Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الطور
At-Tur
The Mount · Meccan · 49 ayahs
52:1–6Page 523
وَٱلطُّورِ ١
By the mount
وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢
And [by] a Book inscribed1
فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣
In parchment spread open
وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤
And [by] the frequented House1
وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥
And [by] the ceiling [i.e., heaven] raised high
وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦
And [by] the sea set on fire,1
(p-٥٥٤٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطُّورِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ تَعْظِيمَ مَهْبِطِ الوَحْيِ، فالوَحْيُ أوْلى بِالتَّعْظِيمِ، فَيَعْظُمُ الِاهْتِمامُ بِالعَمَلِ، لا سِيَّما وقَدْ عَظُمَ مِصْعَدُ العَمَلِ وثَمَرَتُهُ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ وهي مَكِّيَّةٌ، وآيُها تِسْعٌ وأرْبَعُونَ.
رَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطَّوْرِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ».
ورَوى البُخارِيُّ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «شَكَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي أشْتَكِي! فَقالَ: طُوفِي مِن وراءِ النّاسِ وأنْتِ راكِبَةٌ. فَطُفْتُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إلى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ».
(p-٥٥٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٦] ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] .
﴿والطُّورِ﴾ أيْ: طُورِ سِينِينَ: جَبَلٌ بِمَدْيَنَ، سَمِعَ فِيهِ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وانْدَكَّ بِنُورِ تَجَلِّيهِ تَعالى.
﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: مَكْتُوبٍ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ.
﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] أيْ: وكِتابٌ سُطِّرَ في ورَقٍ مَنشُورٍ يُقْرَأُ عَلى النّاسِ جِهارًا، و(الرَّقُّ) الصَّحِيفَةُ أوِ الجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ.
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] أيِ: الَّذِي يُعْمَرُ بِكَثْرَةِ غاشِيَتِهِ، وهو الكَعْبَةُ المَعْمُورَةُ بِالحُجّاجِ والعُمّارِ والطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والمُجاوِرِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ بِحِيالِ الكَعْبَةِ مِنَ الأرْضِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبْدًا. والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ يُناسِبُ ما جاءَ في سُورَةِ (التِّينِ) مِن عَطْفِ البَلَدِ الأمِينِ عَلى طُورِ سِينِينَ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ لِتَشابُهِ آياتِهِ وتَماثُلِها كَثِيرًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ بَلاغَةُ الأُسْلُوبِ.
(p-٥٥٤٢)قالَ المَهايِمِيُّ: أوْرَدَهُ بَعْدَ الكِتابِ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ أعْظَمِ الأعْمالِ المَقْصُودَةِ مِنهُ، ولِأنَّهُ مَظْهَرُ الوَحْيِ ومَصْدَرُ الرَّحْمَةِ العامَّةِ المُهْداةِ لِلْعالَمِينَ؛ ولِأنَّهُ أجَلُّ الآياتِ وأكْبَرُها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آيَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وآياتٌ أُخَرُ.
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] يَعْنِي السَّماءَ؛ وجَعَلَها سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كَسَماءِ البَيْتِ الَّذِي هو سَقْفُهُ.
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أيِ: المَمْلُوءِ، أوِ الَّذِي يُوقَدُ أيْ: يَصِيرُ نارًا. كَقَوْلِهِ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والأوَّلُ أوْلى، أعْنِي: أنَّ مَعْناهُ البَحْرُ المَمْلُوءُ المَجْمُوعُ ماؤُهُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ؛ لِأنَّ الأغْلَبَ مَعانِي (السَّجْرِ) الإيقادُ أوْ الِامْتِلاءُ، فَإذا كانَ البَحْرُ غَيْرَ مُوقَدٍ اليَوْمَ، ثَبَتَتْ لَهُ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهو الِامْتِلاءُ، لِأنَّهُ كُلَّ وقْتٍ مُمْتَلِئٌ، ولا تَنْسَ ما قَدَّمْناهُ في أوائِلِ (الذّارِياتِ) مِن أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ كُلَّها دَلائِلُ أُخْرِجَتْ في صُورَةِ الإيمانِ.
52:7–16Page 523
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧
Indeed, the punishment of your Lord will occur.
مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨
Of it there is no preventer.
يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩
On the Day the heaven will sway with circular motion
وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠
And the mountains will pass on, departing1 -
فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Then woe, that Day, to the deniers,
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢
Who are in [empty] discourse amusing themselves.
يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣
The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],
هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤
"This is the Fire which you used to deny.
أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥
Then is this magic, or do you not see?
ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦
[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ١٦] ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] (p-٥٥٤٣)﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٨] أيْ: يَدْفَعُهُ عَنِ المُكَذِّبِينَ فَيُنْقِذُهم مِنهُ إذا وقَعَ.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] أيْ: تَضْطَرِبُ.
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] أيْ: تَسِيرُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] أيْ: بِالحَقِّ الجاحِدِينَ لَهُ.
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: مِن الِاعْتِسافِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] أيْ: بِآياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها بِعُنْفٍ. يُقالُ: دَعَعْتُ في قَفاهُ، إذا دَفَعْتَهُ فِيهِ بِإزْعاجٍ.
﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٥] أيِ: الَّذِي ورَدْتُمُوهُ الآنَ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِتَسَبُّبِ هَذا عَمّا قالُوهُ في الوَحْيِ، ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] أيْ: كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
﴿اصْلَوْها﴾ [الطور: ١٦] أيْ: ذُوقُوا حَرَّ هَذِهِ النّارِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] أيْ: عَلى ألَمِها ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] أيِ: الأمْرانِ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ عَلَيْكُمْ، ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] أيْ: لا تُعاقَبُونَ إلّا عَلى مَعْصِيَتِكم في الدُّنْيا لِرَبِّكُمْ، وكُفْرِكم بِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَلَّلَ اسْتِواءَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ بِقَوْلِهِ إنَّما تُجْزَوْنَ إلَخْ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصّابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ. فَأمّا الصَّبْرُ عَلى العَذابِ الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
(p-٥٥٤٤)
52:17–20Page 524
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧
Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,
فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨
Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠
They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ٢٠] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] أيْ: مُتَلَذِّذِينَ بِما لَدَيْهِمْ مِنَ الفَواكِهِ الكَثِيرَةِ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] جَمْعُ عَيْناءَ وهي الواسِعَةُ العَيْنِ، في حُسْنٍ.
52:21Page 524
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١
And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾
﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ أيِ: اقْتَفَتْ آثارَهم في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ: في الجَنّاتِ والنَّعِيمِ، والخِطابِ، لِما كانَ مَعَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وهم واثِقُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ، تَمَّمَ لَهُمُ البِشارَةَ بِالمَوْعُودِ بِهِ، بِأنَّهُ يَنالُ ذُرِّيَّتَهم أيْضًا، إنِ اتَّبَعُوا آباءَهم بِإحْسانٍ، هَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ. وأمّا مَن قالَ في مَعْناها: إنَّ المُؤْمِنَ تُرْفَعُ لَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَيَلْحَقُونَ بِهِ، إنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ، فَلا تَقْتَضِيهِ الآيَةُ تَصْرِيحًا ولا تَلْوِيحًا، ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وما نَقَصْناهم مِن ثَوابِ عَمَلِهِمْ شَيْئًا ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مُرْتَهِنٌ بِهِ، لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، وإنَّما يُعاقَبُ بِذَنْبِ نَفْسِهِ.
(p-٥٥٤٥)
52:22–24Page 524
وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢
And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.
يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣
They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.
۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤
There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]
﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ: زِدْناهم وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، ما ذُكِرَ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: يَتَعاطَوْنَ فِيها كَأْسَ الشَّرابِ ويَتَجاذَبُونَها ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] أيْ: لا يَتَكَلَّمُونَ في أثْناءِ الشُّرْبِ بِسَقْطِ الحَدِيثِ وباطِلِهِ، ولا يَفْعَلُونَ ما يُؤْثَمُ بِهِ فاعِلُهُ، كَما كانَ في الدُّنْيا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] أيْ: مَصُونٌ في كِنٍّ، فَهو أنْقى لَهُ، وأصْفى لِبَياضِهِ.
52:25–28Page 524
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥
And they will approach one another, inquiring of each other.
قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦
They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].
فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧
So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.
إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨
Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥ - ٢٨] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَتَجاذَبُونَ أطْرافَ الحَدِيثِ المُفْضِيَةِ إلى شُكْرِ المُنْعِمِ، والتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وذَلِكَ في مُساءَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَمّا مَضى لَهم في الدُّنْيا.
﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] أيْ: خائِفِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] يَعْنِي: عَذابَ النّارِ. وأصْلُ السَّمُومِ الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ؛ فَسُمِّيَتْ بِها نارُ جَهَنَّمَ لِمُشابَهَتِها لَها، وإنْ كانَ وجْهُ الشَّبَهِ في النّارِ أقْوى، لَكِنَّهُ (p-٥٥٤٦)فِي رِيحِ السَّمُومِ لِمُشاهَدَتِهِ في الدُّنْيا أعْرَفُ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: نَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ [الطور: ٢٨] أيِ: المُحْسِنُ بِمَن دَعاهُ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أيْ: لِمَن عَبَدَهُ وخافَهُ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ.
52:29Page 524
فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩
So remind, [O Muḥammad], for you are not, by the favor of your Lord, a soothsayer or a madman.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩] ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾
﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ وعِظْهُمْ، ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ﴾ أيْ: تَتَكَهَّنُ فِيما تَدْعُو إلَيْهِ ﴿ولا مَجْنُونٍ﴾ أيْ: لَهُ رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُ عَنْهُ قَوْمَهُ ما أخْبَرَ عَنْهُ، كَما يَعْتَقِدُهُ العَرَبُ في بَعْضِهِمْ، ولَكِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا.
52:30–31Page 524
أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠
Or do they say [of you], "A poet for whom we await a misfortune of time"?1
قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١
Say, "Wait, for indeed I am, with you, among the waiters."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٠ - ٣١] ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١]
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ أيْ: حَوادِثَ الدَّهْرِ أوِ المَوْتَ؛ لِأنَّ المَنُونَ قَدْ يُرادُ بِهِ الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: صُرُوفُهُ. وقَدْ يُرادُ بِهِ المَوْتُ، ورَيْبُهُ نُزُولُهُ.
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] أيْ: حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ فِيكم. والأمْرُ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ والتَّهْدِيدِ.
52:32–34Page 525
أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢
Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?
أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.
فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤
Then let them produce a statement like it, if they should be truthful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٢ - ٣٤] ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ: عُقُولُهم بِهَذا التَّناقُضِ في القَوْلِ، أمْ أيْ: بَلْ (p-٥٥٤٧)﴿هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ: مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ، مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣] أيِ: اخْتَلَقَ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] أيْ: لا يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا حَسَدًا وتَقْلِيدًا، فَلِذَلِكَ يَرْمُونَهُ بِتِلْكَ الفِرى.
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في الهِدايَةِ بِذاكَ الأُسْلُوبِ الَّذِي مَلَكَ ناصِيَةَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ﴾ [القصص: ٤٩] ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في زَعْمِهِمْ، فَإنَّهم مِن أهْلِ لِسانِ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ مُضاهاةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في مَيْدانِ التَّساجُلِ والتَّراسُلِ.
52:35–43Page 525
أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥
Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?
أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦
Or did they create the heavens and the earth? Rather, they are not certain.
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧
Or have they the depositories [containing the provision] of your Lord? Or are they the controllers [of them]?
أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨
Or have they a stairway [into the heaven] upon which they listen? Then let their listener produce a clear authority [i.e., proof].
أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ ٣٩
Or has He daughters while you have sons?
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠
Or do you, [O Muḥammad], ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤١
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ ٤٢
Or do they intend a plan? But those who disbelieve - they are the object of a plan.
أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٣
Or have they a deity other than Allāh? Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥ - ٤٣] ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أخُلِقَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ (p-٥٥٤٨)آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ ولا يَفْهَمُونَ لِلَّهِ حُجَّةً، ولا يَعْتَبِرُونَ لَهُ بِعِبْرَةٍ ولا يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، بِمَعْنى: لِغَيْرِ شَيْءٍ، ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، أوْ هَذا الخَلْقَ، فَهم لِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ لِأمْرِ اللَّهِ، ولا يَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم عَنْهُ؛ لِأنَّ لِلْخالِقِ الأمْرَ والنَّهْيَ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أيْ: بِوَعِيدِ اللَّهِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ، فَهم لِاسْتِغْنائِهِمْ مُعْرِضُونَ، ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] أيِ: الجَبابِرَةُ المُتَسَلِّطُونَ.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: مُرْتَقًى إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أيِ: الوَحْيَ، فَيَدَّعُونَ أنَّهم سَمِعُوا هُنالِكَ مِنَ اللَّهِ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقٌّ.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ دَعْواهُ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] أيْ: حَيْثُ جَعَلُوا -لِسَفاهَةِ رَأْيِهِمُ- المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّها بَناتُهُ تَعالى، مَعَ أنَّهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: أُجْرَةً عَلى إبْلاغِكَ إيّاهم رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِنِ التِزامِ غَرامَةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] أيْ: مِن أدائِهِ، حَتّى زَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] أيْ: مِنهُ ما شاؤُوا، ويُنْبِئُونَ النّاسَ عَنْهُ بِما أرادُوا.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] أيْ: بِالرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] أيِ: المَمْكُورُ بِهِمْ دُونَكَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وامْضِ لِما أمَرَكَ بِهِ.
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: لَهُ العِبادَةُ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ، وعِبادَتِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
52:44Page 525
وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ ٤٤
And if they were to see a fragment from the sky falling,1 they would say, "[It is merely] clouds heaped up."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤] ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾
﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ هَذا جَوابٌ لِمُشْرِكِي (p-٥٥٤٩)قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، ويَقْتَرِحُونَ الآياتِ كَقَوْلِهِمْ:
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ أنَّهم لِشِدَّةِ طُغْيانِهِمْ وعِنادِهِمْ، لَوْ أسْقَطْناهُ عَلَيْهِمْ لَقالُوا: ﴿سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، يُمْطِرُنا، ولَمْ يُصَدِّقُوا أنَّهُ كِسَفٌ ساقِطٌ لِلْعَذابِ.
52:45–46Page 525
فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ ٤٥
So leave them until they meet their Day in which they will be struck insensible -
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٦
The Day their plan will not avail them at all, nor will they be helped.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٥-٤٦ ] ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦]
﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا، ويُلْهِهِمُ الأمَلُ، ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيْ: يَمُوتُونَ. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [الطور: ٤٦] أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْهم مَكْرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦]
52:47Page 525
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٧
And indeed, for those who have wronged is a punishment1 before that, but most of them do not know.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧] ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: دُونَ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو إمّا عَذابُ القَبْرِ، أوِ القَحْطُ، أوِ النَّوازِلُ الَّتِي تَذْهَبُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ -أقْوالٌ لِلسَّلَفِ- واللَّفْظُ صادِقٌ بِالجَمِيعِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: سُنَّةَ اللَّهِ في أمْثالِهِمْ مِنَ الفَجَرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences