Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
ق
Qaf
The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs
(p-٥٤٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ ق
وتُسَمّى سُورَةَ (الباسِقاتِ). وهي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وآيُها خَمْسٌ وأرْبَعُونَ آيَةً.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ السُّورَةُ هي أوَّلُ الحِزْبِ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ. وأمّا ما يَقُولُهُ العَوامُّ أنَّهُ مِن (عَمَّ) فَلا أصْلَ لَهُ، ولَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ المُعْتَبَرِينَ فِيما نَعْلَمُ. والدَّلِيلُ ما رَواهُ أوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ قالَ: سَألْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُحَزِّبُونَ القُرْآنَ؟ فَقالُوا: ثَلاثٌ، وخَمْسٌ، وسَبْعٌ، وتِسْعٌ، وإحْدى عَشْرَةَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ وحِزْبُ المُفَصَّلِ وحْدَهُ. فَإذا عَدَدْتَ ثَمانِيًا وأرْبَعِينَ سُورَةً فالَّتِي بَعْدَهُنَّ سُورَةُ (ق) بَيانُهُ:
ثَلاثٌ: البَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ والنِّساءُ.
وخَمْسٌ: المائِدَةُ والأنْعامُ والأعْرافُ والأنْفالُ وبَراءَةٌ.
وسَبْعٌ: يُونُسُ وهُودٌ ويُوسُفُ والرَّعْدُ وإبْراهِيمُ والحِجْرُ والنَّحْلُ.
وتِسْعٌ: سُبْحانَ والكَهْفُ ومَرْيَمُ وطَهَ والأنْبِياءُ والحَجُّ والمُؤْمِنُونَ والنُّورُ والفُرْقانُ.
وإحْدى عَشْرَةَ: الشُّعَراءُ والنَّمْلُ والقَصَصُ والعَنْكَبُوتُ والرُّومُ ولُقْمانُ وألَم السَّجْدَةَ وسَبَأٌ وفاطِرٌ ويَسَ.
وثَلاثَ عَشْرَةَ: الصّافّاتُ وصِّ والزُّمَرُ وغافِرٌ وحَم السَّجْدَةِ وحَم عسق والزُّخْرُفُ والدُّخانُ والجاثِيَةُ والأحْقافُ والقِتالُ والفَتْحُ والحُجُراتُ.
(p-٥٤٨١)ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الحِزْبُ المُفَصَّلُ، كَما قالَهُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ أوَّلَهُ سُورَةُ (ق).
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ أبا واقِدٍ اللَّيْثِيَّ: ما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في العِيدِ؟ قالَ: بِـ (ق) و(اقْتَرَبَتْ)».
ورَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ، «عَنْ أُمِّ هِشامٍ بِنْتِ حارِثَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَتْ: ما حَفِظْتُ (ق) إلّا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. كانَ يَخْطُبُ بِها كُلَّ جُمُعَةٍ».
وفِي رِوايَةٍ: «كانَ يَقْرَؤُها كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ».
والقَصْدُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ في المَجامِعِ الكِبارِ، كالعِيدِ والجُمَعِ، لِاشْتِمالِها عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ والبَعْثِ والنُّشُورِ والمَعادِ والقِيامِ والحِسابِ والجَنَّةِ والنّارِ والثَّوابِ والعِقابِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. انْتَهى.
(p-٥٤٨٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾
هُوَ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي المُفْتَتَحِ بِها أوائِلُ السُّوَرِ، مِثْلَ: ص ون، والم، وحم، ونَحْوَها. عَلَمٌ عَلى السُّورَةِ، عَلى الصَّحِيحِ مِن أقْوالٍ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهم قالُوا: ﴿ق﴾ جَبَلٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأرْضِ يُقالُ لَهُ: جَبَلُ قافٍ.
وكَأنَّ هَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- مِن خُرافاتِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّتِي أخَذَها عَنْهم بَعْضُ النّاسِ؛ لِما رَأى مِن جَوازِ الرِّوايَةِ عَنْهم مِمّا لا يُصَدَّقُ ولا يُكَذَّبُ. وعِنْدِي أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِنِ اخْتِلاقِ بَعْضِ زَنادِقَتِهِمْ يُلَبِّسُونَ عَلى النّاسِ أمْرَ دِينِهِمْ، كَما افْتُرِيَ في هَذِهِ الأُمَّةِ -مَعَ جَلالَةِ قَدْرِ عُلَمائِها وحُفّاظِها وأئِمَّتِها- أحادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما بِالعَهْدِ مَن قَدَمَ، فَكَيْفَ بِأُمَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، مَعَ طُولِ المَدى، وقِلَّةِ الحُفّاظِ والنُّقّادِ فِيهِمْ، وشُرْبِهِمُ الخُمُورَ، وتَحْرِيفِ عُلَمائِهِمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وتَبْدِيلِ كُتُبِ اللَّهِ وآياتِهِ؟! وإنَّما أباحَ الشّارِعُ الرِّوايَةَ عَنْهم في قَوْلِهِ: ««وحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ ولا حَرَجَ»» فِيما قَدْ يُجَوِّزُهُ العَقْلُ، فَأمّا فِيما تُحِيلُهُ العُقُولُ ويُحْكَمُ فِيهِ بِالبُطْلانِ ويَغْلِبُ عَلى الظُّنُونِ كَذِبُهُ، فَلَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ.
وقَدْ أكْثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ المُفَسِّرِينَ وكَذا طائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الخَلَفِ، مِنَ الحِكايَةِ عَنْ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ تَفْسِيرَ القُرْآنِ المَجِيدِ، ولَيْسَ بِهِمُ احْتِياجٌ إلى أخْبارِهِمْ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ.
(p-٥٤٨٣)ثُمَّ رَدَّ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ مِن ﴿ق﴾ قُضِيَ الأمْرُ واللَّهِ! كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافُ
أيْ: إنِّي واقِفَةٌ، بِأنَّ في هَذا نَظَرًا؛ لِأنَّ الحَذْفَ في الكَلامِ إنَّما يَكُونُ إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ومِن أيْنَ يُفْهَمُ هَذا مِن ذِكْرِ هَذا الحَرْفِ؟ انْتَهى.
﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ أيْ: ذِي المَجْدِ والشَّرَفِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ.
50:2Page 518
بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢
But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾
﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: لَأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِن جِنْسِهِمْ، لا مِن جِنْسِ المَلَكِ، أوْ مِن جَلَدَتِهِمْ، وهو كَما قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والقُرْآنُ المَجِيدُ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ؛ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ، حَسْبَما ورَدَ في صَدْرِ سُورَةِ الأعْرافِ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، جَعَلُوا كُلًّا مِنَ المُنْذِرِ والمُنْذَرِ بِهِ عُرْضَةً لِلنَّكِيرِ والتَّعَجُّبِ، مَعَ كَوْنِهِما أوْفَقَ شَيْءٍ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ، وأقْرَبَهُ إلى التَّلَقِّي بِالقَبُولِ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: والقُرْآنُ المَجِيدُ إنَّكَ لَمُنْذِرٌ. ثُمَّ قِيلَ بَعْدَهُ: إنَّهم شَكُّوا فِيهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِالشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَزَمُوا بِالخِلافِ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ. وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَمّا يُفْهَمُ مِن وصْفِ القُرْآنِ بِالمَجِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ سَبَبَ اقْتِناعِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أنَّهُ لا مَجْدَ لَهُ، ولَكِنْ لِجَهْلِهِمْ.
﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِتَعَجُّبِهِمْ، وبَيانٌ لِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِغايَةِ الإنْكارِ، مَعَ زِيادَةِ تَفْصِيلٍ لِمَحَلِّ التَّعَجُّبِ. وهَذا إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْذِرًا بِالقُرْآنِ. وإضْمارُهم أوَّلًا لِلْإشْعارِ بِتَعْيُّنِهِمْ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، وإظْهارُهم ثانِيًا لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ (p-٥٤٨٤)بِالكُفْرِ بِمُوجِبِهِ، أوْ عَطْفٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِنَ البَعْثِ، عَلى تَعَجُّبِهِمْ مِنَ البَعْثَةِ. عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الإنْكارِيَّةِ.
50:3Page 518
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣
When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ .
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعْجِيبِ وتَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ. والعامِلُ في (إذا) مُضْمَرٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ؛ لِغايَةِ شُهْرَتِهِ، مَعَ دَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، أيْ: أحِينَ نَمُوتُ ونَصِيرُ تُرابًا نَرْجِعُ، كَما يَنْطِقُ بِهِ النَّذِيرُ والمُنْذَرُ بِهِ. مَعَ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَنا وبَيْنَ الحَياةِ، حِينَئِذٍ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَحَلِّ النِّزاعِ، ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: عَنِ الأوْهامِ أوِ العادَةِ أوِ الإمْكانِ.
50:4Page 518
قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤
We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾
﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسامِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ. وهو رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمْ، وإزاحَةٌ لَهُ. فَإنَّ مَن عَمَّ عِلْمُهُ ولَطَفَ حَتّى انْتَهى إلى حَيْثُ عَلِمَ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِن أجْسادِ المَوْتى وتَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ، كَيْفَ يُسْتَبْعَدُ رَجْعُهُ إيّاهم أحْياءً كَما كانُوا! وقِيلَ: المَعْنى ما يَمُوتُ فَيُدْفَنُ في الأرْضِ مِنهم.
﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: حافِظٌ لِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها، أوْ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغَيُّرِ. والمُرادُ: إمّا تَمْثِيلُ عِلْمِهِ تَعالى بِكُلِّيّاتِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها، بِعِلْمِ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ مُحِيطٌ يُتَلَقّى مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ. أوْ تَأْكِيدٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِها، بِثُبُوتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عِنْدَهُ.
50:5Page 518
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥
But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ.
(p-٥٤٨٥)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إضْرابٌ أتْبَعَ الإضْرابَ الأوَّلَ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم جاؤُوا بِما هو أفْظَعُ مِن تَعَجُّبِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِالحَقِّ، الَّذِي هو النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ، في أوَّلِ وهْلَةٍ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ ولا تَدَبُّرٍ. وكَوْنُهُ أفْظَعَ؛ لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ بَعْدَ التَّعَجُّبِ مِنهُ.
﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُضْطَرِبٍ، يَعْنِي اخْتِلافَ مَقالَتِهِمْ فِيهِ مِنِ ادِّعاءِ أنَّهُ شِعْرٌ أوْ سِحْرٌ ونَحْوَهُ؛ تَعَنُّتًا وكِبْرًا.
50:6Page 518
أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦
Have they not looked at the heaven above them - how We structured it and adorned it and [how] it has no rifts?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، المُنْكِرُونَ قُدْرَتَنا عَلى إحْيائِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ، ﴿إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ أيْ: رَفَعْناها بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴿وزَيَّنّاها﴾ أيْ: بِالنُّجُومِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي وما لَها مِن صُدُوعٍ وفُرُوقٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] أيْ: كَلِيلٌ عَنْ أنْ تَرى عَيْبًا أوْ نَقْصًا.
50:7Page 518
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧
And the earth - We spread it out and cast therein firmly set mountains and made grow therein [something] of every beautiful kind,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ: بَسَطْناها.
﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، حِفْظًا لَها مِنَ الِاضْطِرابِ؛ لِقُوَّةِ الجَيَشانِ في جَوْفِها، ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ أيْ: حَسَنِ المَنظَرِ، يُبْتَهَجُ بِهِ لِحُسْنِهِ.
(p-٥٤٨٦)
50:8Page 518
تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨
Giving insight and a reminder for every servant who turns [to Allāh].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: لِتُبْصِرَ وتُذَكِّرَ كُلَّ عَبْدٍ مُنِيبٍ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُفَكِّرٍ في بَدائِعِ صُنْعِهِ.
و﴿تَبْصِرَةً﴾ و" ذِكْرى " مَنصُوباتٌ بِالفِعْلِ الأخِيرِ عَلى أنَّهُما مَفْعُولانِ لَهُ، وإنْ كانَتا عِلَّتَيْنِ لِلْأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعْنًى. أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا تَبْصِيرًا وتَذْكِيرًا.
50:9–11Page 518
وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩
And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest
وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠
And lofty palm trees having fruit arranged in layers -
رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١
As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩_١٠_١١] ﴿ونَـزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]
﴿ونَـزَّلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المُزْنِ ﴿ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَنافِعِ، ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ: أشْجارًا ذَواتِ أثْمارٍ، ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيِ: الزَّرْعَ المَحْصُودَ مِنَ البُرِّ والشَّعِيرِ وسائِرِ أنْواعِ الحُبُوبِ. وتَخْصِيصُ إنْباتِ حَبِّهِ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: ١٠] أيْ: وأنْبَتْنا بِالماءِ الَّذِي أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ النَّخْلَ طِوالًا، أوْ حَوامِلَ، مِن (أبْسَقَتِ الشّاةُ)، إذا حَمَلَتْ، فَيَكُونُ مِن: (أفْعَلَ) فَهو (فاعِلٌ)، والقِياسُ: (مُفْعِلٌ)، فَهو مِنَ النَّوادِرِ كالطَّوائِحِ واللَّواقِحِ، في أخَواتٍ لَها شاذَّةٍ؛ وإفْرادُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في جَنّاتٍ لِبَيانِ فَضْلِها بِكَثْرَةِ مَنافِعِها. وتَوْسِيطُ الحَبِّ بَيْنَهُما لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِها وامْتِيازِها عَنِ البَقِيَّةِ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ.
﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] أيْ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١١] أيْ: لِرِزْقِهِمْ، قالَ أبُو السُّعُودِ: عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وفي تَعْلِيلِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ تَعْلِيلِ أنْبَتْنا الأوَّلِ بِالتَّبْصِرَةِ والتَّذْكِيرِ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ انْتِفاعُهُ (p-٥٤٨٧)بِذَلِكَ مِن حَيْثُ التَّذَكُّرُ والِاسْتِبْصارُ، أهَمَّ مِن تَمَتُّعِهِ بِهِ مِن حَيْثُ الرِّزْقُ. وقِيلَ: ﴿رِزْقًا﴾ [ق: ١١] مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أنْبَتْنا لِأنَّ الإنْباتَ رِزْقٌ. ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ [ق: ١١] أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] أيْ: أرْضًا جَدْبَةً، فَأنْبَتَتْ أنْواعَ النَّباتِ والأزْهارِ.
﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] أيْ: خُرُوجُهم أحْياءً مِنَ القُبُورِ. شَبَّهَ بَعْثَ الأمْواتِ ونَشَرَهم بِقُدْرَتِهِ تَعالى بِإخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ وُقُوعِ المَطَرِ عَلَيْها، فَـ " كَذَلِكَ " خَبَرُ الخُرُوجِ، أوْ مُبْتَدَأٌ، فالكافُ بِمَعْنى (مِثْلٍ).
50:12–14Page 518
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢
The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd
وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣
And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤
And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢_١٣_١٤] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] .
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ حَقِيقَةِ البَعْثِ، بِبَيانِ اتِّفاقِ كافَّةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْها، وتَعْذِيبِ مُنْكِرِيها.
﴿وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ وهو بِئْرٌ كانُوا عِنْدَهُ. يُقالُ: إنَّهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُقالُ غَيْرُ ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وثَمُودُ﴾ وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوا صالِحًا، وقَتَلُوا النّاقَةَ.
﴿وعادٌ﴾ [ق: ١٣] وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوا هُودًا في أصْنامِهِمْ.
﴿وفِرْعَوْنُ﴾ [ق: ١٣] وهو الَّذِي جادَلَ مُوسى فِيما أُرْسِلَ بِهِ. قالَ الرّازِيُّ: ولَمْ يَقُلْ: (وقَوْمُ فِرْعَوْنَ)؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ هو المُغْتَرَّ المُسْتَخِفَّ بِقَوْمِهِ والمُسْتَبِدَّ بِأمْرِهِ.
﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] وهُمُ اللَّذِينَ جادَلُوهُ في إتْيانِ الرِّجالِ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ [ق: ١٤] أيِ: الغَيْضَةِ مِنَ الشَّجَرِ، المُجادِلُونَ شُعَيْبًا في الكَيْلِ والوَزْنِ.
﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١٤] قالَ المَهايِمِيُّ: المُجادِلُونَ إمامَهم وعُلَماءَهم في الدِّينِ. ومَضى الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الحِجْرِ والدُّخانِ.
﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ق: ١٤] أيْ: كُلٌّ مِن هَذِهِ الأُمَمِ وهَؤُلاءِ القُرُونِ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ، (p-٥٤٨٨)ومَن كَذَّبَ رَسُولًا فَكَأنَّما كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنَّما جاءَهم رَسُولٌ واحِدٌ، فَهم في نَفْسِ الأمْرِ، لَوْ جاءَهم جَمِيعُ الرُّسُلِ كَذَّبُوهُمْ، أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وهو تَوْجِيهٌ لِجَمْعِ الرُّسُلِ. وإفْرادُ ضَمِيرِ كَذَّبَ مُراعاةً لِلَفْظِ " كُلٌّ " فَإنَّهُ مُفْرَدٌ وإنْ كانَ جَمْعًا مَعْنًى. ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] أيْ: فَوَجَبَ لَهُمُ الوَعِيدُ الَّذِي وعَدَ بِهِ مَن كَفَرَ، وهو العَذابُ والنِّقْمَةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
إنَّما وصَفَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وصَفَ مِن إحْلالِهِ عُقُوبَتَهُ بِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الرُّسُلَ؛ تَرْهِيبًا مِنهُ بِذَلِكَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وإعْلامًا مِنهُ لَهم أنَّهم إنْ لَمْ يُنِيبُوا مِن تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ مُحِلٌ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِثْلَ الَّذِي أحَلَّ بِهِمْ. أيْ: فَهو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَهْدِيدٌ لَهم.
50:15Page 518
أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥
Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥] ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ أيْ: أفَعَجِزْنا عَنِ الإبْداءِ حَتّى نَعْجِزَ عَنِ الإعادَةِ؟! فالهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قالَ الشِّهابُ: العَيُّ هُنا بِمَعْنى العَجْزِ، لا التَّعَبِ. قالَ الكِسائِيُّ: تَقُولُ: أُعْيِيتُ مِنَ التَّعَبِ، و(عَيِيتُ) مِنِ انْقِطاعِ الحِيلَةِ، والعَجْزِ عَنِ الأمْرِ. وهَذا هو المَعْرُوفُ والأفْصَحُ، وإنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما كَثِيرٌ.
و(الخَلْقُ الأوَّلُ) هو الإبْداءُ عَلى ما ذُكِرَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، ويَدُلُّ لَهُ آيَةُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ، (p-٥٤٨٩)كَأنَّهُ قِيلَ: هم مُعْتَرِفُونَ بِالخَلْقِ الأوَّلِ، فَلا وجْهَ لِإنْكارِهِمْ لِلثّانِي، بَلْ هُمُ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ والتَبَسَ؛ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ إعادَةَ ما ماتَ وتَفَرَّقَ أجْزاؤُهُ وإعْراضُهم عَنْ سُلْطانِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وسُهُولَةِ ذَلِكَ في المَقْدُوراتِ الرَّبّانِيَّةِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ النّاصِرُ: في الآيَةِ أسْئِلَةٌ ثَلاثٌ: لِمَ عَرَّفَ الخَلْقَ الأوَّلَ، ونَكَّرَ اللَّبْسَ، والخَلْقَ الجَدِيدَ؟
فاعْلَمْ: أنَّ التَّعْرِيفَ لا غَرَضَ مِنهُ إلّا تَفْخِيمُ ما قُصِدَ تَعْرِيفُهُ وتَعْظِيمُهُ، ومِنهُ تَعْرِيفُ الذُّكُورِ في قَوْلِهِ ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] ولِهَذا المَقْصِدِ عُرِّفَ الخَلْقُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الغَرَضَ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي بِطَرِيقِ الأوْلى، أيْ: إذا لَمْ يَعِيَ تَعالى بِالخَلْقِ الأوَّلِ -عَلى عَظَمَتِهِ- فالخَلْقُ الآخَرُ أوْلى أنْ لا يَعِييَ بِهِ. فَهَذا سِرُّ تَعْرِيفِ الخَلْقِ الأوَّلِ.
وأمّا التَّنْكِيرُ فَأمْرُهُ مُنْقَسِمٌ: فَمَرَّةً يُقْصَدُ بِهِ تَفْخِيمُ المُنَكَّرِ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، كَأنَّهُ أفْخَمُ مِن أنْ يُخاطِبَهُ مَعْرِفَةً. ومَرَّةً يُقْصَدُ بِهِ التَّقْلِيلُ مِنَ المُنَكَّرِ والوَضْعِ مِنهُ، وعَلى الأوَّلِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وقَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣] و، ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] وهو أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. والثّانِي: هو الأصْلُ في التَّنْكِيرِ، فَلا يُحْتاجُ إلى تَمْثِيلِهِ، فَتَنْكِيرُ (اللَّبْسِ) مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، كَأنَّهُ قالَ: في لَبْسٍ أيِّ لَبْسٍ. وتَنْكِيرُ (الخَلْقِ الجَدِيدِ)؛ لِلتَّقْلِيلِ مِنهُ والتَّهْوِينِ لِأمْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ الأوَّلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْخِيمِ، كَأنَّهُ أمْرٌ أعْظَمُ مِن أنْ يَرْضى الإنْسانُ بِكَوْنِهِ مُلْتَبِسًا عَلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ أوَّلُ ما تُبْصِرُ فِيهِ صِحَّتُهُ. انْتَهى.
(p-٥٤٩٠)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences