Al-QasimiAl‑Hujurat · 49:7–11

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Hujurat 49:7–11

49:7Page 516

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧

And know that among you is the Messenger of Allāh. If he were to obey you in much of the matter, you would be in difficulty, but Allāh has endeared to you the faith and has made it pleasing in your hearts and has made hateful to you disbelief, defiance and disobedience. Those are the [rightly] guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧] ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ .

﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ لِأصْحابِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ: واعْلَمُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ، فاتَّقُوا اللَّهَ أنْ تَقُولُوا الباطِلَ، وتَفْتَرُوا الكَذِبَ، فَإنَّ اللَّهَ يُخْبِرُهُ أخْبارَكُمْ، ويَعْرِفُهُ أنْباءَكُمْ، ويُقَوِّمُهُ عَلى الصَّوابِ في أُمُورِهِ.

﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ: لَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَمَلٍ في الأُمُورِ بِآرائِكُمْ، ويَقْبَلُ مِنكم ما تَقُولُونَ لَهُ، فَيُطِيعُكُمْ، لَنالَكم عَنَتٌ -يَعْنِي الشِّدَّةَ والمَشَقَّةَ- في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، بِطاعَتِهِ إيّاكُمْ، لَوْ أطاعَكُمْ، لِأنَّهُ كانَ يُخْطِئُ في أفْعالِهِ، كَما لَوْ قَبِلَ مِنَ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَوْلَهُ في بَنِي المُصْطَلَقِ، أنَّهم قَدِ ارْتَدُّوا ومَنَعُوا الصَّدَقَةَ وجَمَعُوا الجُمُوعَ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ، فَغَزاهم فَقَتَلَ مِنهُمْ، وأصابَ مِن دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، كانَ قَدْ قَتَلَ وقَتَلْتُمْ مَن لا يَحِلُّ لَهُ ولا لَكم قَتْلُهُ، وأخَذْتُمْ مِنَ المالِ ما لا يَحِلُّ لَهُ ولَكم أخْذُهُ مِن أمْوالِ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ، فَنالَكم مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ عَنَتٌ. والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، أوِ الهَلاكُ، أوِ الإثْمُ، أوِ الفَسادُ.

تَنْبِيهٌ:

(أنَّ) بِما في حَيِّزِها سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ: اعْلَمُوا بِاعْتِبارِ ما قُيِّدَ بِهِ مِنَ الحالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ فِي: " فِيكم " المُسْتَتِرِ فِيهِ. والمَعْنى: أنَّهُ فِيكم كائِنًا عَلى حالَةٍ يَجِبُ تَغْيِيرُها، أوْ كائِنِينَ عَلى حالَةٍ كَذَلِكَ، وهي أنَّكم تَوَدُّونَ أنْ يَتْبَعَكم في كَثِيرٍ (p-٥٤٥١)مِنَ الحَوادِثِ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَوَقَعْتُمْ في الجَهْلِ والهَلاكِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ بَعْضَهم زَيَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقَعَ في بَنِي المُصْطَلَقِ، وأنَّهُ لَمْ يُطِعْ رَأْيَهم هَذا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ مُسْتَأْنِفًا. إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ مَنَعَ هَذا الِاحْتِمالَ، قالَ: لِأدائِهِ إلى تَنافُرِ النَّظْمِ، لِأنَّهُ لَوِ اعْتَبَرَ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ إلَخْ كَلامًا بِرَأْسِهِ، لَمْ يَأْخُذِ الكَلامُ بِحَجْزٍ بَعْضٍ، لِأنَّهُ لا فائِدَةَ حِينَئِذٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ إذا قُطِعَ عَمّا بَعْدَهُ. وأُجِيبَ بِجَوازِ أنْ يُقْصَدَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى جَلالَةِ مَحَلِّهِ ﷺ، وأنَّهم لِجَهْلِهِمْ بِمَكانِهِ مُفَرِّطُونَ فِيما يَجِبُ لَهُ مِنَ التَّعْظِيمِ، وفي أنَّ شَأْنَهم أنْ يَتَّبِعُوهُ، ولا يَتَّبِعُوا آراءَهُمْ، حَتّى كَأنَّهم جاهِلُونَ بِأنَّهُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَوَضَّحَ جَوازَ الِاسْتِئْنافِ، والوَقْفِ عَلى: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: فَما أجْدَرَكم أنْ تُطِيعُوا رَسُولَ اللَّهِ وتَأْتَمُّوا بِهِ، فَيَقِيكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ مِنَ العَنَتِ فِيما لَوِ اسْتَتْبَعْتُمْ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ لِرَأْيِكُمْ: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ أيْ: بِاللَّهِ: ﴿والفُسُوقَ﴾ يَعْنِي الكَذِبَ: ﴿والعِصْيانَ﴾ أيْ: مُخالَفَةَ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَضْيِيعَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ: أُولَئِكَ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِمَحَبَّةِ الإيمانِ، وتَزَيُّنِهِ في قُلُوبِهِمْ، وكَراهَتِهِمُ المَعاصِيَ: ﴿هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ أيِ: السّالِكُونَ طَرِيقَ الحَقِّ.

49:8Page 516

فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨

[It is] as bounty from Allāh and favor. And Allāh is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨] ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ أيْ: إحْسانًا مِنهُ، ونِعْمَةً أنْعَمَها عَلَيْكم. قالَ القاشانِيُّ: كانَ فَضْلًا بِعِنايَتِهِ بِهِمْ في الأزَلِ، المُقْتَضِيَةِ لِلْهِدايَةِ الرُّوحانِيَّةِ الِاسْتِعْدادِيَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِهَذِهِ الكَمالاتِ في الأبَدِ. ونِعْمَةٌ بِتَوْفِيقِهِ إيّاهم لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضى تِلْكَ الهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ، وإعانَتِهِ بِإفاضَةِ الكَمالاتِ المُناسِبَةِ لِاسْتِعْداداتِهِمْ، حَتّى اكْتَسَبُوا مَلَكَةَ العِصْمَةِ المُوجِبَةِ لِكَراهَةِ المَعْصِيَةِ. وهو تَعْلِيلٌ لِـ: (حَبَّبَ)، و(كَرَّهَ)، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: جَرى ذَلِكَ فَضْلًا، أوْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا.

(p-٥٤٥٢)﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: ذُو عِلْمٍ بِالمُحْسِنِ، والمُسِيءِ، وحِكْمَةٍ في تَدْبِيرِ خَلْقِهِ، وتَصْرِيفِهِمْ فِيما شاءَ مِن قَضائِهِ.

49:9Page 516

وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩

And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩] ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ .

﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أيْ: تَقاتَلُوا: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: بِالدُّعاءِ إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ، والرِّضا بِما فِيهِ، لَهُما وعَلَيْهِما، وذَلِكَ هو الإصْلاحُ بَيْنَهُما بِالعَدْلِ.

﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ أيْ: فَإنْ أبَتْ إحْدى هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ الإجابَةَ إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ، لَهُ وعَلَيْهِ، وتَعَدَّتْ ما جَعَلَ اللَّهُ عَدْلًا بَيْنَ خَلْقِهِ، وأجابَتِ الأُخْرى مِنهُما ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ أيْ: تَعْتَدِي وتَأْبى الإجابَةَ إلى حُكْمِ اللَّهِ: ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: تَرْجِعَ إلى حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ في كِتابِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ أيْ: رَجَعَتِ الباغِيَةُ، بَعْدَ قِتالِكم إيّاهُمْ، إلى الرِّضا بِحُكْمِ اللَّهِ في كِتابِهِ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ أيْ: بِالإنْصافِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ في كِتابِهِ الَّذِي جَعَلَهُ عَدْلًا بَيْنَ خَلْقِهِ: ﴿وأقْسِطُوا﴾ أيِ: اعْدِلُوا في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيْ: فَيُجازِيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ:- قالَ القاشانِيُّ: الِاقْتِتالُ لا يَكُونُ إلّا لِلْمَيْلِ إلى الدُّنْيا، والرُّكُونِ إلى الهَوى، والِانْجِذابِ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، والتَّوَجُّهِ إلى المَطالِبِ الجُزْئِيَّةِ. والإصْلاحُ إنَّما يَكُونُ مِن (p-٥٤٥٣)لُزُومِ العَدالَةِ في النَّفْسِ الَّتِي هي ظِلُّ المَحَبَّةِ، الَّتِي هي ظِلُّ الوَحْدَةِ. فَلِذَلِكَ أُمِرَ المُؤْمِنُونَ المُوَحِّدُونَ بِالإصْلاحِ بَيْنَهُما، عَلى تَقْدِيرِ بَغْيِهِما. والقِتالِ مَعَ الباغِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ بَغْيِ إحْداهُما، حَتّى تَرْجِعَ. لِكَوْنِ الباغِيَةِ مُضادَّةً لِلْحَقِّ، دافِعَةً لَهُ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَتَيْنِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ اقْتَتَلَتا في بَعْضِ ما تَنازَعَتا فِيهِ بِالنِّعالِ والأيْدِي، لا بِالسُّيُوفِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتاهم فَحَجَزَ بَيْنَهم وأصْلَحَ. رُوِيَ ذَلِكَ مِن طَرِيقٍ عَدِيدَةٍ، مِمّا يُقَوِّي أنَّ القِتالَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ كانَ حَقِيقِيًّا.

ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ أنَّ الِاقْتِتالَ بِمَعْنى الخُصُومَةِ، والقِتالَ بِمَعْنى الدَّفْعِ مَجازًا. قالَ -فِيما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ-: كانَتْ تَكُونُ الخُصُومَةُ بَيْنَ الحَيَّيْنِ، فَيَدْعُوهم إلى الحُكْمِ، فَيَأْبَوْنَ أنْ يُجِيبُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ادْفَعُوا إلى الحُكْمِ، فَكانَ قِتالُهُمُ الدَّفْعَ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ المادَّةَ قَدْ تُحْمَلُ عَلى حَقِيقَتِها ومَجازِها فَتَتَّسِعُ لَهُما. وقَدْ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: لَيْسَ كُلُّ قِتالٍ قَتْلًا. وقَدْ يُفْضِي الخِصامُ إلى القَتْلِ، فَلا مانِعَ أنْ يُرادَ مِنَ الآيَةِ ما هو أعَمُّ، لِتَكُونَ الفائِدَةُ أشْمَلَ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

الثّانِي:- في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ وُجُوبُ الصُّلْحِ بَيْنَ أهْلِ العَدْلِ والبَغْيِ، وقِتالُ البُغاةِ وهو شامِلٌ لِأهْلِ مَكَّةَ كَغَيْرِهِمْ، وأنَّ مَن رَجَعَ مِنهم وأدْبَرَ لا يُقاتِلُ، لِقَوْلِهِ: حَتّى تَفِيءَ. انْتَهى.

وقَدْ رَوى سَعِيدٌ عَنْ مَرْوانَ قالَ: صَرَخَ صارِخٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الجَمَلِ: لا يُقْتَلْ مُدْبِرٌ، ولا يُذَفَّفْ عَلى جَرِيحٍ، ومَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن ألْقى السِّلاحَ فَهو آمِنٌ.

وقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى حُرْمَةِ قَتْلِ مُدْبِرِهِمْ وجَرِيحِهِمْ، وأنَّهُ لا يَغْنَمُ لَهم مالٌ، ولا تُسْبى لَهم ذَرِّيَّةٌ، لِأنَّهم لَمْ يَكْفُرُوا بِبَغْيِهِمْ ولا قِتالِهِمْ. وعِصْمَةُ الأمْوالِ تابِعَةٌ لِدِينِهِمْ، ولِذا يَجِبُ رَدُّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ إنْ أُخِذَ مِنهم. ولا يَضْمَنُوا ما أتْلَفُوهُ حالَ الحَرْبِ مِن نَفْسٍ أوْ مالٍ. ومَن قُتِلَ مِن أهْلِ (p-٥٤٥٤)البَغْيِ غُسِّلَ، وكُفِّنَ، وصُلِّيَ عَلَيْهِ، فَإنَّ قُتِلَ العادِلُ كانَ شَهِيدًا، فَلا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلّى عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قُتِلَ في قِتالٍ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، كَشَهِيدِ مَعْرَكَةِ الكُفّارِ.

وأنْ أظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الخَوارِجِ. مِثْلَ تَكْفِيرِ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وتَرَكَ الجَماعَةَ، واسْتِحْلالِ دِماءِ المُسْلِمِينَ وأمْوالِهِمْ، ولَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهم. وإنْ جَنَوْا جِنايَةً وأتَوْا حَدًّا، أقامَهُ عَلَيْهِمْ.

وإنِ اقْتَتَلَتْ طائِفَتانِ لِعَصَبِيَّةٍ، أوْ طَلَبِ رِئاسَةٍ، فَهُما ظالِمَتانِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما باغِيَةٌ عَلى الأُخْرى، وتَضْمَنُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما ما أتْلَفَ عَلى الأُخْرى.

هَذِهِ شَذْرَةٌ مِمّا جاءَ في (الإقْناعِ)، و(شَرْحِهِ) وتَفْصِيلِهِ ثَمَّةَ.

الثّالِثُ:- قالَ في (شَرْحِ الإقْناعِ): في الآيَةِ فَوائِدُ: مِنها أنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا بِالبَغْيِ عَنِ الإيمانِ، وأنَّهُ أوْجَبَ قِتالَهُمْ، وأنَّهُ أسْقَطَ عَنْهُمُ التَّبِعَةَ فِيما أتْلَفُوهُ في قِتالِهِمْ. وإجازَةُ كُلِّ مَن مَنَعَ حَقًّا عَلَيْهِ. والأحادِيثُ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ: مِنها ما رَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ قالَ: «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وأجْمَعَ الصَّحابَةُ عَلى قِتالِهِمْ، فَإنَّ أبا بَكْرٍ قاتَلَ مانِعِي الزَّكاةِ، وعَلِيًّا قاتَلَ أهْلَ الجَمَلِ، وأهْلَ صَفِّينَ. انْتَهى.

وتَدُلُّ الآيَةُ أيْضًا عَلى وُجُوبِ مُعاوَنَةِ مَن بَغى عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: فَقاتِلُوا، وعَلى وُجُوبِ تَقْدِيمِ النُّصْحِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ وعَلى السَّعْيِ في المُصالَحَةِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ.

الرّابِعُ:- وجْهُ الجَمْعِ فِي: اقْتَتَلُوا، مَعَ أنَّهُ قَدْ يُقالُ: مُقْتَضى الظّاهِرِ: اقْتَتَلَتا، هو الحَمْلُ عَلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ الطّائِفَتَيْنِ في مَعْنى القَوْمِ والنّاسِ. والنُّكْتَةُ في اعْتِبارِ المَعْنى أوَّلًا.

(p-٥٤٥٥)واللَّفْظُ ثانِيًا عَكْسُ المَشْهُورِ في الِاسْتِعْمالِ، ما قِيلَ إنَّهم أوَّلًا في حالِ القِتالِ مُخْتَلِطُونَ مُجْتَمِعُونَ، فَلِذا جَمَعَ أوَّلًا ضَمِيرَهُمْ، وفي حالِ الإصْلاحِ مُتَمَيِّزُونَ مُتَفارِقُونَ، فَلِذا ثَنّى الضَّمِيرَ ثانِيًا وسِرُّ قَرْنِ الإصْلاحِ الثّانِي بِالعَدْلِ، دُونَ الأوَّلِ، لِأنَّ الثّانِيَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ المُقاتَلَةِ مَظِنَّةً لِلتَّحامُلِ عَلَيْهِمْ بِالإساءَةِ، أوْ لِإيهامِ أنَّهم لَمّا أحْوَجُوهم لِلْقِتالِ اسْتَحَقُّوا الحَيْفَ عَلَيْهِمْ.

الخامِسُ:- (أقْسَطَ) الرُّباعِيُّ هَمْزَتُهُ لِلسَّلْبِ. أيْ: أزِيلُوا الجَوْرَ، واعْدِلُوا. بِخِلافِ (قَسَطَ) الثُّلاثِيِّ، فَمَعْناهُ جارَ. قالَ تَعالى: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وهَذا هو المَشْهُورُ -خِلافًا لِلزَّجّاجِ - في جَعْلِهِما سَواءً- أفادَهُ الكَرْخِيُّ -. وقَوْلُهُ تَعالى:

49:10Page 516

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠

The believers are but brothers, so make settlement between your brothers. And fear Allāh that you may receive mercy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما مِنَ الأمْرِ بِالإصْلاحِ، فَإنَّ مِن لَوازِمِ الأُخُوَّةِ أنْ يَصْطَلِحُوا.

قالَ الشِّهابُ: وتَسْمِيَةُ المُشارَكَةِ في الإيمانِ أُخُوَّةً تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ شَبَّهَ المُشارَكَةَ فِيهِ بِالمُشارَكَةِ في أصْلِ التَّوالُدِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أصْلٌ لِلْبَقاءِ، إذِ التَّوالُدُ مَنشَأُ الحَياةِ، والإيمانُ مَنشَأُ البَقاءِ الأبَدِيِّ في الجِنانِ.

﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ أيْ: إذا اقْتَتَلا بِأنْ تَحْمِلُوهُما عَلى حُكْمِ اللَّهِ، وحُكْمِ رَسُولِهِ.

قالَ القاشانِيُّ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإيمانَ الَّذِي أقَلُّ مَرْتَبَتِهِ التَّوْحِيدُ والعَمَلُ، يَقْتَضِي الأُخُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لِلْمُناسَبَةِ الأصْلِيَّةِ، والقَرابَةِ الفِطْرِيَّةِ، الَّتِي تَزِيدُ عَلى القَرابَةِ الصُّورِيَّةِ، والنِّسْبَةِ الوِلادِيَّةِ، بِما لا يُقاسُ، لِإقْضائِهِ المَحَبَّةَ القَلْبِيَّةَ، لا المَحَبَّةَ النَّفْسانِيَّةَ، المُسَبَّبَةَ عَنِ (p-٥٤٥٦)التَّناسُبِ في اللُّحْمَةِ. فَلا أقَلَّ مِنَ الإصْلاحِ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ العَدالَةِ، وأحَدِ خِصالِها، إذْ لَوْ لَمْ يُعَدُّوا عَنِ الفِطْرَةِ، ولَمْ يَتَكَدَّرُوا بِغَواشِي النَّشْأةِ، لَمْ يَتَقاتَلُوا، ولَمْ يَتَخالَفُوا. فَوَجَبَ عَلى أهْلِ الصَّفاءِ، بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ، والرَّأْفَةِ، والشَّفَقَةِ اللّازِمَةِ لِلْأُخُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، الإصْلاحُ بَيْنَهُما، وإعادَتُهُما إلى الصَّفاءِ. انْتَهى.

تَنْبِيهٌ:

وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مُضافًا إلى المَأْمُورِينَ، لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْرِيرِ والتَّخْصِيصِ. وتَخْصِيصُ الِاثْنَيْنِ بِالذِّكْرِ دُونَ الجَمْعِ، لِأنَّ أقَلَّ مَن يَقَعُ بَيْنَهُمُ الشِّقاقُ اثْنانِ. فَإذا لَزِمَتِ المُصالَحَةُ بَيْنَ الأقَلِّ، كانَتْ بَيْنَ الأكْثَرِ ألْزَمَ، لِأنَّ الفَسادَ في شِقاقِ الجَمْعِ، أكْثَرُ مِنهُ في شِقاقِ الِاثْنَيْنِ -أفادَهُ القاضِي والزَّمَخْشَرِيُّ -.

وفِي مَعْنى الآيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ: كَحَدِيثِ ««المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ»» . وحَدِيثِ ««واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ»» . وحَدِيثِ ««مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَواصُلِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ الواحِدِ إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالحُمّى والسَّهَرِ»» . وحَدِيثِ ««المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»» وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ﷺ -وكُلُّها في (الصِّحاحِ)-.

(p-٥٤٥٧)﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: خافُوا مُخالَفَةَ حُكْمِهِ، والإهْمالَ فِيهِ، لِيَرْحَمَكم فَيُفْصِحُ عَنْ سالِفِ آثامِكُمْ، ويُثِيبَكَ رِضْوانَهُ.

49:11Page 516

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١

O you who have believed, let not a people ridicule [another] people; perhaps they may be better than them; nor let women ridicule [other] women; perhaps they may be better than them. And do not insult one another and do not call each other by [offensive] nicknames. Wretched is the name [i.e., mention] of disobedience after [one's] faith. And whoever does not repent - then it is those who are the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾ أيْ: لا يَهْزَأْ رِجالٌ مِن رِجالٍ، فَيَرَوْا أنْفُسَهم خَيْرًا مِنَ المَسْخُورِ مِنهُمْ: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ﴾ أيِ: السّاخِراتُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: فَإنَّ مَناطَ الخَيْرِيَّةِ في الفَرِيقَيْنِ، لَيْسَ ما يَظْهَرُ لِلنّاسِ مِنَ الصُّوَرِ والأشْكالِ والأوْضاعِ والأطْوارِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ السُّخْرِيَةِ غالِبًا. بَلْ إنَّما هو الأُمُورُ الكامِنَةُ في القُلُوبِ، فَلا يَجْتَرِئُ أحَدٌ عَلى اسْتِحْقارِ أحَدٍ، فَلَعَلَّهُ أجْمَعُ مِنهُ، لِما نِيطَ بِهِ مِنَ الخَيْرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَن وقَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، والِاسْتِهانَةِ بِمَن عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. ومِن أهْلِ التَّأْوِيلِ مَن خَصَّ السُّخْرِيَةَ بِما يَقَعُ مِنَ الغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ. وآخَرُونَ بِما يَعْثُرُ مِن أحَدٍ عَلى زَلَّةٍ أوْ هَفْوَةٍ، فَيَسْخَرُ بِهِ مِن أجْلِها.

قالَ الطَّبَرِيُّ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ عَمَّ، بِنَهْيِهِ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَسْخَرَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، جَمِيعَ مَعانِي السُّخْرِيَةِ. فَلا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَسْخَرَ مِن مُؤْمِنٍ، لا لِفَقْرِهِ، ولا لِذَنْبٍ رَكِبَهُ، ولا لِغَيْرِ ذَلِكَ.

(p-٥٤٥٨)وقَدْ عَدَّ الغَزالِيُّ في (الإحْياءِ) السُّخْرِيَةَ مِن آفاتِ اللِّسانِ، وأوْضَحَ مَعْناها بِما لا مَطْلَبَ وراءَهُ فَنَنْقُلُهُ هُنا تَتْمِيمًا لِلْفائِدَةِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:

الآفَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ -السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ: وهَذا مُحَرَّمٌ مَهْما كانَ مُؤْذِيًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾ الآيَةَ. ومَعْنى السُّخْرِيَةِ: الِاسْتِهانَةُ، والتَّحْقِيرُ، والتَّنْبِيهُ عَلى العُيُوبِ، والنَّقائِصِ، عَلى وجْهٍ يُضْحَكُ مِنهُ. وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالمُحاكاةِ في الفِعْلِ والقَوْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإشارَةِ والإيماءِ، وإذا كانَ بِحَضْرَةِ المُسْتَهْزَأِ بِهِ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ، وفِيهِ مَعْنى الغِيبَةِ.

«وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: حاكَيْتُ، فَقالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «واللَّهِ ما أُحِبُّ أنِّي حاكَيْتُ إنْسانًا، ولِي كَذا وكَذا»» .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] إنَّ الصَّغِيرَةَ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِ، والكَبِيرَةَ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ.

وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الضَّحِكَ عَلى النّاسِ مِن جُمْلَةِ الذُّنُوبِ الكَبائِرِ. وقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««مَن عَيَّرَ أخاهُ بِذَنْبٍ قَدْ تابَ مِنهُ، لَمْ يَمُتْ حَتّى يَعْمَلَهُ»» .

وكُلُّ هَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِحْقارِ الغَيْرِ، والضَّحِكِ عَلَيْهِ، والِاسْتِهانَةِ بِهِ، والِاسْتِصْغارِ لَهُ. وعَلَيْهِ نَبَّهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ أيْ: لا تَسْتَحْقِرُوهُ اسْتِصْغارًا، فَلَعَلَّهُ خَيْرٌ مِنكَ. وهَذا إنَّما يَحْرُمُ في حَقِّ مَن يَتَأذّى بِهِ. فَأمّا مَن جَعَلَ نَفْسَهُ مَسْخَرَةً، ورُبَّما فَرِحَ مِن أنْ يُسْخَرَ بِهِ، كانَتِ السُّخْرِيَةُ في حَقِّهِ مِن جُمْلَةِ المَزْحِ. ومِنهُ ما يُذَمُّ وما يُمْدَحُ. وإنَّما المُحَرَّمُ اسْتِصْغارٌ يَتَأذّى بِهِ المُسْتَهْزَأُ بِهِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّحْقِيرِ والتَّهاوُنِ، وذَلِكَ تارَةً بِأنْ يَضْحَكَ عَلى كَلامِهِ إذا تَخَبَّطَ فِيهِ ولَمْ يَنْتَظِمْ، أوْ عَلى أفْعالِهِ إذا كانَتْ مُشَوَّشَةً، كالضَّحِكِ عَلى حِفْظِهِ (p-٥٤٥٩)وعَلى صَنْعَتِهِ أوْ عَلى صُورَتِهِ وخِلْقَتِهِ، إذا كانَ قَصِيرًا أوْ ناقِصًا، لِعَيْبٍ مِنَ العُيُوبِ، فالضَّحِكُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ داخِلٌ في السُّخْرِيَةِ المَنهِيِّ عَنْها. انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

قالَ أبُو السُّعُودِ: القَوْمُ مُخْتَصٌّ بِالرِّجالِ، لِأنَّهُمُ القُوّامُ عَلى النِّساءِ، (والأحْسَنُ المُهِمّاتُ)، وهو في الأصْلِ إمّا جَمْعُ قائِمٍ كَصُوَّمٍ، وزُوَّرٍ، في جَمْعِ صائِمٍ، وزائِرٍ. أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ فَشاعَ في الجَمْعِ. وأمّا تَعْمِيمُهُ لِلْفَرِيقَيْنِ في مِثْلِ قَوْمِ عادٍ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَإمّا لِلتَّغْلِيبِ، أوْ لِأنَّهُنَّ تَوابِعُ. واخْتِيارُ الجَمْعِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِ السُّخْرِيَةِ في المَجامِعِ. والتَّنْكِيرُ إمّا لِلتَّعْمِيمِ أوْ لِلْقَصْدِ إلى نَهْيِ بَعْضِهِمْ عَنْ سُخْرِيَةِ بَعْضٍ، لِما أنَّها مِمّا يَجْرِي بَيْنَ بَعْضٍ وبَعْضٍ.

﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لا يَعِيبُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ولا يَطْعَنُ.

قالَ الشِّهابُ: ضَمِيرُ: ﴿تَلْمِزُوا﴾ لِلْجَمْعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ فِيهِ. و: ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِنْسِ المُخاطَبِينَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَجَعَلَ ما هو مِن جِنْسِهِمْ بِمَنزِلَةِ أنْفُسِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَأطْلَقَ الأنْفُسَ عَلى الجِنْسِ اسْتِعارَةً. فَفي اللَّفْظِ الكَرِيمِ تَجَوُّزٌ، وتَقْدِيرُ مُضافٍ. والنَّهْيُ عَلى هَذا مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ، وهو مُغايِرٌ لِما قَبْلَهُ، وإنْ كانَ مَخْصُوصًا بِالمُؤْمِنِينَ أيْضًا بِحَسَبِ المَفْهُومِ، لِتَغايُرِ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ، فَلا يُقالُ إنَّ الأوَّلَ مُغْنٍ عَنْهُ، إذِ السُّخْرِيَةُ ذِكْرُهُ بِما يَكْرَهُ عَلى وجْهٍ مُضْحِكٍ بِحَضْرَتِهِ، وهَذا ذِكْرُهُ بِما يَكْرَهُ مُطْلَقًا. أوْ هو تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، كَما يُعْطَفُ العامُّ عَلى الخاصِّ، لِإفادَةِ الشُّمُولِ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن عَطْفِ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، أوِ اللَّمْزُ مَخْصُوصٌ بِما كانَ عَلى وجْهِ الخُفْيَةِ، كالإشارَةِ. أوْ هو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِجَعْلِ الخاصِّ كَجِنْسٍ آخَرَ مُبالَغَةً. انْتَهى.

وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تَفْعَلُوا ما تُلْمَزُونَ بِهِ، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما اسْتَحَقَّ بِهِ اللَّمْزَ، فَقَدَ لَمَزَ نَفْسَهُ.

(p-٥٤٦٠)قالَ الشِّهابُ: فَـ: " أنْفُسَكم " عَلى ظاهِرِهِ، والتَّجَوُّزُ في قَوْلِهِ: تَلْمِزُوا. فَهو مَجازٌ ذُكِرَ فِيهِ المُسَبِّبُ، وأُرِيدَ السَّبَبُ. والمُرادُ: لا تَرْتَكِبُوا أمْرًا تُعابُونَ بِهِ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ السِّياقِ، وغَيْرُ مُناسِبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ كَما في (الكَشْفِ)، وكَوْنُهُ مِنَ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ، إذْ أُسْنِدَ فِيهِ ما لِلْمُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ، تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، وكَذا كَوْنُهُ كالتَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، لا يَدْفَعُ كَوْنَهُ مُخالِفًا لِلظّاهِرِ. وكَذا كَوْنُ المُرادِ بِهِ لا تَتَسَبَّبُوا في الطَّعْنِ فِيكُمْ، بِالطَّعْنِ عَلى غَيْرِكُمْ، كَما في الحَدِيثِ ««مِنَ الكَبائِرِ أنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ»»، إذْ فُسِّرَ بِأنَّهُ إذا شَتَمَ والِدَيْ غَيْرِهِ، شَتَمَ الغَيْرُ والِدَيْهِ أيْضًا.

﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ أيْ: ولا تَداعَوْا بِالألْقابِ الَّتِي يَكْرَهُ النَّبْزَ بِها المُلَقَّبُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عُنِيَ بِها قَوْمٌ كانَتْ لَهم أسْماءٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسْلَمُوا كانُوا يَغْضَبُونَ مِنَ الدُّعاءِ بِها رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ. وفَسَّرَهُ بَعْضُ السَّلَفِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: يا فاسِقُ، يا مُنافِقُ! وبَعْضٌ بِتَسْمِيَةِ الرَّجُلِ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ، وبِالفُسُوقِ بَعْدَ التَّوْبَةِ. والآيَةُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ -: تَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ قالَ: لِأنَّ التَّنابُزَ بِالألْقابِ هو دُعاءُ المَرْءِ صاحِبَهُ بِما يَكْرَهُهُ مِنِ اسْمٍ أوْ صِفَةٍ.

﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاسْمُ هَهُنا يَعْنِي الذِّكْرَ. مِن قَوْلِهِمْ: طارَ اسْمُهُ في النّاسِ بِالكَرَمِ أوْ بِاللُّؤْمِ، كَما يُقالُ: طارَ ثَناؤُهُ وصِيتُهُ. وحَقِيقَتُهُ ما سَمّاهُ ذِكْرَهُ، وارْتَفَعَ بَيْنَ النّاسِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: أشادَ بِذِكْرِهِ؟ كَأنَّهُ قِيلَ بِئْسَ الذِّكْرُ المُرْتَفِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ ارْتِكابِ هَذِهِ الجَرائِرِ، أنْ يُذْكَرُوا بِالفِسْقِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ الإيمانِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

(p-٥٤٦١)أحَدُهُما -اسْتِقْباحُ الجَمْعِ بَيْنَ الإيمانِ وبَيْنَ الفِسْقِ الَّذِي يَأْباهُ الإيمانُ ويَحْظُرُهُ، كَما تَقُولُ: بِئْسَ الشَّأْنُ بَعْدَ الكَبْرَةِ، الصَّبْوَةُ.

والثّانِي- أنَّهُ كانَ في شَتائِمِهِمْ لِمَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ: يا يَهُودِيُّ! يا فاسِقُ! فَنُهُوا عَنْهُ، وقِيلَ لَهُمْ: بِئْسَ الذِّكْرُ، أنْ تَذْكُرُوا الرَّجُلَ بِالفِسْقِ واليَهُودِيَّةِ بَعْدَ إيمانِهِ. والجُمْلَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّنابُزِ.

والثّالِثُ- أنْ يُجْعَلَ مِن فِسْقِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ، كَما تَقُولُ لِلْمُتَحَوِّلِ عَنِ التِّجارَةِ إلى الفِلاحَةِ: بِئْسَتِ الحِرْفَةُ، الفِلاحَةُ بَعْدَ التِّجارَةِ. انْتَهى.

واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ الثّالِثَ، لا ذَهابًا لِرَأْيِ المُعْتَزِلَةِ مِن أنَّ الفاسِقَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، كَما أنَّهُ غَيْرُ كافِرٍ، فَهو في مَنزِلَةٍ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، بَلْ لِأنَّ السِّياقَ يَقْتَضِي خَتْمَ الكَلامِ بِالوَعِيدِ، فَإنَّ التَّلْقِيبَ بِما يَكْرَهُهُ النّاسُ أمْرٌ مَذْمُومٌ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الإيمانِ، فَإنَّهُ شِعارُ الجاهِلِيَّةِ. وعِبارَتَهُ: يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: ومَن فَعَلَ ما نَهَيْنا عَنْهُ، وتَقَدَّمَ عَلى مَعْصِيَتِنا بَعْدَ إيمانِهِ، فَسَخِرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَمَزَ أخاهُ المُؤْمِنَ، ونَبَزَهُ بِالألْقابِ، فَهو فاسِقٌ: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ يَقُولُ: فَلا تَفْعَلُوا فَتَسْتَحِقُّوا، إنْ فَعَلْتُمُوهُ، أنْ تُسَمَّوْا فُسّاقًا، بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ. وتُرِكَ ذِكْرُ ما وصَفْنا مِنَ الكَلامِ، اكْتِفاءً بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ﴾ عَلَيْهِ. ثُمَّ ضَعَّفَ القَوْلَ الثّانِي وقالَ: وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ أوْلى بِالكَلامِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ، فالَّذِي هو أوْلى أنْ يَخْتِمَها بِالوَعِيدِ لِمَن تَقَدَّمَ عَلى بَغْيِهِ، أوْ يُقَبِّحَ رُكُوبَهُ ما رَكِبَ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ، لا أنْ يُخْبِرَ عَنْ قُبْحِ ما كانَ التّائِبُ أتاهُ مِن قَبْلِ تَوْبَتِهِ، إذْ كانَتِ الآيَةُ لَمْ تُفْتَتَحْ بِالخَبَرِ عَنْ رُكُوبِهِ ما كانَ رَكِبَ قَبْلَ التَّوْبَةِ مِنَ القَبِيحِ، فَيَخْتِمُ آخِرَها بِالوَعِيدِ عَلَيْهِ، أوِ القَبِيحِ. انْتَهى.

(p-٥٤٦٢)﴿ومَن لَمْ يَتُبْ﴾ أيْ: مِن نَبْزِهِ أخاهُ بِما نَهى اللَّهُ عَنْ نَبْزِهِ بِهِ مِنَ الألْقابِ، أوْ لَمْزِهِ إيّاهُ، أوْ سُخْرِيَتِهِ مِنهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأكْسَبُوها العِقابَ بِرُكُوبِهِمْ ما نُهُوا عَنْهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском