Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الحجرات
Al-Hujurat
The Rooms · Medinan · 18 ayahs
49:1Page 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١
O you who have believed, do not put [yourselves] before Allāh and His Messenger1 but fear Allāh. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
(p-٥٤٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحُجُراتِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِدَلالَةِ آيَتِها عَلى سَلْبِ إنْسانِيَّةِ مَن لا يُعَظِّمُ رَسُولَ اللَّهِ غايَةَ التَّعْظِيمِ، ولا يَحْتَرِمُهُ غايَةَ الِاحْتِرامِ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَمانِ عَشْرَةَ.
وقَدِ انْفَرَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِآدابٍ جَلِيلَةٍ، أدَّبَ اللَّهُ بِها عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ فِيما يُعامِلُونَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ، مِنَ التَّوْقِيرِ والتَّبْجِيلِ.
(p-٥٤٣٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ أقَرُّوا بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، لا تُعَجِّلُوا بِقَضاءِ أمْرٍ في حُرُوبِكم أوْ دِينِكُمْ، قَبْلَ أنْ يَقْضِيَ اللَّهُ لَكم فِيهِ ورَسُولُهُ، فَتَقْضُوا بِخِلافِ أمْرِ اللَّهِ، وأمْرِ رَسُولِهِ. مَحْكِيٌّ عَنِ العَرَبِ: فُلانٌ يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ إمامِهِ، بِمَعْنى يُعَجِّلُ الأمْرَ والنَّهْيَ دُونَهُ. انْتَهى.
و: ﴿تُقَدِّمُوا﴾ إمّا مُتَعَدٍّ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، أوْ أنَّهُ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِعَدَمِ القَصْدِ إلى المَفْعُولِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أوْ هو لازِمٌ، فَإنَّ (قَدَّمَ)، يَرِدُ بِمَعْنى (تَقَدَّمَ) كَبَيَّنَ، فَإنَّهُ مُتَعَدٍّ، ويَكُونُ لازِمًا بِمَعْنى تَبَيَّنَ.
وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَجُوُّزانِ:
أحَدُهُما- في بَيْنِ اليَدَيْنِ، فَإنَّ حَقِيقَتَهُ ما بَيْنَ العُضْوَيْنِ، فَتَجَوَّزَ بِهِما عَنِ الجِهَتَيْنِ المُقابِلَتَيْنِ لِلْيَمِينِ والشَّمالِ، قَرِيبًا مِنهُ بِإطْلاقِ اليَدَيْنِ عَلى ما يُجاوِرُهُما ويُحاذِيهِما. فَهو مِنَ المَجازِ المُرْسَلِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتِ الجُمْلَةُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِلْقَطْعِ بِالحُكْمِ بِلا اقْتِداءٍ، ومُتابَعَةٍ لِمَن يَلْزَمُ مُتابَعَتُهُ، تَصْوِيرًا لِهِجْنَتِهِ وشَناعَتِهِ، بِصُورَةِ المَحْسُوسِ، كَتَقَدُّمِ الخادِمِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ في مَسِيرِهِ، فَنُقِلَتِ العِبارَةُ الأُولى، بِما فِيها مِنَ المَجازِ، إلى ما ذُكِرَ، عَلى ما عُرِفَ أمْثالُهُ- هَذا مُحَصَّلُ ما في (الكَشّافِ) و(شُرُوحِهِ).
(p-٥٤٣٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُسْرِعُوا في الأشْياءِ قَبْلَهُ، بَلْ كُونُوا تَبَعًا لَهُ في جَمِيعِ الأُمُورِ، حَتّى يَدْخُلَ في عُمُومِ هَذا الأدَبِ حَدِيثُمُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. «قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: «بِمَ تَحْكُمُ؟» قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى. قالَ ﷺ: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟» قالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قالَ ﷺ: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟» قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أجْتَهِدُ رَأْيِي! فَضَرَبَ في صَدْرِهِ وقالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِما يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ»» . وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ. والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ أخَّرَ رَأْيَهُ ونَظَرَهُ واجْتِهادَهُ إلى ما بَعْدَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَوْ قَدَّمَهُ قَبْلَ البَحْثِ عَنْهُما، لَكانَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. انْتَهى.
وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ)، وذُكِرَ (اللَّهُ)؛ لِبَيانِ قُوَّةِ اخْتِصاصِهِ بِهِ تَعالى، ومَنزِلَتِهِ مِنهُ، تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِما بَعْدَهُ. وقَدْ أُيِّدَ هَذا، بِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِإجْلالِهِ ﷺ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِضَمِّ التّاءِ مِن قَوْلِهِ: (لا تُقَدِّمُوا) قَرَأ قِراءَةَ الأمْصارِ، وهي القِراءَةُ الَّتِي لا أسْتُجِيزُ القِراءَةَ بِخِلافِها، لِإجْماعِ الحُجَّةِ مِنَ القُرّاءِ عَلَيْها. وقَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ: قَدَّمْتُ في كَذا وتَقَدَّمْتُ في كَذا. فَعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ لَوْ كانَ قِيلَ: لا تَقَدَّمُوا، بِفَتْحِ التّاءِ، كانَ جائِزًا. انْتَهى. وبِهِ قَرَأ يَعْقُوبُ فِيما نُقِلَ عَنْهُ.
(p-٥٤٤٠)﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في التَّقْدِيمِ أوْ مُخالَفَةِ الحُكْمِ. والأمْرُ بِالتَّقْوى عَلى أثَرِ ما تَقَدَّمَ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِلْمُقارِفِ بَعْضَ الدَّلائِلِ: لا تَفْعَلْ هَذا، وتَحَفَّظْ مِمّا يُلْصِقُ العارَ بِكَ. فَتَنْهاهُ أوَّلًا عَنْ عَيْنِ ما قارَفَهُ، ثُمَّ تَعُمُّ وتَأْمُرُهُ بِما لَوِ امْتَثَلَ أمْرَكَ فِيهِ، لَمْ يَرْتَكِبْ تِلْكَ الغَفْلَةَ، وكُلَّ ما يُضْرَبُ في طَرِيقِها، ويَتَعَلَّقُ بِسَبَبِها -أشارَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -.
﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَحَقِيقٌ أنْ يُتَّقى ويُراقَبَ.
تَنْبِيهٌ:
فِي (الإكْلِيلِ): قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: قِيلَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ ذَبَحُوا قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأمَرَهم أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ. وعُمُومُ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ التَّعْجِيلِ في الأمْرِ والنَّهْيِ، دُونَهُ. ويُحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في اتِّباعِ الشَّرْعِ في كُلِّ شَيْءٍ. ورُبَّما احْتَجَّ بِهِ نُفاةُ القِياسِ، وهو باطِلٌ مِنهم. ويُحْتَجُّ بِهِ في تَقْدِيمِ النَّصِّ عَلى القِياسِ. انْتَهى.
49:2Page 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢
O you who have believed, do not raise your voices above the voice of the Prophet or be loud to him in speech like the loudness of some of you to others, lest your deeds become worthless while you perceive not.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أيْ: إذا نَطَقَ ونَطَقْتُمْ، فَلْتَكُنْ أصْواتُكم قاصِرَةً عَنِ الحَدِّ الَّذِي يَبْلُغُهُ صَوْتُهُ، لِيَكُونَ عالِيًا لِكَلامِكُمْ، لا أنْ تَغْمُرُوا صَوْتَهُ بِلَغَطِكُمْ، وتُبَلِّغُوا أصْواتَكم إلى أسْماعِ الحاضِرِينَ قَبْلَ صَوْتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن سُوءِ الأدَبِ بِمَكانٍ كَبِيرٍ: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ أيْ: بَلْ تَعَمَّدُوا في مُخاطَبَتِهِ القَوْلَ اللَّيِّنَ، القَرِيبَ مِنَ الهَمْسِ، الَّذِي يُضادُّ الجَهْرَ، كَما تَكُونُ مُخاطَبَةُ المَهِيبِ المُعَظَّمِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِنِدائِهِ بِاسْمِهِ، أيْ: لا تُنادُوهُ كَما يُنادِي بَعْضُكم بَعْضًا: يا مُحَمَّدُ! يا مُحَمَّدُ! بَلْ يا نَبِيَّ اللَّهِ! يا رَسُولَ اللَّهِ! ونَظَرَ فِيهِ شُرّاحُ (الكَشّافِ) بِأنْ ذَكَرَ الجَهْرَ حِينَئِذٍ (p-٥٤٤١)لا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ، إذِ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: لا تَجْعَلُوا خِطابَهُ كَخِطابِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] انْتَهى.
ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّما أفْرَغَ هَذا المَعْنى المَرْوِيَّ عَنْ مُجاهِدٍ في قالَبِ ذاكَ اللَّفْظِ الكَرِيمِ جَرْيًا عَلى سُنَّةِ التَّنْزِيلِ في إيثارِ أرَقِّ الألْفاظِ والجُمَلِ، وألْطَفِها في ذَلِكَ، فَإنَّ أُسْلُوبَهُ فَوْقَ كُلِّ أُسْلُوبٍ، وقَدْ قالَ: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْمُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ أيْ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ، بِرَفْعِ صَوْتِكم فَوْقَ صَوْتِهِ، وجَهْرِكم لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِكم لِبَعْضِكُمْ: ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا تَعْلَمُونَ، ولا تَدْرُونَ بِحُبُوطِها.
تَنْبِيهٌ:
اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكَبائِرَ مُحْبِطَةٌ الأعْمالَ، لِأنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ كَبِيرَةٌ مُحْبِطَةٌ ولا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها. ولَمّا كانَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، المُحْبِطُ لِلْأعْمالِ هو الكُفْرُ خاصَّةً، تَأوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّها لِلتَّغْلِيظِ والتَّخْوِيفِ، إذْ جُعِلَتْ بِمَنزِلَةِ الكُفْرِ المُحْبِطِ، أوْ هي لِلتَّعْرِيضِ بِالمُنافِقِينَ المُقاصِدِينَ بِالجَهْرِ والرَّفْعُ الِاسْتِهانَةُ، فَإنَّ فِعْلَهم مُحْبَطٌ قَطْعًا.
وقالَ النّاصِرُ: المُرادُ في الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلى الإطْلاقِ. ومَعْلُومٌ أنَّ حُكْمَ النَّهْيِ الحَذَرُ مِمّا يُتَوَقَّعُ في ذَلِكَ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والقاعِدَةُ المُخْتارَةُ أنَّ إيذاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَبْلُغُ مَبْلَغَ الكُفْرِ المُحْبِطِ لِلْعَمَلِ بِاتِّفاقٍ. فَوَرَدَ النَّهْيُ عَمّا هو مَظِنَّةٌ لِأذى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَواءٌ وُجِدَ هَذا المَعْنى أوْ لا، حِمايَةً لِلذَّرِيعَةِ، وحَسْمًا لِلْمادَّةِ. ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا المَنهِيُّ عَنْهُ -وهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ- مُنْقَسِمًا إلى ما يَبْلُغُ ذَلِكَ المَبْلَغَ أوَّلًا، ولا دَلِيلَ يُمَيِّزُ أحَدَ القِسْمَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لَزِمَ المُكَلَّفُ أنْ يَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وخَوَّفَ أنْ يَقَعَ فِيما هو مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ، وهو البالِغُ حَدَّ الإيذاءِ، إذْ لا دَلِيلَ ظاهِرٌ يُمَيِّزُهُ. وإنْ كانَ، فَلا يَتَّفِقُ تَمْيِيزُهُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْيانِ، وإلى التِباسِ أحَدِ القِسْمَيْنِ بِالآخَرِ وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وإلّا فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَعْتَقِدُهُ المُعْتَزِلَةُ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ (p-٥٤٤٢)لا تَشْعُرُونَ﴾ مَوْقِعٌ؛ إذِ الأمْرُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ رَفْعُ الصَّوْتِ مُؤْذِيًا، فَيَكُونُ كُفْرًا مُحْبِطًا قَطْعًا، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤْذٍ، فَيَكُونُ كَبِيرَةً مُحْبَطَةً عَلى رَأْيِهِمْ قَطْعًا. فَعَلى كِلا حالَيْهِ، الإحْباطُ بِهِ مُحَقَّقٌ، إذَنْ فَلا مَوْقِعَ لِإدْغامِ الكَلامِ بِعَدَمِ الشُّعُورِ، مَعَ أنَّ الشُّعُورَ ثابِتٌ مُطْلَقًا -واللَّهُ أعْلَمُ-.
ثُمَّ قالَ: وهَذا التَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَدُورُ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ، كِلْتاهُما صَحِيحَةٌ:
إحْداهُما- أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مِن جِنْسِ ما يَحْصُلُ بِهِ الإيذاءُ، وهَذا أمْرٌ يَشْهَدُ بِهِ النَّقْلُ والمُشاهَدَةُ الآنَ، حَتّى إنَّ الشَّيْخَ لَيَتَأذّى بِرَفْعِ التِّلْمِيذِ صَوْتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَكَيْفَ بِرُتْبَةِ النُّبُوَّةِ، وما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الإجْلالِ والإعْظامِ.
المُقَدِّمَةُ الأُخْرى -أنَّ إيذاءَ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ. وهَذا أمْرٌ ثابِتٌ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أئِمَّتُنا -يَعْنِي المالِكِيَّةَ- وأفْتَوْا بِقَتْلِ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ كُفْرًا، ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، فَما أتاهُ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وأكْبَرُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ. انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ الإنْصافَ هو الوُقُوفُ مَعَ ما أوْضَحَهُ النَّصُّ وأبانَهُ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ نُصَّ فِيهِ عَلى الإحْباطِ وجَبَ قَبُولُهُ بِدُونِ تَأْوِيلٍ، وامْتَنَعَ القِياسُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مَقامُ تَوَعُّدٍ وخُسْرانٍ، ولا مَجالَ لِلرَّأْيِ في مِثْلِ ذَلِكَ. هَذا ما أعْتَقِدُهُ وأراهُ. واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
49:3Page 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣
Indeed, those who lower their voices before the Messenger of Allāh - they are the ones whose hearts Allāh has tested for righteousness. For them is forgiveness and great reward.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في خَفْضِها: ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ: اصْطَفاها وأخْلَصَها لِلتَّقْوى (p-٥٤٤٣)يَعْنِي لِاتِّقائِهِ بِأداءِ طاعَتِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، كَما يُمْتَحَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ، فَيَخْلُصُ جَيِّدُها، ويَبْطُلُ خَبَثُها: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: ثَوابٌ جَزِيلٌ، وهو الجَنَّةُ.
49:4Page 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤
Indeed, those who call you, [O Muḥammad], from behind the chambers - most of them do not use reason.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ﴾ أيْ: يَدْعُونَكَ: ﴿مِن وراءِ﴾ أيْ: خارِجِ: ﴿الحُجُراتِ﴾ أيْ: عِنْدَ كَوْنِكَ فِيها، اسْتِعْجالًا لِخُرُوجِكَ إلَيْهِمْ، ولَوْ بِتَرْكِ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الأشْغالِ: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ إذْ لا يَفْعَلُهُ مُحْتَشِمٌ، ولا يُفْعَلُ لِمُحْتَشِمٍ، فَلا يُراعُونَ حُرْمَةَ أنْفُسِهِمْ، ولا حُرْمَتَكَ، ونُسِبَ إلى الأكْثَرِ، لِأنَّهُ قَدْ يَتْبَعُ عاقِلٌ جَماعَةَ الجُهّالِ، مُوافَقَةً لَهم.
49:5Page 516
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
And if they had been patient until you [could] come out to them, it would have been better for them. But Allāh is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: لِأنَّ خُرُوجَهُ بِاسْتِعْجالِهِمْ رُبَّما يُغْضِبُهُ، فَيَفُوتُهم فَوائِدُ رُؤْيَتِهِ وكَلامِهِ. وإنْ صَبَرُوا اسْتَفادُوا فَوائِدَ كَثِيرَةً، مَعَ اتِّصافِهِمْ بِالصَّبْرِ، ورِعايَةِ الحُرْمَةِ لِنَبِيِّهِمْ وأنْفُسِهِمْ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن تابَ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ، بِنِدائِكَ كَذَلِكَ، وراجَعَ أمْرَ اللَّهِ فِيهِ، وفي غَيْرِهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ:- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ ذُكِرَ أنَّها نَزَلَتْ في الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ التَّمِيمِيِّ، فِيما أوْرَدَهُ غَيْرُ واحِدٍ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «عَنِ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ؛ أنَّهُ نادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! يا مُحَمَّدُ! - (وفِي رِوايَةٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ!) - فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقالَ: (p-٥٤٤٤)يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ حَمْدِي لَزَيْنٌ، وإنَّ ذَمِّي لَشَيْنٌ، فَقالَ: «ذاكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ»» .
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ، في ذِكْرِ سَنَةِ تِسْعٍ، وهي المُسَمّاةُ سَنَةَ الوُفُودِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ، وفَرَغَ مِن تَبُوكَ، وأسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وبايَعَتْ، ضَرَبَتْ إلَيْهِ وُفُودُ العَرَبِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَكانَ مِنهم وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ. فَلَمّا دَخَلُوا المَسْجِدَ نادَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن وراءِ حُجُراتِهِ: أنِ اخْرُجْ إلَيْنا يا مُحَمَّدُ ! فَآذى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن صِياحِهِمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ». ثُمَّ ساقَ ابْنُ إسْحاقَ نَبَأهم مُطَوَّلًا ثُمَّ قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]
الثّانِي -: الحُجُراتُ بِضَمَّتَيْنِ، وبِفَتْحِ الجِيمِ، وبِسُكُونِها. وقُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا: جَمْعُ حُجْرَةٍ. وهي الرُّقْعَةُ مِنَ الأرْضِ المَحْجُورَةِ بِحائِطٍ يَحُوطُ عَلَيْها. فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، كالغُرْفَةِ والقُبْضَةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ حُجُراتُ نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وكانَتْ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ حُجْرَةٌ. ومُناداتُهم مِن ورائِها يَحْتَمِلُ أنَّهم قَدْ تَفَرَّقُوا عَلى الحُجُراتِ، مُتَطَلِّبِينَ لَهُ، فَناداهُ بَعْضٌ مِن وراءِ هَذِهِ، وبَعْضٌ مِن وراءِ تِلْكَ، وأنَّهم قَدْ أتَوْها حُجْرَةً حُجْرَةً، فَنادَوْهُ مِن ورائِها. وأنَّهم نادَوْهُ مِن وراءِ الحُجْرَةِ الَّتِي كانَ فِيها. ولَكِنَّها جُمِعَتْ إجْلالًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِمَكانِ حُرْمَتِهِ. والفِعْلُ -وإنْ كانَ مُسْنَدًا إلى جَمِيعِهِمْ- فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّاهُ بَعْضُهُمْ، وكانَ الباقُونَ راضِينَ، فَكَأنَّهم تَوَلُّوهُ جَمِيعًا.
الثّالِثُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وُرُودُ الآيَةِ عَلى النَّمَطِ الَّذِي ورَدَتْ عَلَيْهِ، فِيهِ ما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ مِن بَيِّناتِ إكْبارِ مَحَلِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِهِ.
مِنها - مَجِيئُها عَلى النَّظْمِ المُسَجَّلِ عَلى الصّائِحِينَ بِهِ، بِالسَّفَهِ والجَهْلِ، لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ.
ومِنها - لَفْظُ: الحُجُراتِ وإيقاعُها، كِنايَةً عَنْ مَوْضِعِ خَلْوَتِهِ ومَقِيلِهِ مَعَ بَعْضِ نِسائِهِ.
ومِنها - المُرُورُ عَلى لَفْظِها بِالِاقْتِصارِ عَلى القَدْرِ الَّذِي تَبَيَّنَ بِهِ ما اسْتَنْكَرَ عَلَيْهِمْ.
ومِنها - التَّعْرِيفُ بِاللّامِ دُونَ الإضافَةِ.
(p-٥٤٤٥)ومِنها- أنْ شَفَعَ ذَمَّهم بِاسْتِجْفائِهِمْ واسْتِرْكاكِ عُقُولِهِمْ، وقِلَّةِ ضَبْطِهِمْ لِمَواضِعِ التَّمْيِيزِ في المُخاطِباتِ، تَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَسْلِيَةً لَهُ، وإماطَةً لِما تَداخَلَهُ مِن إيحاشِ تَعَجْرُفِهِمْ، وسُوءِ أدَبِهِمْ، وهَلُمَّ جَرّا... مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ. فَتَأمَّلْ كَيْفَ ابْتُدِئَ بِإيجابِ أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الَّتِي تَنْتَمِي إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، مُتَقَدِّمَةً عَلى الأُمُورِ كُلِّها، مِن غَيْرِ حَصْرٍ ولا تَقْيِيدٍ. ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَمّا هو مِن جِنْسِ التَّقْدِيمِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ والجَهْرِ، كَأنَّ الأوَّلَ بِساطُ الثّانِي، ووَطْأً لِذِكْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما هو ثَناءٌ عَلى الَّذِينَ تَحامَوْا ذَلِكَ، فَغَضُّوا أصْواتَهُمْ، دَلالَةً عَلى عَظِيمِ مَوْقِعِهِ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ جِيءَ عَلى عَقِبِ ذَلِكَ بِما هو أطَمُّ، وهُجْنَتُهُ أتَمُّ، مِنَ الصِّياحِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في حالِ خَلْوَتِهِ بِبَعْضِ حُرُماتِهِ مِن وراءِ الجُدُرِ، كَما يُصاحُ بِأهْوَنِ النّاسِ قَدْرًا، لِيُنَبِّهَ عَلى فَظاعَةِ ما أجْرَوْا إلَيْهِ، وجَسَرُوا عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ عَنْ أنْ يُجْهَرَ لَهُ بِالقَوْلِ، حَتّى خاطَبَهُ جِلَّةُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِأخِي السِّرارِ، كانَ صَنِيعُ هَؤُلاءِ مِنَ المُنْكَرِ الَّذِي بَلَغَ مِنَ التَّفاحُشِ مَبْلَغًا. ومِن هَذا وأمْثالِهِ يُقْتَطَفُ ثَمَرُ الألْبابِ، وتُقْتَبَسُ مَحاسِنُ الآدابِ، كَما يُحْكى عَنْ أبِي عَبِيدٍ -ومَكانُهُ مِنَ العِلْمِ والزُّهْدِ وثِقَةِ الرِّوايَةِ ما لا يَخْفى- أنَّهُ قالَ: ما دَقَقْتُ بابًا عَلى عالِمٍ قَطُّ، حَتّى يَخْرُجَ في وقْتِ خُرُوجِهِ. انْتَهى.
الرّابِعُ -قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ العُلَماءُ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ ﷺ، كَما كانَ يُكْرَهُ في حَياتِهِ؛ لِأنَّهُ مُحْتَرَمٌ حَيًّا، وفي قَبْرِهِ ﷺ. وقَدْ رُوِّينا عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ رَجُلَيْنِ في مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ قَدِ ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَحَصَبَهُما. ثُمَّ ناداهُما فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتُما؟ قالا: مِن أهْلِ الطّائِفِ. قالَ: لَوْ كُنْتُما مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَأوْجَعْتُكُما ضَرْبًا. انْتَهى.
الخامِسُ -رَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ عَلى (p-٥٤٤٦)النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أمَرَ القَعْقاعُ بْنُ مَعْبَدٍ، وقالَ عُمَرُ: أمَرَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي! فَقالَ عُمَرُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ ! فَتَمارَيا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما. فَنَزَلَ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] حَتّى انْقَضَتِ الآيَةُ.
وفِي رِوايَةٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] الآيَةَ.
قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَما كانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى يَسْتَفْهِمَهُ». وقَدِ انْفَرَدَ بِهاتَيْنِ الرَّوايَتَيْنِ البُخارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ! قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَلامُ جُفاةِ الأعْرابِ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُلْتُ: لا يُعارِضُ ذَلِكَ هَذا الحَدِيثَ، فَإنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ الشَّيْخَيْنِ في تَخالُفِهِما في التَّأْمِيرِ هو أوَّلُ السُّورَةِ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١] ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِها قَوْلُهُ: ﴿لا تَرْفَعُوا﴾ [الحجرات: ٢] تَمَسَّكَ عُمَرُ مِنها بِخَفْضِ صَوْتِهِ. وجُفاةُ الأعْرابِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هم مِن بَنِي تَمِيمٍ، والَّذِينَ يَخْتَصُّ بِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ﴾ [الحجرات: ٤] انْتَهى.
وتَقَدَّمَ لَنا مِرارًا الجَوابُ عَنْ أمْثالِهِ، بِأنَّ قَوْلَهُمْ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا، قَدْ يَكُونُ المُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادَ عَلى أنَّ مِثْلَهُ مِمّا تَتَناوَلُهُ الآيَةُ، لا أنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِها.
قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: قَوْلُهم نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَذا، يُرادُ بِهِ تارَةً سَبَبُ النُّزُولِ، ويُرادُ بِهِ تارَةً أنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في الآيَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ السَّبَبَ. كَما تَقُولُ: عَنى بِهَذِهِ الآيَةِ كَذا. انْتَهى.
وبِهِ يُجابُ عَمّا يَرْوِيهِ كَثِيرٌ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ، فاحْفَظْهُ، فَإنَّهُ مِنَ المَضْنُونِ بِهِ عَلى غَيْرِ أهْلِهِ. ولَوْ وقَفَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ لَما ضَعَّفَ رِوايَةَ البُخارِيِّ، ولَما تَمَحَّلَ ابْنُ حَجَرٍ لِتَفْكِيكِ الآياتِ بِجَعْلِ بَعْضِها لِسَبَبٍ. وبَعْضِها لِآخَرَ، في قِصَّةٍ واحِدَةٍ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٥٤٤٧)
49:6Page 516
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦
O you who have believed, if there comes to you a disobedient one with information, investigate, lest you harm a people out of ignorance and become, over what you have done, regretful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ: فاسْتَظْهِرُوا صِدْقَهُ مِن كَذِبِهِ، بِطَرِيقٍ آخَرَ كَراهَةَ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ أيْ: قَوْمًا بَراءً مِمّا قُذِفُوا بِهِ بُغْيَةَ أذِيَّتِهِمْ بِجَهالَةٍ لِاسْتِحْقاقِهِمْ إيّاها، ثُمَّ يَظْهَرُ لَكم عَدَمُ اسْتِحْقاقِهِمْ: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ أيْ: فَتَنْدَمُوا عَلى إصابَتِكم إيّاها بِالجِنايَةِ الَّتِي تُصِيبُونَهم بِها، وحَقُّ المُؤْمِنِ أنْ يَحْتَرِزَ مِمّا يَخافُ مِنهُ النَّدَمَ في العَواقِبِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ:- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى صَدَقاتِ بَنِي المُصْطَلَقِ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِن طُرُقٍ. ومِن أحْسِنِها ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ مِن رِوايَةِ مالِكٍ عَنِ ابْنِ المُصْطَلَقِ، وهو الحارِثُ بْنُ ضِرارٍ والِدُ جُوَيْرِيَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سابِقٍ، حَدَّثَنا عِيسى بْنُ دِينارٍ، حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ سَمِعَ الحارِثَ بْنَ ضِرارٍ الخُزاعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعانِي إلى الإسْلامِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ، وأقْرَرْتُ بِهِ، ودَعانِي إلى الزَّكاةِ، فَأقْرَرْتُ بِها وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أرْجِعُ إلى قَوْمِي فَأدْعُوهم إلى الإسْلامِ، وأداءِ الزَّكاةِ، فَمَنِ اسْتَجابَ لِي جَمَعْتُ زَكاتَهُ، وأرْسِلْ إلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ رَسُولًا إبّانَ كَذا وكَذا لِيَأْتِيَكَ بِما جَمَعْتُ مِنَ الزَّكاةِ.
فَلَمّا جَمَعَ الحارِثُ الزَّكاةَ مِمَّنِ اسْتَجابَ لَهُ، وبَلَغَ الإبّانَ الَّذِي أرادَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ، احْتَبَسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ، فَلَمْ يَأْتِهِ، وظَنَّ الحارِثُ أنَّهُ قَدْ (p-٥٤٤٨)حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، فَدَعا بِسَرَواتِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ وقَّتَ لِي وقْتًا يُرْسِلُ إلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكاةِ، ولَيْسَ مِن رَسُولِ اللَّهِ الخَلْفُ، ولا أرى حَبْسَ رَسُولِهِ إلّا مِن سَخْطَةٍ، فانْطَلِقُوا فَنَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إلى الحارِثِ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدَهُ مِمّا جَمَعَ مِنَ الزَّكاةِ. فَلَمّا أنْ سارَ الوَلِيدُ حَتّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرِقَ، فَرَجَعَ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ الحارِثَ مَنَعَنِي الزَّكاةَ، وأرادَ قَتْلِي. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَعْثَ إلى الحارِثِ.
فَأقْبَلَ الحارِثُ بِأصْحابِهِ، حَتّى إذا اسْتَقْبَلَ البَعْثَ، وفَصَلَ مِنَ المَدِينَةِ، لَقِيَهُمُ الحارِثُ، فَقالُوا: هَذا الحارِثُ! فَلَمّا غَشِيَهم قالَ لَهُمْ: إلى مَن بُعِثْتُمْ؟ قالُوا: إلَيْكَ. قالَ: ولِمَ؟ قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ بَعَثَ إلَيْكَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكاةَ، وأرْدْتَ قَتْلَهُ! قالَ: لا، والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ، ما رَأيْتُهُ بَتَّةً، ولا أتانِي. فَلَمّا دَخَلَ الحارِثُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنَعْتَ الزَّكاةَ، وأرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟!» قالَ: لا، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! ما رَأيْتُهُ بَتَّةً! ولا أتانِي! وما أقْبَلْتُ إلّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! خَشِيتُ أنْ تَكُونَ كانَتْ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ. فَنَزَلَتِ الحُجُراتُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨]»
وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: «أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إلى بَنِي المُصْطَلَقِ يَتَصَدَّقُهُمْ، فَتَلَقَّوْهُ بِالصَّدَقَةِ، فَرَجَعَ فَقالَ: إنَّ بَنِي المُصْطَلَقِ قَدْ جَمَعَتْ لَكَ لِتُقاتِلَكَ -(زادَ قَتادَةُ -: وإنَّهم قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ)، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَيْهِمْ، وأمَرَهُ أنْ يَتَثَبَّتَ ولا يَعْجَلَ، فانْطَلَقَ حَتّى أتاهم لَيْلًا، فَبَعَثَ عُيُونَهُ، فَلَمّا جاءُوا أخْبَرُوا خالِدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهم مُسْتَمْسِكُونَ بِالإسْلامِ، وسَمِعُوا أذانَهم وصَلاتَهم. فَلَمّا أصْبَحُوا أتاهم خالِدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَأى الَّذِي يُعْجِبُهُ. فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. قالَ قَتادَةُ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ»» . وكَذا ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنهُمُ ابْنُ أبِي لَيْلى، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، (p-٥٤٤٩)وغَيْرُهم في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في (المَعارِفِ): الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطِ بْنِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وهو أخُو عُثْمانَ لِأُمِّهِ أرْوى بِنْتِ كُرَيْزٍ. أسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَدِّقًا إلى بَنِي المُصْطَلَقِ، فَأتاهُ فَقالَ: مَنَعُونِي الصَّدَقَةَ! وكانَ كاذِبًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ووَلّاهُ عُمَرُ عَلى صَدَقاتِ بَنِي تَغْلِبَ، ووَلّاهُ عُثْمانُ الكُوفَةَ بَعْدَ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، فَصَلّى بِأهْلِها صَلاةَ الفَجْرِ، وهو سَكْرانُ، أرْبَعًا، وقالَ: أزِيدُكُمْ؟! فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِشُرْبِ الخَمْرِ عِنْدَ عُثْمانَ، فَعَزَلَهُ وحْدَهُ. ولَمْ يَزَلْ بِالمَدِينَةِ حَتّى بُويِعَ عَلِيٌّ، فَخَرَجَ إلى الرِّقَّةِ فَنَزَلَها، واعْتَزَلَ عَلِيًّا ومُعاوِيَةَ. وماتَ بِناحِيَةِ الرِّقَّةِ.
الثّانِي:- في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ رَدُّ خَبَرِ الفاسِقِ، واشْتِراطُ العَدالَةِ في المُخْبِرِ، راوِيًا كانَ، أوْ شاهِدًا، أوْ مُفْتِيًا. ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومِن هُنا امْتَنَعَ طَوائِفُ مِنَ العُلَماءِ مِن قَبُولِ رِوايَةِ مَجْهُولِ الحالِ، لِاحْتِمالِ فِسْقِهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وقَبِلَها آخَرُونَ، لِأنّا إنَّما أُمِرْنا بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ خَبَرِ الفاسِقِ، وهَذا لَيْسَ بِمُحَقَّقِ الفِسْقِ لِأنَّهُ مَجْهُولُ الحالِ.
الثّالِثُ:- في قَوْلِهِ تَعالى: فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ فائِدَتانِ:
إحْداهُما- تَقْرِيرُ التَّحْذِيرِ وتَأْكِيدُهُ. ووَجْهُهُ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنِّي أصَبْتُ قَوْمًا، فَماذا عَلَيَّ؟ بَلْ عَلَيْكم مِنهُ الهَمُّ الدّائِمُ، والحُزْنُ المُقِيمُ. ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ واجِبٌ الِاحْتِرازُ مِنهُ.
والثّانِيَةُ -مَدْحُ المُؤْمِنِينَ: أيْ: لَسْتُمْ، قالَ المَهايِمِيُّ: إذا فَعَلُوا سَيِّئَةً لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها، بَلْ تُصْبِحُونَ نادِمِينَ عَلَيْها -أفادَهُ الرّازِيُّ-.
(p-٥٤٥٠)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences