Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:12–24
59:12Page 547
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ أيْ: مُنْهَزِمِينَ، ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: بِنَوْعٍ ما مِن أنْواعِ النَّصْرِ. والضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ.
59:13Page 547
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾
﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: (p-٥٧٤٧)هم يَرْهَبُونَكم أشَدَّ مِن رَهْبَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، لِاحْتِجابِهِمْ بِالخَلْقِ عَنِ الحَقِّ، بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ، وعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ؛ إذْ لَوْ عَرَفُوا لَشَعَرُوا بِعَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، ولَمْ يَسْتَخِفُّوا بِمَعاصِيهِ، ويَسْتَخِفُّوا بِأوامِرِهِ، والضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ.
59:14Page 547
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾
﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيِ: اليَهُودُ وإخْوانُهم ﴿جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ أيْ: بِالحُصُونِ، فَلا يَبْرُزُونَ إلى البِرازِ ﴿أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ أيْ: مِن خَلْفِ حِيطانٍ، لِفَرْطِ رَهْبَتِهِمْ مِنكم. ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ البَأْسَ الشَّدِيدَ الَّذِي يُوصَفُونَ بِهِ إنَّما هو بَيْنَهم إذا اقْتَتَلُوا، ولَوْ قاتَلُوكم لَمْ يَبْقَ لَهم ذَلِكَ البَأْسُ والشِّدَّةُ؛ لِأنَّ الشُّجاعَ يَجْبُنُ، والعَزِيزَ يَذِلُّ، عِنْدَ مُحارَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. انْتَهى.
﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ أيْ: تَظُنُّهم مُجْتَمِعِينَ لِاتِّفاقِهِمْ في الظّاهِرِ، والحالُ أنَّ قُلُوبَهم مُتَفَرِّقَةٌ، لِاخْتِلافِ مَقاصِدِها، وتَجاذُبِ دَواعِيها، وتَفَرُّقِها عَنِ الحَقِّ بِالباطِلِ.
﴿ذَلِكَ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيِ: الِاجْتِماعُ في الظّاهِرِ، مَعَ افْتِراقِ البَواطِنِ، ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أنَّهُ يُوجِبُ جُبْنَهُمُ المُفْضِيَ إلى الهَلاكِ الكُلِّيِّ. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ تَشْجِيعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُنازَلَتِهِمْ، والحَمْلِ عَلَيْهِمْ، وتَبْشِيرٌ لَهم بِأنَّهُمُ المَنصُورُونَ الغالِبُونَ.
59:15Page 547
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥
[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥] ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: (p-٥٧٤٨)مِثْلَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ مِن بَنِي النَّضِيرِ، فِيما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ، كَمِثْلِ مَن نالَهم جَزاءَ بَغْيِهِمْ مِن قَبْلِهِمْ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ في وقْعَةِ بَدْرٍ، أوْ بَنُو قَيْنُقاعَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والثّانِي أشْبَهُ بِالصَّوابِ، فَإنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أجْلاهم قَبْلَ هَذا. انْتَهى.
قالَ قَتادَةُ: إنَّ بَنِي قَيْنُقاعَ كانُوا أوَّلَ يَهُودٍ نَقَضُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحارَبُوا فِيما بَيْنَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، وكانَ مِن أمْرِهِمْ أنَّ امْرَأةً مِنَ العَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلَبٍ لَها فَباعَتْهُ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ، وجَلَسَتْ إلى صائِغٍ بِها، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَها عَنْ كَشْفِ وجْهِها، فَأبَتْ. فَعَمَدَ الصّائِغُ إلى طَرَفِ ثَوْبِها فَعَقَدَهُ إلى ظَهْرِها، فَلَمّا قامَتِ انْكَشَفَتْ سَوْأتُها، فَضَحِكُوا بِها، فَصاحَتْ فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى الصّائِغِ فَقَتَلَهُ، وكانَ يَهُودِيًّا، فَشَدَّتِ اليَهُودُ عَلى المُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فاسْتَصْرَخَ أهْلُ المُسْلِمِ المُسْلِمِينَ عَلى اليَهُودِ، فَغَضِبَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي قَيْنُقاعَ «فَحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ، فَأمَرَهم أنْ يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، ولا يُجاوِرُوهُ بِها»، فَخَرَجُوا إلى الشّامِ. والتَّفْصِيلُ في السِّيَرِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأوْلى الأقْوالِ بِالصَّوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَثَّلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن أهْلِ الكِتابِ، مِمّا هو مُذِيقُهم مِن نَكالِهِ، بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ مِن مُكَذِّبِي رَسُولِهِ ﷺ الَّذِينَ أهْلَكَهم بِسُخْطِهِ، وأمْرُ بَنِي قَيْنُقاعَ، ووَقْعَةُ بَدْرٍ، كانا قَبْلَ جَلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وكُلُّ أُولَئِكَ قَدْ ذاقُوا وبالَ أمْرِهِ، ولَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنهم بَعْضًا في تَمْثِيلِ هَؤُلاءِ بِهِمْ دُونَ بَعْضٍ. وكُلٌّ ذائِقٌ وبالَ أمْرِهِ، فَمَن قَرُبَتْ مُدَّتُهُ مِنهم قَبْلَهُمْ، فَهم مُمَثَّلُونَ بِهِمْ فِيها عُنُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ. انْتَهى.
(p-٥٧٤٩)
59:16–17Page 547
كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."
فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧
So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٧] ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٧]
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: مِثْلَ المُنافِقِينَ في إغْراءِ بَنِي النَّضِيرِ عَلى القِتالِ، ووَعْدِهِمُ النَّجْدَةَ أوِ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، ومِثْلَ انْخِداعِ بَنِي النَّضِيرِ بِوَعْدِ أُولَئِكَ الكاذِبِ، كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴿إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ﴾ أيْ: إذْ غَرَّ إنْسانًا ووَعَدَهُ عَلى اتِّباعِهِ وكُفْرِهِ بِاللَّهِ النُّصْرَةَ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ ﴿فَلَمّا كَفَرَ﴾ أيْ: بِاللَّهِ، واتَّبَعَهُ وأطاعَهُ ﴿قالَ﴾ أيْ: مَخافَةَ أنْ يُشْرِكَهُ في عَذابِهِ، مُسَلِّمًا لَهُ وخاذِلًا ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ أيْ: فَلا أُعِينُكَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: في نُصْرَتِكَ فَلَمْ يَنْفَعْهُ التَّبَرُّؤُ، كَما لَمْ يَنْفَعِ الأوَّلَ وعْدُهُ الإعانَةَ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٧] أيْ: في حَقِّ اللَّهِ تَعالى وحَقِّ العِبادِ. أيْ: وهَكَذا جَزاءُ اليَهُودِ مِن بَنِي النَّضِيرِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ وعَدُوهُمُ النُّصْرَةَ. وكُلٌّ كافِرٌ بِاللَّهِ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ عَلى كُفْرِهِ بِهِ. إنَّهم في النّارِ مُخَلَّدُونَ.
59:18Page 548
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨
O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: يَعْنِي أنَّ مُقْتَضى إيمانِكم أنْ لا تَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ، فاتَّقُوهُ أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطانَ لِيُغْوِيَكم بِالكُفْرِ، ثُمَّ يَتَبَرَّأ مِنكم.
﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أيْ: لِما بَعْدَ المَوْتِ مِنَ الصّالِحاتِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم بِحَسَبِها.
(p-٥٧٥٠)
59:19Page 548
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩
And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لا تَكُونُوا كالَّذِينِ تَرَكُوا أداءَ حَقِّ اللَّهِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَأنْساهم حُظُوظَ أنْفُسِهِمْ مِنَ الخَيْراتِ.
وقالَ القاشانِيُّ:
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِالِاحْتِجابِ بِالشَّهَواتِ الجُسْمانِيَّةِ، والِاشْتِغالِ بِاللَّذّاتِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ حَتّى حَسِبُوها البَدَنَ وتَرْكِيبَهُ ومِزاجَهُ، فَذُهِلُوا عَنِ الجَوْهَرَةِ القُدْسِيَّةِ، والفِطْرِيَّةِ النُّورِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في "دارِ السَّعادَةِ": تَأمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ تَجِدْ تَحْتَها مَعْنًى شَرِيفًا عَظِيمًا، وهو أنْ مَن نَسِيَ رَبَّهُ، أنْساهُ ذاتَهُ ونَفْسَهُ، فَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ ولا مَصالِحَهُ، بَلْ نَسِيَ ما بِهِ صَلاحُهُ وفَلاحُهُ، في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، فَصارَ مُعَطَّلًا ومُهْمَلًا، بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ السّائِبَةِ، بَلْ ورُبَّما كانَتِ الأنْعامُ أخْبَرَ بِمَصالِحِها مِنهُ، لِبَقائِها عَلى هُداها الَّذِي أعْطاها إيّاهُ خالِقُها، وأمّا هَذا فَخَرَجَ عَنْ فِطْرَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، فَنَسِيَ رَبَّهُ، فَأنْساهُ نَفْسَهُ وصِفاتِها، وما تَكْتَمِلُ بِهِ، وتَزْكُو بِهِ، وتَسْعَدُ بِهِ في مَعاشِها ومَعادِها، قالَ تَعالى:
﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] فَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، فانْفَرَطَ عَلَيْهِ أمْرُهُ وقَلْبُهُ، فَلا التِفاتَ لَهُ إلى مَصالِحِهِ وكَمالِهِ، وما تَزْكُو بِهِ نَفْسُهُ وقَلْبُهُ، بَلْ هو مُشَتَّتُ القَلْبِ مُضَيَّعُهُ، مُفْرَطُ الأمْرِ، حَيْرانُ لا يَهْتَدِي سَبِيلًا، فالعِلْمُ بِاللَّهِ أصْلُ كُلِّ عِلْمٍ، وهو أصْلُ عِلْمِ العَبْدِ بِسَعادَتِهِ وكَمالِهِ، ومَصالِحِ دُنْياهُ وآخِرَتِهِ. والجَهْلُ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ بِنَفْسِهِ ومَصالِحِها وكَمالِها، وما تَزْكُو بِهِ وتَفْلَحُ بِهِ؛ فالعِلْمُ بِهِ سَعادَةُ العَبْدِ، والجَهْلُ بِهِ أصْلُ شَقاوَتِهِ. انْتَهى.
(p-٥٧٥١)﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ خَرَجُوا عَنِ الدِّينِ القَيِّمِ الَّذِي هو فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، وخانُوا وغَدَرُوا، ونَبَذُوا عَهْدَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ فَخَسِرُوا.
59:20Page 548
لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾
﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ﴾ وهُمُ النّاسُونَ الغادِرُونَ ﴿وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ المُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ.
﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ أيْ: بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَدَلَّ أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالكافِرِ. انْتَهى
ورَدَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ أحَدُ أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ، وهو بُرْهانُ الدِّينِ في "تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ" بِما مِثالُهُ:
احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ في مَسْألَةِ قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُسَوِّ بَيْنَهُما، وإيجابُ القِصاصِ لَيْسَ بِتَسْوِيَةٍ؛ لِأنَّهُ ما مِن مُتَبايِنَيْنِ في وُجُوهٍ، إلّا وقَدِ اسْتَوَيا في وجْهٍ أوْ وُجُوهٍ؛ فَلا يَكُونُ إيجابُ القَوَدِ اسْتِواءً كَما لا يَكُونُ إيجابُ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ اسْتِواءً. فَهَذا الكَلامُ مِن ضَعْفِ نَظَرِهِ في مَوْرِدِ الِانْتِزاعِ مِن شَواهِدِ الفُرْقانِ. انْتَهى
الثّانِي: قالَ أبُو السُّعُودِ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ أصْحابِ النّارِ في الذِّكْرِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ، مِن جِهَتِهِمْ، لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ؛ فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًا، وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسْبِ زِيادَةِ الزّائِدِ، لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسْبِ نُقْصانِ النّاقِصِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
(p-٥٧٥٢)﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواقِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى:
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ فِيهِ؛ لِأنَّ صِلَتَهُ مَلَكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ والأعْدامُ مَسْبُوقَةٌ بِمَلَكاتِها. انْتَهى
59:21Page 548
لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ﴾ أيِ: الجامِعَ لِلْمَواعِظِ، المُوجِبَ لِلنَّظَرِ والتَّقْوى بِكُلِّ حالٍ، ﴿عَلى جَبَلٍ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: بِتَفْهِيمِهِ لَهُ، وتَكْلِيفِهِ بِما فِيهِ، بَعْدَ إعْطاءِ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ، ﴿لَرَأيْتَهُ خاشِعًا﴾ أيْ: مُتَذَلِّلًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ أيْ: مُتَشَقِّقًا ﴿مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: مَعَ عِظَمِ مِقْدارِهِ، وغايَةِ صَلابَتِهِ، وتَناهِي قَساوَتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: قُلُوبُهم أقْسى مِنَ الحَجَرِ في عَدَمِ التَّأثُّرِ والقَبُولِ؛ إذِ الكَلامُ الإلَهِيُّ بَلَغَ مِنَ التَّأْثِيرِ ما لا إمْكانَ لِلزِّيادَةِ وراءَهُ، حَتّى لَوْ فُرِضَ إنْزالُهُ عَلى جَبَلٍ لَتَأثَّرَ مِنهُ بِالخُشُوعِ والِانْصِداعِ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيْ: وتِلْكَ الأُمُورُ، وإنْ كانَتْ وهْمِيَّةً، مَفْرُوضَةً، فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِها وضَرْبِها لِلنّاسِ الَّذِينَ نَسُوا صِغَرَ مِقْدارِهِمْ فَتَكَبَّرُوا، ولَيَّنَهم فَقَسَتْ قُلُوبُهم ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِيَعْلَمُوا أنَّهُ أوْلى بِذَلِكَ الخُشُوعِ والتَّصَدُّعِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ تَمْثِيلٌ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ:
﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ والغَرَضُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ، وقِلَّةِ تَخَشُّعِهِ، عِنْدَ تَدَبُّرِ القُرْآنِ، وتَدَبُّرِ قَوارِعِهِ وزَواجِرِهِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ كَيْفَ يُتْرَكُ الخُشُوعُ لِذاتِ اللَّهِ وأسْمائِهِ، مَعَ أنَّهُ:
(p-٥٧٥٣)
59:22–24Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢
He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣
He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٤
He is Allāh, the Creator,1 the Producer,2 the Fashioner;3 to Him belong the best names.4 Whatever is in the heavens and earth is exalting Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢ - ٢٤] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيِ: المَعْبُودُ الَّذِي لا تَنْبَغِي العِبادَةُ والأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ الحِسِّ وشُوهِدَ ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ العامَّةِ والخاصَّةِ. ومَن كانَ مُطَّلِعًا عَلى الأسْرارِ يُحِبُّ أنْ يَخْشَعَ لَهُ ويَخْشى مِنهُ، لاسِيَّما مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُنْعِمًا؛ إذْ حَقُّ المُنْعِمِ أنْ يُخْشَعَ لَهُ، ويُخْشى أنْ تُسْلَبَ نِعَمُهُ.
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الغَنِيُّ المُطْلَقُ، الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، المُدَبِّرُ لِلْكُلِّ في تَرْتِيبِ نِظامٍ لا أكْمَلَ مِنهُ ﴿القُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: المُنَزَّهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، تَنَزُّهًا بَلِيغًا ﴿السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي يَسْلَمُ خَلْقُهُ مِن ظُلْمِهِ أوِ المُبَرَّأُ عَنِ النَّقائِصِ كالعَجْزِ ﴿المُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيْ: لِأهْلِ اليَقِينِ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ، ومِن فَزَعِ الآخِرَةِ ﴿المُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الرَّقِيبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِاطِّلاعِهِ واسْتِيلائِهِ وحِفْظِهِ ﴿العَزِيزُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: القَوِيُّ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ ﴿الجَبّارُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي تَنْفُذُ مَشِيئَتُهُ عَلى سَبِيلِ الإجْبارِ في كُلِّ أحَدٍ، ولا تَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَةُ أحَدٍ، والَّذِي لا يَخْرُجُ أحَدٌ عَنْ قَبْضَتِهِ، قالَهُ الغَزالِيُّ في "المَقْصِدِ الأسْنى".
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "الكافِيَةِ الشّافِيَةِ":
؎وكَذَلِكَ الجَبّارُ مِن أوْصافِهِ والجَبْرُ في أوْصافِهِ قِسْمانِ(p-٥٧٥٤)
؎جَبْرُ الضَّعِيفِ وكُلِّ قَلْبٍ قَدْ غَدا ∗∗∗ ذا كَسْرَةٍ فالجَبْرُ مِنهُ دانِي
؎والثّانِ جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذِي ∗∗∗ لا يَنْبَغِي لِسِواهُ مِن إنْسانِ
؎ولَهُ مُسَمًّى ثالِثٌ وهو العُلُ ∗∗∗ وُّ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنهُ مِن إنْسانِ
؎مِن قَوْلِهِمْ جَبّارَةٌ لِلنَّخْلَةِ ال ∗∗∗ عُلْيا الَّتِي فاتَتْ بِكُلِّ بَنانِ
﴿المُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] أيِ: الَّذِي يَرى الكُلَّ حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلى ذاتِهِ، ولا يَرى العَظَمَةَ والكِبْرِياءَ إلّا لِنَفْسِهِ، فَيَنْظُرُ إلى غَيْرِهِ نَظَرَ المُلُوكِ إلى العَبِيدِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] أيْ: مِنَ الأوْثانِ والشُّفَعاءِ.
﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: المُقَدِّرُ لِلْأشْياءِ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ ﴿البارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: المُوجِدُ لَها بَعْدَ العَدَمِ ﴿المُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: الكائِناتِ كَما شاءَ.
﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤] أيِ: الدّالَّةُ عَلى مَحاسِنِ المَعانِي، وأحاسِنِ المَمادِحِ.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤] أيْ: في تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ. وصَرْفِهِمْ فِيما فِيهِ صَلاحُهم وسَعادَتُهم.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ السَّيِّدُ ابْنُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ": مَقامُ مَعْرِفَةِ كَمالِ الرَّبِّ الكَرِيمِ، وما يَجِبُ لَهُ مِن نُعُوتِهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى، مِن تَمامِ التَّوْحِيدِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ؛ لِأنَّ كَمالَ الذّاتِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، ونُعُوتِها الشَّرِيفَةِ، ولا كَمالَ لِذاتٍ لا نَعْتَ لَها ولا اسْمَ، ولِذَلِكَ عُدَّ مَذْهَبُ المَلاحِدَةِ في مَدْحِ الرَّبِّ بِنَفْيِها، مِن أعْظَمِ مَكايِدِهِمْ لِلْإسْلامِ، فَإنَّهم عَكَسُوا المَعْلُومَ عَقْلًا وسَمْعًا فَذَمُّوا الأمْرَ المَحْمُودَ، ومَدَحُوا الأمْرَ المَذْمُومَ، القائِمَ مَقامَ النَّفْيِ، والجَحْدِ المَحْضِ، وضادُّوا كِتابَ اللَّهِ ونُصُوصَهُ السّاطِعَةَ، قالَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ:
﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] فَما كانَ مِنها مَنصُوصًا في كِتابِ اللَّهِ (p-٥٧٥٥)وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى الجَمِيعِ، والإنْكارُ عَلى مَن جَحَدَهُ، أوْ زَعَمَ أنَّ ظاهِرَهُ اسْمُ ذَمٍّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وما كانَ في الحَدِيثِ وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى مَن عَرَفَ صِحَّتَهُ. وما نَزَلَ عَنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، أوْ كانَ مُخْتَلِفًا في صِحَّتِهِ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُهُ، فَإنَّ اللَّهَ أجَلُّ مِن أنْ يُسَمّى باسِمٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ أنَّهُ تَسَمّى بِهِ.
ثُمَّ قالَ: وعادَةُ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ أنْ يُورِدُوا جَمِيعَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ في تَعْدادِها، مَعَ الِاخْتِلافِ الشَّهِيرِ في صِحَّتِهِ. وحَسْبُكَ أنَّ البُخارِيَّ ومُسْلِمًا تَرَكا تَخْرِيجَهُ مَعَ رِوايَةِ أوَّلِهِ. واتِّفاقِهِما عَلى ذَلِكَ يُشْعِرُ بِقُوَّةِ العِلَّةِ فِيهِ. ولَكِنَّ الأكْثَرِينَ اعْتَمَدُوا ذَلِكَ تَعَرُّضًا لِفَضْلِ اللَّهِ العَظِيمِ في وعْدِهِ مَن أحْصاها بِالجَنَّةِ، كَما اتُّفِقَ عَلى صِحَّتِهِ. ولَيْسَ يُسْتَيْقَنُ إحْصاؤُها بِذَلِكَ إلّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ اسْمٌ غَيْرُ تِلْكَ الأسْماءِ، فَأمّا إذا كانَتْ أسْماؤُهُ سُبْحانَهُ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى، بَطَلَ اليَقِينُ بِذَلِكَ، وكانَ الأحْسَنُ الِاقْتِصارَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ، وما اتُّفِقَ عَلى صِحَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو النّادِرُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى أكْثَرُ مِن ذَلِكَ المَرْوِيِّ بِالضَّرُورَةِ والنَّصِّ.
ثُمَّ أطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ وأطابَ. فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ النَّهِمُ بِالتَّحْقِيقاتِ.
الثّانِي: قالَ الغَزالِيُّ في "المَقْصِدِ الأسْنى" - وهو مِن أنْفَسِ ما أُلِّفَ في مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى-: هَلِ الصِّفاتُ والأسامِي المُطْلَقَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى تَقِفُ عَلى التَّوْقِيفِ، أوْ تَجُوزُ بِطَرِيقِ العَقْلِ؟ والَّذِي مالَ إلَيْهِ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، إلّا ما مَنَعَ مِنهُ الشَّرْعُ، أوْ أشْعَرَ بِما يَسْتَحِيلُ مَعْناهُ عَلى اللَّهِ تَعالى. فَأمّا ما لا مانِعَ فِيهِ فَإنَّهُ جائِزٌ. والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ- أنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى التَّوْقِيفِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا إذا أذِنَ فِيهِ.
والمُخْتارُ عِنْدَنا أنْ نُفَصِّلَ ونَقُولَ: كُلُّ ما يَرْجِعُ إلى الِاسْمِ، فَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى الإذْنِ، وما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِ، فَذَلِكَ لا يَقِفُ عَلى الإذْنِ، بَلِ الصّادِقُ مِنهُ مُباحٌ دُونَ الكاذِبِ. ثُمَّ جَوَّدَ رَحِمَهُ اللَّهُ البَيانَ بِما لا غايَةَ بَعْدَهُ.
(p-٥٧٥٦)الثّالِثُ: قالَ السَّيِّدُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ": قَدْ تَكَلَّمَ عَلى مَعانِيها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّفْسِيرِ، وأكْثَرُها واضِحٌ. والعِصْمَةُ فِيها عَدَمُ التَّشْبِيهِ، واعْتِقادُ أنَّ المُرادَ بِها أكْمَلُ مَعانِيها، الكَمالُ الَّذِي لا يُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ: ولا بُدَّ مِنَ الإشارَةِ هُنا إلى أمْرٍ جُمَلِيٍّ، وهو أصْلٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ تَفْسِيرُ الحُسْنى جُمْلَةً: فاعْلَمْ أنَّها جَمْعُ الأحْسَنِ لا جَمْعُ الحَسَنِ، وتَحْتَ هَذا سِرٌّ نَفِيسٌ: وذَلِكَ أنَّ الحَسَنَ مِن صِفاتِ الألْفاظِ، ومِن صِفاتِ المَعانِي، فَكُلُّ لَفْظٍ لَهُ مَعْنَيانِ: حَسَنٌ وأحْسَنُ، فالمُرادُ الأحْسَنُ مِنهُما حَتّى يَصِحَّ جَمْعُهُ حُسْنى، ولا يُفَسَّرَ بِالحُسْنِ مِنهُما إلّا الأحْسَنُ بِهَذا الوَجْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ مِثالِ ذَلِكَ فانْظُرْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences