Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:97–101
5:97Page 124
۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٩٧
Allāh has made the Kaʿbah, the Sacred House, standing1 for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allāh knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allāh is Knowing of all things.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٧] ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أيْ: مَدارًا لِقِيامِ أمْرِ دِينِهِمْ بِالحَجِّ إلَيْهِ، ودُنْياهم بِأمْنِ داخِلِهِ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ وجَبْيِ ثَمَراتِ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقامَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ في عِبادَتِهِ لِلنّاسِ المُتَفَرِّقِينَ في العالَمِ، لِيَحْصُلَ لَهُمُ الِاجْتِماعُ المُوجِبُ لِلتَّألُّفِ، الَّذِي يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في تَمَدُّنِهِمْ، الَّذِي بِهِ كَمالُ مَعايِشِهِمْ ومَعاهِدِهِمْ، لِاحْتِياجِهِمْ إلى المُعاوَنَةِ فِيهِما.
﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ بِمَعْنى الأشْهُرِ الحُرُمِ - ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ - قِيامًا لَهم بِأمْنِهِمْ مِنَ القِتالِ فِيها. لِأنَّهُ حُرِّمَ فِيها لِيَحْصُلَ التَّآلُفُ فِيها: ﴿والهَدْيَ﴾ وهو ما يُهْدى إلى مَكَّةَ: ﴿والقَلائِدَ﴾ جَمْعُ قِلادَةٍ. وهي ما يُجْعَلُ في عُنُقِ البَدَنَةِ الَّتِي تُهْدى وغَيْرِهِ. والمُرادُ بِ (القَلائِدِ) ذَواتُ القَلائِدِ وهي البُدْنُ. خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الثَّوابَ فِيها أكْثَرُ، وبِهاءُ الحَجِّ بِها أظْهَرُ. والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِما مَرَّ، أيْ: جَعَلَ الهَدْيَ والقَلائِدَ أيْضًا قِيامًا لَهُمْ؛ فَإنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ بِسَوْقِ الهَدْيِ إلى البَيْتِ الحَرامِ عَلى أنْفُسِهِمْ. وفِيهِ قِوامٌ لِمَعِيشَةِ الفُقَراءِ ثَمَّتَ. وكَذَلِكَ كانُوا يَأْمَنُونَ إذا قَلَّدُوها أوْ قَلَّدُوا أنْفُسَهُمْ، عِنْدَ الإحْرامِ، مِن لِحاءِ شَجَرِ (p-٢١٦٢)الحَرَمِ. فَلا يَتَعَرَّضُ لَهم أحَدٌ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الجَعْلُ المَذْكُورُ: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَإنَّ جَعْلَهُ ذَلِكَ لِجَلْبِ المَصالِحِ لَكم ودَفْعِ المَضارِّ عَنْكم قَبْلَ وُقُوعِها، دَلِيلٌ عَلى عِلْمِهِ بِما هو في الوُجُودِ وما هو كائِنٌ.
وقَدْ جَوَّدَ الرّازِيُّ تَقْرِيرَ هَذا المَقامِ فَأبْدَعَ، فَلْيُنْظَرْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَعْمِيمٌ إثْرَ تَخْصِيصٍ لِلتَّأْكِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
5:98Page 124
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٨
Know that Allāh is severe in penalty and that Allāh is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٨] ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وعِيدٌ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ أوْ أصَرَّ عَلى ذَلِكَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ لِمَن حافَظَ عَلى مُراعاةِ حُرُماتِهِ تَعالى.
5:99Page 124
مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩
Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allāh knows whatever you reveal and whatever you conceal.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٩] ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾
﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ يَعْنِي: لَيْسَ عَلى رَسُولِنا الَّذِي أرْسَلْناهُ إلَيْكُمْ، إلّا تَبْلِيغُ ما أُرْسِلَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ بِما فِيهِ قَطْعُ الحُجَجِ. وفي الآيَةِ تَشْدِيدٌ في إيجابِ القِيامِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأنَّ الرَّسُولَ قَدْ فَرَغَ مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبْلِيغِ. وقامَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، ولَزِمَتْكُمُ الطّاعَةُ، فَلا عُذْرَ لَكم في التَّفْرِيطِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيُجازِيكم بِذَلِكَ.
5:100Page 124
قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠
Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allāh, O you of understanding, that you may be successful.
(p-٢١٦٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٠] ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ حُكْمٌ عامٌّ في نَفْيِ المُساواةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ الرَّدِيءِ مِنَ الأشْخاصِ والأعْمالِ والأمْوالِ، وجَيِّدِها. قُصِدَ بِهِ التَّرْغِيبُ في صالِحِ العَمَلِ وحَلالِ المالِ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ، دُونَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ. فَإنَّ المَحْمُودَ القَلِيلَ خَيْرٌ مِنَ المَذْمُومِ الكَثِيرِ. والخِطابُ عامٌّ لِكُلِّ مُعْتَبِرٍ - أيْ: ناظِرٌ بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ - ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: فاتَّقُوهُ في تَحَرِّي الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ. وآثِرُوا الطَّيِّبَ وإنْ قَلَّ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: بِمُنازِلِ القُرْبِ عِنْدَهُ تَعالى المُعَدِّ لِلطَّيِّبِينَ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: - قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ الآيَةَ. ثُمَّ بِما بَعْدَها أيْضًا - أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بِقَوْلِهِ: قُلْ لا يَسْتَوِي الآيَةَ.. وذَلِكَ لِأنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ قِسْمانِ: أحَدُهُما الَّذِي يَكُونُ جُسْمانِيًّا وهو ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ.
والثّانِي الَّذِي يَكُونُ رُوحانِيًّا. وأخْبَثُ الخَبائِثِ الرُّوحانِيَّةِ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ. وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الرُّوحانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَتُهُ. وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجاساتِ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ أرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ. فَكَذَلِكَ الأرْواحُ المَوْصُوفَةُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ طاعَتِهِ تَصِيرُ مُسْتَقْذَرَةً عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ. وأمّا الأرْواحُ العارِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى، المُواظَبَةُ عَلى خِدْمَتِهِ، فَإنَّها تَصِيرُ مُشْرِقَةً بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، مُبْتَهِجَةً بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ. وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ (p-٢١٦٤)فِي عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذَلِكَ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ. بَلِ المُبايَنَةُ بَيْنَهُما في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الخَبِيثِ الجُسْمانِيِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ ومَنفَعَةٌ طَيِّبَةٌ مُخْتَصَرَةٌ. وأمّا خُبْثُ الخَبِيثِ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ. وطَيِّبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيِّ فَمَنفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ. وهو القُرْبُ مِن جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والمُرافِقَةُ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مِن ثَمَرَةِ الآيَةِ أنَّهُ يَنْبَغِي إجْلالُ الصّالِحِ وتَمْيِيزُهُ عَلى الطّالِحِ. وأنَّ الحاكِمَ إذا تَحاكَمَ إلَيْهِ الكافِرُ والمُؤْمِنُ، مَيَّزَ المُؤْمِنَ في المَجْلِسِ. انْتَهى.
5:101Page 124
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١
O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا﴾ أيْ: نَبِيَّكُمْ: ﴿عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ﴾ أيْ: تَظْهَرْ: ﴿لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ لِما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ: وإنْ تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ نَزَلَ القُرْآنُ بِها مُجْمَلَةً، فَتَطْلُبُوا بَيانَها، تُبَيَّنْ لَكم حِينَئِذٍ لِاحْتِياجِكم إلَيْها. هَذا وجْهٌ في الآيَةِ. وعَلَيْهِ فَ (حِينَ) ظَرْفٌ لِ (تَسْألُوا).
وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ: وهو جَعْلُ (حِينَ) ظَرْفًا لِ (تُبْدَ)، والمَعْنى: وإنْ تَسْألُوا عَنْها تُبْدَ لَكم حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: والمُرادُ بِ (حِينَ النُّزُولِ) زَمَنُهُ المُتَّصِلُ بِهِ، لا الوَقْتُ المُقارِنُ لِلنُّزُولِ. وكَأنَّ في هَذا إذْنًا لَهم في السُّؤالِ عَنْ تَفْصِيلِ المُنَزَّلِ ومَعْرِفَتِهِ بَعْدَ إنْزالِهِ. فَفِيهِ رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ المَنعِ مِنَ السُّؤالِ عَنِ الأشْياءِ مُطْلَقًا. ثُمَّ قالَ: وثَمَّةَ قَوْلٌ ثانٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾ إلَخْ، وهو أنَّهُ مِن بابِ التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ، أيْ: ما سَألْتُمْ عَنْها في وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ جاءَكم (p-٢١٦٥)بَيانُ ما سَألْتُمْ عَنْهُ بِما يَسُوءُكُمْ: والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلسُّؤالِ عَمّا يَسُوءُكم بَيانُهُ، وإنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ في زَمَنِ الوَحْيِ أُبْدِيَ لَكم. انْتَهى.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ تَعالى، بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ - الَّتِي سَألُوا عَنْها - إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم. ثُمَّ بَيَّنَ ثانِيًا أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم. فَكانَ حاصِلُ الكَلامِ: إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهُمْ، وإنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهُمْ، فَيَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ المُقْدِمَتَيْنِ أنَّهُمْ: إنْ سَألُوا عَنْها ظَهَرَ لَهم ما يَسُوءُهم ولا يَسُرُّهم.
قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ صِفَةٌ لِ (أشْياءَ) داعِيَةٌ إلى الِانْتِهاءِ عَنِ السُّؤالِ عَنْها. وحَيْثُ كانَتِ المُساءَةُ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ مُعَلَّقَةً بِإبْدائِها، لا بِالسُّؤالِ عَنْهُ، عُقِّبَتْ بِشَرْطِيَّةٍ أُخْرى ناطِقَةٍ بِاسْتِلْزامِ السُّؤالِ عَنْها لِإبْدائِها المُوجِبِ لِلْمَحْذُورِ قَطْعًا. فَقِيلَ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ: تِلْكَ الأشْياءُ المُوجِبَةُ لِلْمَساءَةِ بِالوَحْيِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْيِيدُ السُّؤالِ بِحِينِ التَّنْزِيلِ. والمُرادُ بِهِ: ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ويَغُمُّهم مِنَ التَّكالِيفِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يُطِيقُونَ بِها، والأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي يُفْتَضَحُونَ بِظُهُورِها، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ. فَكَما أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأُمُورِ الواقِعَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِإبْدائِها، كَذَلِكَ السُّؤالُ عَنْ تِلْكَ التَّكالِيفِ مُسْتَتْبِعٌ لِإيجابِها عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّشْدِيدِ، لِإساءَتِهِمُ الأدَبَ واجْتِرائِهِمْ عَلى المَسْألَةِ والمُراجَعَةِ، وتَجاوُزِهِمْ عَمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ مِنَ الِاسْتِسْلامِ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مِن غَيْرِ بَحْثٍ فِيهِ ولا تَعَرُّضٍ لِكَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ. أيْ: لا تُكْثِرُوا مُساءَلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا لا يَعْنِيكم مِن تَكالِيفَ شاقَّةٍ عَلَيْكم - إنْ أفْتاكم بِها وكَلَّفَكم إيّاها حَسْبَما أُوحِيَ إلَيْهِ - لَمْ تُطِيقُوا بِها، ونَحْوَ بَعْضِ أُمُورٍ مَسْتُورَةٍ تَكْرَهُونَ بُرُوزَها.
﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ أيْ: عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ حِينَ لَمْ يُنَزَّلْ فِيها القُرْآنُ ولَمْ يُوجِبْها عَلَيْكم تَوْسِعَةً عَلَيْكم. أوْ: عَفا اللَّهُ عَنْ بَيانِها لِئَلّا يَسُوءَكم بَيانُها. فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ أُخْرى لِ: أشْياءَ. أوِ المَعْنى: عَفا اللَّهُ عَنْ مَسائِلِكُمُ السّالِفَةِ، وتَجاوَزَ عَنْ عُقُوبَتِكُمُ الأُخْرَوِيَّةِ بِمَسائِلِكُمْ، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها. فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِأنَّ نَهْيَهم عَنْها لَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ (p-٢١٦٦)صِيانَتِهِمْ عَنِ المَساءَةِ. بَلْ لِأنَّها في نَفْسِها مَعْصِيَةٌ مُسْتَتْبِعَةٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وقَدْ عَفا عَنْها. وفِيهِ مِن حَثِّهِمْ عَلى الجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَنْها ما لا يَخْفى: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِعَفْوِهِ تَعالى، أيْ: مُبالِغٌ في مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ. ولِذا عَفا عَنْكم ولَمْ يُؤاخِذْكم بِما فَرَطَ مِنكم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences