Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:68–72
5:68Page 119
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الدِّينِ: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: تُراعُوهُما وتُحافِظُوا عَلى ما فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها دَلائِلُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ واتِّباعُهُ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ:
مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: تَعْمَلُوا طِبْقَ الواجِبِ بِأحْكامِهِما، وتُحْيُوا شَرائِعَهُما، وتُطِيعُوا أوامِرَهُما، وتَنْتَهُوا بِنَواهِيهِما. فَإنَّ الإقامَةَ هي الإتْيانُ بِالعَمَلِ عَلى أحْسَنِ أوْجُهِهِ، كَإقامَةِ الصَّلاةِ مَثَلًا. أيْ: فِعْلُها عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِها. ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ القَصَصُ الَّتِي فِيهِما ولا العَقائِدُ ونَحْوَها فَإنَّها لَيْسَتْ عَمَلِيَّةً. والمُرادُ أنْ يَعْمَلُوا بِما بَقِيَ عِنْدَهم مِن أحْكامِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى عِلّاتِهِ وعَلى ما بِهِ مِن نَقْصٍ وتَحْرِيفٍ وزِيادَةٍ. فَإنَّ شَرائِعَ هَذِهِ الكُتُبِ وأوامِرَها ونَواهِيَها هي أقَلُّ أقْسامِها تَحْرِيفًا، وأكْثَرُ التَّحْرِيفِ في القِصَصِ والأخْبارِ والعَقائِدِ وما ماثَلَها، وهي لا تَدْخُلُ في الأمْرِ بِالإقامَةِ. ولا شَكَّ أنَّ أحْكامَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وما فِيهِما مِن شَرائِعَ ومَواعِظَ ونَصائِحَ ونَحْوِها، لا تَزالُ فِيهِما أشْياءُ كَثِيرَةٌ لا عَيْبَ (p-٢٠٨٦)فِيها، ونافِعَةٌ لِلْبَشَرِ وفِيها هِدايَةٌ عُظْمى لِلنّاسِ، فَهي مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٤] فَإذا أقامَ أهْلُ الكِتابِ أحْكامَهُما عَلى عِلّاتِها كانُوا لا شَكَّ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ ويَصِحُّ أنْ يُسَمّى دِينًا. وإذا لَمْ يُقِيمُوها وجَرُوا عَلى خِلافِهِما، كانُوا مُجَرَّدِينَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى دِينًا. وكانُوا مُشاغِبِينَ مُعانِدِينَ، وبِدِينِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ إيمانًا كامِلًا. وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ، وهو المُتَبادِرُ مِنَ الآيَةِ. فَأيُّ شَيْءٍ في هَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وعَلى وُجُودِهِما كامِلَيْنِ، كَما يَدَّعِي ذَلِكَ المُكابِرُونَ مِن أهْلِهِما، وخُصُوصًا بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]
ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الحَقِيقِيَّيْنِ. وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ البَحْثَ والتَّنْقِيبَ والجِدَّ والِاجْتِهادَ في نَقْدِ ما عِنْدَهم مِنهُما نَقْدًا عَقْلِيًّا تارِيخِيًّا صَحِيحًا، حَتّى يَسْتَخْلِصُوا حَقَّهُما مِن باطِلِهِما بِقَدْرِ الإمْكانِ، ونَتِيجَةُ ذَلِكَ العَناءِ كُلِّهِ، أنْ يَكُونُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، وهَذا أمْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ولَوِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ لَأراحُوا واسْتَراحُوا. ولَكِنَّهم - كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهم - لا يَزِيدُهُمُ القُرْآنُ إلّا طُغْيانًا وكُفْرًا حَسَدًا وعِنادًا فَلا يُؤْمِنُونَ بِهِ. ولا يَهْتَمُّ جُمْهُورُهم بِإصْلاحِ دِينِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ وتَنْقِيَتِهِ مِنَ الشَّوائِبِ. فَلَمْ يُدْرِكُوا خَيْرَ هَذا ولا ذاكَ. فَكَأنَّ الآيَةَ تُرِيهِمْ أنَّهم إذا لَمْ يَتَّبِعُوا القُرْآنَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ القِيامُ بِعِبْءٍ ثَقِيلٍ جِدًّا مِنَ البَحْثِ والتَّمْحِيصِ، وبَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُونَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الحَقِّ لا عَلى الحَقِّ (p-٢٠٨٧)كُلِّهِ ولَوْ أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ الحَقِيقِيَّيْنِ غايَةَ الإقامَةِ، فَما بالُكَ إذا كانَ ذَلِكَ مُسْتَحِيلًا لِعَدَمِ وُجُودِهِما عَلى حَقِيقَتِهِما؟ فَهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مُطْلَقًا. ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ. فَإنَّ كُتُبَهم قَدْ صارَتْ خَلِقَةً بالِيَةً. لِذَلِكَ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَما رَأى ورَقَةً مِنَ التَّوْراةِ بِيَدِهِ: ألَمْ آتِكم بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً؟ واللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي».
(فَإنْ قِيلَ): وكَيْفَ يَحُثُّهُمُ اللَّهُ عَلى العَمَلِ بِأيِّ شَيْءٍ مِن دِينِهِمْ، ومِنهُ ما جاءَ القُرْآنُ ناسِخًا لَهُ؟ (قُلْتُ): لا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ خَيْرٌ لِأهْلِ الكِتابِ أنْ يَعْمَلُوا بِشَرائِعِ دِينِهِمُ الأصْلِيَّةِ؛ فَإنَّهم حِينَئِذٍ يَتَجَنَّبُونَ الكَذِبَ والتَّحْرِيفَ والعِنادَ والأذى والإفْسادَ في الأرْضِ وإهْلاكَ الحَرْثِ والنَّسْلِ والزِّنى، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ النّاسُ. فَمُرادُ القُرْآنِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلْآيَةِ حَثُّهم - إنْ أصَرُّوا عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِهِ - عَلى العَمَلِ بِدِينِهِمْ عَلى الأقَلِّ لِيَسْتَرِيحَ النَّبِيُّ وأتْباعُهُ مِن أكْثَرِ شُرُورِهِمْ ورَذائِلِهِمْ. ولَكِنْ بَعْدَ العَمَلِ بِدِينِهِمْ لا يَكُونُونَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ الكامِلِ؛ بَلِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يَكُونُونَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وهو - ولا شَكَّ - خَيْرٌ مِن لا شَيْءَ. ولا يُفْهَمُ أنَّهم يَكُونُونَ عَلى الحَقِّ كُلِّهِ وعَلى الدِّينِ الكامِلِ الَّذِي لا غايَةَ أعْظَمُ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالإسْلامِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّهم إذا أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ. لِما تَتَقاضى إقامَتُهُما الإيمانَ بِهِ. إذْ كَثُرَ ما جاءَ فِيهِما مِنَ البِشاراتِ بِهِ والتَّنْوِيهِ بِاسْمِهِ ودِينِهِ. فَإقامَتُهُما عَلى وُجُوهِهِما تَسْتَدْعِي الإسْلامَ البَتَّةَ، بَلْ هي هُوَ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ: القُرْآنُ المَجِيدُ بِالإيمانِ بِهِ. وفي التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ ما لا غايَةَ وراءَهُ. كَما تَقُولُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ! تُرِيدُ غايَةَ تَحْقِيرِهِ وتَصْغِيرَ شَأْنِهِ. وفي أمْثالِهِمْ: أقَلُّ مِن لا شَيْءَ. أيْ: لَسْتُمْ عَلى دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى يُسَمّى شَيْئًا، لِفَسادِهِ وبُطْلانِهِ.
(p-٢٠٨٨)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى غُلُوَّهم في العِنادِ وعَدَمَ إفادَةِ التَّبْلِيغِ فَقالَ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا﴾ أيْ: تَمادِيًا: ﴿وكُفْرًا﴾ أيْ: ثَباتًا عَلى الكُفْرِ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: فَإذا بالَغْتَ في تَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، فَرَأيْتُ مَزِيدَ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ لِغايَةِ خُبْثِهِمْ في ذَواتِهِمْ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ لا إلَيْكَ، وفي المُؤْمِنِينَ غِنًى عَنْهم.
5:69Page 119
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩
Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيما يَسْتَقْبِلُهم مِنَ العَذابِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ إذا خافَ المُقَصِّرُونَ وحَزِنُوا عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ.
لَطائِفُ:
الأوَّلُ: (الصّابِئُونَ) رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ. وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. والنِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ عَمّا في حَيِّزِ (إنَّ) مِنَ اسْمِها وخَبَرِها. كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى حَكَمَهم كَذا. والصّائِبُونَ كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ شاهِدًا لَهُ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
(p-٢٠٨٩)أيْ: فاعْلَمُوا أنا بُغاةٌ، وأنْتُمْ كَذَلِكَ. ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ إلّا لِفائِدَةٍ، فَما فائِدَةُ التَّقْدِيمِ؟ قُلْتُ: فائِدَةُ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الصّابِئِينَ يُتابُ عَلَيْهِمْ إنْ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. فَما الظَّنُّ بِغَيْرِهِمْ؟ وذَلِكَ أنَّ الصّابِئِينَ أبْيَنُ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ ضَلالًا وأشَدُّهم غَيًّا، وما سُمُّوا صابِئِينَ إلّا لِأنَّهم صَبَئُوا عَنِ الأدْيانِ كُلِّها. أيْ: خَرَجُوا. كَما أنَّ الشّاعِرَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (وأنْتُمْ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ أوْغَلُ في الوَصْفِ بِالبُغاةِ مِن قَوْمِهِ. مَعَ كَوْنِهِمْ أوْغَلَ فِيهِ مِنهم وأثْبَتَ قَدَمًا. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ":
ثَمَّةَ سُؤالٌ، وهو أنْ يُقالَ: لَوْ عَطَفَ (الصّابِئِينَ) ونَصَبَهُ - كَما قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - لَأفادَ أيْضًا دُخُولَهم في جُمْلَةِ المَتُوبِ عَلَيْهِمْ، ولَفُهِمَ مِن تَقْدِيمِ ذِكْرِهِمْ عَلى (النَّصارى) ما يُفْهَمُ مِنَ (p-٢٠٩٠)الرَّفْعِ مِن أنَّ هَؤُلاءِ الصّابِئِينَ - وهم أوْغَلُ النّاسِ في الكُفْرِ - يُتابُ عَلَيْهِمْ، فَما الظَّنُّ بِالنَّصارى؟ ولَكانَ الكَلامُ جُمْلَةً واحِدَةً بَلِيغًا مُخْتَصَرًا، والعَطْفُ إفْرادِيٌّ. فَلِمَ عَدَلَ إلى الرَّفْعِ وجَعَلَ الكَلامَ جُمْلَتَيْنِ؟ وهو يَمْتازُ بِفائِدَةٍ عَلى النَّصْبِ والعَطْفِ الإفْرادِيِّ؟ ويُجابُ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِأنَّهُ لَوْ نَصَبَهُ وعَطَفَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إفْهامُ خُصُوصِيَّةٍ لِهَذا الصِّنْفِ. لِأنَّ الأصْنافَ كُلَّها مَعْطُوفٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وهَذا الصِّنْفُ مِن جُمْلَتِها، والخَبَرُ عَنْها واحِدٌ. وأمّا مَعَ الرَّفْعِ فَيَنْقَطِعُ عَنِ العَطْفِ الإفْرادِيِّ وتَبْقى بَقِيَّةُ الأصْنافِ مُخَصَّصَةً بِالخَبَرِ المَعْطُوفِ بِهِ. ويَكُونُ خَبَرُ هَذا الصِّنْفِ المُنْفَرِدِ بِمَعْزِلٍ. تَقْدِيرُهُ مَثَلًا (والصّابِئُونَ كَذَلِكَ) فَجِيءَ كَأنَّهُ مَقِيسٌ عَلى بَقِيَّةِ الأصْنافِ ومُلْحَقٌ بِها. وهو بِهَذِهِ المَثابَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا اسْتَقَرَّ بَعْدَ الأصْنافِ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ، فَكانُوا أحِقّاءَ بِجَعْلِهِمْ تَبَعًا وفَرْعًا مُشَبَّهِينَ بِمَن هم أقْعَدُ مِنهم بِهَذا الخَبَرِ، وفائِدَةُ التَّقْدِيمِ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ مِن ذِكْرِهِ، بَعْدَ تَقَضِّي الكَلامِ وتَمامِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِيَةُ: - فَإنْ قُلْتَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: مَن آمَنَ مِنهم كَيْفَ يَقَعُ خَبَرًا عَنْ: الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا، وهو يَقْتَضِي انْقِسامَ المُؤْمِنِينَ إلى مُؤْمِنِينَ وغَيْرِ مُؤْمِنِينَ؟
أُجِيبُكَ بِأنَّ المُرادَ بِ: الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِي آمَنُوا بِاللِّسانِ فَقَطْ. وهُمُ المُنافِقُونَ. فالمَعْنى: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللِّسانِ ومَن مَعَهُمْ، مَن أحْدَثَ مِنهم إيمانًا خالِصًا. أوْ يُؤَوَّلُ: مَن آمَنَ بِمَن ثَبَتَ عَلى الإيمانِ. فَيَصِحُّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ. وفي هَذا شَبَهُ جَمْعٍ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، ودَفْعٌ بِأنَّ الثَّباتَ عَلى الإيمانِ لَيْسَ غَيْرَ الإيمانِ، بَلْ هو وإحْداثُهُ فَرْدانِ مِن مُطْلِقِهِ. والوَجْهُ الأوَّلُ؛ إذْ في ضَمِّ المُؤْمِنِينَ إلى الكَفَرَةِ إخْلالٌ بِتَكْرِيمِهِمْ، قالَهُ الخَفاجِيُّ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادُ بِ: الَّذِينَ آمَنُوا مُطْلَقَ المُتَدَيِّنِينَ بِدِينِ الإسْلامِ، المُخْلِصِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ فالمُرادُ بِ: مَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ مِنهم بِالإيمانِ الخالِصِ عَلى الإطْلاقِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الثَّباتِ والدَّوامِ عَلَيْهِ - كَما هو شَأْنُ المُخْلِصِينَ. أوْ بِطَرِيقِ (p-٢٠٩١)إحْداثِهِ وإنْشائِهِ - كَما هو حالٌ مِن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ وسائِرِ الطَّوائِفِ. وفائِدَةُ التَّعْمِيمِ لِلْمُخْلِصِينَ المُبالَغَةُ في تَرْغِيبِ الباقِينَ في الإيمانِ، بِبَيانِ أنَّ تَأخُّرَهم في الِاتِّصافِ بِهِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً لِأُولَئِكَ الأقْدَمِينَ الأعْلامِ. انْتَهى.
الثّالِثَةُ: قالَ الرّازِيُّ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ ما لَمْ يُؤْمِنُوا، بَيَّنَ أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في الكُلِّ، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ لِأحَدٍ فَضِيلَةٌ ولا مَنقَبَةٌ إلّا إذا آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ: القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ والقُوَّةُ العَمَلِيَّةُ. أمّا كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فَلَيْسَ إلّا بِأنْ يَعْرِفَ الحَقَّ. وأمّا كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَلَيْسَ إلّا بِأنْ يَعْمَلَ الخَيْرَ. وأعْظَمُ المَعارِفِ شَرَفًا مَعْرِفَةُ أشْرَفِ المَوْجُوداتِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وكَمالُ مَعْرِفَتِهِ إنَّما يَحْصُلُ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلا جَرَمَ كانَ أفْضَلُ المَعارِفِ هو الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. وأفْضَلُ الخَيْراتِ في الأعْمالِ أمْرانِ: المُواظَبَةُ عَلى الأعْمالِ المُشْعِرَةِ بِتَعْظِيمِ المَعْبُودِ، والسَّعْيُ في إيصالِ النَّفْعِ إلى الخَلْقِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن أتى بِهَذا الإيمانِ وبِهَذا العَمَلِ، فَإنَّهُ يَرِدُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا حُزْنٍ. والفائِدَةُ في ذِكْرِهِما: أنَّ الخَوْفَ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ، والحُزْنُ بِالماضِي، فَقالَ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ما يُشاهِدُونَ مِن أهْوالِ القِيامَةِ: ولا هم يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ ما فاتَهم مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهم وجَدُوا أُمُورًا أعْظَمَ وأشْرَفَ وأطْيَبَ. (فَإنْ قِيلَ): كَيْفَ يُمْكِنُ خُلُوُّ المُكَلَّفِ، الَّذِي لا يَكُونُ مَعْصُومًا، عَنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ؟ فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: - أنَّهُ تَعالى شَرَطَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ. ولا يَكُونُ آتِيًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ إلّا إذا كانَ تارِكًا لِجَمِيعِ المَعاصِي.
والثّانِي: أنَّهُ إذا حَصَلَ خَوْفٌ، فَذَلِكَ عارِضٌ قَلِيلٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بَعْضًا آخَرَ مِن جِناياتِهِمُ المُنادِيَةِ بِاسْتِبْعادِ الإيمانِ مِنهم بِقَوْلِهِ:
5:70Page 119
لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠
We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.
(p-٢٠٩٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٠] ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾
﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾ لِيَقِفُوهم عَلى ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ في دِينِهِمْ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: بِما يُخالِفُ هَواهم ويُضادُّ شَهَواتِهِمْ مِنَ الأحْكامِ الحَقَّةِ. مَعَ أنَّ وضْعَ الرِّسالَةِ، الدَّعْوَةُ إلى مُخالَفَةِ الهَوى: ﴿فَرِيقًا﴾ مِنهُمْ: ﴿كَذَّبُوا﴾ مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ صِدْقِهِمْ: ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ بَعْدَ التَّكْذِيبِ سَدًّا لِدَعْوَتِهِمْ إلى ما يُخالِفُ أهَوِيَتَهم.
لَطِيفَتانِ:
الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم ناصَبُوهُ.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": ومِمّا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ الجَوابِ أنَّهُ جاءَ ظاهِرًا في الآيَةِ الأُخْرى، وهي تَوْأمَةُ هَذِهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] فَأوْقَعَ قَوْلَهُ: اسْتَكْبَرْتُمْ جَوابًا. ثُمَّ فَسَّرَ اسْتِكْبارَهم وصَنِيعَهم بِالأنْبِياءِ بِقَتْلِ البَعْضِ وتَكْذِيبِ البَعْضِ. فَلَوْ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَهُنا الجَوابَ المَحْذُوفَ مِثْلَ المَنطُوقِ بِهِ في أُخْتِ الآيَةِ فَقالَ: وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمُ اسْتَكْبَرُوا، لَكانَ أوْلى، لِدَلالَةِ مِثْلِهِ عَلَيْهِ.
(p-٢٠٩٣)الثّانِيَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأنْ قُلْتَ: لِمَ جِيءَ بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ ماضِيًا وبِالآخَرِ مُضارِعًا؟ قُلْتُ: جِيءَ: يَقْتُلُونَ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ واسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الحالِ الشَّنِيعَةِ، لِلتَّعْجِيبِ مِنها.
قالَ في "الِانْتِصافِ": أوْ يَكُونُ حالًا عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّهم دارُوا حَوْلَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَدْ قِيلَ هَذا الوَجْهُ في أُخْتِ هَذِهِ الآيَةِ في (البَقَرَةِ)؛ وقَدْ مَضى وجْهُ اقْتِضاءِ صِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِهِ دُونَ الماضِي، وتَمْثِيلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣] فَعَدَلَ عَنْ (فَأصْبَحَتْ) إلى (فَتُصْبِحُ) تَصْوِيرًا لِلْحالِ واسْتِحْضارًا لَها في ذِهْنِ السّامِعِ، ومِنهُ:
؎بِأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ تَهْوِي بِسَهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ
؎فَأضْرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ∗∗∗ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ
وأمْثالُهُ كَثِيرَةٌ. انْتَهى.
(p-٢٠٩٤)قالَ الخَفاجِيُّ: اقْتَصَرَ العَلّامَةُ هُنا عَلى حِكايَةِ حالِ أسْلافِهِمْ، لِقَرِينَةِ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ، وتَرَكَ تِلْكَ الآيَةَ - يَعْنِي آيَةَ البَقَرَةِ - عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِقَرِينَةِ ضَمائِرِ المُخاطَبِينَ. لِيَكُونَ تَوْبِيخًا وتَعْبِيرًا لِلْحاضِرِينَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ. ولِذا عُقِّبَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَتَأمَّلْ.
5:71Page 120
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١] ﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: ظَنَّ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهم لا يُصِيبُهم مِنَ اللَّهِ عَذابٌ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ عَطْفٌ عَلى (حَسِبُوا)، و(الفاءُ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: أمِنُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعالى، فَتَمادَوْا في فُنُونِ الغَيِّ والفَسادِ، وعَمُوا عَنِ الدِّينِ، بَعْدَما هَداهُمُ الرُّسُلُ إلى مَعالِمِهِ الظّاهِرَةِ، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا: ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِمّا كانُوا فِيهِ.
قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: لَمْ يُسْنِدِ التَّوْبَةَ إلَيْهِمْ كَسائِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ الحُسْبانِ والعَمى (p-٢٠٩٥)والصَّمَمِ، تَجافِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ. وإنَّما أُشِيرَ إلَيْها في ضِمْنِ بَيانِ تَوْبَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، تَمْهِيدًا لِبَيانِ نَقْضِهِمْ إيّاها بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ كَرَّةً أُخْرى: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: أُولَئِكَ كَثِيرٌ مِنهُمْ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِما عَمِلُوا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها الفَظِيعَةِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أُشِيرَ بِهِ إلى بُطْلانِ حُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ. ووُقُوعِ العَذابِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ، اكْتَفى بِها تَعْوِيلًا عَلى ما فُصِّلَ نَوْعَ تَفْصِيلٍ في سُورَةِ (بَنِي إسْرائِيلَ) أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ القَفّالِ، كَما سَيَأْتِي:
تَنْبِيهٌ:
فِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى ما اكْتَنَفَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الفِتْنَةِ وعَذابِ اللَّهِ الَّذِي حاقَ بِهِمْ قَبْلَ عِيسى وبَعْدَهُ. وذَلِكَ أنَّ أنْبِياءَهم قَبْلَ عِيسى كانُوا يُوَبِّخُونَ رُؤَساءَهُمُ الأشْرارَ وشَعْبَهم عَلى خَطاياهم. ولا سِيَّما في عِبادَتِهِمُ الأوْثانَ. ويَنْصَحُونَهم أنْ يَرْجِعُوا إلى اللَّهِ. ويُنْذِرُونَهم بِعِقابِهِ تَعالى الشَّدِيدِ ودَمارِهِمْ إنْ لَمْ يَتُوبُوا. كَما أنْبَأهم إرْمِيا عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَرابِ بَلَدِهِمْ، وقَضائِهِ تَعالى الهائِلِ عَلَيْهِمْ، إنْ أصَرُّوا عَلى طُغْيانِهِمْ. فَما اسْتَمَعُوا لَهُ. حَتّى رُوِيَ أنَّهُ خُتِمَ لَهُ بِالشَّهادَةِ. إذْ رَجَمَتْهُ اليَهُودُ بِمِصْرَ عُتُوًّا واسْتِكْبارًا. ثُمَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، مَلِكَ بابِلَ، وسَبى شَعْبَهم وهَدَمَتْ جُنُودُهم مَدِينَتَهم بَيْتَ المَقْدِسِ وهَيْكَلَها. وصارَ تِلالَ خَرابٍ. وذَلِكَ لِاسْتِئْصالِ كُفْرِهِمْ وشُرُورِهِمْ، وتَطْهِيرِ هَيْكَلِهِمْ مِن نَجاسَةِ أوْثانِهِمْ. فَحَلَّ عَلَيْهِمْ مِنَ البابِلِيَّةِ الشَّقاءُ والوَيْلُ. وأُخِذُوا أسْرى إلى ما وراءَ الفُراتِ. ولَمْ يَتْرُكْ مِنهم إلّا الفُقَراءَ فَقَطْ،. وبِذَلِكَ انْتَهى مُلْكُهُمْ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَحْوِ خَمْسِمِائَةِ وثَمانٍ وثَمانِينَ سَنَةً. ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَحِمَهم مِن سَبْيِهِمْ، وأعادَهم بِرَحْمَتِهِ إلى مَدِينَتِهِمْ بَيْتِ المَقْدِسِ. بَعْدَ أنْ أقامُوا في بابِلَ سَبْعِينَ سَنَةً. وابْتَدَأُوا بِبِناءِ هَيْكَلِهِمْ ثانِيَةً. وأرْجَعُوا العِبادَةَ إلَيْهِ. وقامَ حَزْقِيالُ عَلَيْهِ (p-٢٠٩٦)السَّلامُ بِوَعْظِهِمْ وتَهْذِيبِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى التَّوْبَةِ وتَذْكِيرِهِمْ بِما مَضى لِيَعْتَبِرُوا. وهَكَذا كُلُّ نَبِيٍّ فِيهِمْ، لَمْ يَزَلْ يُنْذِرُهم ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَعَمُوا عَنِ الِاهْتِداءِ بِهِ وصَمُّوا عَنْ وعْظِهِ، وكانَ ما كانَ مِن هَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ. فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ وأبادَ مَمْلَكَتَهم. وطُرِدُوا مِن أرْضِهِمْ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. بِنَحْوِ أرْبَعِينَ سَنَةً. وأخَذَ الرُّومانِيُّونَ مَدِينَتَهم وهَدَمُوها مَعَ الهَيْكَلِ. وحَلَّتْ عَلَيْهِمْ نِقْمَةُ اللَّهِ فَتَفَرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ.
هَذا، وما قِيلَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: فَعَمُوا وصَمُّوا إشارَةٌ إلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ - فَإنَّهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّها -وإنْ كانَتْ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً ناشِئَةً عَنْ كَمالِ العَمى والصَّمَمِ- لَكِنَّها في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولا تَعَلُّقَ لَها بِما حُكِيَ عَنْهم مِمّا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ الَّذِينَ جاؤُوهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأعْصارٍ. وكَذا ما قِيلَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا إشارَةٌ إلى طَلَبِهِمُ الرُّؤْيَةَ - فَبَعِيدٌ أيْضًا، لِما ذَكَرْنا. وفُنُونُ الجِناياتِ الصّادِرَةِ عَنْهم لا تَكادُ تَتَناهى. خَلا أنَّ انْحِصارَ ما حُكِيَ عَنْهم هَهُنا في المَرَّتَيْنِ، وتَرَتُّبُهُ عَلى حِكايَةِ ما فَعَلُوا بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، يَقْضِي بِأنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ. واللَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ. كَذا أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
ونَحْنُ نُوافِقُهُ عَلى ما رَآهُ. بَيْدَ أنَّ ما سُقْناهُ في التَّنْبِيهِ أظْهَرُ في ماجَرَياتِهِمْ، وأشَدُّ مُطابَقَةً لِما في تَوارِيخِهِمْ، مِمّا ساقَهُ هُنا. فَتُثْبَتُ.
ويَرْحَمُ اللَّهُ الإمامَ القَفّالَ حَيْثُ قالَ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ (بَنِي إسْرائِيلَ) ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ [الإسراء: ٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]
فَهَذا في مَعْنى: (فَعَمُوا وصَمُّوا) ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] فَهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ انْتَهى.
(p-٢٠٩٧)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كُفْرَ النَّصارى وما هم عَلَيْهِ مِن فَسادِ الِاعْتِقادِ المُبايِنِ لِأصْلِ دَعْوَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ التَّوْحِيدِ الخالِصِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
5:72Page 120
لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾
قالَ الرّازِيُّ: هَذا قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ مِنهم. يَقُولُونَ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا. قالَ: ولَعَلَّ مَعْنى هَذا المَذْهَبِ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَلَّ في ذاتِ عِيسى واتَّحَدَ بِها، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ مُفَصَّلًا، فَتَذَكَّرْ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم صَمُّوا عَنْ مَقالاتِ عِيسى الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ، كَما عَمُوا عَمّا فِيهِ مِن أماراتِ الحُدُوثِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ولَمْ يَقُلِ اعْبُدُونِي. ثُمَّ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ قَلْعًا لِمادَّةِ تَوَهُّمِ الِاتِّحادِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ كَيْفَ والشِّرْكُ أعْظَمُ وُجُوهِ الظُّلْمِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ: ما لَهم مِن أحَدٍ يَنْصُرُهم بِإنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، إمّا بِطْرِيقِ المُبالَغَةِ أوْ بِطْرِيقِ الشَّفاعَةِ. والجَمْعُ لِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بِ (الظّالِمِينَ)؛ و(اللّامُ) إمّا لِلْعَهْدِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى: مَن، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها. وما لِلْجِنْسِ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ووَضَعَهُ عَلى الأوَّلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. وهو إمّا مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإمّا وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، تَأْكِيدًا لِمَقالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْرِيرا لِمَضْمُونِها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٢٠٩٨)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كُفْرَ طائِفَةٍ أُخْرى مِنهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences