Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:89–92
5:89Page 122
لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٨٩
Allāh will not impose blame upon you for what is meaningless1 in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation2 is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths.3 Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., revealed law] that you may be grateful.
(p-٢١٣٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٩] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانَكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّغْوِ في اليَمِينِ في (سُورَةِ البَقَرَةِ) وإنَّهُ ما يَسْبِقُ إلَيْهِ اللِّسانُ بِلا قَصْدِ الحَلِفِ، كَقَوْلِ الإنْسانِ: لا، واللَّهِ! وبَلى واللَّهِ! والمُرادُ بِالمُؤاخَذَةِ: مُؤاخَذَةُ الإثْمِ والتَّكْفِيرِ، أيْ: فَلا إثْمَ في اللَّغْوِ ولا كَفّارَةَ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ أيْ: بِتَعْقِيدِكُمُ الأيْمانَ وتَوْثِيقِها عَلَيْهِ بِأنْ حَلَفْتُمْ عَنْ قَصْدٍ مِنكُمْ، أيْ: إذا حَنِثْتُمْ. أوْ بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ (عاقَدْتُمْ) بِمَعْنى عَقَدْتُمْ: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ أيْ: فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ، أيِ: الخَصْلَةُ الماحِيَةُ لِإثْمِهِ: ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ يَعْنِي مَحاوِيجَ مِنَ الفُقَراءِ ومَن لا يَجِدُ ما يَكْفِيهِ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ أيْ: لا مِن أجْوَدِهِ فَضْلًا عَمّا تَخُصُّونَهُ بِأنْفُسِهِمْ. ولا مِن أرْدَأِ ما تُطْعِمُونَهم فَضْلًا عَنِ الَّذِي تُعْطُونَهُ السّائِلَ: ﴿أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: عِتْقُها: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيْ: شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ كَفّارَتُهُ: ذَلِكَ أيِ: المَذْكُورُ: ﴿كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ أيِ: الَّتِي اجْتَرَأْتُمْ بِها عَلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا حَلَفْتُمْ﴾ أيْ: وحَنِثْتُمْ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ أيْ: عَنِ الإكْثارِ مِنها - أوْ عَنِ الحِنْثِ - إذا لَمْ يَكُنْ ما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، لِئَلّا يَذْهَبَ تَعْظِيمُ اسْمِ اللَّهِ عَنْ قُلُوبِكُمْ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا البَيانِ الكامِلِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ (p-٢١٣٥)أيْ: أعْلامَ شَرائِعِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: نِعْمَتَهُ فِيما يُعَلِّمُكم ويُسَهِّلُ عَلَيْكُمُ المَخْرَجَ.
قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: تَشْكُرُونَ نِعَمَهُ بِصَرْفِها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، ومِن جُمْلَتِها صَرْفُ اللِّسانِ، الَّذِي خُلِقَ لِذِكْرِ اللَّهِ وتَعْظِيمِهِ، إلى ذَلِكَ. فَإذا فاتَ صَرْفُ بَعْضِ ما مَلَكَهُ إلى بَعْضِ ما يَجْبُرُهُ لِيَقُومَ مَقامَ الشُّكْرِ بِاللِّسانِ، إذْ بِهِ يَتِمُّ تَعْظِيمُهُ. فَإذا لَمْ يَجِدُ كَسَرَ هَوى النَّفْسِ مِن أجْلِهِ فَهو أيْضًا مِن تَعْظِيمِهِ. فافْهَمْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: مَعْنى (أوْ) التَّخْيِيرُ وإيجابُ إحْدى الكَفّاراتِ الثَّلاثِ. فَإذا لَمْ يَجِدِ انْتَقَلَ إلى الصَّوْمِ.
فَأمّا الإطْعامُ فَلَيْسَ فِيهِ تَحَدِيدٌ بِقَدْرٍ. لا في وجْبَةٍ ولا وجْبَتَيْنِ، ولا في قَدْرٍ مِنَ الكَيْلِ.
ولِذا رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ فِيهِ وُجُوهٌ. جَمِيعُها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّاهُ، فَبِأيِّها أخَذَ أجْزَأهُ. فَمِنها ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ. كَأنَّهُ ذَهَبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى المُرادِ بِالإطْعامِ الكامِلِ - أعْنِي قُوتَ اليَوْمِ وهو وجْبَتانِ - وإلّا فالإطْعامُ يَصْدُقُ عَلى الوَجْبَةِ الواحِدَةِ.
ولِذا قالَ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: يَكْفِيهِ إطْعامُهم أكْلَةً واحِدَةً خُبْزًا ولَحْمًا. زادَ الحَسَنُ: فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَخُبْزًا وسَمْنًا ولَبَنًا، فَإنْ لَمْ يَجُدْ فَخُبْزًا وزَيْتًا وخَلًّا حَتّى يَشْبَعُوا.
وعَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ أيْضًا وعائِشَةَ وثُلَّةٍ مِنَ التّابِعِينَ: يُطْعِمُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العَشَرَةِ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ تَمْرٍ أوْ نَحْوِهِما.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِن بُرٍّ ومَعَهُ إدامُهُ.
(p-٢١٣٦)وفِي "فَتْحِ القَدِيرِ" مِن كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ أنْ يُغَدِّيَهم ويُعَشِّيَهم بِخُبْزٍ. إلّا أنَّهُ إنْ كانَ بُرًّا لا يُشْتَرَطُ الإدامُ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَبِإدامٍ. وحُكِيَ عَنِ الهادِي: اشْتَراطُ الأكْلِ لِإشْعارِ (الإطْعامِ) بِذَلِكَ.
والأكْثَرُونَ: أنَّ الأكْلَ غَيْرُ شَرْطٍ. لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ لَفْظُ (الإطْعامِ) عَلى التَّمْلِيكِ.
الثّانِي: إطْلاقُ (المَساكِينِ) يَشْمَلُ المُؤْمِنَ والكافِرَ الذِّمِّيَّ والفاسِقَ. فَبَعْضُهم أخَذَ بِعُمُومِ ذَلِكَ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ والزَّيْدِيَّةِ: خُرُوجُ الكافِرِ بِالقِياسِ عَلى مَنعِ صَرْفِ الزَّكاةِ إلَيْهِ، وأمّا الفاسِقُ فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إلَيْهِ مَهْما لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ إعانَةٌ لَهُ عَلى المُنْكَرِ. ولَمْ يُجَوِّزْهُ الهادِي. وظاهِرُ الآيَةِ اشْتِراطُ العَدَدِ في المَساكِينِ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ المُرادَ إطْعامُ طَعامٍ يَكْفِي العَشَرَةَ، مُفَرَّعًا عَلَيْهِ جَوازُ إطْعامِ مِسْكِينٍ واحِدٍ عَشَرَةَ أيّامٍ - عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، لا يَثْبُتُ إلّا بِنَصٍّ.
الثّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ في الآيَةِ حَدَّ الكُسْوَةِ وصِفَتَها؛ فالواجِبُ حِينَئِذٍ الحَمْلُ عَلى ما يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُها.
قالَ الشّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ دَفَعَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ العَشَرَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الكُسْوَةِ - مِن قَمِيصٍ أوْ سَراوِيلَ أوْ إزارٍ أوْ عِمامَةٍ أوْ مُقَنَّعَةٍ - أجْزَأهُ ذَلِكَ.
وقالَ مالِكٌ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا بُدَّ أنْ يَدْفَعَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَنِ الكُسْوَةِ ما يَصِحُّ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، إنْ كانَ رَجُلًا أوِ امْرَأةً، كَلُّ بِحَسَبِهِ.
وقالَ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عَباءَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ أوْ شَمْلَةٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ: أدْناهُ ثَوْبٌ وأعْلاهُ ما شِئْتَ.
وعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: عِمامَةٌ يَلُفُّ بِها رَأْسَهُ، وعَباءَةٌ يَلْتَحِفُ بِها.
وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ: ثَوْبانِ ثَوْبانِ.
ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قالَ: عَباءَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ». قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
(p-٢١٣٧)أقُولُ: لا يَخْفى الِاحْتِياطُ والأخْذُ بِالأكْلِ والأفْضَلِ في الإطْعامِ والكُسْوَةِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ بِ (الرَّقَبَةِ) الجُمْلَةُ. قِيلَ: الأصْلُ في هَذا المَجازِ أنَّ الأسِيرَ في العَرَبِ كانَ يُجْمَعُ يَداهُ إلى رَقَبَتِهِ بِحَبْلٍ. فَإذا أُطْلِقَ حُلَّ ذَلِكَ الحَبْلُ. فَسُمِّيَ (الإطْلاقُ مِنَ الرَّقَبَةِ) فَكَّ الرَّقَبَةِ. ثُمَّ جَرى ذَلِكَ عَلى العِتْقِ. وقَدْ أخَذَ بِإطْلاقِها أبُو حَنِيفَةَ فَقالَ: تُجْزِئُ الكافِرَةُ كَما تُجْزِئُ المُؤْمِنَةُ. وقالَ الشّافِعِيُّ وآخَرُونَ: لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً. وأخَذَ تَقْيِيدَها مِن كَفّارَةِ القَتْلِ لِاتِّحادِ المُوجِبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ. ومِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ - الَّذِي هو في "مُوَطَّأِ مالِكٍ" و"مُسْنَدِ الشّافِعِيِّ" و"صَحِيحِ مُسْلِمٍ" – (p-٢١٣٨)«أنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ. وجاءَ مَعَهُ بِجارِيَةٍ سَوْداءَ. فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيْنَ اللَّهُ؟ قالَتْ: في السَّماءِ. قالَ: مَن أنا؟ قالَتْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ...» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
قالَ الشَّعَرانِيُّ، قُدِّسَ سِرُّهُ في "المِيزانِ": قالَ العُلَماءُ: عَدَمُ اعْتِبارِ الإيمانِ في الرَّقَبَةِ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ العِتْقَ ثَمَرَتُهُ تَخْلِيصُ رَقَبَةٍ لِعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَإذا أعْتَقَ رَقَبَةً كافِرَةً فَإنَّما خَلَّصَها لِعِبادَةِ إبْلِيسَ. وأيْضًا فَإنَّ العِتْقَ قُرْبَةٌ، ولا يَحْسُنُ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِكافِرٍ. انْتَهى.
الخامِسُ: لِلْعُلَماءِ في حَدِّ الإعْسارِ الَّذِي يُبِيحُ الِانْتِقالَ إلى الصَّوْمِ أقْوالٌ. وظاهِرُ الآيَةِ هو أنَّهُ لا يَمْلِكُ قِدْرَ إحْدى الكَفّاراتِ الثَّلاثَةِ - مِنَ الإطْعامِ أوِ الكُسْوَةِ أوِ العِتْقِ - فَإنْ وجَدَ قَدْرَ إحْداهُما كانَ ذَلِكَ مانِعًا مِنَ الصَّوْمِ، اللَّهُمَّ إذا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وقُوتِ عِيالِهِ في يَوْمِهِ ذَلِكَ.
وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ أنَّهُما قالا: مَن وجَدَ ثَلاثَةَ دَراهِمَ لَزِمَهُ الإطْعامُ، وإلّا صامَ.
السّادِسُ: إطْلاقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ صادِقٌ عَلى المَجْمُوعَةِ والمُفَرَّقَةِ. كَما في قَضاءِ رَمَضانَ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومَن أوْجَبَ التَّتابُعَ اسْتَدَلَّ بِقِراءَةِ (p-٢١٣٩)أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ: "فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ". وقِراءَتُهُما لا تَخْتَلِفُ عَنْ رِوايَتِهِما.
قالَ الأعْمَشُ: كانَ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُونَها كَذَلِكَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ، إذا لَمْ يَثْبُتُ كَوْنُها قُرْآنًا مُتَواتِرًا. فَلا أقَلَّ أنْ يَكُونَ خَبَرَ واحِدٍ أوْ تَفْسِيرًا مِنَ الصَّحابَةِ. وهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ.
ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الكَفّاراتِ قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! نَحْنُ بِالخِيارِ؟ قالَ: «أنْتَ بِالخِيارِ، إنْ شِئْتَ أعْتَقْتَ وإنْ شِئْتَ كَسَوْتَ. وإنْ شِئْتَ أطْعَمْتَ. فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
ونَقَلَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ، رِوايَةً عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يُصَلِّي تارَةً بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وتارَةً بِقِراءَةِ زَيْدٍ.
السّابِعُ: قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": في هَذِهِ الآيَةِ - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ - وجْهٌ لَطِيفُ المَأْخَذِ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الكَفّارَةِ بَعْدَ اليَمِينِ وقَبْلَ الحِنْثِ، وهو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ. وبَيانُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنَّهُ جَعَلَ ما بَعْدَ الحَلِفِ ظَرْفًا لِوُقُوعِ الكَفّارَةِ المُعْتَبَرَةِ شَرْعًا. حَيْثُ أضافَ: إذا إلى مُجَرَّدِ الحَلِفِ ولَيْسَ في الآيَةِ إيجابُ الكَفّارَةِ حَتّى يُقالَ: قَدِ اتُّفِقَ عَلى أنَّها إنَّما تَجِبُ بِالحِنْثِ. فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُهُ مُضافًا إلى الحَلِفِ. بَلْ إنَّما نَطَقَتْ بِشَرْعِيَّةِ الكَفّارَةِ ووُقُوعِها عَلى وجْهِ الِاعْتِبارِ. إذْ لا يُعْطِي قَوْلُهُ: ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إيجابًا، إنَّما يُعْطِي صِحَّةً واعْتِبارًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٢١٤٠)وهَذا انْتِصارٌ عَلى مَنعِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الحِنْثِ مُطْلَقًا، وإنْ كانَتِ اليَمِينُ عَلى بِرٍّ.
والأقْوالُ الثَّلاثَةُ في مَذْهَبِ مالِكٍ، إلّا أنَّ القَوْلَ المَنصُورَ هو المَشْهُورُ. انْتَهى.
وقالَ الرّازِيُّ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ قَبْلَ الحِنْثِ جائِزٌ؛ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ كَفّارَةٌ لِلْيَمِينِ عِنْدَ وُجُودِ الحَلِفِ. فَإذا أدّاها بَعْدَ الحَلِفِ، قَبْلَ الحِنْثِ، فَقَدْ أدّى الكَفّارَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا حَلَفْتُمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ؛ وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الكَفّارَةِ قَبْلَ اليَمِينِ لا يَجُوزُ. انْتَهى.
وفِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ». وعِنْدَ أبِي داوُدَ: «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ أْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ».
الثّامِنُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ اسْتِحْبابُ تَرْكِ الحِنْثِ إلّا إذا كانَ خَيْرًا، أيْ: لِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ ابْنِ سَمُرَةَ. وهَذا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ في الآيَةِ. والآخَرُ النَّهْيُ عَنِ الإكْثارِ مِنَ الحَلِفِ كَما سَبَقَ. قالَ كُثَيِّرٌ:
؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ!
(p-٢١٤١)التّاسِعُ: حِكْمَةُ تَقْدِيمِ الإطْعامِ عَلى العِتْقِ - مَعَ أنَّهُ أفْضَلُ - مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: التَّنْبِيهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَفّارَةَ وجَبَتْ عَلى التَّخْيِيرِ لا عَلى التَّرْتِيبِ. وإلّا لَبُدِئَ بِالأغْلَظِ.
ثانِيها: كَوْنُ الطَّعامِ أسْهَلَ؛ لِأنَّهُ أعَمُّ وُجُودًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُراعِي التَّخْفِيفَ والتَّسْهِيلَ في التَّكالِيفِ.
وثالِثُها: كَوْنُ الإطْعامِ أفْضَلَ، لِأنَّ الحُرَّ الفَقِيرَ قَدْ لا يَجِدُ الطَّعامَ، ولا يَكُونُ هُناكَ مَن يُعْطِيهِ الطَّعامَ، فَيَقَعُ في الضُّرِّ. أمّا العَبْدُ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى مَوْلاهُ إطْعامُهُ وكُسْوَتُهُ، أفادَهُ الرّازِيُّ.
العاشِرَةُ: سِرُّ إطْعامِ العَشَرَةِ، أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإمْساكِ عَنِ الطَّعامِ عَشَرَةِ أيّامٍ؛ العَدَدِ الكامِلِ، الكاسِرَةِ لِلنَّفْسِ المُجْتَرِئَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى. وسِرُّ الكُسْوَةِ كَوْنُهُ يَجْزِي بِسَتْرِ العَوْرَةِ سِرَّ المَعْصِيَةِ. وسِرُّ التَّحْرِيرِ فَكُّ رَقَبَةٍ عَنِ الإثْمِ. وسِرُّ صَوْمِ الثَّلاثَةِ، أنَّ الصِّيامَ لَمّا كانَ ضَيْرًا بِنَفْسِهِ اكْتَفى فِيهِ بِأقَلِّ الجَمْعِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ، قُدِّسَ سِرُّهُ.
(p-٢١٤٢)الحادِي عَشَرَ: قالَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَيِّمِ في "زادِ المَعادِ": كانَ ﷺ يَسْتَثْنِي في يَمِينِهِ تارَةً، ويُكَفِّرُها تارَةً، ويَمْضِي فِيها تارَةً. والِاسْتِثْناءُ يَمْنَعُ عَقْدَ اليَمِينِ. والكَفّارَةُ تُحِلُّها بَعْدَ عَقْدِها. ولِهَذا سَمّاها اللَّهُ: تَحِلَّةَ. وحَلَفَ ﷺ في أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ مَوْضِعًا. وأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالحَلِفِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ: فَقالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] وقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] وكانَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ القاضِي يَذْكُرُ أبا بَكْرِ بْنَ داوُدَ الظّاهِرِيَّ ولا يُسَمِّيهِ بِالفَقِيهِ. فَتَحاكَمَ إلَيْهِ يَوْمًا هو وخَصْمٌ لَهُ. فَتَوَجَّهَتِ اليَمِينُ عَلى أبِي بَكْرِ بْنِ داوُدَ. فَتَهَيَّأ لِلْحَلِفِ. فَقالَ لَهُ القاضِي إسْماعِيلُ: وتَحْلِفُ، ومِثْلُكَ يَحْلِفُ يا أبا بَكْرٍ؟ فَقالَ: وما يَمْنَعُنِي عَنِ الحَلِفِ؟ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالحَلِفِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ. قالَ: أيْنَ ذَلِكَ؟ فَسَرَدَها أبُو بَكْرٍ، فاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنهُ جِدًّا، ودَعاهُ بِالفَقِيهِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ.. انْتَهى.
5:90Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٩٠
O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allāh], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid1 it that you may be successful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ أيِ: الشَّرابُ الَّذِي خامَرَ العَقْلَ، أيْ: خالَطَهُ (p-٢١٤٣)فَسَتَرَهُ: ﴿والمَيْسِرُ﴾ أيِ: القِمارُ: ﴿والأنْصابُ﴾ أيِ: الأصْنامُ المَنصُوبَةُ لِلْعِبادَةِ: ﴿والأزْلامُ﴾ أيِ: القِداحُ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: خَبِيثٌ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، وقَذَرٌ تَعافُ عَنْهُ العُقُولُ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ الخَمْرَ تُضَيِّعُ العَقْلَ، وما دُونَ السُّكْرِ داعٍ إلى ما يَسْتَكْمِلُهُ، فَأُقِيمَ مَقامَهُ في الشَّرْعِ الكامِلِ. والمَيْسِرُ يُضَيِّعُ المالَ. والأنْصابُ تُضَيِّعُ عِزَّةَ الإنْسانِ بِتَذَلُّلِهِ لِما هو أدْنى مِنهُ. والأزْلامُ تُضَيِّعُ العِلْمَ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ والمُثَمَّنِ. انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ هو شَذْرَةٌ مِن مَفاسِدِها.
﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ أيِ: اتْرُكُوهُ، يَعْنِي: ما ذُكِرَ. أوِ (الرِّجْسَ) الواقِعَ عَلى الكُلِّ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أنْ تَنالُوا الفَلاحَ فَتَنْجُوا مِنَ السُّخْطِ والعَذابِ وتَأْمَنُوا في الآخِرَةِ.
ثُمَّ أكَّدَ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ بِبَيانِ مَفاسِدِهِما الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ. فالأُولى في قَوْلِهِ:
5:91Page 123
إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١
Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allāh and from prayer. So will you not desist?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩١] ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾
﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ﴾ أيِ: المُشاتَمَةَ والمُضارَبَةَ والمُقاتَلَةَ: ﴿والبَغْضاءَ﴾ القاطِعَةَ لِلتَّعاوُنِ الَّذِي لا بُدَّ لِلْإنْسانِ مِنهُ في مَعِيشَتِهِ: ﴿فِي الخَمْرِ﴾ أيْ: إذا صِرْتُمْ نَشاوى: ﴿والمَيْسِرِ﴾ إذا ذَهَبَ مالُكم. وقَدْ حُكِيَ أنَّهُ رُبَّما قامَرَ الرَّجُلُ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ فَإذا أخَذَهُ الخَصْمُ وقَعَتِ العَداوَةُ بَيْنَهُما أبَدًا. ثُمَّ أشارَ إلى مَفاسِدِهِما الدِّينِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إذْ يَغْلِبُ السُّرُورُ والطَّرَبُ عَلى النُّفُوسِ والِاسْتِغْراقُ في المَلاذِّ الجُسْمانِيَّةِ فَيُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. والمَيْسِرُ، إنْ كانَ صاحِبُهُ غالِبًا انْشَرَحَتْ نَفْسُهُ ومَنَعَهُ حُبُّ الغَلَبَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وإنْ كانَ مَغْلُوبًا، مِمّا حَصَلَ مِنَ الِانْقِباضِ أوِ الِاحْتِيالِ إلى أنْ يَصِيرَ غالِبًا (p-٢١٤٤)لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ذِكْرُ اللَّهِ: ﴿وعَنِ الصَّلاةِ﴾ أيْ: ويَصُدَّكم عَنْ مُراعاةِ أوْقاتِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ مِن أبْلَغِ ما يُنْهى بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكم ما فِيهِما مِن أنْواعِ الصَّوارِفِ والمَوانِعِ. فَهَلْ أنْتُمْ مَعَ هَذِهِ الصَّوارِفِ مُنْتَهُونَ؟ أمْ أنْتُمْ عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كَأنْ لَمْ تُوعَظُوا ولَمْ تُزْجَرُوا؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: سَبَقَ الكَلامُ عَلى الخَمْرِ والمَيْسِرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] وسَلَفَ أيْضًا مَعْنى الأنْصابِ والأزْلامِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ [المائدة: ٣] فَتَذَكَّرْ.
الثّانِي: إنَّما جُمِعَ الخَمْرُ والمَيْسِرُ مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ أوَّلًا، ثُمَّ أُفْرِدا آخِرًا، وخُصِّصا بِشَرْحِ ما فِيهِما مِنَ الوَبالِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِهِما. وذِكْرُ الأصْنامِ والأزْلامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مِثْلَهُما في الحُرْمَةِ. كَأنَّهُ لا مُبايَنَةَ بَيْنَ مَن عَبَدَ صَنَمًا وأشْرَكَ بِاللَّهِ في عِلْمِ الغَيْبِ، وبَيْنَ مَن شَرِبَ خَمْرًا أوْ قامَرَ.
رَوى الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في "مُسْنَدِهِ" عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: ««شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ وثَنٍ، وشارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ اللّاتِ والعُزّى»» . وإسْنادُهُ حَسَنٌ.
وتَخْصِيصُ الصَّلاةِ بِالإفْرادِ، مَعَ دُخُولِها في الذِّكْرِ لِلتَّعْظِيمِ والإشْعارِ بِأنَّ الصّادَّ عَنْها كالصّادِّ عَنِ الإيمانِ، لِما أنَّها عِمادُهُ.
الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى تَأْكِيدِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِن وُجُوهٍ:
(ومِنها): تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِ (ما) وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِلْحَصْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا رِجْسَ ولا شَيْءَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إلّا الخَمْرُ والمَيْسِرُ وما ذُكِرَ مَعَهُما.
و(مِنها): أنَّهُ قَرَنَهُما بِعِبادَةِ الأوْثانِ.
(p-٢١٤٥)و(مِنها): أنَّهُ جَعَلَها رِجْسًا كَما قالَ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]
و(مِنها): أنَّهُ جَعَلَها مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، والشَّيْطانُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ البَحْتُ.
و(مِنها): أنَّهُ أمَرَ بِالِاجْتِنابِ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ.
و(مِنها): أنَّهُ جَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ الفَلاحِ. وإذا كانَ الِاجْتِنابُ فَلاحًا، كانَ الِارْتِكابُ خَيْبَةً ومَحْقَةً.
و(مِنها): أنَّهُ ذَكَرَ ما يَنْتِجُ مِنهُما مِنَ الوَبالِ - وهو وُقُوعُ التَّعادِي والتَّباغُضِ - وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنْ مُراعاةِ أوْقاتِ الصَّلاةِ.
و(مِنها): إعادَةُ الحَثِّ عَلى الِانْتِهاءِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ مُرَتَّبًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أصْنافِ الصَّوارِفِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ فَآذَنَ بِأنَّ الأمْرَ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وكَشْفِ ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ والشُّرُورِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ. وأنَّ الأعْذارَ قَدِ انْقَطَعَتْ بِالكُلِّيَّةِ.
و(مِنها): قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ:
5:92Page 123
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٩٢
And obey Allāh and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٢] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ ما أمَرا بِهِ ونَهَيا عَنْهُ: ﴿واحْذَرُوا﴾ أيْ: مُخالَفَتَهُما في ذَلِكَ. فَيَدْخُلُ فِيهِ مُخالَفَةُ أمْرِهِما ونَهْيِهِما في الخَمْرِ والمَيْسِرِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
و(مِنها): قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الِامْتِثالِ (p-٢١٤٦)بِما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاجْتِنابِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، فَقَدْ قامَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ وانْتَهَتِ الأعْذارُ. والرَّسُولُ قَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ إذْ أدّاهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. فَما بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا العِقابُ. وفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ في حَقِّ مَن خالَفَ وأعْرَضَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وبَيانِهِ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ مَن أنْصَفَ وتَرَكَ الِاعْتِسافَ، عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى رَتَّبَ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ عَلى كَوْنِها مُشْتَمِلَةً عَلى تِلْكَ المَفاسِدِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ومِنَ المَعْلُومِ في بِدائِهِ العُقُولِ أنَّ تِلْكَ المَفاسِدَ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن كَوْنِها مُؤَثِّرَةً في السُّكْرِ. وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ عِلَّةَ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] هي كَوْنُ الخَمْرِ مُؤَثِّرًا في الإسْكارِ. وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ. قالَ: ومَن أحاطَ عَقْلُهُ بِهَذا التَّقْرِيرِ، وبَقِيَ مُصِرًّا عَلى قَوْلِهِ، فَلَيْسَ لِعِنادِهِ عِلاجٌ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى رَفْعَ الإثْمِ عَمَّنْ ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ - كَما سَنُفَصِّلُهُ - بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences