Al-QasimiAl‑Hadid · 57:13–24

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:13–24

57:13Page 539

يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣

On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾

﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ أيْ: نُصِبْ مِنهُ، يُقالُ: اقْتَبَسَ، أيْ: أخَذَ قَبَسًا، وهو الشُّعْلَةُ. و﴿انْظُرُونا﴾ بِمَعْنى انْظُرُوا إلَيْنا، عَلى الحَذْفِ والإيصالِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ، يَتَعَدّى بِ: (إلى)، فَإنْ أُرِيدَ التَّأمُّلُ تَعَدّى بِ: (فِي). وقَوْلُهم ذَلِكَ إمّا حِينَما يُساقُ المُؤْمِنُونَ إلى الجَنَّةِ زُمَرًا، والمُنافِقُونَ في العَرَصاتِ شاخِصُونَ إلَيْهِمْ، أوْ حِينَما يُشْرِفُونَ مِنَ الغُرَفِ عَلى المُنافِقِينَ، وهم في ضَوْضائِهِمْ وجَلَبَتِهِمْ في جَهَنَّمَ، كَقَوْلِهِ تَعالى:

﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] الآيَةَ.

وقِيلَ: ﴿انْظُرُونا﴾ بِمَعْنى انْتَظِرُونا، وهو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ. والمُرادُ حِينَئِذٍ مِنَ الِانْتِظارِ لِلِاقْتِباسِ، هو رَجاءُ شَفاعَتِهِمْ لَهُمْ، أوْ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ مَعَهم طَمَعًا في غَيْرِ مَطْمَعٍ، يَقُولُونَ لَهم ذَلِكَ حِينَما يُسْرَعُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ.

﴿قِيلَ﴾ أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ أوِ المُؤْمِنُونَ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طَرْدٌ لَهُمْ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، أيِ: ارْجِعُوا إلى المَوْقِفِ إلى حَيْثُ أُعْطِينا هَذا النُّورَ (p-٥٦٨٣)فالتَمِسُوهُ هُناكَ، فَمِن ثَمَّ يُقْتَبَسُ، أوِ ارْجِعُوا إلى الدُّنْيا فالتَمِسُوا نُورًا بِتَحْصِيلِ سَبَبِهِ، وهو الإيمانُ. أوِ ارْجِعُوا خائِبِينَ، وتَنَحَّوْا عَنّا فالتَمِسُوا نُورًا آخَرَ، فَلا سَبِيلَ لَكم إلى هَذا النُّورِ وقَدْ عَلِمُوا أنْ لا نُورَ وراءَهُمْ، وإنَّما هو تَخْيِيبٌ وإقْناطٌ لَهم. وكَلامُهُ يَدُلُّ عَلى حَمْلِ النُّورِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، أيِ: ارْجِعُوا إلى الدُّنْيا فالتَمِسُوا إيمانًا وعَمَلًا طَيِّبًا يَهْدِيكم إلى النَّجاةِ، كَما أنَّ النُّورَ يَهْدِي في الظُّلُماتِ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. والأمْرُ لِلتَّخْسِيرِ والتَّنْدِيمِ. وهَذا مَعَ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وجْهٌ رابِعٌ.

ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ: " ارْجِعُوا " مَنعُ المُنافِقِينَ عَنِ الِاسْتِضاءَةِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يُرِيدُ القُرْبَ مِنهُ: وراءَكَ أوْسَعُ لَكَ. قالَ الرّازِيُّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ، المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: " ارْجِعُوا " أنْ يَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى وِجْدانِ هَذا المَطْلُوبِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ لَهم بِالرُّجُوعِ. انْتَهى، وهَذا وجْهٌ خامِسٌ.

ثُمَّ أشارَ إلى امْتِيازِ الفَرِيقَيْنِ في المَنازِلِ وتَبايُنِهِما فِيها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ أيْ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ بِحائِطٍ مَتِينٍ يَحْجِزُهم عَنْ أنْوارِ المُؤْمِنِينَ، لِتَتِمَّ ظُلْمَتُهم ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِذَلِكَ السُّورِ ﴿بابٌ﴾ أيْ: لِأهْلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَ مِنهُ، ويَرى بِهِ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ لِيُكَلِّمُوهم ﴿باطِنُهُ﴾ وهو الجانِبُ الَّذِي يَلِي المُؤْمِنِينَ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ وما فِيها مِن رِضْوانِ اللَّهِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ ﴿وظاهِرُهُ﴾ وهو الَّذِي يَلِي المُنافِقِينَ ﴿مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ أيْ: مِن عِنْدِهِ، ومِن جِهَتِهِ الظُّلْمَةُ والنّارُ.

57:14–15Page 539

يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤

They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤ - ١٥] ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ (p-٥٦٨٤)﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥]

﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ يُرِيدُونَ مُوافَقَتَهم في الظّاهِرِ ﴿قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: مَحَنْتُمُوها بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمُوها ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ أيْ: بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ، لِيَظْهَرَ الكُفْرُ فَتُظْهِرُوا ما في أنْفُسِكم ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: في تَوْحِيدِ اللَّهِ ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ، أوْ في البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] و، ووَعْدِهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ.

﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ أيْ: طُولُ الآمالِ والطَّمَعُ في امْتِدادِ الأعْمارِ، أوْ قَوْلِهِمْ: ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ [الأعراف: ١٦٩]

﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: المَوْتُ، أوْ مِصْداقُ وعْدِهِ بِنُصْرَةِ رَسُولِهِ وإظْهارِ دِينِهِ، أوْ عَذابِ النّارِ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ، فَأطْمَعَكم بِالنَّجاةِ والفَوْزِ والغَلَبَةِ. وقُرِئَ: "الغُرُورُ" بِالضَّمِّ.

﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] هَذا مِن تَتِمَّةِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لِلْمُنافِقِينَ بَعْدَ أنْ مَيَّزَ بَيْنَهُمْ، أيْ: فاليَوْمَ لا يُقْبَلُ مِنكم ما يُفْتَدى بِهِ، بَدَلًا مِن عَذابِكُمْ، وعِوَضًا مِن عِقابِكم ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥] يَعْنِي المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ مِنَ المُحادِّينَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكُمْ﴾ [الحديد: ١٥] أيْ: أوْلى بِكُمْ، أوْ تَتَوَلّاكم كَما تَوَلَّيْتُمْ مُوجِباتِها في الدُّنْيا ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥] أيِ: النّارُ.

ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ رَخاوَةَ عَقْدِهِمْ فِيما نُدِبُوا إلَيْهِ مِنَ التَّصَدُّقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، بِأنَّ ذَلِكَ مِن أثَرِ قِلَّةِ العِنايَةِ بِالخُضُوعِ لِذِكْرِهِ وتَنْزِيلِهِ، تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ، وسَوْقًا لِلْمُؤْمِنِينَ إلى الكَمالِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

(p-٥٦٨٥)

57:16Page 539

۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦

Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَـزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾

﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ أيْ: لَمْ يَحِنْ، مِن: أنى الأمْرُ يَأْنى، إذا جاءَ إناهُ، أيْ: وقْتُهُ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْ تَلِينَ وتَرِقَّ وتُخْلِصَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اسْمِهِ الكَرِيمِ وما يُوجِبُهُ مِنَ الوَجَلِ مِنهُ والخَشْيَةِ، أوْ لِذِكْرِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ ﴿وما نَـزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلى جَبَلٍ لَتَصَدَّعَ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَعْنى الخُشُوعِ لَهُ، الِانْقِيادُ التّامُّ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، والعُكُوفُ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَبَقَ وما لَحِقَ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ قِيلَ: إنَّ عَطْفَهُ عَلى الذِّكْرِ عَطْفُ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ، وأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ كَكَلامِ اللَّهِ، بِمَعْنى القُرْآنِ، وكَذا ما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ، فالعَطْفُ لِتُغايِرِ العُنْوانَيْنِ، فَإنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ، كَما أنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ أيِ: الأجَلُ والإمْهالُ والِاسْتِدْراجُ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: لِزَوالِ الخَشْيَةِ والرَّوْعَةِ الَّتِي كانَتْ تَأْتِيهِمْ مِنَ الكِتابَيْنِ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، نابِذُونَ لِما في كِتابِهِمْ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في الآيَةِ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِالَّذِينِ حُمِّلُوا الكِتابَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَإنَّهم لَمّا تَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، وبَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ الَّذِي بِأيْدِيهِمْ، واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى الآراءِ المُخْتَلِفَةِ، والأقْوالِ المُؤْتَفِكَةِ، وقَلَّدُوا الرِّجالَ في دِينِ اللَّهِ، واتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وصارَ مِن سَجِيَّتِهِمْ تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ؛ ولِهَذا نَهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في شَيْءٍ مِنَ (p-٥٦٨٦)الأُمُورِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ، ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] و، إلى آخِرِها.

57:17Page 539

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧

Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: فَهو مُحْيِيكم بَعْدَ مَماتِكم ومُحاسِبُكُمْ، فَلا مُنْتَدَحَ لَكم عَنِ الجَزاءِ، أيْ: فاحْذَرُوا مَغَبَّةَ القَسْوَةِ والفِسْقِ.

﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الحُجَجَ وضُرُوبَ الأمْثالِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لِتَثُوبُوا إلى عُقُولِكم ومَراشِدِكم.

57:18–19Page 539

إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨

Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩

And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨ - ١٩] ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩]

﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيِ: المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] أيْ: لِتَصْدِيقِهِمْ بِجَمِيعِ أخْبارِ اللَّهِ وأحْكامِهِ، وشَهادَتِهِمْ بِحَقِّيَّةِ جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَدْ جُوِّزَ فِي: "الشُّهَداءُ" وجْهانِ:

(p-٥٦٨٧)أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، أخْبَرَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّهم صِدِّيقُونَ شُهَداءُ، وهو الظّاهِرُ، لِأنَّ الأصْلَ الوَصْلُ لا التَّفْكِيكُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ: " لَهم أجْرُهم "، و"الشُّهَداءُ" حِينَئِذٍ إمّا الأنْبِياءُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى قَوْمِهِمْ بِالتَّبْلِيغِ أوِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلى قَوْمِهِمْ، أوِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. واخْتارَ الوَجْهَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ، قالَ: لِأنَّ الإيمانَ غَيْرُ مُوجِبٍ في المُتَعارَفِ لِلْمُؤْمِنِ اسْمُ شَهِيدٍ، لا بِمَعْنى غَيْرِهِ، إلّا أنْ يُرادَ بِهِ شَهِيدٌ عَلى ما آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وجْهًا، وإنْ كانَ فِيهِ بَعْضُ البُعْدِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالمَعْرُوفِ مِن مَعانِيهِ إذا أُطْلِقَ بِغَيْرِ وصْلٍ، فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] إذَنْ: والشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ أُهْلِكُوا في سَبِيلِهِ، عِنْدَ رَبِّهِمْ، لَهم ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ ونُورُهم. انْتَهى.

ثُمَّ رَأيْتُ لِابْنِ القَيِّمِ في "طَرِيقِ الهِجْرَتَيْنِ" بَسْطًا لِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ في بَحْثِ الصِّدِّيقِيَّةِ، نَنْقُلُهُ لِنَفاسَتِهِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَراتِبِ المُكَلَّفِينَ في الآخِرَةِ وطَبَقاتِهِمْ:

الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ: ورَثَةُ الرُّسُلِ وخُلَفاؤُهم في أُمَمِهِمْ، وهُمُ القائِمُونَ بِما بُعِثُوا بِهِ عِلْمًا وعَمَلًا، ودَعْوَةً لِلْخَلْقِ إلى اللَّهِ عَلى طَرِيقِهِمْ ومِنهاجِهِمْ، وهَذِهِ أفْضَلُ مَراتِبِ الخَلْقِ بَعْدَ الرُّسُلِ والنُّبُوَّةِ، وهي مَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ؛ ولِهَذا قَرَنَهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِ بِالأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى:

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فَجَعَلَ دَرَجَةَ الصِّدِّيقِيَّةِ مَعْطُوفَةً عَلى دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الرَّبّانِيُّونَ، وهُمُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وهُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ؛ فَهم خُلَفاؤُهُ وأوْلِياؤُهُ وحِزْبُهُ وخاصَّتُهُ وحَمَلَةُ دِينِهِ، وهُمُ المَضْمُونُ لَهم أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى (p-٥٦٨٨)الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهُمْ، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وهم عَلى ذَلِكَ.

وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] قِيلَ: إنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] فَيَكُونُ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ، أخْبَرَ في إحْداهُما عَنِ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم هُمُ الصِّدِّيقُونَ، والإيمانُ التّامُّ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ والعَمَلَ، والدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ بِالتَّعْلِيمِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ. وأخْبَرَ في الثّانِيَةِ أنَّ الشُّهَداءَ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ، ومَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِينَ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الشُّهَداءِ ولِهَذا قَدَّمَهم عَلَيْهِمْ في الآيَتَيْنِ، هُنا وفي سُورَةِ النِّساءِ، وهَكَذا جاءَ ذِكْرُهم مُقَدَّمًا عَلى الشُّهَداءِ في كَلامِ النَّبِيِّ في قَوْلِهِ: ««اثْبُتْ أُحُدُ فَإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدٌ»» . ولِهَذا كانَ نَعْتُ الصِّدِّيقِيَّةِ وصْفًا لِأفْضَلِ الخَلْقِ بَعْدَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ولَوْ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ دَرَجَةٌ أفْضَلَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ لَكانَتْ نَعْتًا لَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، أخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وعَلى هَذا فالشُّهَداءُ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَشْهِدُهُمُ اللَّهُ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهي قَوْلُهُ:

﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَوَصَفَهم بِأنَّهم صِدِّيقُونَ في الدُّنْيا، وشُهَداءُ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَكُونُ الشُّهَداءُ وصْفًا لِجُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ الصِّدِّيقِينَ.

وقِيلَ: الشُّهَداءُ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ:

﴿والشُّهَداءُ﴾ [الحديد: ١٩] مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٍ شَهِيدًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ويُرَجِّحُهُ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ "الشُّهَداءُ" داخِلًا في جُمْلَةِ الخَبَرِ، لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] داخِلًا أيْضًا في جُمْلَةِ الخَبَرِ عَنْهُمْ، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِثَلاثَةِ أشْياءَ:

(p-٥٦٨٩)أحَدُها: أنَّهم هُمُ الصِّدِّيقُونَ.

والثّانِي: أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ.

والثّالِثُ: أنَّ لَهم أجْرَهم ونُورَهم.

وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ عَطْفَ الخَبَرِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، ثُمَّ ذِكْرَ الخَبَرِ الثّالِثِ مُجَرَّدًا عَنِ العَطْفِ، وهَذا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ وعالِمٌ لَهُ مالٌ. والأحْسَنُ في هَذا تَناسُبُ الأخْبارِ، بِأنْ تُجَرِّدَها كُلَّها مِنَ العَطْفِ أوْ تَعْطِفَها جَمِيعًا، فَتَقُولَ: زَيْدٌ كَرِيمٌ عالِمٌ لَهُ مالٌ، أوْ كَرِيمٌ وعالِمٌ ولَهُ مالٌ، فَتَأمَّلْهُ! ويُرَجِّحُهُ أيْضًا أنَّ الكَلامَ يَصِيرُ جُمَلًا مُسْتَقِلَّةً قَدْ ذُكِرَ فِيها أصْنافُ خَلْقِهِ السُّعَداءِ، وهُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ والصّالِحُونَ، وهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ، وهُمُ المُتَصَدِّقُونَ الَّذِينَ أقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا؛ فَهَؤُلاءِ ثَلاثَةُ أصْنافٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّسُلَ في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥] فَيَتَناوَلُ ذَلِكَ الأصْنافَ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في سُورَةِ النِّساءِ فَهَؤُلاءِ هُمُ السُّعَداءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الأشْقِياءَ وهم نَوْعانِ: كُفّارٌ ومُنافِقُونَ، فَقالَ:

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا﴾ [الحديد: ١٩] الآيَةَ. وذَكَرَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ [الحديد: ١٣] الآيَةَ. فَهَؤُلاءِ أصْنافُ العالَمِ كُلُّهم. وتَرَكَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ المُخَلَّطِ صاحِبِ الشّائِبَتَيْنِ، عَلى طَرِيقِ القُرْآنِ في ذِكْرِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، دُونَ المُخَلَّطِينَ غالِبًا، لِسِرٍّ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ؛ فَلْيَحْذَرْ صاحِبُ التَّخْلِيطِ؛ فَإنَّهُ لا ضَمانَ لَهُ عَلى اللَّهِ، فَلا هو مِن أهْلِ وعْدِهِ المُطْلَقِ، ولا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ قُطِعَ لَهم بِالعَذابِ، ولَكِنَّهُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ واقِفٌ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، كُلٌّ مِنهُما يَدْعُوهُ إلى مُوجِبِهِ لِأنَّهُ أتى بِسَبَبِهِ، وهَذا هو الَّذِي لَحِظَهُ القائِلُونَ بِالمَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، ولَكِنْ غَلِطُوا في تَخْلِيدِهِ في النّارِ، ولَوْ نَزَّلُوهُ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، ووَكَلُوهُ إلى المَشِيئَةِ لَأصابُوا. انْتَهى كَلامُ ابْنِ القِيِّمِ، وفِيهِ مُوافَقَةٌ لِما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ في الآيَةِ.

(p-٥٦٩٠)ولَمّا ذَكَرَ تَعالى السُّعَداءُ ومَآلَهُمْ، عَطَفَ بِذِكْرِ الأشْقِياءِ، وبَيَّنَ حالَهم بِقَوْلِهِ:

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩] ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى أمْرَ الدُّنْيا، وبَيَّنَ حاصِلَ أمْرِها عِنْدَ أهْلِها، بِقَوْلِهِ:

57:20Page 540

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠

Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠] ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾

﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ﴾ أيْ: تَفْرِيحٌ لِلنَّفْسِ ﴿ولَهْوٌ﴾ أيْ: باطِلٌ ﴿وزِينَةٌ﴾ أيْ: مَنظَرٌ حَسَنٌ ﴿وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: في الحَسَبِ والنَّسَبِ ﴿وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ أيْ: مَطَرٍ ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ﴾ أيِ: الزُّرّاعَ ﴿نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ: يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضْرَتِهِ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: مِنَ اليُبْسِ ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ أيْ: هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا، وكَذَلِكَ الدُّنْيا لا تَبْقى كَما لا يَبْقى النَّباتُ ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أيْ: لِمَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ ومَنَعَ حَقَّ اللَّهِ ﴿ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ لِمَن أطاعَ اللَّهَ، وأدّى حَقَّ اللَّهِ مِن مالِهِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: يَأْخُذُ صاحِبُها مَلاعِبَ الدُّنْيا بَدَلَ مَلاعِبِ الحُورِ العِينِ، ولَهْوَها بِمَلاذِّ الجَنَّةِ، وزِينَتَها بِزِينَةِ الجَنَّةِ، والتَّفاخُرَ بَدَلَ التَّفاخُرِ بِجِوارِ اللَّهِ والقُرْبِ، والتَّكاثُرَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ بَدَلَ نِعَمِ اللَّهِ والوِلْدانِ المُخَلَّدِينَ في الجَنَّةِ.

ولَمّا حَقَّرَ الحَياةَ الحِسِّيَّةَ النَّفْسِيَّةَ الفانِيَةَ، وصَوَّرَها في صُورَةِ الخَضْراءِ السَّرِيعَةِ الِانْقِضاءِ، دَعاهم إلى الحَياةِ الباقِيَةِ، فَقالَ تَعالى:

(p-٥٦٩١)

57:21Page 540

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١

Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١] ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: بادِرُوا بِالتَّوْبَةِ مِن ذُنُوبِكم إلى نَيْلِ مَغْفِرَةٍ وتَجاوُزٍ عَنْ خَطِيئاتِكم مِن رَبِّكم ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيِ: الإيمانَ اليَقِينِيَّ.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَغْفِرَةُ والجَنَّةُ ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِمَّنْ كانَ أهْلًا لَهُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: بِما بَسَطَ لِخَلْقِهِ مِنَ الرِّزْقِ في الدُّنْيا، ووَهَبَ لَهم مِنَ النِّعَمِ، وعَرَّفَهم مَوْضِعَ الشُّكْرِ، ثُمَّ جَزاهم في الآخِرَةِ عَلى الطّاعَةِ، ما وصَفَ أنَّهُ أعَدَّهُ لَهم.

57:22–24Page 540

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢

No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -

لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣

In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤

[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢ - ٢٤] ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]

﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: مِن قَحْطٍ وجَدْبٍ ووَباءٍ وغَلاءٍ ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ (p-٥٦٩٢)أيْ: مِن خَوْفٍ ومَرَضٍ ومَوْتِ أهْلٍ ووَلَدٍ، وذَهابِ مالٍ ﴿إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ: إلّا في عِلْمٍ أزَلِيٍّ مِن قَبْلِ خَلْقِ المُصِيبَةِ أوِ الأنْفُسِ. وما عَلِمَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا بُدَّ مِن حُصُولِهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: حِفْظَهُ وتَقْدِيرَهُ عَلى الأنْفُسِ المَبْرُوءَةِ ما قَدَّرَ، ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لِسِعَةِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ.

﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: تَحْزَنُوا ﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مِن عافِيَةٍ ورِزْقٍ ونَحْوِهِما ﴿ولا تَفْرَحُوا﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: تَبْطُرُوا ﴿بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مِن نِعَمِ الدُّنْيا. والمَعْنى: أعْلَمْناكم بِأنّا قَدْ فَرَغْنا مِنَ التَّقْدِيرِ، فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ، فَلا الحُزْنُ يَدْفَعُهُ، ولا السُّرُورُ يَجْلِبُهُ ويَجْمَعُهُ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لِتَعْلَمُوا عِلْمًا يَقِينِيًّا أنْ لَيْسَ لِكَسْبِكم وحِفْظِكم وحَذَرِكم وحِراسَتِكم فِيما آتاكُمْ، مَدْخَلٌ وتَأْثِيرٌ، ولا لِعَجْزِكم وإهْمالِكم وغَفْلَتِكم وقِلَّةِ حِيلَتِكم وعَدَمِ احْتِرازِكم واحْتِفاظِكم فِيما فاتَكم مَدْخَلٌ؛ فَلا تَحْزَنُوا عَلى فَواتِ خَيْرٍ، ونُزُولِ شَرٍّ، ولا تَفْرَحُوا بِوُصُولِ خَيْرٍ وزَوالِ شَرٍّ؛ إذْ كُلُّها مُقَدَّرَةٌ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: مُتَبَخْتِرٍ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ بِما آتاهُ ﴿فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] أيْ: بِهِ عَلى النّاسِ لِعَدَمِ يَقِينِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ بِحُبِّ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِالظُّلُماتِ عَنِ النُّورِ.

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ المالِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: لِاسْتِيلاءِ الرَّذِيلَةِ عَلَيْهِمْ، والمَوْصُولُ إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم وعِيدٌ شَدِيدٌ، أوْ خَبَرٌ ومُبْتَدَؤُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ بَدَلٌ مِن (كُلٍّ).

﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وما أُمِرَ بِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: عَنْهُ، لِاسْتِغْنائِهِ بِذاتِهِ ﴿الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] أيْ: لِاسْتِقْلالِهِ بِكَمالِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ بِالإنْفاقِ لِمَصْلَحَةِ المُنْفِقِ، لا لِما يَعُودُ عَلَيْهِ تَعالى، فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ.

(p-٥٦٩٣)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском