Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:49–74
56:49–56Page 535
قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩
Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples
لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠
Are to be gathered together for the appointment of a known Day."
ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١
Then indeed you, O those astray [who are] deniers,
لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ ٥٢
Will be eating from trees of zaqqūm
فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٥٣
And filling with it your bellies
فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ ٥٤
And drinking on top of it from scalding water
فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ ٥٥
And will drink as the drinking of thirsty camels.
هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦
That is their accommodation on the Day of Recompense.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] (p-٥٦٥٤)﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦]
﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] أيْ: مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] أيِ: الجاهِلُونَ المُصِرُّونَ عَلى جَهالاتِهِمْ، والجاحِدُونَ لِلْبَعْثِ.
﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] وهو مِن أخْبَثِ شَجَرِ البادِيَةِ في المَرارَةِ، وبَشاعَةِ المَنظَرِ، ونَتِنِ الرِّيحِ.
﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] أيْ: مِن ثَمَراتِها الوَبِيئَةِ البَشِعَةِ المُحْرِقَةِ.
﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] أيِ: الماءِ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وغَلَيانُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: " مِنها " و: " عَلَيْهِ " .
﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] أيِ: الإبِلِ الَّتِي بِها الهُيامُ، وهو داءٌ لا رَيَّ مَعَهُ، لِشِدَّةِ الشَّغَفِ والكَلَبِ بِها.
﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] أيْ: جَزاؤُهم في الآخِرَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بَدِيعَةٌ؛ لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعَدُّ لِلْقادِمِ عاجِلًا إذا نَزَلَ، ثُمَّ يُؤْتى بَعْدَهُ بِما هو المَقْصُودُ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ، فَلَمّا جُعِلَ هَذا -مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَهُولٌ- كالنُّزُلِ، دُلَّ عَلى أنَّ بَعْدَهُ ما لا يُطِيقُ البَيانُ شَرْحَهُ، وجَعَلَهُ نُزُلا مَعَ أنَّهُ ما يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مُتَهَكِّمًا، كَما في قَوْلِهِ:
؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
56:57–62Page 536
نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧
We have created you, so why do you not believe?
أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨
Have you seen that which you emit?1
ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩
Is it you who creates it, or are We the Creator?
نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠
We have decreed death among you, and We are not to be outdone
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١
In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢
And you have already known the first creation, so will you not remember?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧ - ٦٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] (p-٥٦٥٥)﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]
﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والمُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، فَأوْجَدْناكم بَشَرًا، ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا. ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أيْ: بِالخَلْقِ، وهم وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] إلّا أنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ والإنْكارِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، لا يُعَدُّ تَصْدِيقًا، أوِ المَعْنى: فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ البَعْثَ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى الإبْداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ.
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] أيْ: ما تَقْذِفُونَهُ في الرَّحِمِ مِنَ النُّطَفِ.
﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِجَعْلِهِ بَشَرًا سَوِيًّا.
﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ: بِإفاضَةِ الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ عَلَيْهِ.
﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: كَتَبْنا عَلى كُلِّ نَفْسٍ ذَوْقَهُ، أيْ: ومَن سَبِيلُهُ ذَلِكَ فَشَأْنُهُ أنْ يَرْهَبَ مِن نُزُولِهِ، ويَتَأهَّبَ لِما يُخَوَّفُ بِهِ مِن بَعْدِهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِإيذانِ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، فَلا يَغْتَرُّونَ بِالإمْهالِ، بِدَلِيلِ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَوْتِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى:
" بَيْنَكم " زِيادَةُ تَنْبِيهٍ، كَأنَّهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ ما قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أيْ: بِمَغْلُوبِينَ.
﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] أيْ: بَعْدَ مَهْلَكِكُمْ، فَنَجِيءُ بِآخَرِينَ مِن جِنْسِكم ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] مِن صُوَرٍ وأشْكالٍ أُخْرى، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكُمْ؟
قالَ الشِّهابُ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُنْشِئَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] المُرادُ بِهِ إذا بَدَّلْناكم بِغَيْرِكُمْ، لا في الدّارِ الآخِرَةِ، كَما تُوُهِّمَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: أنَّهُ أنْشَأكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أيْ: فَتَعْرِفُونَ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ النَّشْأةِ، وهي البُداءَةُ قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى، وهي الإعادَةُ، وأنَّها أهْوَنُ عَلَيْهِ.
(p-٥٦٥٦)
56:63–67Page 536
أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ ٦٣
And have you seen that [seed] which you sow?
ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤
Is it you who makes it grow, or are We the grower?
لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥
If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1
إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ ٦٦
[Saying], "Indeed, we are [now] in debt;
بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٦٧
Rather, we have been deprived."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣ - ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧]
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: ما تَحْرُثُونَ الأرْضَ لِأجْلِهِ، وهو الحَبُّ. و(الحَرْثُ): شَقُّ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، وإثارَتُها، وإلْقاءُ البَذْرِ فِيها.
﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيْ: تُنْبِتُونَهُ ﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] أيِ: المُنْبِتُونَ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها يَقُولُ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ! ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: أيْبَسْناهُ قَبْلَ اسْتِوائِهِ واسْتِحْصادِهِ. وأصْلُ (الحُطامِ) ما تَحَطَّمَ وتَفَتَّتَ لِشِدَّةِ يُبْسِهِ.
﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أيْ: تَعْجَبُونَ مِن هَلاكِهِ ويُبْسِهِ بَعْدَ خُضْرَتِهِ. أوْ تَنْدَمُونَ عَلى اجْتِهادِكم فِيهِ الَّذِي ضاعَ وخُسِرَ. أوْ (تَفَكَّهُونَ) عَلى ما أصَبْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي، فَتَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. و(التَّفَكُّهُ): التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ؛ لِأنَّهُ ذُو شُجُونٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ، هو حالٌ، أيْ: قائِلِينَ، أوْ يَقُولُونَ: إنّا لَمُغْرَمُونَ، أيْ: مُلْزَمُونَ غَرامَةَ ما أنْفَقْنا، أوْ مُهْلَكُونَ لِهَلاكِ رِزْقِنا. مِنَ الغَرامِ بِمَعْنى الهَلاكِ قالَ:
؎إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] أيْ: حُرِمْنا رِزْقَنا.
(p-٥٦٥٧)
56:68–70Page 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨
And have you seen the water that you drink?
ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩
Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?
لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠
If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨ - ٧٠] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]
﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ يَعْنِي العَذْبَ الصّالِحَ لِلشُّرْبِ.
﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩] أيِ: السَّحابِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالسَّماءِ في غَيْرِ ما آيَةٍ ﴿أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] أيْ: لَكم إلى قَرارِ الأرْضِ، ومُسْلِكُوهُ يَنابِيعَ فِيها.
﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] أيْ: مِلْحًا لا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ ولا زَرْعٍ ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] أيْ: نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في جَعْلِهِ عَذْبًا فُراتًا، لِشُرْبِكم وزَرْعِكُمْ، وصَلاحِ مَعايِشِكم ومَنافِعِكم.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الإمامُ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّائِرِ" في النَّوْعِ الحادِي عَشَرَ مِنَ المَقالَةِ الثّانِيَةِ، في بَحْثِ وُرُودِ لامِ التَّوْكِيدِ في الكَلامِ، وأنَّها لا تَجِيءُ إلّا لِضَرْبٍ مِنَ المُبالَغَةِ، في سِرِّ مَجِيءِ اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] دُونَ قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] ما مِثالُهُ:
أُدْخِلَتِ اللّامُ في آيَةِ المَطْعُومِ، دُونَ آيَةِ المَشْرُوبِ، وإنَّما جاءَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ جَعْلَ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا أسْهَلُ إمْكانًا في العُرْفِ والعادَةِ، والمَوْجُودُ مِنَ الماءِ المِلْحِ، أكْثَرُ مِنَ الماءِ العَذْبِ، وكَثِيرًا ما إذا جَرَتِ المِياهُ العَذْبَةُ عَلى الأراضِي المُتَغَيِّرَةِ التُّرْبَةِ، أحالَتْها إلى المُلُوحَةِ؛ فَلَمْ يَحْتَجْ في جَعْلِ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا إلى زِيادَةِ تَأْكِيدٍ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ لامُ التَّأْكِيدِ المُفِيدَةُ زِيادَةَ التَّحْقِيقِ. وأمّا المَطْعُومُ فَإنَّهُ جَعَلَهُ حُطامًا مِنَ الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ المُعْتادِ، وإذا وقَعَ فَلا يَكُونُ إلّا عَنْ سُخْطٍ مِنَ اللَّهِ شَدِيدٍ؛ فَلِذَلِكَ قُرِنَ بِلامِ التَّأْكِيدِ، زِيادَةً في تَحْقِيقِ أمْرِهِ، وتَقْرِيرِ إيجادِهِ. انْتَهى.
(p-٥٦٥٨)
56:71–74Page 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١
And have you seen the fire that you ignite?
ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢
Is it you who produced its tree, or are We the producer?
نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣
We have made it a reminder1 and provision for the travelers,2
فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤
So exalt the name of your Lord, the Most Great.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧١ - ٧٤] ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]
﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَقْدَحُونَ، أيْ: تَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزَّنْدِ، وهو العُودُ الَّذِي تُقْدَحُ مِنهُ.
﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] أيْ: بَلْ نَحْنُ جَعَلْناها مُودَعَةً في مَوْضِعٍ. ولِلْعَرَبِ شَجَرَتانِ: إحْداهُما المَرْخُ، والأُخْرى العِفارُ، إذا أُخِذَ مِنهُما غُصْنانِ أخْضَرانِ فَحُكَّ أحَدُهُما بِالآخَرِ، تَبايَنَ مِن بَيْنِهِما شَرَرُ النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آخِرِ سُورَةِ يس.
﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: جَعَلْنا نارَ الزِّنادِ تَبْصِرَةً في أمْرِ البَعْثِ؛ لِأنَّ مَن أخْرَجَ النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ المُضادِّ لَها، قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما تَفَرَّقَتْ مَوادُّهُ، أوْ تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ومَتاعًا﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ: مَنفَعَةً ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] أيِ: المُسافِرِينَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ القِواءَ، وهي القَفْرُ. يُقالُ: أقْوى إذا نَزَلَ القِواءَ، كَأصْحَرَ إذا دَخَلَ الصَّحْراءَ، فَإنَّ الإفْعالَ يَكُونُ لِلدُّخُولِ في مَعْنى مَصْدَرِ مُجَرَّدِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: المُقْوِينَ: المُسْتَمْتِعِينَ؛ المُسافِرِ والحاضِرِ.
وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: هُمُ الجائِعُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: أقْوَيْتُ مِنهُ كَذا وكَذا، أيْ: ما أكَلْتُ مِنهُ. وأقْوَتِ الدّارُ: خَلَتْ مِن ساكِنِيها وانْتِفاعِهِمْ بِها؛ لِأنَّهم يَطْبُخُونَ بِها. ولِشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ لَهُ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ مَعَ انْتِفاعِ غَيْرِهِمْ بِها.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أيْ: سَبِّحِ اسْمَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنْ تَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ، إمّا تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ وحْدانِيَّتَهُ، ويَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، (p-٥٦٥٩)وإمّا تَعَجُّبًا مِن أمْرِهِمْ في غَمْطِ آلائِهِ وأيادِيهِ الظّاهِرَةِ، وإمّا شُكْرًا لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الَّتِي عَدَّها ونَبَّهَ عَلَيْها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences