Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Qamar 54:33–55
54:33–40Page 530
كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ ٣٣
The people of Lot denied the warning.
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ ٣٤
Indeed, We sent upon them a storm of stones, except the family of Lot - We saved them before dawn.
نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ ٣٥
As favor from Us. Thus do We reward he who is grateful.
وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ ٣٦
And he had already warned them of Our assault, but they disputed the warning.
وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٧
And they had demanded from him his guests, but We obliterated their eyes, [saying], "Taste My punishment and warning."
وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ ٣٨
And there came upon them by morning an abiding punishment.
فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٩
So taste My punishment and warning.
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٤٠
And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣ - ٤٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠]
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: مَلَكًا يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ، أوْ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أيْ: (p-٥٦٠٣)فِي سَحَرٍ. أوِ (الباءُ) لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ أنْ يَخْرُجُوا مِن آخِرِ اللَّيْلِ، فَنَجَوْا مِمّا أصابَ قَوْمَهم. ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ مِن قَوْمِهِ أحَدٌ، ولا رَجُلٌ واحِدٌ، حَتّى ولا امْرَأتُهُ، وقَدْ أصابَها ما أصابَهُمْ، وخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَناتٌ لَهُ، مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ سالِمِينَ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ.
﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: إنْعامًا مِنها، وهو عِلَّةٌ لِـ " نَجَّيْنا " ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] أيْ: فَأطاعَ رَبَّهُ، وانْتَهى إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. و(الشُّكْرُ): صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ، إلى ما خُلِقَ لِأجْلِهِ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: لُوطٌ بَطْشَتَنا أيْ: أخْذَتَنا بِالعَذابِ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ: بِإنْذاراتِهِ، تَكْذِيبًا لَهُ.
﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] أيْ: طالَبُوهُ بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مَعَهُمْ، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ ورَدُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ حِسانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأضافَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعَثَتِ امْرَأتُهُ العَجُوزُ السُّوءُ إلى قَوْمِها تُعْلِمُهم بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأقْبَلُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَتَلَقّاهم يُناشِدُهُمُ اللَّهَ ألّا يُخْزُوهُ في ضَيْفِهِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، وجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَأعْمى اللَّهُ أبْصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨] أيْ: يَدُومُ بِهِمْ إلى النّارِ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا﴾ [القمر: ٤٠] إلَخْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا تَنَبُّهًا واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وأنْ يَقْرَعَ لَهُمُ العَصا مَرّاتٍ، ويُقَعْقِعُ لَهُمُ الشَّنَّ تارّاتٍ، لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ، ولا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ. وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِهِ " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ). وقَوْلُهُ " ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ " عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في (p-٥٦٠٤)سُورَةِ (والمُرْسَلاتِ). وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقَصَصِ في أنْفُسِهِ، لِتَكُونَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ. انْتَهى.
54:41–42Page 530
وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ ٤١
And there certainly came to the people of Pharaoh warning.
كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢
They denied Our signs, all of them, so We seized them with a seizure of one Exalted in Might and Perfect in Ability.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١ - ٤٢] ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢]
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ، وجَمْعُها لِلتَّعْظِيمِ، أوْ هو جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ.
﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ [القمر: ٤٢] يَعْنِي الآياتِ التِّسْعَ، أوِ الأدِلَّةَ والحُجَجَ الَّتِي أتَتْهم ناطِقَةً بِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى.
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾ [القمر: ٤٢] أيْ: عاقَبْناهم عُقُوبَةَ شَدِيدٍ لا يُغالَبُ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] أيْ: عَظِيمِ القُدْرَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
54:43–44Page 530
أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣
Are your disbelievers better than those [former ones], or have you immunity in the scriptures?
أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤
Or do they say, "We are an assembly supporting [each other]"?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣ - ٤٤] ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]
﴿أكُفّارُكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ أيِ: الكُفّارِ المَعْدُودِينَ الَّذِينَ حَلَّتِ النِّقْمَةُ حَتّى يَأْمَنُوا جانِبَها، ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ أيْ: بَراءَةٌ مِن عِقابِهِ تَعالى، وأمانٌ مِنهُ، مَعَ أنَّكم عَلى شاكِلَةِ مَن مَضى نَبَؤُهُمْ، ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] أيْ: مُمْتَنِعٌ لا يُرامُ، أوْ مُنْتَصِرٌ مِمَّنْ أرادَ حَرْبَنا وتَفْرِيقَ كَلِمَتِنا، أوْ مُتَناصِرٌ، يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا. فالِافْتِعالُ بِمَعْنى التَّفاعُلِ، كالِاخْتِصامِ بِمَعْنى التَّخاصُمِ. وإفْرادُ ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] مُراعاةً لِلَّفْظِ " جَمِيعٌ " لِخِفَّةِ الإفْرادِ، ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.
(p-٥٦٠٥)
54:45–46Page 530
سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥
[Their] assembly will be defeated, and they will turn their backs [in retreat].1
بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦
But the Hour is their appointment [for due punishment], and the Hour is more disastrous and more bitter.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥ - ٤٦] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ يَعْنِي جَمْعُ كُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أيْ: يُوَلُّونَ أدْبارَهُمُ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عِنْدَ انْهِزامِهِمْ. وإفْرادُ الدُّبُرِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ رِعايَةِ الفَواصِلِ، ومُشاكَلَةِ قَرائِنِهِ. وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، فَفِيها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن أنَّهم لا يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَماتِهِمْ، بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم لِلْبَعْثِ والعِقابِ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] أيْ: أعْظَمُ داهِيَةً، وهي الأمْرُ المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ. وأمَرُّ مَذاقًا، أوْ أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَزِيمَةِ الَّتِي سَيُهْزَمُونَها، إذا التَقَوْا مَعَ المُؤْمِنِينَ لِلْقِتالِ.
54:47–48Page 530
إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧
Indeed, the criminals are in error and madness.1.
يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ٤٨
The Day they are dragged into the Fire on their faces [it will be said], "Taste the touch of Saqar."1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧ - ٤٨] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا ﴿وسُعُرٍ﴾ أيْ: نِيرانٍ في الآخِرَةِ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، لِعَمى قُلُوبِهِمْ بِظُلْمَةِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ. و" سُعُرٍ " أيْ: جُنُونٍ ووَلَهٍ، لِاحْتِجابِ عُقُولِهِمْ عَنْ نُورِ الحَقِّ بِشَوائِبِ الوَهْمِ، وحَيْرَتِها في الباطِلِ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] أيْ: يُجَرُّونَ عَلَيْها.
﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] أيْ: حَرَّها وألَمَها. والِاسْتِعارَةُ في المَسِّ تَحْقِيقِيَّةٌ. أوْ في سَقَرَ مَكْنِيَّةٌ، وفي (المَسِّ) تَخْيِيلِيَّةٌ. (p-٥٦٠٦)أوِ المَسُّ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ لِلْألَمِ. واسْتِعارَةُ الذَّوْقِ مَشْهُورَةٌ، واسْتِعْمالُ الذَّوْقِ في المَصائِبِ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ. و" سَقَرَ " مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها.
54:49Page 530
إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩
Indeed, all things We created with predestination.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩] ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِمِقْدارٍ اسْتَوْفى فِيهِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ، وتَرَتُّبَ الأسْبابِ عَلى مُسَبِّباتِها، ومِنهُ خَلْقُ دارِ العَذابِ، لِما كَسَبَتِ الأيْدِي، وإذاقَةُ ألَمِها جَزاءَ الزَّيْغِ عَنِ الهُدى. وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] وآيَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أيْ: قَدَّرَ قَدَرًا، وهَدى الخَلائِقَ إلَيْهِ. ولا مانِعَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها إلْفاتًا لِعَظَمَتِهِ تَعالى، وكَبِيرِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ مَن كانَتْ لَهُ تِلْكَ النُّعُوتُ المُثْلى لَجَدِيرٌ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ويُرْهَبَ بَأْسُهُ، ويُتَّقى بَطْشُهُ، لا سِيَّما وقَدْ صَدَعَ الدّاعِي بِإنْذارِهِ، ومَن أُنْذِرَ فَقَدْ أُعْذِرَ.
54:50Page 531
وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ ٥٠
And Our command is but one, like a glance of the eye.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠] ﴿وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾
﴿وما أمْرُنا﴾ أيِ: الَّذِي بِهِ الإيجادُ ﴿إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ أيْ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ يَكُونُ بِها كُلُّ شَيْءٍ، بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ، كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ في السُّرْعَةِ. قالَ القاشانِيُّ: ﴿إلا واحِدَةٌ﴾ أيْ: تَعَلُّقُ المَشِيئَةِ الأزَلِيَّةِ المُوجِبَةِ لِوُجُودِ كُلِّ شَيْءٍ في زَمانٍ مُعَيَّنٍ، عَلى وجْهٍ مَعْلُومٍ، ثابِتٍ في لَوْحِ القُدْرَةِ، المُسَمّى في الشَّرْعِ بِـ: (كُنْ)، فَيَجِبُ وُجُودُهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ، عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ دُفْعَةً. انْتَهى.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧]
(p-٥٦٠٧)
54:51Page 531
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَآ أَشۡيَاعَكُمۡ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٥١
And We have already destroyed your kinds,1 so is there any who will remember?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ.
قالَ الشِّهابُ: أصْلُ مَعْنى (الأشْياعِ) جَمْعُ شِيعَةٍ، وهم مَن يَتَقَوّى بِهِمُ المَرْءُ مِنَ الأتْباعِ. ولَمّا كانُوا في الغالِبِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، أُرِيدَ بِهِ ما ذُكِرَ، إمّا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِهِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ.
﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ بِذَلِكَ يَنْزَجِرُ بِهِ.
54:52Page 531
وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ٥٢
And everything they did is in written records.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٢] ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ أيِ: الكُتُبِ الَّتِي أحْصَتْها الحَفَظَةُ عَلَيْهِمْ.
54:53Page 531
وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ ٥٣
And every small and great [thing] is inscribed.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣] ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أيْ: مَسْطُورٌ لا يُمْحى ولا يُنْسى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: (p-٥٦٠٨)««يا عائِشَةُ ! إيّاكِ ومُحَقِّراتِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ لَها مِنَ اللَّهِ طالِبًا»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ ماهَكَ المَدَنِيِّ، وثَّقَهُ أحْمَدُ وابْنُ مَعِينٍ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم. وقَدْ رَواهُ الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ هَذا، مِن وجْهٍ آخَرَ. ثُمَّ قالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذا الحَدِيثِ عامِرَ بْنَ هِشامٍ فَقالَ لِي: ويْحَكَ يا سَعِيدُ ! لَقَدْ حَدَّثَنِي سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ أنَّهُ عَمِلَ ذَنْبًا فاسْتَصْغَرَهُ، فَأتاهُ آتٍ في مَنامِهِ، فَقالَ لَهُ: يا سُلَيْمانُ !
؎لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرًا إنَّ الصَّغِيرَ غَدًا يَعُودُ كَبِيرًا
؎إنَّ الصَّغِيرَ ولَوْ تَقادَمَ عَهْدُهُ ∗∗∗ عِنْدَ الإلَهِ مُسَطَّرٌ تَسْطِيرًا
؎فازْجُرْ هَواكَ عَنِ البِطالَةِ لا تَكُنْ ∗∗∗ صَعْبَ القِيادِ وشَمِّرَنْ تَشْمِيرًا
؎إنَّ المُحِبَّ إذا أحَبَّ إلَهَهُ ∗∗∗ طارَ الفُؤادُ وأُلْهِمَ التَّفْكِيرا
؎فاسْألْ هِدايَتَكَ الإلَهَ فَتَتَّئِدْ ∗∗∗ فَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا
54:54–55Page 531
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَهَرٖ ٥٤
Indeed, the righteous will be among gardens and rivers,
فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ ٥٥
In a seat of honor near a Sovereign, Perfect in Ability.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٤ - ٥٥] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]
﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقابَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ، ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ أيْ: أنْهارٍ. واكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ المُفْرَدِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ، وضَمِّ النُّونِ، وقُرِئَ بِضَمِّهِما.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: في مَجْلِسِ حَقٍّ لا لَغْوَ فِيهِ ولا تَأْثِيمَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ مَرْضِيٍّ. قالَ شُرّاحُهُ: فالصِّدْقُ مَجازٌ مُرْسَلٌ في لازِمِهِ، (p-٥٦٠٩)أوِ اسْتِعارَةٌ. وقِيلَ المُرادُ صِدْقُ المُبَشِّرِ بِهِ، وهو اللَّهُ ورَسُولُهُ. أوِ المُرادُ أنَّهُ نالَهُ مَن نالَهُ بِصِدْقِهِ وتَصْدِيقِهِ لِلرُّسُلِ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.
﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ [القمر: ٥٥] بِمَعْنى مالِكٍ. قالَ الشِّهابُ: ولَيْسَ إشْباعًا، بَلْ هي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كالمُقْتَدِرِ، ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: يَقْدِرُ عَلى تَصْرِيفِ جَمِيعِ ما في مُلْكِهِ عَلى حُكْمِ مَشِيئَتِهِ، وتَسْخِيرِهِ عَلى مُقْتَضى إرادَتِهِ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قالَ الشِّهابُ: في تَنْكِيرِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُلْكَهُ وقُدْرَتَهُ لا تَدْرِي الأفْهامُ كُنْهَهُما، وأنَّ قُرْبَهم مِنهُ بِمَنزِلَةٍ مِنَ السَّعادَةِ والكَرامَةِ، بِحَيْثُ لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، مِمّا يَجِلُّ عَنِ البَيانِ وتَكِلُّ دُونَهُ الأذْهانُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences