Al-QasimiAl‑Ma'idah · 5:116–120

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:116–120

5:116Page 127

وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦

And [beware the Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allāh?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٦] ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾

﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الغَرَضَ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِلرُّسُلِ: ماذا أُجِبْتُمْ تَوْبِيخُ مَن تَمَرَّدَ مِن أُمَمِهِمْ. وأشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ والمَلامَةِ النَّصارى. الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهم أتْباعُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ طَعْنَ سائِرِ الأُمَمِ كانَ مَقْصُورًا عَلى الأنْبِياءِ. وطَعْنَ هَؤُلاءِ المُلْحِدَةِ تَعَدّى إلى جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، حَيْثُ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ أنْ يُوصَفَ مَقامُهُ بِهِ، وهو اتِّخاذُ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ. فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُعَدِّدُ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى عِيسى بِحَضْرَةِ الرُّسُلِ واحِدَةً فَواحِدَةً. إشْعارًا بِعُبُودِيَّتِهِ؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ عَلَيْهِ، تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ ولَيْسَ بِإلَهٍ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِاسْتِفْهامِهِ لِيَنْطِقَ بِإقْرارِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، بِالعُبُودِيَّةِ، وأمْرِهِ لَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. إكْذابًا لَهم في افْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ، وتَثْبِيتًا لِلْحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ؛ فَهَذا سِرُّ سُؤالِهِ تَعالى لَهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ. وكُلُّ ذَلِكَ لِتَنْبِيهِ النَّصارى الَّذِينَ كانُوا في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ ومَن تَأثَّرَهُمْ، عَلى قُبْحِ مَقالَتِهِمْ ورَكاكَةِ مَذْهَبِهِمْ واعْتِقادِهِمْ.

(p-٢٢٢٠)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ هَذا القَوْلَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وقالَ السُّدِّيُّ: هَذا الخِطابُ والجَوابُ في الدُّنْيا وصَوَّبَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قالَ: وكانَ ذَلِكَ حِينَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ. واحْتَجَّ ابْنُ جَرِيرٍ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكَلامَ بِلَفْظِ المُضِيِّ.

والثّانِي قَوْلُهُ: إنْ تُعَذِّبْهم وإنْ تَغْفِرْ لَهم.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذانِ الدَّلِيلانِ فِيهِما نَظَرٌ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِن أُمُورِ يَوْمِ القِيامَةِ ذُكِرَ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِيَدُلَّ عَلى الوُقُوعِ والثُّبُوتِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] الآيَةَ.: التَّبَرُّؤُ مِنهم ورَدُّ المَشِيئَةِ فِيهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى. وتَعْلِيقُ ذَلِكَ عَلى الشَّرْطِ لا يَقْتَضِي وُقُوعَهُ. كَما في نَظائِرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فالَّذِي قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ هو الأظْهَرُ. فاللَّهُ أعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ يَوْمَ القِيامَةِ، لِيَدُلَّ عَلى تَهْدِيدِ النَّصارى وتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وقَدْ رُوِيَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، رَواهُ الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، -وكانَ ثِقَةً- قالَ: سَمِعْتُ أبا بُرْدَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ أبِيهِ، أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ. قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ دُعِيَ الأنْبِياءُ وأُمَمُهم. ثُمَّ يُدْعى بِعِيسى فَيَذَكِّرُهُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ فَيُقِرُّ بِها فَيَقُولُ: يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ الآيَةَ. ثُمَّ يَقُولُ: أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُنْكِرُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، فَيُؤْتى بِالنَّصارى فَيُسْألُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هو أمَرَنا بِذَلِكَ! قالَ: فَيَطُولُ شَعْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَيَأْخُذُ كُلُّ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِشَعْرَةٍ مِن شَعْرِ رَأْسِهِ وجَسَدِهِ فَيُجاثِيهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِقْدارَ ألْفِ عامٍ حَتّى تُرْفَعَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ ويُرْفَعَ لَهُمُ الصَّلِيبُ ويُنْطَلِقَ بِهِمْ إلى النّارِ!»

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ عَزِيزٌ!

(p-٢٢٢١)الثّانِي: إيثارُ قَوْلِهِ تَعالى: أُمِّيَ عَلى: مَرْيَمَ تَوْبِيخٌ لِلْمُتَّخِذِينَ، عَلى تَوْبِيخٍ، أيْ: مَعَ أنَّكَ بَشَرٌ تَلِدُ وتُولَدُ قَبْلَ هَذا.

الثّالِثُ: تَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ كَلِمَةَ (مِن دُونِ اللَّهِ) تُفِيدُ أنَّ النَّصارى يَعْتَقِدُونَ أنَّ عِيسى وأُمَّهُ، عَلَيْهِما السَّلامُ. مُسْتَقِلّانِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، بَدَلًا عَنِ اللَّهِ تَعالى. كَما يُقالُ: اتَّخَذْتَ فُلانًا صَدِيقًا دُونِي. فَإنَّ مَعْناهُ أنَّهُ اسْتَبْدَلَهُ بِهِ. لا أنَّهُ جَعَلَهُ صَدِيقًا مَعَهُ. وهم لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ. بَلْ ثَلَّثُوا. فَأجابَ: بِأنَّ مَن أشْرَكَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فَقَدْ نَفاهُ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. فَإقْرارُهُ بِاللَّهِ كَلا إقْرارٍ. فَيَكُونُ: مِن دُونِ اللَّهِ مَجازًا عَنْ (مَعَ اللَّهِ). ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّ تَوْبِيخَهم إنَّما يَحْصُلُ بِما يَعْتَقِدُونَهُ ويَعْتَرِفُونَ بِهِ صَرِيحًا لا بِما يَلْزَمُهُ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ. فالصَّوابُ أنَّ المُرادَ اتِّخاذُهُما بِطَرِيقِ إشْراكِهِما بِهِ سُبْحانَهُ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] - إلى قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] إذْ بِهِ يَتَأتّى التَّوْبِيخُ، ويَتَسَنّى التَّقْرِيعُ والتَّبْكِيتُ. هَذا ما حَقَّقُوهُ هُنا.

وأقُولُ: إنَّ كَلِمَةَ (دُونِ) في هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها بِمَعْنى (غَيْرِ) كَما حَقَّقَهُ اللُّغَوِيُّونَ. ولا تُفِيدُ (p-٢٢٢٢)وضْعًا، الِاسْتِقْلالَ والبَدَلِيَّةَ، كَما تُوُهِّمَ، وسِرُّ ذِكْرِها إفْهامُ الشَّرِكَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْلاها لِتُوُهِّمَ دَعْوى انْحِصارِ الأُلُوهِيَّةِ فِيما عَداهُ. مَعَ أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ. ولا يُفْهَمُ مِن نَحْوِ [ اتَّخَذْتَ صَدِيقًا مِن دُونِي ] الِاسْتِبْدالُ. فَذاكَ مِن قَرِينَةٍ خارِجِيَّةٍ. وإلّا فالمِثالُ لا يَعْنِيهِ. لِجَوازِ إرادَةِ اتِّخاذِهِ مَعَهُ كَما لا يَخْفى. فَتَبَصَّرْ.

﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا لائِقًا بِكَ مِن أنْ يُقالَ هَذا ويُنْطَقَ بِهِ: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ أيْ: ما يُتَصَوَّرُ مِنِّي بَعْدَ إذْ بَعَثْتَنِي لِهِدايَةِ الخَلْقِ: ﴿أنْ أقُولَ﴾ أيْ: في حَقِّ نَفْسِي: ﴿ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما اسْتَقَرَّ في قُلُوبِ العُقَلاءِ عَدَمُ اسْتِحْقاقِي لَهُ مِمّا يُضِلُّهُمْ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِعَدَمِ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ. فَإنَّ صُدُورَهُ عَنْهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِهِ قَطْعًا. فَحَيْثُ انْتَفى عِلْمُهُ تَعالى بِهِ، انْتَفى صُدُورُهُ عَنْهُ حَتْمًا. ضَرُورَةَ أنَّ عَدَمَ اللّازِمِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ المَلْزُومِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: لِأنَّكَ تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ في نَفْسِي. فَكَيْفَ بِما أُعْلِنُهُ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ بَيانٌ لِلْواقِعِ، وإظْهارٌ لِقُصُورِهِ. أيْ: ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ مِن مَعْلُوماتِكَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾

5:117Page 127

مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧

I said not to them except what You commanded me - to worship Allāh, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٧] ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾

﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ. وإنَّما قِيلَ: ما قُلْتُ لَهم نُزُولًا عَلى قَضِيَّةِ حُسْنِ الأدَبِ، ومُراعاةً لِما ورَدَ في الِاسْتِفْهامِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ (p-٢٢٢٣)أيْ: رَقِيبًا أُراعِي أحْوالَهم وأحْمِلُهم عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ أمْرِكَ، ويَتَأتّى لِي نَهْيُهم عَمّا أُشاهِدُهُ فِيهِمْ مِمّا لا يَنْبَغِي: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أيْ: بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] والتَّوَفِّي: أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا. والمَوْتُ نَوْعٌ مِنهُ. قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] وسَبَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] في زِيادَةِ إيضاحٍ عَلى ما هُنا. فَتَذَكَّرْ.

﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ: النّاظِرَ لِأعْمالِهِمْ. فَمَنَعْتَ مَن أرْدْتَ عِصْمَتَهُ مِنَ التَّفَوُّهِ بِذَلِكَ. وخَذَلْتَ مَن خَذَلْتَ مِنَ الضّالِّينَ، فَقالُوا ما قالُوا: ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى كانَ هو الشَّهِيدَ عَلى الكُلِّ، حِينَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما بَيْنَهم.

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ، بَعْدَ اسْتِيفاءِ أجَلِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ، ونَقْلِهِمْ إلى البَرْزَخِ لا يَعْلَمُونَ أعْمالَ أُمَّتِهِمْ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ هُنا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ! إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا. ثُمَّ قالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: (p-٢٢٢٤)ألا وإنَّ أوَّلَ الخَلائِقِ يُكْسى يَوْمَ القِيامِ إبْراهِيمُ. ألا وإنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِن أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ فَأقُولُ: يا رَبِّ! أُصَيْحابِي. فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأقُولُ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقالُ: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَزالُوا مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهُمْ»» .

5:118Page 127

إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١١٨

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٨] ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ رَدَّ المَشِيئَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَإنَّهُ الفَعّالُ لِما يَشاءُ: لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ. ويَتَضَمَّنُ التَّبَرُّؤَ مِنَ النَّصارى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. وجَعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا وصاحِبَةً ووَلَدًا. تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. انْتَهى.

أيْ: إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّكَ تُعَذِّبُ عِبادِكَ. ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ المُطْلَقِ فِيما يَفْعَلُ بِمُلْكِهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ لِأنَّهم عِبادُكَ وقَدْ عَبَدُوا غَيْرَكَ. وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَلا عَجْزَ ولا اسْتِقْباحَ؛ لِأنَّكَ القادِرُ القَوِيُّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ. الَّذِي لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ. فَإنَّ المَغْفِرَةَ مُسْتَحْسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ. فَإنْ عَذَّبْتَ فَعَدْلٌ، وإنْ غَفَرْتَ فَفَضْلٌ. وعَدَمُ غُفْرانِ الشِّرْكِ مُقْتَضى الوَعِيدِ. فَلا امْتِناعَ فِيهِ لِذاتِهِ، لِيَمْتَنِعَ التَّرْدِيدُ والتَّعْلِيقُ بِ (إنَّ). أفادَهُ البَيْضاوِيُّ.

يَعْنِي أنَّ المَغْفِرَةَ، وإنْ كانَتْ قَطْعِيَّةَ الِانْتِفاءِ بِحَسْبِ الوُجُودِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ بِحَسْبِ العَقْلِ، تَحْتَمِلُ الوُقُوعَ والوُقُوعَ، اسْتَعْمَلَ فِيها كَلِمَةَ (إنْ) فَسَقَطَ ما يُتَوَهَّمُ أنَّ تَعْذِيبَهُمْ، مَعَ أنَّهُ قَطْعِيُّ الوُجُودِ، كَيْفَ اسْتَعْمَلَ فِيهِ (إنْ) وعَدَمَ وُقُوعِ العَفْوِ بِحُكْمِ النَّصِّ والِاجْتِماعِ.

(p-٢٢٢٥)وفِي كُتُبِ الكَلامِ: إنَّ غُفْرانَ الشِّرْكِ جائِزٌ عَقْلًا عِنْدَنا وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ عَلى المُذْنِبِ، ولَيْسَ في إسْقاطِهِ مَضَرَّةٌ.

وبِالجُمْلَةِ: فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى: إنْ تَغْفِرْ لَهم تَعْرِيضًا بِسُؤالِهِ العَفْوَ عَنْهم. وإنَّما هو لِإظْهارِ قُدْرَتِهِ عَلى ما يُرِيدُ، وعَلى مُقْتَضى حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ. ولِذا قالَ: إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا امْتِناعَ لِأحَدٍ عَنْ عِزَّتِهِ، فَلا اعْتِراضَ في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ.

قالَ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ: لَوْ قالَ: فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، أشْعَرَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ شَفِيعًا لَهم. فَلَمّا قالَ: فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ غَرَضَهُ تَفْوِيضُ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتَرْكُ التَّعَرُّضِ لِهَذا البابِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.

وفِي "العِنايَةِ" ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ ما ظَنَّهُ بَعْضُهم مِن أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ: الغَفُورُ الرَّحِيمُ بَدَلَ: العَزِيزُ الحَكِيمُ كَما وقَعَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - فَقَدْ غابَ عَنْهُ سِرُّ المَقامِ؛ لِأنَّهُ ظَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالشَّرْطِ الثّانِي فَقَطْ، لِكَوْنِهِ جَوابَهُ. ولَيْسَ كَما تَوَهَّمَ. بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِهِما. ومِن لَهُ الفِعْلُ والتَّرْكُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فَهَذا أنْسَبُ وأدَقُّ وألْيَقُ بِالمَقامِ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِالثّانِي، وإنَّهُ احْتَرَسَ؛ لِأنَّ تَرْكَ عِقابِ الجانِي قَدْ يَكُونُ لِعَجْزٍ يُنافِي القُدْرَةَ، أوْ لِإهْمالٍ يُنافِي الحِكْمَةَ. فَبَيَّنَ أنَّ ثَوابَهُ وعِقابَهُ مَعَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ لَها شَأْنٌ عَظِيمٌ ونَبَأٌ عَجِيبٌ. وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ بِها لَيْلَةً إلى الصَّباحِ يُرَدِّدُها.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قالَ: صَلّى النَّبِيُّ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فَقَرَأ بِآيَةٍ حَتّى أصْبَحَ يَرْكَعُ بِها ويَسْجُدُ بِها: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَلَمّا أصْبَحَ قُلْتُ: يا رَسُولَ! لَمْ تَزَلْ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ حَتّى أصْبَحْتَ. تَرْكَعُ (p-٢٢٢٦)بِها وتَسْجُدُ بِها؟ قالَ: «إنِّي سَألْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ الشَّفاعَةَ لِأُمَّتِي؛ فَأعْطانِيها. وهي نائِلَةٌ، إنْ شاءَ اللَّهُ، لِمَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»» . وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ أيْضًا.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي في صَلاةِ العِشاءِ. فَصَلّى بِالقَوْمِ ثُمَّ تَخَلَّفَ أصْحابٌ لَهُ يُصَلُّونَ. فَلَمّا رَأى قِيامَهم وتَخَلُّفَهُمُ انْصَرَفَ إلى رَحْلِهِ. فَلَمّا رَأى القَوْمَ قَدْ أخْلَوُا المَكانَ رَجَعَ إلى مَكانِهِ فَصَلّى. فَجِئْتُ فَقُمْتُ خَلْفَهُ فَأوْمَأ إلَيَّ بِيَمِينِهِ، فَقُمْتُ عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ جاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقامَ خَلْفِي. وخَلْفَهُ، فَأوْمَأ إلَيْهِ بِشَمالِهِ فَقامَ عَنْ شِمالِهِ. فَقُمْنا ثَلاثَتُنا يُصَلِّي كُلُّ واحِدٍ مِنّا بِنَفْسِهِ، ونَتْلُو مِنَ القُرْآنِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ نَتْلُوَ. وقامَ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ يُرَدِّدُها، حَتّى صَلّى الغَداةَ. فَلَمّا أصْبَحْنا أوْمَأْتُ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنْ سَلْهُ ما أرادَ إلى ما صَنَعَ البارِحَةَ؟ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا أسْألُهُ عَنْ شَيْءٍ حَتّى يُحْدِثَ إلَيَّ، فَقُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي! قُمْتَ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ ومَعَكَ القُرْآنُ. لَوْ فَعَلَ هَذا بَعْضُنا لَوَجَدْنا عَلَيْهِ. قالَ: دَعَوْتُ لِأُمَّتِي. قُلْتُ: فَماذا أُجِبْتَ؟ أوْ ماذا رُدَّ عَلَيْكَ؟ قالَ: أُجِبْتُ بِالَّذِي لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنهم طَلْعَةً، تَرَكُوا الصَّلاةَ. قُلْتُ: أفَلا أُبَشِّرُ النّاسَ، قالَ: بَلى. فانْطَلَقْتُ مُعْنِقًا قَرِيبًا مِن قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؟ إنَّكَ إنْ تَبْعَثْ بِهَذا نَكَلُوا عَنِ العِبادَةِ. فَناداهُ أنِ ارْجِعْ. فَرَجَعَ.

وتِلْكَ الآيَةُ: إنْ ﴿تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾»

ورَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]

وقَوْلَ عِيسى: إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. (p-٢٢٢٧)فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي. وبَكى. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: يا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ -ورَبُّكَ أعْلَمُ- فاسْألْهُ: ما يُبْكِيكَ؟ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَألَهُ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِما قالَ وهو أعْلَمُ. فَقالَ اللَّهُ: يا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إنّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولا نَسُوءُكَ».

ثُمَّ خَتَمَ تَعالى حِكايَةَ ما حَكى مِمّا يَقَعُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ الإشارَةِ إلى نَتِيجَةِ ذَلِكَ ومَآلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

5:119Page 127

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩

Allāh will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٩] ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

﴿قالَ اللَّهُ هَذا﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ. والمُرادُ بِ (الصّادِقِينَ) المُسْتَمِرُّونَ عَلى الصِّدْقِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، الَّتِي مُعْظَمُها التَّوْحِيدُ، الَّذِي الآيَةُ في صَدَدِهِ. وفِيهِ شَهادَةٌ بِصِدْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما قالَهُ، جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِلنَّفْعِ المَذْكُورِ. ولِذا لَمْ يُعْطَفُ عَلَيْهِ، أيْ: لَهم بَساتِينُ مِن غَرْسِ صِدْقِهِمْ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها وسُرُرِها: ﴿الأنْهارُ﴾ أنْهارُ الماءِ واللَّبَنِ والخَمْرِ والعَسَلِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُقِيمِينَ لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ: ﴿أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِصِدْقِهِمْ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ تَحْقِيقًا لِصِدْقِهِمْ. فَلَمْ يَسْخَطُوا لِقَضائِهِ في الدُّنْيا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الخُلُودُ والرِّضْوانُ: ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيِ: الكَبِيرُ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] وكَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]

5:120Page 127

لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ ١٢٠

To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

وقَوْلُهُ تَعالى:

(p-٢٢٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٠] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَنْبِيهٌ عَلى كَذِبِ النَّصارى وفَسادِ ما زَعَمُوا في المَسِيحِ وأُمِّهِ. وذَلِكَ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ المالِكُ لا غَيْرُهُ. فَلا شَرِيكَ لَهُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في القُدْرَةِ. فالجَمِيعُ مِلْكُهُ وتَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ. فَلا نَظِيرَ لَهُ ولا وزِيرَ. لا إلَهَ غَيْرُهُ ولا رَبَّ سِواهُ.

رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ. أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ. وأخْرَجا أيْضًا عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتِ المائِدَةُ والفَتْحُ - كَذا في "الإتْقانِ" -.

كَمُلَ ما قَدَّرَهُ تَعالى عَلى عَبِيدِهِ مِن مَحاسِنِ تَأْوِيلِ هَذِهِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ

بَعْدَ عَصْرِ يَوْمِ الجُمْعَةِ في ١٩ رَمَضانَ عامَ ١٣٢٠

فِي السُّدَّةِ اليُمْنى العُلْيا مِن جامِعِ السَّنانِيَّةِ.

والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском