Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:31–33
5:31Page 112
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١
Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.
(p-١٩٤٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣١] ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾
﴿فَبَعَثَ﴾ أيْ: أرْسَلَ: ﴿اللَّهُ غُرابًا﴾ فَجاءَ: ﴿يَبْحَثُ﴾ أيْ: يَحْفِرُ بِمِنقارِهِ ورِجْلِهِ مُتَعَمِّقًا: ﴿فِي الأرْضِ﴾
قالَ القُتَيْبِيُّ: هَذا مِنَ الِاخْتِصارِ. ومَعْناهُ: بَعَثَ غُرابًا يَبْحَثُ التُّرابَ عَلى مَيِّتٍ. وكَذا رَواهُ السُّدِّيُّ عَنِ الصَّحابَةِ؛ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ غُرابَيْنِ اقْتَتَلا. فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ. فَحَفَرَ لَهُ. ثُمَّ حَثى عَلَيْهِ حَثْيًا.
﴿لِيُرِيَهُ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ إمّا لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلْغُرابِ. والظّاهِرُ، لِلْقاتِلِ أخاهُ: ﴿كَيْفَ يُوارِي﴾ أيْ: يَسْتُرُ في التُّرابِ: ﴿سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ أيْ: جَسَدَهُ المَيِّتَ. وسُمِّيَ سَوْأةً لِأنَّهُ مِمّا يَسُوءُ ناظِرَهُ: ﴿قالَ يا ويْلَتا﴾ كَلِمَةُ جَزَعٍ وتَحَسُّرٍ، والألِفُ فِيها بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَيْلُ والوَيْلَةُ الهَلَكَةُ: ﴿أعَجَزْتُ﴾ أيْ: أضَعِفْتُ عَنِ الحِيلَةِ: ﴿أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾ أيِ: الَّذِي هو مِن أخَسِّ الحَيَواناتِ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِ إلى ما اهْتَدى إلَيْهِ الغُرابُ: ﴿فَأُوارِيَ﴾ أيْ: أُغَطِّيَ: ﴿سَوْءَةَ أخِي﴾ ﴿فَأصْبَحَ﴾ أيْ: صارَ: ﴿مِنَ النّادِمِينَ﴾ أيْ: عَلى حَيْرَتِهِ في مُواراتِهِ حَيْثُ لَمْ يَدْفِنْهُ حِينَ قَتَلَهُ. فَصارَ أجْهَلَ مِنَ الحَيَواناتِ العُجْمِ وأضَلَّ مِنها وأدْنى.
وفِي " التَّنْوِيرِ ": ولَمْ يَكُنْ نادِمًا عَلى قَتْلِهِ.
وقالَ أبُو اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ كانَتْ نَدامَتُهُ عَلى قَتْلِهِ لَكانَتِ النَّدامَةُ تَوْبَةً مِنهُ.
(p-١٩٤٨)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ ما كانَ يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ المَقْتُولُ، وأنَّهُ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنَ الغُرابِ. ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ. إذْ مِثْلُهُ مِمّا يَجُوزُ خَفاؤُهُ. لاسِيَّما والعالَمُ، في أوَّلِ طَوْرِ النَّشْأةِ، وأنَّهُ أوَّلُ قَتِيلٍ، فَيَكُونُ أوَّلَ مَيِّتٍ.
ونَقَلَ الرّازِيُّ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ دَفْنِهِ، قالَ: فَإنَّهُ يَبْعُدُ في الإنْسانِ أنْ لا يَهْتَدِيَ إلى هَذا القَدْرِ مِنَ العَمَلِ، إلّا أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ اسْتِخْفافًا بِهِ، ولَمّا رَأى الغُرابَ يَدْفِنُ الغُرابَ الآخَرَ، رَقَّ قَلْبُهُ ولَمْ يَرْضَ أنْ يَكُونَ أقَلَّ شَفَقَةً مِنهُ. فَواراهُ تَحْتَ الأرْضِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّدَمَ، إذا لَمْ يَكُنْ لِقُبْحِ المَعْصِيَةِ، لَمْ يَكُنْ تَوْبَةً. قالَ الرّازِيُّ: نَدِمَ عَلى قَساوَةِ قَلْبِهِ وكَوْنِهِ دُونَ الغُرابِ في الرَّحْمَةِ. فَكانَ نَدَمُهُ لِذَلِكَ، لا لِأجْلِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ النَّدَمُ.
الثّالِثُ: الآيَةُ أصْلٌ في دَفْنِ المَيِّتِ.
الرّابِعُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: زَعَمَ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّ قابِيلَ لَمّا قَتَلَ أخاهُ هابِيلَ، قالَ لَهُ اللَّهُ: يا قابِيلُ! أيْنَ أخُوكَ هابِيلُ؟ قالَ: ما أدْرِي. ما كُنْتُ عَلَيْهِ رَقِيبًا. فَقالَ اللَّهُ: إنَّ صَوْتَ دَمِ أخِيكَ لَيُنادِينِي مِنَ الأرْضِ، الآنَ أنْتَ مَلْعُونٌ مِنَ الأرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فاهًا فَبَلَعَتْ دَمَ أخِيكَ مِن يَدِكَ. فَإذا أنْتَ عَمِلْتَ في الأرْضِ فَإنَّها لا تَعُودُ تُعْطِيكَ حَرْثَها، حَتّى تَكُونَ فَزِعًا تائِهًا في الأرْضِ. انْتَهى.
الخامِسُ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لَمّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أخاهُ بَكى آدَمُ فَقالَ:(p-١٩٤٩)
؎تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها فَلَوْنُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ
؎تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وطَعْمٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحِ
فَأُجِيبُ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
؎أبا هابِيلَ! قَدْ قُتِلا جَمِيعًا ∗∗∗ وصارَ الحَيُّ كالمَيْتِ الذَّبِيحِ
؎وجاءَ بِشِرَّةٍ قَدْ كانَ مِنها ∗∗∗ عَلى خَوْفٍ، فَجاءَ بِها يَصِيحُ
أقُولُ: قَدِ اشْتُهِرَ البَيْتانِ الأوَّلانِ. وقَدْ فَنَّدَ نِسْبَتَهُما إلى آدَمَ غَيْرُ واحِدٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رُوِيَ أنَّ آدَمَ رَثاهُ بِشِعْرٍ. وهو كَذِبٌ بَحْتٌ. وما الشِّعْرُ إلّا مَنحُولٌ مَلْحُونٌ. وقَدْ صَحَّ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّعْرِ. انْتَهى.
قالَ الشُّرّاحُ: (المَلِيحُ) في النَّظْمِ المَذْكُورِ، إنْ رُفِعَ فَخَطَأٌ. لِأنَّهُ صِفَةُ الوَجْهِ المَجْرُورِ، وإنْ خُفِضَ فَإقْواءٌ وهو عَيْبٌ قَبِيحٌ، وإنْ كَثُرَ. وقَوْلُ مَن قالَ (الوَجْهُ فاعِلُ قَلَّ. وبَشاشَةُ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ بِحَذْفِ التَّنْوِينِ، إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ) ألْحَنُ، وقِيلَ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَثاهُ بِكَلامٍ مَنثُورٍ بِالسُّرْيانِيِّ. فَلَمْ يَزَلْ يُنْقَلُ إلى أنْ وصَلَ إلى يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ - وهو أوَّلُ مَن خَطَّ بِالعَرَبِيَّةِ - فَقَدَّمَ وأخَّرَ وجَعَلَهُ شِعْرًا عَرَبِيًّا. انْتَهى.
قالَ الخَفاجِيُّ. لا شَكَّ أنَّ لَوائِحَ الوَضْعِ عَلَيْهِ رائِحَةٌ لِرَكاكَتِهِ، لَكِنْ ما اسْتَصْعَبُوهُ مِنَ الإقْواءِ، وتَرْكِ التَّنْوِينِ، لَيْسَ بِصَعْبٍ، لِما في أشْعارِ الجاهِلِيَّةِ والشُّعَراءِ مِن أمْثالِهِ. مَعَ أنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ بِأنَّهُ نَعْتٌ جَرى عَلى المَحَلِّ. لِأنَّ الوَجْهَ فاعِلُ المَصْدَرِ، وهو (بَشاشَةُ).
السّادِسُ: حِكْمَةُ تَخْصِيصِ الغُرابِ كَوْنُ الغُرابِ دَأْبُهُ المُواراةُ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: عادَةُ الغُرابِ دَفْنُ الأشْياءِ. فَجاءَ غُرابٌ فَدَفَنَ شَيْئًا فَتَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنهُ. انْتَهى.
والغُرابُ هو الطّائِرُ الأسْوَدُ المَعْرُوفُ. وقَسَّمُوهُ إلى أنْواعٍ. وفي الحَدِيثِ: أنَّهُ ﷺ غَيَّرَ اسْمَ غُرابٍ لِما فِيهِ مِنَ البُعْدِ. ولِأنَّهُ مِن أخْبَثِ الطُّيُورِ. والعَرَبُ تَقُولُ: أبْصَرُ مِن غُرابٍ، (p-١٩٥٠)وأحْذَرُ مِن غُرابٍ، وأزْهى مِن غُرابٍ، وأصْفى عَيْشًا مِن غُرابٍ، وأشَدُّ سَوادًا مِن غُرابٍ، وهَذا بِأبِيهِ أشْبَهُ مِنَ الغُرابِ بِالغُرابِ. وإذا نَعَتُوا أرْضًا بِالخِصْبِ قالُوا: وقَعَ في أرْضٍ لا يَطِيرُ غُرابُها. ويَقُولُونَ: وجَدَ تَمْرَةَ الغُرابِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَتْبَعُ أجْوَدَ التَّمْرِ فَيَنْتَقِيهِ. ويَقُولُونَ: أشْأمُ مِن غُرابٍ وأفْسَقُ مِن غُرابٍ. ويَقُولُونَ: طارَ غُرابُ فُلانٍ، إذا شابَ رَأْسُهُ.
وغُرابٌ غارِبٌ عَلى المُبالَغَةِ. كَما قالُوا: شِعْرٌ شاعِرٌ، ومَوْتٌ مائِتٌ. قالَ رُؤْبَةُ:
؎فازْجُرْ مِنَ الطَّيْرِ الغُرابَ الغارِبا
قالُوا: ولَيْسَ شَيْءٌ في الأرْضِ يُتَشاءَمُ بِهِ إلّا والغُرابُ أشْأمُ مِنهُ. ولِلْبَدِيعِ الهَمَذانِيِّ فَصْلٌ بَدِيعٌ في وصْفِهِ. ذَكَرَهُ في "المُضافِ والمَنسُوبِ" وأوْرَدَ ما يُضافُ إلَيْهِ الغُرابُ ويُضافُ إلى الغُرابِ. والأبْياتُ في غُرابِ البَيْنِ كَثِيرَةٌ، مُلِئَتْ بِها الدَّفاتِرُ.
وحَقَّقَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّرِيفُ الغَرْناطِيُّ - قاضِي غَرْناطَةَ - في شَرْحِهِ عَلى "مَقْصُورَةِ حازِمٍ" أنَّ غُرابَ البَيْنِ في الحَقِيقَةِ هو الإبِلُ الَّتِي تَنْقُلُهم مِن بِلادٍ إلى بِلادٍ.
وأنْشَدَ في ذَلِكَ مَقاطِيعَ. مِنها:
؎غَلِطَ الَّذِينَ رَأيْتُهم بِجَهالَةٍ ∗∗∗ يَلْحَوْنَ كُلُّهم غُرابًا يَنْعَقُ
؎ما الذَّنْبُ إلّا لِلْأباعِرِ إنَّها ∗∗∗ مِمّا يُشَتِّتُ جَمْعَهم ويُفَرِّقُ
؎إنَّ الغُرابَ بِيُمْنِهِ تَدْنُو النَّوى ∗∗∗ وتُشَتِّتُ الشَّمْلَ الجَمِيعَ الأيْنُقُ
(p-١٩٥١)وأنْشَدَ ابْنُ المِنساوِيِّ لِابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ:
؎زَعَقَ الغُرابُ فَقُلْتُ: أكْذَبُ طائِرٍ ∗∗∗ إنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ رُغاءُ بَعِيرِ
كَذا في "تاجِ العَرُوسِ" شَرْحِ القامُوسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
5:32Page 113
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢
Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢] ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾
﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ قَتْلِ قابِيلَ هابِيلَ ظُلْمًا: ﴿كَتَبْنا﴾ أيْ: فَرَضْنا وأوْحَيْنا: ﴿عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وإنَّما خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أوَّلُ مَن تَعَبَّدُوا بِذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ يُوجِبُ الِاقْتِصاصَ: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ بِغَيْرِ فَسادٍ يُوجِبُ إهْدارَ دَمِها - كالكُفْرِ مَعَ الحِرابِ، والِارْتِدادِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ الآتِي بَعْدُ، وزِنا المُحْصَنِ -: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ أيْ: مِن حَيْثُ هَتَكَ حُرْمَةَ الدِّماءِ، وسَنَّ القَتْلَ، وجَرَّأ النّاسَ عَلَيْهِ. أوْ مِن حَيْثُ إنَّ قَتْلَ الواحِدِ وقَتْلَ الجَمِيعِ سَواءٌ، في اسْتِجْلابِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى والعَذابِ العَظِيمِ: ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ أيْ: ومَن تَسَبَّبَ لِبَقاءِ حَياتِها بِعَفْوٍ أوْ مَنعٍ عَنِ القَتْلِ أوِ اسْتِنْقاذٍ مِن بَعْضِ أسْبابِ الهَلَكَةِ. فَكَأنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِالنّاسِ جَمِيعًا.
والمَقْصُودُ مِنهُ: تَعْظِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ وإحْيائِها في القُلُوبِ تَرْهِيبًا عَنِ التَّعَرُّضِ لَها، وتَرْغِيبًا في المُحاماةِ عَلَيْها: أفادَهُ البَيْضاوِيُّ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ في مَعْنى الآيَةِ: مَن قَتَلَ وجَبَ عَلى المُؤْمِنِينَ مُعاداتُهُ. وأنْ يَكُونُوا (p-١٩٥٢)خُصُومَهُ، كَما لَوْ قَتَلَهم جَمِيعًا. لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن سِواهم. ومَن أحْيا وجَبَ مُوالاتُهُ عَلَيْهِمْ، كَما لَوْ أحْياهم. انْتَهى.
وقِيلَ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: هَذِهِ الآيَةُ لَنا كَما كانَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ؟ فَقالَ: إي والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ كَما كانَتْ لَهم. وما جَعَلَ دِماءَهم أكْرَمَ مِن دِمائِنا.
أقُولُ: القاعِدَةُ في ذَلِكَ؛ أنَّ جَمِيعَ ما يُحْكى في القُرْآنِ مِن شَرائِعِ الأوَّلِينَ وأحْكامِهِمْ، ولَمْ يُنَبَّهْ عَلى إفْسادِهِمْ وافْتِرائِهِمْ فِيهِ، فَهو حَقٌّ. وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الإمامُ الشّاطِبِيُّ في "المُوافَقاتِ" فانْظُرْهُ فَإنَّهُ مُهِمٌّ. ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عُثْمانَ يَوْمَ الدّارِ فَقُلْتُ: جِئْتُ لِأنْصُرَكَ. وقَدْ طابَ الضَّرْبُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! فَقالَ: يا أبا هُرَيْرَةَ! أيَسُرُّكَ أنْ تَقْتُلَ النّاسَ جَمِيعًا إيّايَ مَعَهُمْ؟ قُلْتُ: لا! فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَ رَجُلًا واحِدًا فَكَأنَّما قَتَلْتَ النّاسَ جَمِيعًا، فانْصَرِفْ مَأْذُونًا لَكَ، مَأْجُورًا غَيْرَ مَأْزُورٍ. قالَ: فانْصَرَفْتُ ولَمْ أُقاتِلْ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: ««جاءَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْنِي عَلى شَيْءٍ أعِيشُ بِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا حَمْزَةُ! نَفْسٌ تُحْيِيها أحَبُّ إلَيْكَ أمْ نَفْسٌ تُمِيتُها؟ قالَ: بَلْ نَفْسٌ أُحْيِيها. قالَ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ»» .
(p-١٩٥٣)﴿ولَقَدْ جاءَتْهُمْ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الآياتِ الواضِحَةِ النّاطِقَةِ بِتَقْرِيرِ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ، تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِهِ، وتَأْيِيدًا لِتَحَتُّمِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ، وبَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالآياتِ والزَّجْرِ المَسْمُوعِ مِنهُمْ: ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾ يَعْنِي: بِالفَسادِ والقَتْلِ. لا يُبالُونَ بِعَظَمَةِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا تَقْرِيعٌ لَهم وتَوْبِيخٌ عَلى ارْتِكابِهِمُ المَحارِمَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِها. كَما كانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وغَيْرِهِمْ مِن بَنِي قَيْنُقاعَ، مِمَّنْ حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا يُقاتِلُونَ مَعَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، إذا وقَعَتْ بَيْنَهُمُ الحُرُوبُ في الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ إذا وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها فَدَوْا مَن أسَرُوهُ، ووَدَوْا مَن قَتَلُوهُ. وقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في (سُورَةِ البَقَرَةِ) حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] الآياتِ.
وقالَ الرّازِيُّ: المَقْصُودُ مِن شَرْحِ هَذِهِ المُبالَغَةِ - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ﴾ الآيَةَ. - أنَّ اليَهُودَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ أقْدَمُوا عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ ونِهايَةِ بُعْدِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. ولَمّا كانَ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ في الواقِعَةِ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّهم عَزَمُوا (p-١٩٥٤)عَلى الفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِأكابِرِ أصْحابِهِ - كانَ تَخْصِيصُ بَنِي إسْرائِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ، في هَذِهِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ، مُناسِبًا لِلْكَلامِ ومُؤَكِّدًا لِلْمَقْصُودِ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ - أتْبَعَهُ بِبَيانِ الفَسادِ المُبِيحِ لِلْقَتْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
5:33Page 113
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣
Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
﴿إنَّما جَزاءُ﴾ أيْ: مُكافَأةُ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يُخالِفُونَهُما ويَعْصُونَ أمْرَهُما: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي وهو القَتْلُ وأخْذُ المالِ ظُلْمًا: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ﴾ أيْ: أيْدِيهِمُ اليُمْنى وأرْجُلُهُمُ اليُسْرى: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: يُطْرَدُوا مِنها ويُنَحَّوْا عَنْها. وهو التَّغْرِيبُ عَنِ المُدُنِ، فَلا يُقَرُّونَ فِيها: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الجَزاءُ المَذْكُورُ: ﴿لَهم خِزْيٌ﴾ ذُلٌّ وفَضِيحَةٌ: ﴿فِي الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عَذابُ النّارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences