Al-QasimiAl‑Ma'idah · 5:41–43

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:41–43

5:41Page 114

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤١] ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ﴾ نَهْيٌ. قالَ أبُو البَقاءِ: والجَيِّدُ فَتْحُ الياءِ وضَمُّ الزّايِ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن (أحْزَنَنِي) وهي لُغَةٌ. ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أيْ: في إظْهارِهِ بِما يَلُوحُ مِنهم آثارُ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ ومِن مُوالاةِ الكافِرِينَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ. مُتَعَلِّقٌ بِ (قالُوا): ﴿ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ، أيْ: لا تُبالِ بِهِمْ فَإنِّي ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾ وهم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَعْبٌ وأصْحابُهُ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: هم سَمّاعُونَ. واللّامُ إمّا لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وإمّا لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ، وإمّا لامُ كَيْ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ والمَعْنى: هم مُبالِغُونَ في سَماعِ الكَذِبِ الَّذِي افْتَرَتْهُ أحْبارُهم أوْ في قَبُولِهِ. أوْ سَمّاعُونَ أخْبارَكم لِيَكْذِبُوا عَلَيْكم بِالزِّيادَةِ والنَّقْصِ إرْجافًا وتَهْوِيلًا.

(p-١٩٨٩)وفِي " الإكْلِيلِ ": أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ سامِعَ المَحْظُورِ كَقائِلِهِ في الإثْمِ.

﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أيْ: لَمْ يَحْضُرُوا مَجْلِسَكَ وتَجافَوْا عَنْهُ إفْراطًا في البَغْضاءِ. أيْ: قابَلُونِ مِنَ الأحْبارِ ومِن أُولَئِكَ المُفْرِطِينَ في العَداوَةِ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ. قِيلَ: هم يَهُودُ خَيْبَرَ. والسَّمّاعُونَ، بَنُو قُرَيْظَةَ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ أيْ: كَلِمَ التَّوْراةِ في الأحْكامِ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أيِ: الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ عَلَيْها.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: يَتَناوَلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، ويُبَدِّلُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ. ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا﴾ أيْ: إنْ أُوتِيتُمْ هَذا المُحَرَّفَ المُزالَ عَنْ مَواضِعِهِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿فَخُذُوهُ﴾ أيِ: اعْمَلُوا بِهِ فَإنَّهُ الحَقُّ: ﴿وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بِأنْ أفْتاكُمُ الرَّسُولُ بِخِلافِهِ: ﴿فاحْذَرُوا﴾ أيْ: مِن قَبُولِهِ، وإيّاكم وإيّاهُ! فَإنَّهُ الباطِلُ والضَّلالُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قَتَلُوا قَتِيلًا وقالُوا: تَعالَوْا نَتَحاكَمْ إلى مُحَمَّدٍ. فَإنْ حَكَمَ بِالدِّيَةِ فاقْبَلُوهُ. وإنْ حَكَمَ بِالقِصاصِ فَلا تَسْمَعُوا مِنهُ.

والصَّحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيا. وكانُوا قَدْ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ الَّذِي بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأمْرِ بِرَجْمِ مَن أحْصَنَ مِنهم. فَحَرَّفُوا واصْطَلَحُوا فِيما بَيْنَهم عَلى الجَلْدِ مِائَةَ جَلْدَةٍ والتَّحْمِيمِ والإرْكابِ عَلى حِمارٍ مَقْلُوبَيْنِ. فَلَمّا وقَعَتْ تِلْكَ الكائِنَةُ بَعْدَ الهِجْرَةِ قالُوا فِيما بَيْنَهُمْ: تَعالَوْا حَتّى نَتَحاكَمَ إلَيْهِ. فَإنْ حَكَمَ بِالجَلْدِ والتَّحْمِيمِ فَخُذُوا عَنْهُ واجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكم وبَيْنَ اللَّهِ. ويَكُونُ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ اللَّهِ قَدْ حَكَمَ بِذَلِكَ.

وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ بِذَلِكَ: فَرَوى مالِكٌ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَتِ اليَهُودُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أنَّ رَجُلًا مِنهم وامْرَأةً زَنَيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما تَجِدُونَ في شَأْنِ الرَّجْمِ» ؟ فَقالُوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدُونَ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ؛ إنَّ فِيها الرَّجْمَ. فَأتَوْا بِالتَّوْراةِ فَنَشَرُوها. فَوَضَعَ أحَدُهم يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأ (p-١٩٩٠)ما قَبْلَها وما بَعْدَها. فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ فَإذا آيَةُ الرَّجْمِ. فَقالُوا: صَدَقَ، يا مُحَمَّدُ، فِيها آيَةُ الرَّجْمِ. فَأمَرَ بِهِما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِما. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَأيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلى المَرْأةِ يَقِيها الحِجارَةَ». وأخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ. وهَذا لَفْظُ المُوَطَّأِ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «مُرَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ. فَدَعاهم فَقالَ: هَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في كِتابِكُمْ؟ فَقالُوا نَعَمْ. فَدَعا رَجُلًا مِن عُلَمائِهِمْ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى! هَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في كِتابِكُمْ؟ فَقالَ: لا، واللَّهِ! ولَوْلا أنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزّانِي في كِتابِنا الرَّجْمَ. ولَكِنَّهُ كَثُرَ في أشْرافِنا. فَكُنّا إذا أخَذْنا الشَّرِيفَ تَرَكْناهُ. وإذا أخَذْنا الضَّعِيفَ أقَمْنا عَلَيْهِ الحَدَّ. فَقُلْنا: تَعالَوْا حَتّى نَجْعَلَ شَيْئًا نُقِيمُهُ عَلى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ. فاجْتَمَعْنا عَلى التَّحْمِيمِ والجَلْدِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ! إنِّي أوَّلُ مَن أحْيا أمْرَكَ إذْ أماتُوهُ» . قالَ: فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ -: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾» . أيْ: يَقُولُونَ: ايتُوا مُحَمَّدًا. فَإنْ أفْتاكم بِالتَّحْمِيمِ والجَلْدِ فَخُذُوهُ. وإنْ أفْتاكم بِالرَّجْمِ فاحْذَرُوا. قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ (p-١٩٩١)دُونَ البُخارِيِّ. وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ. وكَذَلِكَ رَوى أبُو بَكْرٍ الحُمَيْدِيُّ في "مُسْنَدِهِ" نَحْوَهُ في سَبَبِ نُزُولِها عَنْ جابِرٍ. وأبُو داوُدَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أيْ: ضَلالَتَهُ: ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: في دَفْعِ ضَلالَتِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: مِن دَنَسِ الفِتْنَةِ ووَضَرِ الكُفْرِ لِانْهِماكِهِمْ فِيهِما. وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِما، وإعْراضِهِمْ عَنْ صَرْفِ اخْتِيارِهِمْ إلى تَحْصِيلِ الهِدايَةِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أيْ: فَضِيحَةُ وهَتْكُ سِتْرٍ، بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُنافِقِينَ. وذُلٌّ وجِزْيَةٌ وافْتِضاحٌ، بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ في كِتْمانِ نَصِّ التَّوْراةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَهُودِ: ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو النّارُ.

5:42Page 115

سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٢] ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهم وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾

﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أيْ: بِالباطِلِ. خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. وكُرِّرَ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أيِ: الحَرامِ. وهو الرَّشْوَةُ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السُّحْتُ كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ. وهو مِن (سَحَتَهُ) إذا اسْتَأْصَلَهُ. (p-١٩٩٢)لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٦] والرِّبا بابٌ مِنهُ. وقُرِئَ: (السُّحْتِ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، و(السَّحْتِ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ مِن (سَحَتَهُ)، و(السَّحَتِ) بِفَتْحَتَيْنِ، و(السِّحْتِ) بِكَسْرِ السِّينِ، وكانُوا يَأْخُذُونَ الرِّشا عَلى الأحْكامِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ. انْتَهى.

وفِي "اللُّبابِ": السُّحْتُ كُلُّهُ حَرامٌ تَحْمِلُ عَلَيْهِ شِدَّةُ الشَّرَهِ. وهو يَرْجِعُ إلى الحَرامِ الخَسِيسِ الَّذِي لا تَكُونُ لَهُ بَرَكَةٌ ولا لِآخِذِهِ مُرُوءَةٌ ويَكُونُ في حُصُولِهِ عارٌ بِحَيْثُ يُخْفِيهِ لا مَحالَةَ. ومَعْلُومٌ أنَّ حالَ الرَّشْوَةِ كَذَلِكَ. فَلِذَلِكَ حُرِّمَتِ الرَّشْوَةُ عَلى الحاكِمِ. عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ في الحُكْمِ».

أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الرَّشْوَةُ في كُلِّ شَيْءٍ. فَمَن شَفَعَ شَفاعَةً لِيَرُدَّ بِها حَقًّا أوْ يَدْفَعَ بِها ظُلْمًا. فَأهْدِيَ بِها إلَيْهِ، فَقَبِلَ، فَهو السُّحْتُ. فَقِيلَ لَهُ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! ما كُنّا نَرى ذَلِكَ إلّا الأخْذَ عَلى الحُكْمِ؟ فَقالَ: الأخْذُ عَلى الحُكْمِ كُفْرٌ! قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]

﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ لِتَحْكُمَ بَيْنَهُمْ: ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوكَ حَكَمًا: ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لِأنَّهم لا يَقْصِدُونَ بِتَحاكُمِهِمْ إلَيْكَ اتِّباعَ الحَقِّ بَلْ ما يُوافِقُ أهْواءَهُمْ، أيْ: فَأنْتَ بِالخِيارِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ في الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ أوِ الإعْراضِ عَنْهم. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: إنَّ التَّخْيِيرَ المَذْكُورَ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] والتَّحْقِيقُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، والتَّخْيِيرُ باقٍ.

وهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ (p-١٩٩٣)والشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ. لِأنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فِيهِ التَّخْيِيرُ. وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فِيهِ كَيْفِيَّةُ الحُكْمِ، إذا حَكَمَ بَيْنَهُمْ: ﴿وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أيْ: فَلَنْ يَقْدِرُوا عَلى الإضْرارِ بِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عاصِمُكَ مِنَ النّاسِ: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ، وإنْ كانُوا ظَلَمَةً خارِجِينَ عَنْ طَرِيقِ العَدْلِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيِ: العادِلِينَ فِيما ولُوا وحَكَمُوا.

رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ. وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ. الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأهْلِيهِمْ وما ولُوا».

5:43Page 115

وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٣] ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾

﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ لِمَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وبِكِتابِهِ. مَعَ أنَّ الحُكْمَ مَنصُوصٌ في كِتابِهِمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ.

قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى: فِيها حُكْمُ اللَّهِ أيْ: في المَسْألَةِ الَّتِي تَحاكَمُوا فِيها إلى النَّبِيِّ ﷺ. وهو حُكْمُ اللَّهِ بِحَسْبِ اعْتِقادِهِمْ أوْ بِحَسْبِ الحَقِيقَةِ. قالَ: ووُجُودُ هَذا الحُكْمِ الخاصِّ فِيها، لا يُنافِي القَوْلَ بِوُجُودِ أشْياءَ أُخْرى كَثِيرَةٍ فِيها مُحَرَّفَةٌ. وسَمّاها التَّوْراةَ: إمّا بِاعْتِبارِ عُرْفِهِمْ. أوْ بِاعْتِبارِ أصْلِها، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّوْراةِ الحَقِيقِيَّةِ. ولَوْلا ذَلِكَ ما صَحَّ أنْ تُسَمّى بِذَلِكَ، كالإنْجِيلِ، مَعَ اعْتِقادِ تَحْرِيفِها وتَبْدِيلِها وعَدَمِ صِحَّةِ كَثِيرٍ مِن أجْزائِها وكُتُبِها...اه.

(p-١٩٩٤)﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ البَيانِ في التَّوْراةِ، وحُكْمِكَ المُوافِقِ لِما في كِتابِهِمْ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِالتَّوْراةِ كَما يَزْعُمُونَ.

قالَ الحاكِمُ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الرُّخْصَةِ بِتَرْكِ ما يَعْتَقِدُهُ حَقًّا إلى ما يَعْتَقِدُهُ غَيْرَ حَقٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ يُخْرِجُهُ عَنِ الإيمانِ.

قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: إذا كَرِهَ حُكْمَ الشَّرْعِ وطَلَبَ المَنعَ، هَلْ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الإيمانِ؟ وهَذا يَنْبَغِي أنْ يُفَصَّلَ فِيهِ، فَيُقالُ: إنِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، أوْ رَأى لَهُ مَزِيَّةً أوْ تَعْظِيمًا. أوِ اسْتَهانَ بِحُكْمِ الإسْلامِ، فَلا إشْكالَ في كُفْرِهِ. وإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ مِنهُ، بَلِ اعْتَقَدَ أنَّهُ باطِلٌ خَسِيسٌ، وأنَّهُ يُعَظِّمُ شَرْعَ الإسْلامِ، ولَكِنْ يَمِيلُ إلى هَوى نَفْسِهِ، فَهَذا لا يَكْفُرُ عَلى الظّاهِرِ. إذِ الكُفْرُ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ قاطِعٍ.

وفِي كَلامِ الحاكِمِ ما تَقَدَّمَ: أنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنِ الإيمانِ. فَإنْ أوْهَمَ أنَّهُ حَقٌّ أوْ أنَّهُ أصْلَحُ مِن شَرْعِ الإسْلامِ، فَهَذا مُحْتَمِلٌ لِلْكُفْرِ. لِأنَّهُ كُفْرُ إبْلِيسَ اللَّعِينِ، بِكَوْنِهِ اعْتَقَدَ أنَّ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، غَيْرُ صَلاحٍ. لِكَوْنِهِ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وإبْلِيسَ مِنَ النّارِ. انْتَهى.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى حالَةِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا لا يُبالُونَ بِالتَّوْراةِ ويُحَرِّفُونَها، ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ، بِأنَّهم خالَفُوا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ في شَأْنِها مِنَ الهِدايَةِ بِها وصَوْنِها عَنِ التَّحْرِيفِ، فَقالَ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском