Al-QasimiAl‑Hujurat · 49:15–18

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Hujurat 49:15–18

49:15Page 517

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥

The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: لَمْ يَقَعْ في نُفُوسِهِمْ شَكٌّ فِيما آمَنُوا بِهِ مِن وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ، وألْزَمُوا نُفُوسَهم طاعَةَ اللَّهِ، وطاعَةَ رَسُولِهِ، والعَمَلَ بِما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن فَرائِضِ اللَّهِ بِغَيْرِ شَكٍّ في وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: جاهَدُوا المُشْرِكِينَ بِإنْفاقِ أمْوالِهِمْ، وبَذْلِ مُهَجِهِمْ في جِهادِهِمْ، عَلى ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن جِهادِهِمْ، وذَلِكَ سَبِيلُهُ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ العُلْيا، وكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى -قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدَّمْنا مِرارًا أنَّ قَصْرَ سَبِيلِ اللَّهِ عَلى غَزْوِ الكُفّارِ المُعْتَدِينَ، مِن بابِ قَصْرِ العامِّ عَلى أهَمِّ أفْرادِهِ وأعْلاها، وإلّا فَسَبِيلُ اللَّهِ يَعُمُّ العِباداتِ والطّاعاتِ كُلَّها، لِأنَّها في سَبِيلِ وُجْهَتِهِ.

(p-٥٤٧٤)قالَ الشِّهابُ: وقَدَّمَ الأمْوالَ، لِحِرْصِ الإنْسانِ عَلَيْها، فَإنَّ مالَهُ شَقِيقُ رُوحِهِ. و: " جاهَدُوا " بِمَعْنى: بَذَلُوا الجُهْدَ. أوْ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ، أيِ: العَدُوُّ، أوِ النَّفْسُ والهَوى.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ صَدَقُوا في ادِّعاءِ الإيمانِ، لِظُهُورِ أثَرِ الصِّدْقِ عَلى جَوارِحِهِمْ، وتَصْدِيقِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ يُكَذِّبُ أُولَئِكَ الأعْرابَ في ادِّعائِهِمُ الإيمانَ وإفادَةٌ لِلْحَضَرِ. أيْ: هُمُ الصّادِقُونَ، لا هَؤُلاءِ، أوْ إيمانُهم إيمانُ صِدْقٍ، وجِدٍّ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ:- قالَ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأعْمالَ مِنَ الإيمانِ. وقَدَّمْنا أنَّ هَذا ما لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ السَّلَفِ، ولِيُرْجَعْ في ذَلِكَ ما بَسَطَهُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في (الفِصَلِ).

الثّانِي:- قالَ القاشانِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى الإيمانِ المُعْتَبَرِ الحَقِيقِيِّ، وهو اليَقِينُ الثّابِتُ في القَلْبِ المُسْتَقِرُّ الَّذِي لا ارْتِيابَ مَعَهُ، لا الَّذِي يَكُونُ عَلى سَبِيلِ الخَطِراتِ، فالمُؤْمِنُونَ هُمُ المُوقِنُونَ الَّذِينَ غَلَّبَتْ مَلَكَةُ اليَقِينِ قُلُوبَهم عَلى نُفُوسِهِمْ، ونَوَّرَتْها بِأنْوارِها، فَتَأصَّلَتْ فِيها مَلَكَةُ القُلُوبِ حَتّى تَأثَّرَتْ بِها الجَوارِحُ، فَلَمْ يُمْكِنْها إلّا الجَرْيُ بِحُكْمِها، والتَّسَخُّرُ لَهَيْئَتِها، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ نَفْيِ الِارْتِيابِ عَنْهُمْ، لِأنَّ بَذْلَ المالِ والنَّفْسِ في طَرِيقِ الحَقِّ هو مُقْتَضى اليَقِينِ الرّاسِخِ، وأثَرُهُ في الظّاهِرِ. انْتَهى.

الثّالِثُ:- قالَ في (الكَشّافِ): فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (ثُمَّ) هَهُنا، وهي لِلتَّراخِي. وعَدَمُ الِارْتِيابِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقارَنًا لِلْإيمانِ، لِأنَّهُ وصْفٌ فِيهِ، لِما بَيَّنَتْ مِن إفادَةِ الإيمانِ مَعْنى الثِّقَةِ، والطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي حَقِيقَتُها التَّيَقُّنُ، وانْتِفاءِ الرَّيْبِ؟ قُلْتُ: الجَوابُ عَلى طَرِيقَتَيْنِ:

أحَدُهُما- أنَّ مِن وُجِدَ مِنهُ الإيمانُ رُبَّما اعْتَرَضَهُ الشَّيْطانُ، أوْ بَعْضُ المُضِلِّينَ، بَعْدَ ثَلْجِ الصَّدْرِ، فَشَكَّكَهُ وقَذَفَ في قَلْبِهِ ما يَثْلِمُ يَقِينَهُ. أوْ نَظَرَ هو نَظَرًا غَيْرَ سَدِيدٍ يُسْقِطُ بِهِ عَلى الشَّكِّ، ثُمَّ يَسْتَمِرُّ عَلى ذَلِكَ، راكِبًا رَأْسَهُ، لا يَطْلُبُ لَهُ مَخْرَجًا. فَوُصِفَ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِالبُعْدِ عَنْ هَذِهِ المُوبِقاتِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]

(p-٥٤٧٥)والثّانِي:- أنَّ الإيقانَ وزَوالَ الرَّيْبِ، لِما كانَ مِلاكَ الإيمانِ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإيمانِ تَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِ. وعُطِفَ عَلى الإيمانِ بِكَلِمَةِ التَّراخِي، إشْعارًا بِاسْتِقْرارِهِ في الأزْمَةِ المُتَراخِيَةِ المُتَطاوِلَةِ غَضًّا جَدِيدًا. انْتَهى.

يَعْنِي: أنَّهُ إمّا لِنَفْيِ الشَّكِّ عَنْهم فِيما بَعْدُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم كَما لَمْ يَرْتابُوا أوَّلًا لَمْ تَحْدُثْ لَهم رِيبَةٌ، فالتَّراخِي زَمانِيٌّ لا رَتْبِيٌّ عَلى ما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] أوْ عَطَفَهُ عَلَيْهِ عَطْفَ جِبْرِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِهِ في الإيمانِ، حَتّى كَأنَّهُ شَيْءٌ آخَرُ. فَثَمَّ دَلالَةٌ عَلى اسْتِمْرارِهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا.

49:16Page 517

قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٦

Say, "Would you acquaint Allāh with your religion while Allāh knows whatever is in the heavens and whatever is on the earth, and Allāh is Knowing of all things?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الأعْرابِ القائِلِينَ بِأفْواهِهِمْ: آمَنّا ﴿أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِقَوْلِكُمْ: آمَنّا، بِطاعَتِكم إيّاهُ لِتَكُونُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ، ولا تُبالُونَ بِعِلْمِهِ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ، مِنَ التَّعْلِيمِ، بِمَعْنى الإعْلامِ والإخْبارِ، فَلِذا تَعَدّى لِلثّانِي بِالباءِ. وقِيلَ: تَعَدّى بِها لِتَضْمِينِ مَعْنى الإحاطَةِ أوِ الشُّعُورِ. وفِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم وتَوْبِيخٌ. أيْ: لِأنَّ قَوْلَهُمْ: آمَنّا إنْ كانَ إخْبارًا لِلْخَلْقِ فَلا دَلِيلَ عَلى صِدْقِهِ، وإنْ كانَ لِلْحَقِّ تَعالى فَلا مَعْنى لَهُ، لِأنَّهم كَيْفَ يُعَلِّمُونَهُ، وهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، كَما قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا ما تَقَدَّمَ مِنَ اللَّهِ إلى هَؤُلاءِ الأعْرابِ بِالنَّهْيِ عَنْ أنْ يَكْذِبُوا، ويَقُولُوا غَيْرَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِن دِينِهِمْ. يَقُولُ: اللَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ، فاحْذَرُوا أنْ تَقُولُوا خِلافَ ما يَعْلَمُ مِن ضَمائِرِكُمْ، فَيَنالُكم عُقُوبَتُهُ، فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.

ثُمَّ أشارَ إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن جَفائِهِمْ، مَخْتُومًا بِتَوَعُّدِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

(p-٥٤٧٦)

49:17Page 517

يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٧

They consider it a favor to you that they have accepted Islām. Say, "Do not consider your Islām a favor to me. Rather, Allāh has conferred favor upon you that He has guided you to the faith, if you should be truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيِ: انْقادُوا وكَثَّرُوا سَوادَ أتْباعِكَ، ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيْ: بِإسْلامِكُمْ، إذْ لا ثَمَرَةَ مِنهُ إلَيَّ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِكُمْ: آمَنّا لَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ مِن قُلُوبِكم أنَّكم كاذِبُونَ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ، كَما قالَ:

49:18Page 517

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

Indeed, Allāh knows the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And Allāh is Seeing of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨] ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .

﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: إنَّ اللَّهَ أيُّها الأعْرابُ لا يَخْفى عَلَيْهِ الصّادِقُ مِنكم مِنَ الكاذِبِ، ومِنَ الدّاخِلِ مِنكم في مِلَّةِ الإسْلامِ رَغْبَةً فِيهِ، ومِنَ الدّاخِلِ فِيهِ رَهْبَةً مِنَ الرَّسُولِ وجُنْدِهِ، فَلا تُعَلِّمُونا دِينَكُمْ، وضَمائِرَ صُدُورِكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في خَبايا السَّماواتِ والأرْضِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ:- رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَتْ بَنُو أسَدٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! أسْلَمْنا وقاتَلَتْكَ العَرَبُ، ولَمْ نُقاتِلْكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ فِقْهَهم قَلِيلٌ، وإنَّ الشَّيْطانَ يَنْطِقُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ»» - ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ -.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في الأعْرابِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهم (p-٥٤٧٧)فِي آخِرِ السُّورَةِ مِن جُفاةِ الأعْرابِ، غَيْرَ المَعْنِيِّينَ أوَّلَها، وإنَّما ضُمُّوا إلَيْهِمْ لِاشْتِراكِهِمْ مَعَهم في غِلْظَةِ القَوْلِ وخُشُونَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبَأُ لِقَبِيلَةٍ واحِدَةٍ -واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّانِي:- في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] الآيَةَ، مُلاحَظَةُ المِنَّةِ لِلَّهِ، والفَضْلُ في الهِدايَةِ، والقِيامُ بِواجِبِ شُكْرِها، والِاعْتِرافُ بِها، كَما «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأنْصارِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «يا مَعْشَرَ الأنْصارِ! ألَمْ أجِدْكم ضُلّالًا فَهَداكُمُ اللَّهُ بِي، وكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَألَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وكُنْتُمْ عالَةً فَأغْناكُمُ اللَّهُ بِي» ؟ - كُلَّما قالَ شَيْئًا، قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أمَنُّ».

وما ألْطَفَ قَوْلَ أبِي إسْحاقَ الصّابِيِّ في طَلِيعَةِ كِتابٍ لَهُ، بَعْدَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى: وبَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم يَهْدُونَهم إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والفَوْزِ العَظِيمِ، ويَعْدِلُونَ بِهِمْ عَنِ المَسْلَكِ الذَّمِيمِ، والمَوْرِدِ الوَخِيمِ، فَكانَ آخِرَهم في الدُّنْيا عَصْرًا، وأوَّلَهم يَوْمَ الدِّينِ ذِكْرًا، وأرْجَحَهم عِنْدَ اللَّهِ مِيزانًا، وأوْضَحَهم حُجَّةً وبُرْهانًا، وأبْعَدَهم في الفَضْلِ غايَةً، وأبْهَرَهم مُعْجِزَةً وآيَةً، مُحَمَّدٌ ﷺ تَسْلِيمًا، الَّذِي اتَّخَذَهُ صَفِيًّا وحَبِيبًا، وأرْسَلَهُ إلى عِبادِهِ بَشِيرًا ونَذِيرًا، عَلى حِينِ ذَهابٍ مِنهم مَعَ الشَّيْطانِ، وصُدُوفٍ عَنِ الرَّحْمَنِ، وتَقْطِيعٍ لِلْأرْحامِ، وسَفْكٍ لِلدِّماءِ الحَرامِ، واقْتِرافٍ لِلْجَرائِمِ، واسْتِحْلالٍ لِلْمَآثِمِ.

أُنُوفُهم في المَعاصِي حَمِيَّةٌ، ونُفُوسُهم في غَيْرِ ذاتِ اللَّهِ أبِيَّةٌ، يَدْعُونَ مَعَهُ الشُّرَكاءَ، ويُضِيفُونَ إلَيْهِ الأكْفاءَ، ويَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا. فَلَمْ يَزَلْ ﷺ يَقْذِفُ في أسْماعِهِمْ فَضائِلَ الإيمانِ، ويَقْرَأُ عَلى قُلُوبِهِمْ قَوارِعَ القُرْآنِ، ويَدْعُوهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ بِاللُّطْفِ لَمّا كانَ وحِيدًا، وبِالعُنْفِ لَمّا وجَدَ أنْصارًا وجُنُودًا. لا يَرى لِلْكُفْرِ أثَرًا إلّا طَمَسَهُ ومَحاهُ، ولا رَسْمًا إلّا أزالَهُ وعَفّاهُ، ولا حُجَّةً مُمَوَّهَةً إلّا كَشَفَها ودَحَضَها، ولا دِعامَةً مَرْفُوعَةً إلّا حَطَّها ووَضَعَها حَتّى ضَرَبَ الحَقَّ بِجُرّانِهِ، وصَدَعَ بِبُنْيانِهِ، وسَطَعَ بِمِصْباحِهِ، ونَصَعَ بِأوْضاحِهِ، واسْتَنْبَطَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ مِن حَضِيضِ النّارِ، وعَلّاها إلى ذُرْوَةِ الصُّلَحاءِ والأبْرارِ، واتَّصَلَ حَبْلُها بَعْدَ البَتاتِ، (p-٥٤٧٨)والتَأمَ شَمْلُها بَعْدَ الشَّتاتِ، واجْتَمَعَتْ بَعْدَ الفُرْقَةِ، وتَواعَدَتْ بَعْدَ الفِتْنَةِ، فَصَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ صَلاةً زاكِيَةً نامِيَةً، رائِحَةً غادِيَةً، مُنْجِزَةً عِدَتَهُ، رافِعَةً دَرَجَتَهُ.

الثّالِثُ:- قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ فِيها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ. وهي إمّا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ مَعَ غَيْرِهِما مِن أبْناءِ الجِنْسِ. وهم عَلى صِنْفَيْنِ؛ لِأنَّهم إمّا أنْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ، وداخِلِينَ في رُتْبَةِ الطّاعَةِ، أوْ خارِجًا عَنْها، وهو الفاسِقُ. والدّاخِلُ في طائِفَتِهِمُ، السّالِكُ لِطَرِيقَتِهِمْ، إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا عِنْدَهُمْ، أوْ غائِبًا عَنْهُمْ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أقْسامٍ:

أحَدُها:- يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ.

وثانِيها:- بِجانِبِ الرَّسُولِ.

وثالِثُها:- بِجانِبِ الفُسّاقِ.

ورابِعُها:- بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ.

وخامِسُها:- بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ.

فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، وأرْشَدَ في كُلِّ مَرَّةٍ إلى مَكْرُمَةٍ مَعَ قِسْمٍ مِنَ الأقْسامِ الخَمْسَةِ.

فَقالَ أوَّلًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وذِكْرُ الرَّسُولِ كانَ لِبَيانِ طاعَةِ اللَّهِ، لِأنَّها لا تُعْلَمُ إلّا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ.

وقالَ ثانِيًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] لِبَيانِ وُجُوبِ احْتِرامِ النَّبِيِّ ﷺ.

وقالَ ثالِثًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْ الِاعْتِمادِ عَلى أقْوالِهِمْ، فَإنَّهم يُرِيدُونَ إلْقاءَ الفِتْنَةِ بَيْنَكُمْ، وبَيَّنَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]

(p-٥٤٧٩)وقالَ رابِعًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] وقالَ: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ [الحجرات: ١١] لِبَيانِ وُجُوبِ تَرْكِ إيذاءِ المُؤْمِنِينَ في حُضُورِهِمْ، والإزْراءِ بِحالِهِمْ ومَنصِبِهِمْ.

وقالَ خامِسًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] لِبَيانِ وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْ إهانَةِ جانِبِ المُؤْمِنِ حالَ غَيْبَتِهِ، وذَكَرَ ما لَوْ كانَ حاضِرًا لَتَأذّى. وهو في غايَةِ الحُسْنِ مِنَ التَّرْتِيبِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ المُؤْمِنَ قَبْلَ الفاسِقِ لِتَكُونَ المَراتِبُ مُتَدَرِّجَةً. الِابْتِداءُ بِاللَّهِ، ورَسُولِهِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الحاضِرِ، ثُمَّ بِالمُؤْمِنِ الغائِبِ، ثُمَّ الفاسِقِ؟

نَقُولُ: قَدَّمَ اللَّهُ ما هو الأهَمُّ عَلى ما دُونَهُ، فَذَكَرَ جانِبَ اللَّهِ، ثُمَّ جانِبَ الرَّسُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفْضِي إلى الِاقْتِتالِ بَيْنَ طَوائِفِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ الإصْغاءِ إلى كَلامِ الفاسِقِ، والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَذْكُرُ كُلَّ ما كانَ أشَدَّ نِفارًا لِلصُّدُورِ. وأمّا المُؤْمِنُ الحاضِرُ، أوِ الغائِبُ فَلا يُؤْذِي المُؤْمِنَ إلى حَدٍّ يُفْضِي إلى القِتالِ. ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ نَبَأِ الفاسِقِ، آيَةَ الِاقْتِتالِ فَقالَ: وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا؟ انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском