؤُلاءِ عَلِمُوا مَكانَها، أوْ تَوَهَّمُوها، فاتَّخَذُوها مَسْجِدًا، ومَكانًا مُقَدَّسًا، فَقَطَعَها عُمَرُ حالَتَئِذٍ، صَوْنًا لِعَقِيدَتِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ، لِأنَّ الِاجْتِماعَ عَلى العِبادَةِ حَوْلَها يُفْضِي إلى عِبادَتِها بَعْدُ، كَما أفْضى نَصْبُ الأوْثانِ إلى عِبادَتِها، وكانَ أوَّلُ أمْرِها لِتَعْظِيمِ مُسَمَّياتِها، وإجْلالِ مِثالِ أصْحابِها.

وقالَ في (الفَتْحِ) أيْضًا في شَرْحِ ابْنِ عُمَرَ، وقَوْلُهُ: رَجَعْنا مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فَما اجْتَمَعَ مِنّا اثْنانِ عَلى الشَّجَرَةِ الَّتِي بايَعْنا تَحْتَها. كانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ، ما مِثالُهُ:

وقَدْ وافَقَ المُسَيِّبُ بْنُ حَزَنٍ، والِدُ سَعِيدٍ، ما قالَهُ ابْنُ عُمَرَ مِن خَفاءِ الشَّجَرَةِ. والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ لا يَحْصُلَ بِها افْتِنانٌ، لِما وقَعَ تَحْتَها مِنَ الخَيْرِ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَما أمِنَ تَعْظِيمَ بَعْضِ الجُهّالِ لَها، حَتّى رُبَّما أفْضى بِهِمْ إلى اعْتِقادِ أنَّ لَها قُوَّةَ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، كَما نَراهُ الآنَ مُشاهَدًا فِيما هو دُونَها. وإلى ذَلِكَ أشارَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ (كانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ). أيْ: كانَ خَفاؤُها عَلَيْهِمْ، بَعْدَ ذَلِكَ، رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.

وهَذِهِ البَيْعَةُ تُسَمّى بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، سُمِّيَتْ لِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُها مُفَصَّلَةً.

﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والعَزِيمَةِ عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ: ﴿فَأنْـزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: في الصَّبْرِ والطُّمَأْنِينَةِ والوَقارِ ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وعَوَّضَهم في العاجِلِ مِمّا رَجَوُا الظَّفَرَ بِهِ مِن غَنائِمِ أهْلِ مَكَّةَ، بِقِتالِهِمْ أهْلَها فَتْحًا قَرِيبًا، وذَلِكَ -فِيما قِيلَ- فَتْحُ خَيْبَرَ.

(p-٥٤١٨)

48:19Page 513

وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٩

And much war booty which they will take. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩] ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .

﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ وهي مَغانِمُ خَيْبَرَ، وكانَتْ أرْضًا ذاتَ عَقّارٍ وأمْوالٍ، فَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ خاصَّةً ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أيْ: ذا عِزَّةٍ في انْتِقامِهِ مِن أعْدائِهِ، وحُكْمِهِ في تَدْبِيرِ خَلْقِهِ.

48:20Page 513

وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢٠

Allāh has promised you much booty that you will take [in the future] and has hastened for you this [victory] and withheld the hands of people from you - that it may be a sign for the believers and [that] He may guide you to a straight path.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠] ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .

﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ يَعْنِي ما يَفِيءُ عَلَيْهِمْ مِن غَنائِمِ الكُفّارِ في سَبِيلِ الجِهادِ ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ يَعْنِي غَنائِمَ خَيْبَرَ. وأمّا الغَنائِمُ المُؤَخَّرَةُ فَسائِرُ فُتُوحِ المُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ، إلى قِيامِ السّاعَةِ. وقِيلَ: المُعَجَّلَةُ هي صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ. والصَّوابُ هو الأوَّلُ، كَما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَغْنَمُوا بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ غَنِيمَةً، ولَمْ يَفْتَحُوا فَتْحًا أقْرَبَ مِن بَيْعَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ إلَيْها، مِن فَتْحِ خَيْبَرَ وغَنائِمِها ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أيْ: أيْدِيَ أهْلِ خَيْبَرَ، فانْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ، أوْ أيْدِيَ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ عَنْكم في الحُدَيْبِيَةِ. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ الأوَّلَ. قالَ: لِأنَّ الثّانِيَ سَيُذْكَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآيَةَ. أيْ: والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ. ولَكَ أنْ تَقُولَ: لا مانِعَ مِنَ التَّأْكِيدِ، لا سِيَّما في مَقامِ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِها. وتَكُونُ الآيَةُ الثّانِيَةُ بِمَثابَةِ التَّفْسِيرِ لِلْأُولى، والتَّبْيِينِ لِمُطْلَقِها -واللَّهُ أعْلَمُ- ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ولِتَكُونَ تِلْكَ الكِفَّةُ أوِ الغَنِيمَةُ عِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، (p-٥٤١٩)يَعْرِفُونَ بِها أنَّهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ، وأنَّهُ ضامِنُ نَصْرِهِمْ، والفَتْحِ لَهم ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: ويَزِيدُكم بَصِيرَةً ويَقِينًا وثِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

48:21Page 513

وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢١

And [He promises] other [victories] that you were [so far] unable to [realize] which Allāh has already encompassed.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١] ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ .

﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: " هَذِهِ " أيْ: فَيَجْعَلَ لَكم هَذِهِ المَغانِمَ، ومَغانِمَ أُخْرى، وهي مَغانِمُ هَوازِنَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى ما تَقَدَّمَ مُحاوَلَةً لَها. وقالَ الحَسَنُ: هي فارِسُ والرُّومُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وكَوْنُها مُعَجَّلَةً، وإنْ كانَتْ لَمْ تَحْصُلْ إلّا في عَهْدِ عُمَرَ، بِالنِّسْبَةِ لِما بَعْدَها مِنَ الغَنائِمِ الإسْلامِيَّةِ.

وعَنْ قَتادَةَ: هي مَكَّةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ قَتادَةُ، أشْبَهَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ التَّنْزِيلِ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أنَّهُ مُحِيطٌ بِقَرْيَةٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، ومَعْقُولٌ أنَّهُ لا يُقالُ لِقَوْمٍ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلى هَذِهِ المَدِينَةِ، إلّا أنْ يَكُونُوا قَدْ رامُوها فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ. فَأمّا وهم لَمْ يَرْمُوها فَتَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ، فَلا يُقالُ إنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها. فَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وكانَ مَعْلُومًا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، خَيْبَرَ لِحَرْبٍ، ولا وجَّهَ إلَيْها لِقِتالِ أهْلِها جَيْشًا ولا سَرِيَّةً، عُلِمَ أنَّ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ غَيْرُها، وأنَّها هي الَّتِي عالَجَها ورامَها فَتَعَذَّرَتْ، فَكانَتْ مَكَّةُ وأهْلُها كَذَلِكَ، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ، أنَّهُ أحاطَ بِها وبِأهْلِها، وأنَّهُ فاتِحُها عَلَيْهِمُ. انْتَهى.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْنى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ: أعَدَّها لَكُمْ، فَهي كالشَّيْءِ الَّذِي أُحِيطَ بِهِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ، فَهو مَحْصُورٌ لا يَفُوتُ. فَأنْتُمْ، وإنْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها في الحالِ، فَهي مَحْبُوسَةٌ (p-٥٤٢٠)عَلَيْكم لا تَفُوتُكم. وقِيلَ: ﴿أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ عَلِمَ أنَّها سَتَكُونُ لَكُمْ، كَما قالَ: وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقِيلَ: حَفِظَها اللَّهُ عَلَيْكُمْ، لِيَكُونَ فَتْحُها لَكُمُ. انْتَهى.

وقَدْ جَوَّزَ فِي: " أُخْرى " أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى: مَغانِمَ المَنصُوبِ بِـ: " وعَدَكم " وأنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً بِالِابْتِداءِ و: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ صِفَتُها و: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ خَبَرٌ. وأوْجُهٌ أُخَرُ.

﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ أيْ: لا يَبْعُدُ عَلَيْهِ إذا شاءَهُ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَبْشِيرِ أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالظَّفَرِ، والنَّصْرِ المُسْتَمِرِّ، لِصِدْقِ إيمانِهِمْ، وإخْلاصِهِمْ في ثَباتِهِمْ، وإيثارِهِمْ مَرْضاةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلى كُلِّ مَحْبُوبٍ، بِقَوْلِهِ:

48:22–23Page 513

وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٢٢

And if those [Makkans] who disbelieve had fought you, they would have turned their backs [in flight]. Then they would not find a protector or a helper.

سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٢٣

[This is] the established way of Allāh which has occurred before. And never will you find in the way of Allāh any change.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ - ٢٣ ] ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣] .

﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا الفَتْحِ، والنَّصْرِ المُعَجَّلِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ أيْ ولَّوْهم أعْجازَهم في الحَرْبِ، فِعْلَ المُنْهَزِمِ مِن قَرْنِهِ في الحَرْبِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: مَن يُوالِيهِمْ عَلى حَرْبِكُمْ، ويَنْصُرُهم عَلَيْكم ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ٢٣] أيْ: مَضَتْ في كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ مُؤْمِنِيها ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣] أيْ: تَغْيِيرًا.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بَلْ ذَلِكَ دائِمٌ. لِلْإحْسانِ جَزاؤُهُ مِنَ الإحْسانِ، ولِلْإساءَةِ، والكُفْرِ العِقابُ، والنَّكالُ.

(p-٥٤٢١)

48:24Page 514

وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ عَنۡهُم بِبَطۡنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٢٤

And it is He who withheld their hands from you and your hands from them within [the area of] Makkah after He caused you to overcome them. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ .

﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: قَضى بَيْنَهم وبَيْنَكُمُ المُكافَّةَ والمُحاجَزَةَ، بَعْدَ ما خَوَّلَكُمُ الظَّفَرَ عَلَيْهِمْ والغَلَبَةَ، إشارَةٌ إلى مِنَّةِ الصُّلْحِ ونِعْمَتِهِ في الحُدَيْبِيَةِ، وأنَّ ذَلِكَ عِنايَةٌ مِنهُ تَعالى بِما حَفِظَ مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، ولَطَفَ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لِما ادَّخَرَ لَهم بَعْدَهُ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ عَنى بِهَذا الكَفِّ، ما كانَ يَوْمَ الفَتْحِ، ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَهُ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي مَن لا أتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قُرَيْشًا كانُوا بَعَثُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا مِنهم أوْ خَمْسِينَ، وأمَرُوهم أنْ يَطُوفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُصِيبُوا مِن أصْحابِهِ أخْذًا، فَأخَذُوا أخْذًا. فَأتى بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعَفا عَنْهُمْ، وخَلّى سَبِيلَهم. وقَدْ كانُوا رَمَوْا في عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحِجارَةِ والنَّبْلِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَفي ذَلِكَ قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «أقْبَلَ مُعْتَمِرًا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ. فَأخَذَ أصْحابُهُ ناسًا مِن أهْلِ الحَرَمِ غافِلِينَ، فَأرْسَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ». فَذَلِكَ الإظْفارُ بِبَطْنِ مَكَّةَ.

قالَ قَتادَةُ: بَطْنُ مَكَّةَ، الحُدَيْبِيَةُ.

﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

(p-٥٤٢٢)

48:25Page 514

هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ لَوۡ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ٢٥

They are the ones who disbelieved and obstructed you from al-Masjid al-Ḥarām while the offering1 was prevented from reaching its place of sacrifice. And if not for believing men and believing women whom you did not know - that you might trample [i.e., kill] them and there would befall you because of them dishonor without [your] knowledge - [you would have been permitted to enter Makkah]. [This was so] that Allāh might admit to His mercy whom He willed. If they had been apart [from them], We would have punished those who disbelieved among them with painful punishment

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥] ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ .

﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ، هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ: ﴿وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ﴾ أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ أيْضًا، وهو ما يُهْدى إلى مَكَّةَ مِنَ النِّعَمِ: ﴿مَعْكُوفًا﴾ أيْ: مَحْبُوسًا. قالَ السَّمِينُ: يُقالُ: عَكَفْتُ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ إذا حَبَسْتَهُ عَنْها. وأنْكَرَ الفارِسِيُّ تَعْدِيَةَ (عَكَفَ) بِنَفْسِهِ، وأثْبَتَها ابْنُ سِيدَهْ، والأزْهَرِيُّ وغَيْرُهُما، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ، لِبِناءِ اسْمِ المَفْعُولِ مِنهُ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: مَحَلَّ نَحْرِهِ. وذَلِكَ دُخُولُ الحَرَمِ، والمَوْضِعِ الَّذِي إذا صارَ إلَيْهِ حَلَّ نَحْرُهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساقَ مَعَهُ حِينَ خَرَجَ إلى مَكَّةَ في سَفْرَتِهِ تِلْكَ، سَبْعِينَ بَدَنَةً.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَحَلَّ ذَبْحِ الهَدْيِ، الحَرَمُ.

﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ أيْ: مَوْجُودُونَ بِمَكَّةَ مَعَ الكُفّارِ: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ أيْ: بِصِفَةِ الإيمانِ وهم بِمَكَّةَ، حَبَسَهُمُ المُشْرِكُونَ بِها عَنْكُمْ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ ذَلِكَ الخُرُوجَ إلَيْكم ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ أيْ: تَقْتُلُوهم مَعَ الكُفّارِ، لَوْ أُذِنَ لَكم في الفَتْحِ بَدَلَ الصُّلْحِ. قالَ السَّمِينُ: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن رِجالٍ ونِساءٍ، غَلَّبَ الذُّكُورَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مَفْعُولِ: ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾ فالتَّقْدِيرُ عَلى الأوَّلِ: (ولَوْلا وطْءُ (p-٥٤٢٣)رِجالٍ ونِساءٍ غَيْرِ مَعْلُومِينَ). وتَقْدِيرُ الثّانِي: (لَمْ تَعْلَمُوا وطْأهُمْ)، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: (ولَوْلا رِجالٌ ونِساءٌ مَوْجُودُونَ، أوْ بِالحَضْرَةِ). انْتَهى.

﴿فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ﴾ أيْ: إثْمٌ وغَرامَةٌ. مِن عَرَّهُ إذا عَراهُ ما يَكْرَهُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ فِي: ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ أيْ: تَطَؤُوهم غَيْرَ عالِمِينَ بِهِمْ. وفي جَوابِ: لَوْلا أقْوالٌ:

أحَدُها:- أنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: ولَوْلا كَراهَةُ أنْ تُهْلِكُوا ناسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهْرانِي المُشْرِكِينَ، وأنْتُمْ غَيْرُ عارِفِينَ بِهِمْ، فَيُصِيبُكم بِإهْلاكِهِمْ مَكْرُوهٌ ومَشَقَّةٌ، لَما كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهُمْ، ولَأذِنَ لَكم في دُخُولِ مَكَّةَ مُقاتِلِيهِمْ.

والثّانِي:- أنَّهُ مَذْكُورٌ، وهُوَ: ﴿لَعَذَّبْنا﴾ وجَوابُ (لَوْ) هو المَحْذُوفُ. فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ لِدَلالَةِ الثّانِي، ومِنَ الثّانِي لِدَلالَةِ الأوَّلِ.

والثّالِثُ:-أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَذَّبْنا﴾ جَوابُهُما مَعًا، وهو بَعِيدٌ إنْ أُرِيدَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا فَإنَّهُ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: لَوْ تَزَيَّلُوا كالتَّكْرِيرِ لِـ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ لِمَرْجِعِهِما لِمَعْنًى واحِدٍ، ويَكُونُ: ﴿لَعَذَّبْنا﴾ هو الجَوابُ. ومَنَعَ الشَّيْخُ رُجُوعَهُما لِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ: لِأنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الأوَّلُ غَيْرُ ما تَعَلَّقَ بِهِ الثّانِي -أفادَهُ السَّمِينُ-.

وأجابَ النّاصِرُ بِقَوْلِهِ: وإنَّما كانَ مَرْجِعُهُما هَهُنا واحِدًا، وإنْ كانَتْ (لَوْلا) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، و(لَوْ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ. وبَيْنَ هَذَيْنِ تَنافٍ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ (لَوْلا) هَهُنا دَخَلَتْ عَلى وُجُودٍ، و(لَوْ) دَخَلَتْ عَلى قَوْلِهِ: تَزَيَّلُوا وهو راجِعٌ إلى عَدَمِ وُجُودِهِمْ. وامْتِناعُ عَدَمِ الوُجُودِ وُجُودٌ. فَآلا إلى أمْرٍ واحِدٍ مِن هَذا الوَجْهِ. قالَ: وكانَ جَدِّي رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْتارُ هَذا الوَجْهَ الثّانِيَ، ويُسَمِّيهِ تَطْرِيَةً. وأكْثَرُ ما تَكُونُ إذا تَطاوَلَ الكَلامُ، وبَعْدَ عَهْدِ أوَّلِهِ، واحْتِيجَ إلى رَدِّ الآخَرِ عَلى الأوَّلِ، فَمَرَّةً يُطْرِي بِلَفْظِهِ، ومَرَّةً بِلَفْظٍ آخَرَ يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ وقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُما أمْثالٌ.

(p-٥٤٢٤)تَنْبِيهٌ:

فَسَّرَ ابْنُ إسْحاقَ (المَعَرَّةَ) بِالدِّيَةِ، ذَهابًا إلى أنَّ دارَ الحَرْبِ لا تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّها تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ، حَيْثُ قالَ: (المَعَرَّةُ) هي كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَأِ، وذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لِمَن أطاقَ ذَلِكَ، ومَن لَمْ يُطِقْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ. قالَ: وإنَّما اخْتَرْتُ هَذا القَوْلَ، دُونَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أوْجَبَ عَلى قاتِلِ المُؤْمِنِ في دارِ الحَرْبِ -إذا لَمْ يَكُنْ هاجَرَ مِنها، ولَمْ يَكُنْ قاتِلُهُ عَلِمَ إيمانَهُ- الكَفّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ فَقالَ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] لَمْ يُوجِبْ عَلى قاتِلِهِ خَطَأً دِيَتَهُ، فَلِذَلِكَ قُلْنا: عَنى بِالمَعَرَّةِ في هَذا المَوْضِعِ الكَفّارَةَ. انْتَهى.

﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَوابُ المَحْذُوفُ، كَأنَّهُ قِيلَ عَقِيبَهُ: لَكِنْ كَفَّها عَنْهُمْ، ولَمْ يَأْذَنْ لَكم في مُقاتَلَتِهِمْ، لِيُدْخِلَكم في رَحْمَتِهِ الكامِلَةِ بِحِفْظِكم مِنَ المَعَرَّةِ. وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ: " مَن يَشاءُ " عِبارَةً عَمَّنْ رَغِبَ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، قالَ: أيْ: لِيُدْخِلَ اللَّهُ في الإسْلامِ مِن أهْلِ مَكَّةَ مَن يَشاءُ، قَبْلَ أنْ تَدْخُلُوها. وناقَشَ فِيهِ أبُو السُّعُودِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ مِن فَرْضِ التَّنْزِيلِ، وتَرْتِيبِ التَّعْذِيبِ عَلَيْهِ، يَأْباهُ.

﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أيْ: لَوْ تَمَيَّزَ مُشْرِكُو مَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ، والنِّساءِ المُؤْمِناتِ، الَّذِينَ لَمْ تَعْلَمُوهم مِنهُمْ: ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ، أوِ الأسْرِ، أوْ نَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ الآجِلِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَرْقُ سَفِينَةِ الكُفّارِ، إذا كانَ فِيهِمْ أسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ، وكَذَلِكَ رَمْيُ الحُصُونِ إذا كانُوا بِها، والكُفّارُ إذا تَتَرَّسُوا بِهِمْ.

(p-٥٤٢٥)

48:26Page 514

إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٢٦

When those who disbelieved had put into their hearts chauvinism - the chauvinism of the time of ignorance. But Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and imposed upon them the word of righteousness, and they were more deserving of it and worthy of it. And ever is Allāh, of all things, Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦] ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .

﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ حِينَ جَعَلَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو في قَلْبِهِ الحَمِيَّةَ، فامْتَنَعَ أنْ يَكْتُبَ في كِتابِ المُقاضاةِ الَّذِي كَتَبَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُشْرِكِينَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأنْ يَكْتُبَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وامْتَنَعَ هو وقَوْمُهُ مِن دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَهُ ذَلِكَ. والعامِلُ في الظَّرْفِ إمّا (لَعَذَّبْنا)، أوْ (صَدُّوكُمْ)، أوِ (اذْكُرْ) مُقَدَّرًا، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ. و(الحَمِيَّةُ) الأنَفَةُ، وهي الِاسْتِكْبارُ والِاسْتِنْكافُ، مَصْدَرٌ مِن (حَمى مِن كَذا) حَمِيَّةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَنوِيٍّ. أيْ: فَهَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ، ويُقاتِلُوا عَلَيْهِمْ، ﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: الوَقارَ والتَّثْبِيتَ، حَتّى صالَحُوهم عَلى أنْ يَعُودُوا مِن قابِلٍ، وعَلى ما تَقَدَّمَ.

﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ أيِ: اخْتارَها لَهُمْ، فالإلْزامُ مَجازٌ عَمّا ذَكَرَ مِنِ اخْتِيارِها لَهُمْ، وأمَرَهَمْ بِها: ﴿وكانُوا أحَقَّ بِها﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: مُتَّصِفِينَ بِمَزِيدِ اسْتِحْقاقٍ لَها. عَلى أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا. وقِيلَ: أحَقُّ بِها مِنَ الكُفّارِ ﴿وأهْلَها﴾ أيِ: المُسْتَأْهِلَ لَها، ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ فَيَعْلَمُ حَقَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَيَسُوقُهُ إلى مُسْتَحِقِّهِ.

(p-٥٤٢٦)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском