Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الحشر
Al-Hashr
The Exile · Medinan · 24 ayahs
59:1–2Page 545
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢
It is He who expelled the ones who disbelieved among the People of the Scripture1 from their homes at the first gathering.2 You did not think they would leave, and they thought that their fortresses would protect them from Allāh; but [the decree of] Allāh came upon them from where they had not expected, and He cast terror into their hearts [so] they destroyed their houses by their [own] hands and the hands of the believers. So take warning, O people of vision.
(p-٥٧٣٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحَشْرِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَةِ إخْراجِ اليَهُودِ عِنْدَهُ، عَلى لُطْفِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ بِرَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ، وقَهْرِهِ وغَضَبِهِ عَلى أعْدائِهِمْ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ.
وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ الحَشْرِ؟
قالَ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ.
وعَنْهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ الحَشْرِ؟ قالَ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ. وهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ. وهي مَدَنِيَّةٌ. وآيُها أرْبَعٌ وعِشْرُونَ، بِلا خِلافٍ.
(p-٥٧٣٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَأْوِيلِ نَظِيرِهِ، ثُمَّ أشارَ إلى بَيانِ بَعْضِ آثارِ عِزَّتِهِ تَعالى، وإحْكامِ حِكْمَتِهِ، إثْرَ وصْفِهِ بِالعِزَّةِ القاهِرَةِ، والحِكْمَةِ الباهِرَةِ عَلى الإطْلاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ٢] يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: مِن مَساكِنِهِمُ الَّتِي جاوَرُوا بِها المُسْلِمِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ، لُطْفًا بِهِمْ ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: لِأوَّلِ الجَمْعِ لِقِتالِهِمْ. يَعْنِي أخْرَجَهم تَعالى بِقَهْرِهِ لِأوَّلِ ما حُشِرَ لِغَزْوِهِمْ. والتَّوْقِيتُ بِهِ إشارَةً إلى شِدَّةِ الأخْذِ الرَّبّانِيِّ لَهُمْ، وقُوَّةِ البَطْشِ والِانْتِقامِ، بِقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، حَتّى اضْطُرُّوا لِأوَّلِ الهُجُومِ عَلَيْهِمْ، إلى الجَلاءِ والفِرارِ، كَما يَأْتِي.
﴿ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحشر: ٢] أيْ: لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ، فَصارَ آيَةً لَكُمْ؛ لِأنَّهُ مِن آثارِ سُنَّتِهِ تَعالى في إذْلالِ المُفْسِدِينَ وقَهْرِهِمْ ﴿وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: مِن بَأْسِهِ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٨] أيْ: عَذابُهُ، وهو الرُّعْبُ والِاضْطِرارُ إلى الجَلاءِ ﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] (p-٥٧٣٥)أيْ: لَمْ يَظُنُّوا ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: أنْزَلَهُ إنْزالًا شَدِيدًا فِيها، لِدَلالَةِ مادَّةِ القَذْفِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ مَقْذُوفُ الحِجارَةِ.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ: نَظَرَ بِنَظَرِ القَهْرِ إلَيْهِمْ فَتَأثَّرُوا بِهِ، لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، ومُخالَفَةِ الحَبِيبِ ومُشاقَّتِهِ ومُضادَّتِهِ، ولِوُجُودِ الشَّكِّ في قُلُوبِهِمْ، وكَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِمْ، وبَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ؛ إذْ لَوْ كانُوا أهْلَ يَقِينٍ ما وقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِهِمْ، ولَعَرَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنُورِ اليَقِينِ، وآمَنُوا بِهِ فَلَمْ يُخالِفُوهُ.
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] أيْ: كَيْفَ حَلَّ بِالمُفْسِدِينَ ما حَلَّ ونَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلَ، لِتَعْلَمُوا صِدْقَ اللَّهِ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ.
59:3–4Page 545
وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣
And if not that Allāh had decreed for them evacuation, He would have punished them in [this] world, and for them in the Hereafter is the punishment of the Fire.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤
That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh - then indeed, Allāh is severe in penalty.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٤]
﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ أيِ: الخُرُوجَ مِن أوْطانِهِمْ ﴿لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، كَما فَعَلَ بِإخْوانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ [المجادلة: ٤] أيِ: الجَلاءُ والعَذابُ ﴿بِأنَّهم شاقُّوا﴾ [الحشر: ٤] أيْ: خالَفُوا ﴿اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤] أيْ: فِيما نَهاهم عَنْهُ مِنَ الفَسادِ، ونَقْضِ المِيثاقِ.
﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٤] أيْ: لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
59:5Page 546
مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥
Whatever you have cut down of [their] palm trees or left standing on their trunks - it was by permission of Allāh and so He would disgrace the defiantly disobedient.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾
﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ أيْ: نَخْلَةٍ مِن نَخِيلِهِمْ إغاظَةً لَهم ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ (p-٥٧٣٦)أيْ: أمْرِهِ ورِضاهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْعَبَثِ والإضْرارِ، بَلْ لِتَأْيِيدِ قُوَّةِ الحَقِّ، وتَصَلُّبِ أهْلِهِ، وإرْهابِ المُبْطِلِينَ وإذْلالِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: لِما فِيهِ مِن إهانَةِ العَدُوِّ، وإضْعافِهِ ونِكايَتِهِ.
تَنْبِيهٌ:
ذَكَرَ عُلَماءُ الأخْبارِ وأئِمَّةُ السِّيَرِ، أنَّ سَبَبَ الأمْرِ بِجَلاءِ بَنِي النَّضِيرِ هو نَقْضُهُمُ العَهْدَ. قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ: لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، صارَ الكُفّارُ مَعَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: قِسْمٌ صالَحَهم ووادَعَهم عَلى أنْ لا يُحارِبُوهُ، ولا يُظاهِرُوا عَلَيْهِ، ولا يُوالُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، وهم عَلى كُفْرِهِمْ، آمِنُونَ عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ. وقِسْمٌ حارَبُوهُ ونَصَبُوا لَهُ العَداوَةَ، وقِسْمٌ تارَكُوهُ فَلَمْ يُصالِحُوهُ ولَمْ يُحارِبُوهُ، بَلِ انْتَظَرُوا ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ وأمْرُ أعْدائِهِ.
ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن كانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ وانْتِصارَهُ في الباطِنِ. ومِنهم مَن كانَ يُحِبُّ ظُهُورَ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ وانْتِصارِهِمْ. ومِنهم مَن دَخَلَ مَعَهُ في الظّاهِرِ، ومَعَ عَدُوِّهِ في الباطِنِ، لِيَأْمَنَ الفَرِيقَيْنِ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ.
فَعامَلَ كُلَّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ بِما أمَرَ بِهِ رَبُّهُ -تَبارَكَ وتَعالى- فَصالَحَ يَهُودَ المَدِينَةِ، وكَتَبَ بَيْنَهم كِتابَ أمْنٍ، وكانُوا ثَلاثَ طَوائِفَ حَوْلَ المَدِينَةِ: بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قُرَيْظَةَ.
فَكانَتْ بَنُو قَيْنُقاعَ أوَّلَ مَن نَقَضَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحارَبُوا فِيما بَيْنَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، وحاصَرَهم ﷺ، ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، ولا يُحارِبُوهُ بِها. ثُمَّ نَقَضَ العَهْدَ بَنُو النَّضِيرِ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَعِينُهم في دِيَةِ قَتِيلَيْنِ مِن بَنِي عامِرٍ، وجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جَنْبِ جِدارٍ مِن بُيُوتِهِمْ، فَتَآمَرُوا عَلى قَتْلِهِ ﷺ، وأنْ يَعْلُوَ رَجُلٌ فَيُلْقِيَ صَخْرَةً عَلَيْهِ، فانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحاشِ بْنِ كَعْبٍ؛ أحَدِهِمْ، وصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً، ونَزَلَ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِما أرادَ القَوْمُ «فَقامَ ورَجَعَ بِمَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ عَلى المَدِينَةِ، وأمَرَ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ» . ثُمَّ سارَ بِالنّاسِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ فَحاصَرَهم سِتَّ لَيالٍ، فَتَحَصَّنُوا مِنهُ في الحُصُونِ «فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ النَّخِيلِ وتَحْرِيقِها»، ثُمَّ قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، (p-٥٧٣٧)وسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجْلِيَهُمْ، ويَكُفَّ عَنْ دِمائِهِمْ، عَلى أنَّ لَهم ما حَمَلَتِ الإبِلُ مِن أمْوالِهِمْ إلّا الحَلْقَةَ، فَفَعَلَ. فاحْتَمَلُوا مِن أمْوالِهِمْ ما اسْتَقَلَّتْ بِهِ الإبِلُ، فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجافِ بابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إلى خَيْبَرَ، ومِنهم مَن سارَ إلى الشّامِ، وخَلَّوُا الأمْوالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَتْ لَهُ خاصَّةً يَضَعُها حَيْثُ شاءَ، فَقَسَّمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ دُونَ الأنْصارِ، إلّا أنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وأبا دُجانَةَ ذَكَرا فَقْرًا، فَأعْطاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يُسْلِمْ مِن بَنِي النَّضِيرِ إلّا رَجُلانِ: يامِينُ بْنُ عُمَيْرَ بْنِ كَعْبٍ، وأبُو سَعْدِ بْنُ وهْبٍ، أسْلَما عَلى أمْوالِهِما فَأحْرَزاها».
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ يامِينَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِيامِينَ: «ألَمْ تَرَ ما لَقِيتُ مِنَ ابْنِ عَمِّكَ، وما هم بِهِ مِن شَأْنِي» ؟ فَجَعَلَ يامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ لِرَجُلٍ جُعْلًا عَلى أنْ يَقْتُلَ عَمْرَو بْنَ جِحاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيما يَزْعُمُونَ». ونَزَلَ في بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ الحَشْرِ بِأسْرِها، يَذْكُرُ فِيها ما أصابَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن نِقْمَتِهِ، وما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وما عَمِلَ بِهِ فِيهِمْ. انْتَهى.
59:6Page 546
وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦
And what Allāh restored [of property] to His Messenger from them - you did not spur for it [in an expedition] any horses or camels,1 but Allāh gives His messengers power over whom He wills, and Allāh is over all things competent.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ أيْ: أعادَ عَلَيْهِ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ أيْ: فَما أجْرَيْتُمْ عَلى تَحْصِيلِهِ خَيْلًا ولا رِكابًا، ولا تَعَقَّبْتُمْ في القِتالِ عَلَيْهِ، وإنَّما مَشَيْتُمْ إلَيْهِ عَلى أرْجُلِكم. و(الإيجافُ) مِنَ الوَجِيفِ، وهو سُرْعَةُ السَّيْرِ، و(الرِّكابُ): ما يُرْكَبُ مِنَ الإبِلِ، غُلِّبَ فِيهِ كَما غَلَبَ الرّاكِبُ عَلى راكِبِهِ.
(p-٥٧٣٨)﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِن أهْلِ الفَسادِ والإفْسادِ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ ما خَوَّلَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ، شَيْءٌ لَمْ يُحَصِّلُوهُ بِالقِتالِ والغَلَبَةِ، ولَكِنْ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وعَلى ما في أيْدِيهِمْ، كَما كانَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ. فالأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشاءُ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُقَسَّمُ قِسْمَةَ الغَنائِمِ الَّتِي قُوتِلَ عَلَيْها، وأُخِذَتْ عَنْوَةً وقَهْرًا؛ وذَلِكَ أنَّهم طَلَبُوا القِسْمَةَ فَنَزَلَتْ:
59:7Page 546
مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٧
And what Allāh restored to His Messenger from the people of the towns - it is for Allāh and for the Messenger and for [his] near relatives1 and orphans and the needy and the [stranded] traveler2 - so that it will not be a perpetual distribution among the rich from among you. And whatever the Messenger has given you - take; and what he has forbidden you - refrain from. And fear Allāh; indeed, Allāh is severe in penalty.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ أيْ: مِن أمْوالِ مُحارِبِيها، وهو بَيانٌ لِلْأوَّلِ، ولِذا لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ، ﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ﴾ أيِ: الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لِمَن ذُكِرَ ﴿دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ أيْ: يَتَداوَلُونَهُ وحْدَهم دُونَ مَن هم أحَقُّ بِهِ. أوْ دُولَةً جاهِلِيَّةً؛ إذْ كانَ مِن عَوائِدِهِمُ اسْتِئْثارَ الرُّؤَساءِ والأغْنِياءِ بِالغَنائِمِ دُونَ الفُقَراءِ ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ أيْ: مِن قِسْمَةِ غَنِيمَةٍ أوْ فَيْءٍ ﴿فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ﴾ أيْ: عَنْ أخْذِهِ مِنها ﴿فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: لِمَن خالَفَهُ إلى ما نَهى عَنْهُ.
(p-٥٧٣٩)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الفَيْءَ ما أُخِذَ مِنَ الكُفّارِ بِلا قِتالٍ، وإيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ، ومِنهُ ما جَلَوْا عَنْهُ خَوْفًا. و(الغَنِيمَةُ) ما أُخِذَ مِنهم بِقِتالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أوْ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِغَيْرِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وكَأنَّ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ رَأى أنَّ مُجْمَلَ هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَهُ آيَةُ الأنْفالِ، حَتّى زَعَمَ قَتادَةُ أنَّ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِتِلْكَ. قالَ -فِيما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ -: كانَ الفَيْءُ في هَؤُلاءِ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ سُورَةُ الأنْفالِ فَقالَ:
﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] وجَعَلَ الخُمْسَ لِمَن كانَ لَهُ الفَيْءُ في سُورَةِ الحَشْرِ. وكانَتِ الغَنِيمَةُ تُقَسَّمُ خَمْسَةَ أخْماسٍ: فَأرْبَعَةٌ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، وخُمْسٌ لِقَرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَياتِهِ، وخُمْسٌ لِلْيَتامى، وخُمْسٌ لِلْمَساكِينِ، وخُمْسٌ لِابْنِ السَّبِيلِ.
والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في مُطَوَّلاتِ الفُرُوعِ.
الثّانِي: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ. عامًّا في كُلِّ ما آتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ونَهى عَنْهُ. وأمْرُ الفَيْءِ داخِلٌ في عُمُومِهِ.
وفِي "الإكْلِيلِ": فِيهِ وُجُوبُ امْتِثالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ﷺ.
قالَ العُلَماءُ: وكُلُّ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ، يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ في القُرْآنِ، أخْذًا مِن هَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى.
(p-٥٧٤٠)وهَذا الأخِيرُ مِن غُلُوِّ الأثَرِيِّينَ، والإغْراقِ في الِاسْتِنْباطِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن أصْنافِ مَن تَقَدَّمَ، الأحَقَّ بِالعِنايَةِ والرِّعايَةِ، بِقَوْلِهِ:
59:8Page 546
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨
For the poor emigrants who were expelled from their homes and their properties, seeking bounty from Allāh and [His] approval and supporting [the cause of] Allāh and His Messenger, [there is also a share]. Those are the truthful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾
﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾ أيْ: مِن مُواطِنِهِمْ ومَأْلُوفاتِهِمْ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ العُلُومِ والفَضائِلِ الخُلُقِيَّةِ ﴿ورِضْوانًا﴾ أيْ: مِنهُ وهو أعْظَمُ ما يُرْغَبُ فِيهِ ﴿ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يَبْذُلُ النُّفُوسَ لِقُوَّةِ اليَقِينِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: في الإيمانِ اليَقِينِيِّ لِتَصْدِيقِ أعْمالِهِمْ دَعْواهُمْ، إذْ عَلامَةُ وِجْدانِ اليَقِينِ ظُهُورُ أثَرِهِ عَلى الجَوارِحِ، بِحَيْثُ لا تُمْكِنُ حَرَكاتُها إلّا عَلى مُقْتَضى شاهِدِهم مِنَ العِلْمِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ إيثارَ هَؤُلاءِ بِالعَطاءِ مِمّا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُ إخْوانِهِمُ الأنْصارِ، لِحِرْصِهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَلى الإيثارِ دُونَ الِاسْتِئْثارِ، بِقَوْلِهِ:
59:9Page 546
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩
And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.1 They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ أيْ: دارَ الهِجْرَةِ، أيْ: تَوَطَّنُوها ﴿والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيءِ المُهاجِرِينَ إلَيْهِمْ. وعَطَفَ "الإيمانَ" قِيلَ: بِتَقْدِيرِ عامِلٍ. أيْ: وأخْلَصُوا (p-٥٧٤١)الإيمانَ. وقِيلَ: اسْتَعْمَلَ التَّبَوُّءَ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو اللُّزُومُ والتَّمَكُّنُ. والمَعْنى: لَزِمُوا الدّارَ والإيمانَ. وجُوِّزَ أيْضًا تَنْزِيلُ الإيمانِ مَنزِلَةَ المَكانِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ، ويَثْبُتُ لَهُ التَّبَوُّءُ عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ.
﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: لِوُجُودِ الجِنْسِيَّةِ في الصَّفاءِ، والمُوافَقَةِ في الدِّينِ والإخاءِ. قالَ الشِّهابُ: المُرادُ بِمَحَبَّتِهِمُ المُهاجِرِينَ هُنا، مُواساتُهُمْ، وعَدَمُ الِاسْتِثْقالِ والتَّبَرُّمِ مِنهُمْ، إذا احْتاجُوا إلَيْهِمْ، فالمَحَبَّةُ كِنايَةٌ عَمّا ذُكِرَ، كَما قِيلَ:
؎يا أخِي واللَّبِيبُ إنْ خانَ دَهْرٌ يَسْتَبِينُ العَدُوَّ مِمَّنْ يُحِبُّ
﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ﴾ أيْ: في أنْفُسِهِمْ ﴿حاجَةً﴾ أيْ: طَلَبًا أوْ حَسَدًا ﴿مِمّا أُوتُوا﴾ أيْ: مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ وغَيْرِهِ، لِسَلامَةِ قُلُوبِهِمْ، وطَهارَتِها عَنْ دَواعِي الحِرْصِ.
﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ أيْ: حاجَةٌ وفاقَةٌ.
قالَ القاشانِيُّ: لِتَجَرُّدِهِمْ وتَوَجُّهِهِمْ إلى جَنابِ القُدْسِ، وتَرَفُّعِهِمْ عَنْ مَوادِّ الرِّجْسِ، وكَوْنُ الفَضِيلَةِ لَهم أمْرًا ذاتِيًّا، بِاقْتِضاءِ الفِطْرَةِ، وفَرْطِ مَحَبَّةِ الإخْوانِ بِالحَقِيقَةِ، والأعْوانِ في الطَّرِيقَةِ. فَتَقْدِيمُهم أصْحابَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، لِمَكانِ الفُتُوَّةِ، وكَمالِ المَرْوَةِ، ولِقُوَّةِ التَّوْحِيدِ، والِاحْتِرازِ عَنْ حَظِّ النَّفْسِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ مَدْحُ الإيثارِ في حُظُوظِ النَّفْسِ والدُّنْيا. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا المَقامُ أعْلى مِن حالِ الَّذِينَ وصَفَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِهِ:
﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فَإنَّ هَؤُلاءِ تَصَدَّقُوا، وهم يُحِبُّونَ ما تَصَدَّقُوا بِهِ، وقَدْ لا يَكُونُ لَهم حاجَةٌ إلَيْهِ، ولا ضَرُورَةَ بِهِ، وهَؤُلاءِ آثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مَعَ خَصاصَتِهِمْ وحاجَتِهِمْ إلى ما أنْفَقُوهُ، ومِن هَذا المَقامِ «تَصَدُّقُ الصِّدِّيقِ (p-٥٧٤٢)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِجَمِيعِ مالِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أبْقَيْتَ لِأهْلِكَ» ؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ!» وهَكَذا الماءُ الَّذِي عُرِضَ عَلى عِكْرِمَةَ وأصْحابِهِ يَوْمَ اليَرْمُوكِ، فَكُلٌّ مِنهم يَأْمُرُ بِدَفْعِهِ إلى صاحِبِهِ، وهو جَرِيحٌ مُثْقَلٌ، أحْوَجَ ما يَكُونُ إلى الماءِ، فَرَدَّهُ الآخَرُ إلى الثّالِثِ، فَما وصَلَ إلى الثّالِثِ حَتّى ماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، ولَمْ يَشْرَبْهُ أحَدٌ مِنهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرْضاهم.
﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أيْ: فَيُخالِفُها فِيما يَغْلِبُ عَلَيْها مِن حُبِّ المالِ، وبُغْضِ الإنْفاقِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: الفائِزُونَ بِالسَّعادَتَيْنِ. وفي إضافَةِ الشُّحِّ إلى النَّفْسِ إشارَةٌ لِما قالَهُ القاشانِيُّ مِن أنَّ النَّفْسَ مَأْوى كُلِّ شَرٍّ ووَصْفٍ رَدِيءٍ، ومَوْطِنُ كُلِّ رِجْسٍ وخُلُقٍ دَنِيءٍ. والشُّحُّ مِن غَرائِزِها المَعْجُونَةِ في طِينَتِها، لِمُلازَمَتِها الجِهَةَ السُّفْلِيَّةَ، ومَحَبَّتِها الحُظُوظَ الجُزْئِيَّةَ، فَلا يَنْتَفِي مِنها إلّا عِنْدَ انْتِفائِها. ولَكِنَّ المَعْصُومَ مِن تِلْكَ الآفاتِ والشُّرُورِ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ في كَلامِ العَرَبِ البُخْلُ، ومَنعُ الفَضْلِ مِنَ المالِ. والعُلَماءُ يَرَوْنَ أنَّ الشُّحَّ في هَذا المَوْضُوعِ إنَّما هو أكْلُ أمْوالِ النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ثُمَّ رَوى أنَّ رَجُلًا أتى ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ! إنِّي أخْشى أنْ تَكُونَ أصابَتْنِي هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدِي شَيْءٌ! قالَ: لَيْسَ ذاكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ، إنَّما الشُّحُّ أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا، ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ عَنى بِالعُلَماءِ بِذَلِكَ الأثَرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ إلّا بِالمَأْثُورِ. ولَعَلَّ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَّرَ الآيَةَ بِذَلِكَ، لِدَلالَةِ سِياقِها عَلَيْهِ، إذِ القَصْدُ تَزْهِيدُ الأنْصارِ في أنْ تَطْمَحَ أنْفُسُهم لِما جُعِلَ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَهم. أوْ هو يَرى الفَرْقَ بَيْنَ الشُّحِّ والبُخْلِ بِما ذَكَرَهُ. وعَلى كُلٍّ فَلا يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ الآيَةِ بِما ذَكَرَهُ بَلْ هي مِمّا تَحْتَمِلُهُ.
(p-٥٧٤٣)وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: مَن وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الحَرامِ شَيْئًا ولَمْ يَقْرَبْهُ، ولَمْ يَدَعْهُ الشُّحُّ أنْ يَحْبِسَ مِنَ الحَلالِ شَيْئًا، فَهو مِنَ المُفْلِحِينَ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««بَرِئَ مِنَ الشُّحِّ مَن أدّى الزَّكاةَ، وقَرى الضَّيْفِ، وأعْطى في النّائِبَةِ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الفُحْشَ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ ولا التَّفَحُّشَ، وإيّاكم والشُّحَّ؛ فَإنَّهُ أهْلَكَ مَن قَبْلَكُمْ: أمَرَهم بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وأمَرَهم بِالفُجُورِ فَفَجَرُوا، وأمَرَهم بِالقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا»» .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««لا يَجْتَمِعُ غُبارٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخانُ جَهَنَّمَ في جَوْفِ عَبْدٍ أبَدًا، ولا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ والإيمانُ في قَلْبِ عَبْدٍ أبَدًا»» .
59:10Page 547
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٧٤٤)يَعْنِي بِالَّذِينِ جاءُوا مِن بَعْدِهِمُ الَّذِينَ هاجَرُوا حِينَ قَوِيَ الإسْلامُ مِن بَعْدِ الَّذِينَ هاجَرُوا مُخْرَجِينَ مِن دِيارِهِمْ، فالمُرادُ مَجِيئُهم إلى المَدِينَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ. والمَجِيءُ حِسِّيٌّ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ فالمَجِيءُ إمّا إلى الوُجُودِ، أوْ إلى الإيمانِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ بَراءَةَ:
﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]
قالَ الشِّهابُ: والمُرادُ بِدُعاءِ اللّاحِقِ لِلسّابِقِ، والخَلَفِ لِلسَّلَفِ، أنَّهم مُتَّبِعُونَ لَهُمْ، أوْ هو تَعْلِيمٌ لَهم بِأنْ يَدْعُوا لِمَن قَبْلَهُمْ، ويُذَكِّرُوهم بِالخَيْرِ.
تَنْبِيهٌ:
جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: " والَّذِينَ " عَطْفًا عَلى " المُهاجِرِينَ " كالمَوْصُولِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ:
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ [الحشر: ٩] إلَخْ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: " يُحِبُّونَ " وقَوْلُهُ: " يَقُولُونَ " حالَيْنِ. وجَوَّزَ السَّمِينُ وجْهًا ثانِيًا، وهو كَوْنُ المَوْصُولِ فِيهِما مُبْتَدَأً، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ. وعِنْدِي أنَّ هَذا هو الوَجْهُ، ما قَبْلَهُ تَكَلُّفٌ، وأنَّ المَوْصُولَيْنِ مُسْتَأْنَفانِ لِمَدْحِ إيمانِ الأنْصارِ والتّابِعِينَ لَهم بِتِلْكَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والخِصالِ الكامِلَةِ. وما حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ومَن تابَعَهُ عَلى الِاقْتِصارِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ إلّا لِتَشْمَلَ أصْنافَ مَن يَسْتَحِقُّ الفَيْءَ مِن فُقَراءِ كَلٍّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحشر: ٨] إلَخْ، " و" لِلْفُقَراءِ " الَّذِينَ تَبَوَّءُوا " إلَخْ. ولِلْفُقَراءِ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ... إلَخْ، مَعَ أنَّ سِياقَ الآياتِ المَذْكُورَةِ، ورِعايَةِ وقْتِ نُزُولِها، والمُهاجِرُونَ في جُهْدٍ، والأنْصارُ في سِعَةٍ ورَغَدٍ -يَقْضِي بِأنَّ المَقْصُودَ مِنها لِلْفَيْءِ، هو فُقَراءُ المُهاجِرِينَ خاصَّةً وأنَّ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ في غِنًى عَنْهُ وعَدَمِ تَشَوُّفٍ إلَيْهِ، لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لِإخْوانِهِمْ، بَلْ رَغْبَتِهِمْ في إيثارِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مَن يَجِيءُ بَعْدَهم بِأنَّهُ يُثْنِيَ عَلى مَن سَبَقَهُ، ويَدْعُو لَهُ ابْتِهاجًا بِما (p-٥٧٤٥)أتَوْا، واغْتِباطًا بِما عَمِلُوا؛ لِأنَّهم بَيْنَ مُهاجِرٍ عَنْ أهْلِهِ وأمْوالِهِ، مَحَبَّةً في اللَّهِ ورَسُولِهِ، وبَيْنَ مُحِبٍّ لِمَن هاجَرَ، مُكْرِمٍ لَهُ، بَلْ مُؤْثِرٍ إيّاهُ، مِمّا أشَفَّ عَنْ قُوَّةِ الإيمانِ، والإخْلاصِ في تَدْعِيمِ رَوابِطِ الإيقانِ، هَذا هو الظّاهِرُ مِن نَظْمِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، وذَوْقِ سَوْقِها. وأمّا فُقَراءُ الصِّنْفَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الفَيْءِ قِياسًا عَلى الصِّنْفِ الأوَّلِ، لِاشْتِراكِهِمْ في الفَقْرِ، إلّا أنَّهُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَشْكُ أحَدٌ مِنَ الأنْصارِ في تِلْكَ الواقِعَةِ فَقْرًا، إلّا سَهْلًا وأبا دُجانَةَ -كَما تَقَدَّمَ- فَأعْطاهُما ﷺ. وأمّا في غَيْرِها مِنَ الوَقائِعِ الَّتِي كَثُرَتْ فِيها المَغانِمُ، فَقَدْ كانَ حَظُّهم مِنها ما هو مَعْرُوفٌ ومُبَّيَنٌ في آياتٍ أُخَرَ، فَإنَّ التَّنْزِيلَ الكَرِيمَ بَيَّنَ مُقاسِمَ الأمْوالِ لِذَوِيها في عِدَّةِ آياتٍ.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] حَتّى بَلَغَ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] ثُمَّ قالَ: هَذِهِ لِهَؤُلاءِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِهَؤُلاءِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] حَتّى بَلَغَ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ ثُمَّ قالَ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُسْلِمِينَ عامَّةً، فَلَيْسَ أحَدٌ إلّا لَهُ فِيها حَقٌّ. ثُمَّ قالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرّاعِي وهو يُسَيِّرُ حُمُرَهُ، نَصِيبَهُ، لَمْ يَعْرَقْ فِيها جَبِينُهُ.
59:11Page 547
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
(p-٥٧٤٦)﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم. وأُخُوَّتُهم مَعَهم أُخُوَّةُ دِينٍ واعْتِقادٍ، أوْ أُخُوَّةُ صَداقَةٍ ومُوالاةٍ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَهم سِرًّا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ أيْ: مِن دِيارِكم ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أيْ: في خِذْلانِكم ﴿أحَدًا أبَدًا﴾ أيْ: مِنَ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ والمُؤْمِنِينَ ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ أيْ: لَنُعاوِنَنَّكم.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ذُكِرَ أنَّ الَّذِينَ نافَقُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، ووَدِيعَةُ ومالِكٌ ابْنا نَوْفَلٍ، وسُوَيْدٌ، وداعِسٌ. بَعَثُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ حِينَ نَزَلَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْحَرْبِ أنِ اثْبُتُوا وتَمَنَّعُوا؛ فَإنّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، وإنّا مَعَكُمْ، قُوتِلْتُمْ قاتَلْنا، وإنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنا مَعَكُمْ، فَتَرَبَّصُوا لِذَلِكَ مِن نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجْلِيَهم ويَكُفَّ عَنْ دِمائِهِمْ، عَلى أنَّ لَهم ما حَمَلَتِ الإبِلُ مِن أمْوالِهِمْ، إلّا الحَلْقَةَ، كَما تَقَدَّمَ. ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: لِعِلْمِهِ بِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. كَما قالَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences