Al-QasimiAl‑An'am · 6:107–113

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:107–113

6:107Page 141

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧

But if Allāh had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٧] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ: مَعَ اسْتِعْدادِهِمْ، ولَكِنْ جَرَتْ سُنَّتُهُ بِرِعايَةِ الِاسْتِعْداداتِ ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: هم وإنْ كانَ لَهُمُ الِاسْتِعْدادُ لِلْإيمانِ في فِطْرَتِهِمْ، وقَدْ أبْطَلُوهُ، فَأنْتَ وإنْ كُنْتَ داعِيًا إلى إصْلاحِ الِاسْتِعْدادِ الفِطْرِيِّ، وما جَعَلْناكَ مُتَوَلِّيًا عَلَيْهِمْ، تَحْفَظُ مَصالِحَهُمْ، حَتّى تَكُونَ مُصْلِحًا لِاسْتِعْدادِهِمُ الفِطْرِيِّ.

﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تُدَبِّرُ عَلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ، أوْ تُغَيِّرُهم مِنَ اسْتِعْدادِهِمْ إلى آخَرَ، بَلْ هو مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ تَعالى، يَفْعَلُ بِهِمْ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهُمُ الطَّبِيعِيِّ لَهم مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَهُ، بَلْ هو مُفَوَّضٌ إلى اخْتِيارِهِمْ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْنَعُهُ عَنْهُ، مَعَ تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُهُ مِنهُ، لِعَدَمِ صَرْفِ اخْتِيارِهِ الجُزْئِيِّ نَحْوَ الإيمانِ، وإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ. والزَّمَخْشَرِيُّ يُفَسِّرُهُ بِمَشِيئَةِ إكْراهٍ وقَسْرٍ؛ لِأنَّ عِنْدَهم مَشِيئَةَ الِاخْتِيارِ حاصِلَةٌ البَتَّةَ. قالَ النِّحْرِيرُ: وهَذِهِ عُكّازَتُهُ في دَفْعِ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ.

(p-٢٤٦١)الثّانِي: قالَ القاشانِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ: كُلُّ ما يَقَعُ، فَإنَّما يَقَعُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ اسْتِعْداداتِهِمُ الَّتِي وقَعُوا بِها في الشِّرْكِ، وأسْبابَ ذَلِكَ، مِن تَعْلِيمِ الآباءِ والعاداتِ وغَيْرِها، أيْضًا واقِعَةٌ بِإرادَةٍ مِنَ اللَّهِ، وإلّا لَمْ تَقَعْ. فَإنْ آمَنُوا بِذَلِكَ فَبِهِدايَةِ اللَّهِ، وإلّا فَهَوِّنْ عَلى نَفْسِكَ، فَما جَعَلْناكَ تَحْفَظُهم عَنِ الضَّلالِ، وما أنْتَ بِمُوَكَّلٍ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ. ولا يُنافِي هَذا ما قالَ في تَعْيِيرِهِمْ فِيما بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنادًا ودَفْعًا لِلْإيمانِ بِذَلِكَ التَّعَلُّلِ، لا اعْتِقادًا. فَقَوْلُهم ذَلِكَ، وإنْ كانَ صِدْقًا في نَفْسِ الأمْرِ، لَكِنَّهم كانُوا بِهِ كاذِبِينَ، مُكَذِّبِينَ لِلرَّسُولِ، إذْ لَوْ صَدَّقُوا لَعَلِمُوا أنَّ تَوْحِيدَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا بِإرادَةِ اللَّهِ، وكَذا كُلُّ دِينٍ، فَلَمْ يُعادَوْا أحَدًا. ولَوْ عَلِمُوا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ لا يَقَعُ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ لَما بَقُوا مُشْرِكِينَ، بَلْ كانُوا مُوَحِّدِينَ. لَكِنَّهم قالُوهُ لِغَرَضِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ، وإثْباتِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُمُ الِانْتِهاءُ عَنْ شِرْكِهِمْ، فَلِذَلِكَ عَيَّرَهم بِهِ، لا لِأنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ. فَإنَّهم لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وأنَّهُ كَما أرادَ شِرْكَهم في الزَّمانِ السّابِقِ، لَمْ يُرِدْ إيمانَهُمُ الآنَ؛ إذْ لَيْسَ كُلٌّ مِنهم مَطْبُوعَ القَلْبِ، بِدَلِيلِ إيمانِ مَن آمَنَ مِنهُمْ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم كانُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْإيمانِ والتَّوْحِيدِ، واحْتَجُّوا بِالعادَةِ، وما وجَدُوا مِن آبائِهِمْ فَأشْرَكُوا، ثُمَّ إذا سَمِعُوا الإنْذارَ، وشاهَدُوا آياتِ التَّوْحِيدِ، اشْتاقُوا إلى الحَقِّ، وارْتَفَعَ حِجابُهم فَوَحَّدُوا. فَلِذَلِكَ وبَّخَهم عَلى قَوْلِهِمْ، وطَلَبَ مِنهُمُ الحُجَّةَ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَهم بِذَلِكَ دائِمًا، وأنْذَرَهم بِوَعِيدِ مَن كانَ قَبْلَهُمْ، لَعَلَّ مَن كانَ فِيهِ أدْنى اسْتِعْدادٍ، إذا انْقَطَعَ عَنْ حُجَّتِهِ، وسَمِعَ وعِيدَ مِن قَبْلِهِ مِنَ المُنْكِرِينَ، ارْتَفَعَ حِجابُهُ، ولانَ قَلْبُهُ فَآمَنَ، ويَكُونُ ذَلِكَ تَوْفِيقًا لَهُ، ولُطْفًا في شَأْنِهِ، فَإنَّ عالَمَ الحِكْمَةِ يُبْتَنى عَلى الأسْبابِ. وأمّا مَن كانَ مِنَ الأشْقِياءِ (p-٢٤٦٢)المَرْدُودِينَ، المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يَرْفَعُ لِذَلِكَ رَأْسًا، ولا يُلْقِي إلَيْهِ سَمْعًا. انْتَهى.

ولْيَكُنْ هَذا عَلى بالٍ مِنكَ، فالمَقامُ دَقِيقٌ جِدًّا، وسَيَأْتِي بَيانُهُ في الآيَةِ الآتِيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

6:108Page 141

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨

And do not insult those they invoke other than Allāh, lest they insult Allāh in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٨] ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: لا تَذْكُرُوا آلِهَتَهُمْ، الَّتِي يَعْبُدُونَها، بِما فِيها مِنَ القَبائِحِ؛ لِئَلّا يَتَجاوَزُوا إلى الجَنابِ الرَّفِيعِ.

رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أصْنامَ الكُفّارِ، فَنُهُوا عَنْهُ لِذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: نُهُوا أنْ يَلْعَنُوا الأصْنامَ الَّتِي كانَتْ تَعْبُدُها المُشْرِكُونَ. انْتَهى.

فَ: الَّذِينَ يَدْعُونَ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ، والعائِدُ مُقَدَّرٌ، والتَّعْبِيرُ بِ: الَّذِينَ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهم مِن أُولِي العِلْمِ، أوْ بِناءً عَلى أنَّ سَبَّ آلِهَتِهِمْ سَبٌّ لَهُمْ، كَما يُقالُ: ضَرْبُ الدّابَّةِ صَفْعٌ لِراكِبِها. فَإنْ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ وعَظَمَتِهِ، وأنَّ آلِهَتَهم إنَّما عَبَدُوها لِتَكُونَ شُفَعاءَ عِنْدَهُ، فَكَيْفَ يَسُبُّونَهُ؟ قُلْنا: لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ صَرِيحًا، بَلْ يُفْضِي كَلامُهم إلى ذَلِكَ، كَشَتْمِهِمْ لَهُ ولِمَن يَأْمُرُ بِذَلِكَ مَثَلًا. وقَدْ فُسِّرَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ بِهَذا، وهو حَسَنٌ جِدًّا. أوْ أنَّ الغَيْظَ والغَضَبَ رُبَّما حَمَلَهم عَلى سَبِّ اللَّهِ صَرِيحًا. ألا تَرى المُسْلِمَ قَدْ تَحْمِلُهُ شِدَّةُ غَضَبِهِ بِالكُفْرِ؟!

و: عَدْوًا مَصْدَرٌ، أيْ: ظُلْمًا وعُدْوانًا، يُقالُ: عَدا عَلَيْهِ عَدْوًا، كَ (ضَرْبًا)، و(عُدُوًّا) كَ (عُتُوٍّ)، و(عَداءً) كَ (عَزاءٍ)، و(عُدْوانًا) كَ (سُبْحانَ) إذا تَعَدّى (p-٢٤٦٣)وتَجاوَزَ، وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِ (تَسُبُّوا) مِن مَعْناهُ؛ لِأنَّ السَّبَ عُدْوانٌ. أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِثْلَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ - كَذا في العِنايَةِ -.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ الفَرَسِ في الآيَةِ: إنَّهُ مَتى خِيفَ مِن سَبِّ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ، أنْ يَسُبُّوا اللَّهَ أوْ رَسُولَهُ أوِ القُرْآنَ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُسَبُّوا ولا دِينُهم. قالَ: وهي أصْلٌ في قاعِدَةِ سَدِّ الذَّرائِعِ.

قالَ السُّيُوطِيُّ: وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى سُقُوطِ وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، إذا خِيفَ مِن ذَلِكَ مَفْسَدَةً أقْوى. وكَذا كُلُّ فِعْلٍ مَطْلُوبٍ تَرَتَّبَ عَلى فِعْلِهِ مَفْسَدَةٌ أقْوى مِن مَفْسَدَةِ تَرْكِهِ.

وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّ الحَسَنَ يَصِيرُ قَبِيحًا إذا كانَ يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ مَفْسَدَةٌ. قالَ الحاكِمُ: نُهُوا عَنْ سَبِّ الأصْنامِ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها جَمادٌ لا ذَنْبَ لَها.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى المَعْصِيَةِ بِسَبِّ اللَّهِ تَعالى.

قالَ: والَّذِي يَجِبُ عَلَيْنا بَيانُ بُغْضِها، وأنَّهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُها، وأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وأنَّها لا تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وهَذا لَيْسَ بِسَبٍّ. ولِهَذا قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ (يَوْمَ صِفِّينَ): لا تَسُبُّوهُمْ، ولَكِنِ اذْكُرُوا قَبِيحَ أفْعالِهِمْ. انْتَهى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: سَبُّ الآلِهَةِ حَقٌّ وطاعَةٌ، فَكَيْفَ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ، وإنَّما يَصِحُّ النَّهْيُ عَنِ المَعاصِي؟ قُلْتُ: رُبَّ طاعَةٍ عُلِمَ أنَّها تَكُونُ مَفْسَدَةً، فَتَخْرُجُ عَنْ أنْ تَكُونَ طاعَةً، فَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْها لِأنَّها مَعْصِيَةٌ، لا لِأنَّها طاعَةٌ. كالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، هو مِن أجَلِّ الطّاعاتِ، فَإذا عُلِمَ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى زِيادَةِ الشَّرِّ انْقَلَبَ إلى مَعْصِيَةٍ، ووَجَبَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، كَما يَجِبُ النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ. فَإنْ قُلْتَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما حَضَرا (p-٢٤٦٤)جِنازَةً، فَرَأى مُحَمَّدٌ نِساءً، فَرَجَعَ. فَقالَ الحَسَنُ: لَوْ تَرَكْنا الطّاعَةَ لِأجْلِ المَعْصِيَةِ، لَأسْرَعَ ذَلِكَ في دِينِنا. قُلْتُ: لَيْسَ هَذا مِمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ؛ لِأنَّ حُضُورَ الرِّجالِ الجِنازَةَ طاعَةٌ، ولَيْسَ بِسَبَبٍ لِحُضُورِ النِّساءِ، فَإنَّهُنَّ يَحْضُرْنَها، حَضَرَ الرِّجالُ أوْ لَمْ يَحْضُرُوا. بِخِلافِ سَبِّ الآلِهَةِ. وإنَّما خُيِّلَ إلى ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ مِثْلُهُ، حَتّى نَبَّهَ عَلَيْهِ الحَسَنُ. انْتَهى.

ومِنهُ قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: واعْلَمْ أنَّ المَعْصِيَةَ إنْ كانَتْ حاصِلَةً لا مَحالَةَ، سَواءً فَعَلَ الحَسَنُ أمْ لا، لَمْ يَسْقُطِ الواجِبُ، ولا يَقْبُحُ الحَسَنُ. انْتَهى.

وكَذا قالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ، وكانَتْ سَبَبًا لَها، وجَبَ تَرْكُها. بِخِلافِ الطّاعَةِ في مَوْضِعٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ، لا يُمْكِنُ دَفْعُها. وكَثِيرًا ما يَشْتَبِهانِ ولِذا لَمْ يَحْضُرِ ابْنُ سِيرِينَ جِنازَةً اجْتَمَعَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ، وخالَفَهُ الحَسَنُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما. انْتَهى.

قالَ الرّازِيُّ: وفي الآيَةِ تَأْدِيبٌ لِمَن يَدْعُو إلى الدِّينِ؛ لِئَلّا يَتَشاغَلَ بِما لا فائِدَةَ لَهُ في المَطْلُوبِ؛ لِأنَّ وصْفَ الأوْثانِ بِأنَّها جَماداتٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، يَكْفِي في القَدْحِ في إلَهِيَّتِها، فَلا حاجَةَ، مَعَ ذَلِكَ، إلى شَتْمِها.

﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ عَلى الضَّلالِ: ﴿عَمَلَهم ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ: يُخْبِرُهُمْ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا. وذَلِكَ بِالمُحاسَبَةِ والمُجازاةِ عَلَيْهِ. تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ذَهَبَ أهْلُ السُّنَّةِ إلى ظاهِرِ الآيَةِ، مِن أنَّ المُزَيِّنِ لِلْكافِرِ الكُفْرَ، ولِلْمُؤْمِنِ الإيمانَ، هو اللَّهُ تَعالى؛ وذَلِكَ لِأنَّ صُدُورَ الفِعْلِ مِنَ العَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدّاعِي بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ بَسَطَ الرّازِيُّ ذَلِكَ، وساقَ تَأْوِيلاتِ المُعْتَزِلَةِ الرَّكِيكَةَ، فانْظُرْهُ!

الثّانِي: في قَوْلِهِ تَعالى: فَيُنَبِّئُهم إلَخْ وعِيدُ الجَزاءِ والعَذابِ. كَقَوْلِ الرِّجْلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ: سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ.

(p-٢٤٦٥)الثّالِثُ: فِيهِ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ، مَبْنِيَّةٌ عَلى حِكْمَةٍ أبِيَّةٍ، وهي أنَّ كُلَّ ما يَظْهَرُ في هَذِهِ النَّشْأةِ مِنَ الأعْيانِ والأعْراضِ، فَإنَّما يَظْهَرُ بِصُورَةٍ مُسْتَعارَةٍ مُخالِفَةٍ لِصُورَتِهِ الحَقِيقَةِ الَّتِي بِها يَظْهَرُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ. فَإنَّ المَعاصِيَ سُمُومٌ قاتِلَةٌ، قَدْ بَرَزَتْ في الدُّنْيا بِصُورَةٍ تَسْتَحْسِنُها نُفُوسُ العُصاةِ، كَما نَطَقَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وكَذا الطّاعاتُ، فَإنَّها مَعَ كَوْنِها أحْسَنَ الأحاسِنِ، قَدْ ظَهَرَتْ عِنْدَهم بِصُورَةٍ مَكْرُوهَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ». فَأعْمالُ الكَفَرَةِ قَدْ بَرَزَتْ لَهم في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةٍ مُزَيَّنَةٍ تَسْتَحْسِنُها الغُواةُ وتَسْتَحِبُّها الطُّغاةُ. وسَتَظْهَرُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُورَتِها الحَقِيقَةِ المُنْكَرَةِ الهائِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أنَّ أعْمالَهم ماذا؟ فَعَبَّرَ عَنْ إظْهارِها بِصُوَرِها الحَقِيقَةِ بِالإخْبارِ بِها، لِما أنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِحَقِيقَتِها كَما هي. فَلْيُتَدَبَّرْ! - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

6:109Page 141

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩

And they swear by Allāh their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with [i.e., from] Allāh." And what will make you perceive that even if it [i.e., a sign] came, they would not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٩] ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. أيْ: أقْسَمُوا بِهِ تَعالى جاهِدِينَ في أيْمانِهِمْ، باذِلِينَ في تَوْثِيقِها طاقَتَهُمْ: ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ أيْ: خارِقٌ كَما اقْتَرَحُوا. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً، يَتَصَرَّفُ بِها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، لا تَتَعَلَّقُ بِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ، حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِاسْتِنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ. وهَذا سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، بِبَيانِ صُعُوبَةِ مَنالِها، وعُلُوِّ شَأْنِها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

(p-٢٤٦٦)﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قُرِئَ: "إنَّها" بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما يُدْرِيكم إيمانَهُمْ؟ ثُمَّ أخْبَرَهم بِما عَلِمَ مِنهم إخْبارًا ابْتِدائِيًّا. أوْ هو جَوابُ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ وُبِّخُوا؟ فَقِيلَ: لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ! أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِ: وما يُشْعِرُكم فَإنَّهُ أُبْرِزَ في مَعْرِضِ المُحْتَمَلِ، كَأنَّهُ سَألَ عَنْهُ سُؤالَ شاكٍّ، ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ لِ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ جَزْمًا بِالطَّرَفِ الخالِفِ، وبَيانًا لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وفِيهِ إنْكارٌ لِتَصْدِيقِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ صِدْقِ المُشْرِكِينَ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وهَذا نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ البَيانِيِّ، لَطِيفُ المَسْلَكِ، هَذا عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إذْ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَجِيءَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ. وقِيلَ: هو لِلْمُشْرِكِينَ، لِقِراءَةِ: "لا تُؤْمِنُونَ"، فَيَكُونُ فِيهِ التِفاتٌ. وقُرِئَ: أنَّها بِالفَتْحِ، وعَلَيْهِ فَقِيلَ: مُقْتَضى حُسْنِ ظَنِّ المُؤْمِنِينَ بِهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ، حَذْفُ (لا). وتَوْضِيحُ ذَلِكَ بِالمِثالِ أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: أكْرِمْ زَيْدًا يُكافِئْكَ، قُلْتَ في إنْكارِهِ: ما أدْراكَ أنِّي إذا أكْرَمْتُهُ يُكافِئُنِي؟! فَإنْ قِيلَ: لا تُكْرِمْهُ فَإنَّهُ لا يُكافِئُكَ، قُلْتَ في إنْكارٍ: ما أدْراكَ أنَّهُ لا يُكافِئُنِي؟! تُرِيدُ: وأنا أعْلَمُ مِنهُ المُكافَأةَ. فَمُقْتَضى حُسْنِ ظَنِّ المُؤْمِنِينَ بِالمُشْرِكِينَ أنْ يُقالَ: وما يُدْرِيكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ، فَإثْباتُ (لا) يَعْكِسُ المَعْنى، إلى أنَّ المَعْلُومَ لَكَ الثُّبُوتُ، وأنْتَ تُنْكِرُ عَلى مَن نَفى.

وقَدْ وُجِّهَ الفَتْحُ بِسِتَّةِ وُجُوهٍ:

مِنها - جَعْلُ (لا) صِلَةً، كَقَوْلِهِ: ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] أيْ: يَرْجِعُونَ. وضَعَّفَ الزَّجّاجُ هَذا الوَجْهَ، بِأنَّ ما كانَ لَغْوًا يَكُونُ كَذَلِكَ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ هُنا، فَإنَّ (لا) (p-٢٤٦٧)عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ لَيْسَتْ بِصِلَةٍ. وأجابَ الفارِسِيُّ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَغْوًا عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ، ومُفِيدًا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي؟ انْتَهى.

ومِنها - جَعْلُ: "أنَّ" بِمَعْنى (لَعَلَّ). قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ العَرَبُ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا، أيْ: لَعَلَّكَ. فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. قالَ الواحِدِيُّ: "أنَّ" بِمَعْنى (لَعَلَّ) كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ:

؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا

وقالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ:

؎أعاذِلَ ما يُدْرِيكِ أنَّ مَنِيَّتِي ∗∗∗ إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى الغَدِ

ويُؤَيِّدُهُ أنَّ (يُشْعِرُكُمْ) و(يُدْرِيكُمْ) بِمَعْنًى. وكَثِيرًا ما تَأْتِي (لَعَلَّ) بَعْدَ فِعْلِ الدِّرايَةِ. نَحْوَ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وما أدْراكَ لَعَلَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ".

ومِنها - جَعْلُ: "أنَّ" بِمَعْنى هَلْ.

ومِنها - جَعْلُ الكَلامِ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ: "إنَّ" في جَوابِ القَسَمِ يَجُوزُ فَتْحُها. والَّذِي ارْتَضاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ المُحَقِّقُونَ حَمْلَ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ (p-٢٤٦٨)فِي مَعْنى النَّفْيِ، والإخْبارَ بِعَدَمِ العِلْمِ لا إنْكارَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: وما يُدْرِيكم أنَّ الآيَةَ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، يَعْنِي: أنا أعْلَمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ ذَلِكَ.

قالَ فِي" الِانْتِصافِ ": لَمّا جاءَتِ الآيَةُ تُفْهِمُ، بِبادِئٍ، أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ الإيمانَ مِنهُمْ، وأنْكَرَ عَلى المُؤْمِنِينَ نَفْيَهم لَهُ، والواقِعُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. اخْتَلَفَ العُلَماءُ (وساقَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في الوُجُوهِ) ثُمَّ قالَ: وأمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَتَفَطَّنَ لِبَقاءِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها وقَرارِها في نِصابِها، مِن غَيْرِ حَذْفٍ ولا تَأْوِيلٍ. فَقالَ قَوْلَهُ السّالِفَ. ونَحْنُ نُوَضِّحُ اطِّرادَهُ في المِثالِ المُتَقَدِّمِ، لِيَتَّضِحَ بِوَجْهَيْهِ في الآيَةِ، فَنَقُولُ: إذا حَرَمْتَ زَيْدًا لِعِلْمِكَ بِعَدَمِ مُكافَأتِهِ، فَأُشِيرَ عَلَيْكَ بِالإكْرامِ بِناءً عَلى أنَّ المُشِيرَ يَظُنُّ المُكافَأةَ، فَلَكَ مَعَهُ حالَتانِ: حالَةٌ تُنْكِرُ عَلَيْهِ ادِّعاءَ العِلْمِ بِما يُعْلَمُ خِلافُهُ، وحالَةٌ تَعْذُرُهُ في عَدَمِ العِلْمِ بِما أحَطْتَ بِهِ عِلْمًا. فَإنْ أنْكَرْتَ عَلَيْهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ يُكافِئُ؟ وإنْ عَذَرْتَهُ في عَدَمِ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يُكافِئُ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يُكافِئُ؟ يَعْنِي: ومِن أيْنَ تَعْلَمُ أنْتَ ما عَلِمْتُهُ أنا مِن عَدَمِ مُكافَأتِهِ، وأنْتَ لا تَخْبُرُ أمْرَهُ خُبْرِي. فَكَذَلِكَ الآيَةُ إنَّما ورَدَ فِيها الكَلامُ إقامَةَ عُذْرٍ لِلْمُؤْمِنِينَ في عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالمَغِيبِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهو عَدَمُ إيمانِ هَؤُلاءِ. فاسْتَقامَ دُخُولُ (لا) وتَعَيَّنَ، وتَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ الِاضْطِرابِ التِباسُ الإنْكارِ بِإقامَةِ الأعْذارِ. انْتَهى.

وفِي نَفْيِ السَّبَبِ، وهو الإشْعارُ، مُبالَغَةٌ في نَفْيِ المُسَبِّبِ، وهو الشُّعُورُ.

قالَ الخَفاجِيُّ: وفي نَفْيِ المُسَبِّبِ بِهَذا الطَّرِيقِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في نَفْيِها بِدُونِها؛ لِأنَّ في الكِنايَةِ إثْباتَ الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ، عَلى تَقْدِيرِ مَجِيءِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ لَهُمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُنْزِلْها لِعِلْمِهِ بِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. فَعَدَمُ الإنْزالِ لِعَدَمِ الإيمانِ. و(يُشْعِرُكم ويَنْصُرُكُمْ) ونَحْوَهُ، قُرِئَ بِضَمٍّ خالِصٍ وسُكُونٍ واخْتِلاسٍ.

6:110Page 141

وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠

And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.

(p-٢٤٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٠] ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يُؤْمِنُونَ)، داخِلٌ في حُكْمِ (ما يُشْعِرُكُمْ)، مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ. أيْ: وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنْ إدْراكِ الحَقِّ فَلا يَفْقَهُونَهُ. وأبْصارَهم عَنِ اجْتِلائِهِ فَلا يُبْصِرُونَهُ، لَكِنْ لا مَعَ تَوَجُّهِها إلَيْهِ، واسْتِعْدادِها لِقَبُولِهِ، بَلْ لِكَمالِ نُبُوِّها عَنْهُ، وإعْراضِها بِالكُلِّيَّةِ. ولِذَلِكَ أُخِّرَ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ عَدَمِ إيمانِهِمْ، إشْعارًا بِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ، وحَسْمًا لِتَوَهُّمِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ ناشِئٌ مِن تَقْلِيبِهِ تَعالى مَشاعِرَهم بِطَرِيقِ الإجْبارِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ: بِما جاءَ مِنَ الآياتِ: ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: قَبْلَ سُؤالِهِمُ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ أيْ: نَدَعُهُمْ: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ، لا نَهْدِيهِمْ هِدايَةَ المُؤْمِنِينَ.

قالَ أبُو السُّعُودِ (ونَذَرُهُمْ) عَطْفٌ عَلى (يُؤْمِنُونَ)، داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، مُقَيَّدٌ بِهِ، مُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِتَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ، ومُعْرِبٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، بِأنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَشاعِرَهم عَنِ الحَقِّ، مَعَ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ، واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ بِطَرِيقِ الإجْبارِ، بَلْ بِأنْ يُخَلِّيَهم وشَأْنَهُمْ، بَعْدَ ما عَلِمَ فَسادَ اسْتِعْدادِهِمْ، وفَرْطَ نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وعَدَمَ تَأْثِيرِ اللُّطْفِ فِيهِمْ أصْلًا، ويَطْبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُمْ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ. انْتَهى.

وفِي "اللُّبابِ": في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ، ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وأنَّ (p-٢٤٧٠)القُلُوبَ والأبْصارَ بِيَدِهِ وفي تَصْرِيفِهِ، فَيُقِيمُ ما شاءَ مِنها، ويُزِيغُ ما أرادَ مِنها. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ»» . انْتَهى.

6:111Page 142

۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهم في أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١١] ﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾

﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ: ولَوْ أنَّنا لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى إيتاءِ ما اقْتَرَحُوهُ هُنا مِن آيَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ، كَما قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ.

﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ كَما قالُوا: فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: ﴿وحَشَرْنا﴾ أيْ: جَمَعْنا: ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ ﴿قُبُلا﴾ أيْ: كُفَلاءَ بِصِحَّةِ ما بُشِّرُوا بِهِ وأُنْذِرُوا: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِغُلُوِّهِمْ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إيمانَهم فَيُؤْمِنُوا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ أيْ: (p-٢٤٧١)إنَّهم لَوْ أُوتُوا كُلَّ آيَةٍ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَكادُ يَكُونُ. أوْ يَجْهَلُونَ أنَّ الإيمانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لا بِخَوارِقِ العاداتِ.

قالَ القاشانِيُّ: وفي الحَقِيقَةِ لا اعْتِبارَ بِالإيمانِ المُرَتَّبِ عَلى مُشاهَدَةِ خَوارِقِ العاداتِ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ مُجَرَّدَ إذْعانٍ لِأمْرٍ مَحْسُوسٍ، وإقْرارٍ بِاللِّسانِ، ولَيْسَ في القَلْبِ مِن مَعْناهُ شَيْءٌ، كَإيمانِ أصْحابِ السّامِرِيِّ. والإيمانُ لا يَكُونُ إلّا بِالجَنانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: يُقْرَأُ (قُبُلًا) بِضَمِّ القافِ والباءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى الكَفِيلِ، مِثْلَ قَلِيبٍ وقَلْبٍ؛ والآخَرُ: أنَّهُ مُفْرَدٌ، كَقُبُلِ الإنْسانِ ودُبُرِهِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هو حالٌ مِن كُلٍّ. ويُقْرَأُ بِالضَّمِّ وسُكُونِ الباءِ عَلى تَخْفِيفِ الضَّمَّةِ يُقْرَأُ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، وانْتِصابِهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. كَقَوْلِهِمْ: لِي قِبَلَ فُلانٍ حَقٌّ. أوْ عَلى الحالِيَّةِ، وهو مَصْدَرٌ، أيْ: ومُشاهَدَةً.

الثّانِي: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ حُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، حَتّى الإيمانُ والكُفْرُ. وقَدِ اتَّفَقَ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وحَمَلَةُ شَرِيعَتِها عَلى أنَّهُ ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. ولِلْمُعْتَزِلَةِ تَحَيُّلٌ في المُدافَعَةِ بِحَمْلِ المَشِيئَةِ المَنفِيَّةِ، عَلى مَشِيئَةِ القَسْرِ والِاضْطِرارِ. وإنَّما يَتِمُّ لَهم ذَلِكَ أنْ لَوْ كانَ القُرْآنُ يَتْبَعُ الآراءَ. وأمّا وهو القُدْوَةُ والمَتْبُوعُ، فَما خالَفَهُ حِينَئِذٍ وتَزَحْزَحَ عَنْهُ، فَإلى النّارِ، وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.

6:112Page 142

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَمّا كانَ يُقاسِيهِ مِن قَوْمِهِ، بِتَأسِّيهِ بِمَن سَبَقَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

(p-٢٤٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٢] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي جَعَلْناهُ في حَقِّكَ، حَيْثُ جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا يُضادُّونَكَ ولا يُؤْمِنُونَ، جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَكَ عَدُوًّا مِن مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ، فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلَ بِكَ أعْداؤُكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ ما جِئْتَ بِهِ إلّا عُودِيَ.

﴿يُوحِي﴾ أيْ: يُلْقِي ويُوَسْوِسُ: ﴿بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ أيِ: المُمَوَّهَ مِنهُ، المُزَيَّنَ ظاهِرُهُ، الباطِلَ باطِنُهُ ﴿غُرُورًا﴾ أيْ: لِلضُّعَفاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهم أهْلَ الحِجابِ، وكَذا الغابِرِينَ، لِيَقْهَرَهم بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وخَلْقِهِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: لِتَظْهَرَ الحُجَجُ بِمُجادَلَتِهِمْ، وتَرْتَفِعَ شُبُهاتُهُمْ، ولِئَلّا يُقالَ إنَّهُ شَخْصٌ ساعَدَهُ الكُلُّ لِيَأْكُلُوا أمْوالَ النّاسِ، أوْ يَتَواسَوْا عَلَيْهِمْ.

ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ أيْ: ما فَعَلُوا ذَلِكَ، يَعْنِي: مُعاداةَ الأنْبِياءِ، وإيحاءَ الزَّخارِفِ. وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ أيْ: مِنَ الكُفْرِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

6:113Page 142

وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: غُرُورًا عِلَّةً ثانِيَةً لِلْإيحاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

(p-٢٤٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٣] ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾

﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ﴾ أيْ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ، لِيَغُرَّهم بِهِ، ولِتَمِيلَ إلَيْهِ: ﴿أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ لِمُساعِدَتِهِ لَهم عَلى أهْوائِهِمْ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ ما مالَتْ إلَيْهِ قُلُوبُهم ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ أيْ: ولِيَكْتَسِبُوا بِمُوجِبِ ارْتِضائِهِمْ لَهُ ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: مِنَ الآثامِ.

قالَ القاشانِيُّ: فَتَقْوى غَوايَتُهُمْ، ويَتَظاهَرُونَ، ويَخْرُجُ ما فِيهِمْ مِنَ الشُّرُورِ إلى الفِعْلِ، ويَزْدادُوا طُغْيانًا وتَعَدِّيًا عَلى النَّبِيِّ، فَتَزْدادَ قُوَّةُ كَمالِهِ، وتَهِيجَ أيْضًا بِسَبَبِهِ دَواعِي المُؤْمِنِينَ، والَّذِينَ في اسْتِعْدادِهِمْ مُناسَبَةٌ لِلنَّبِيِّ، فَتَنْبَعِثَ حَمِيَّتُهُمْ، وتَزْدادَ مَحَبَّتُهم لِلنَّبِيِّ، ونَصْرُهم إيّاهُ، فَتَظْهَرَ عَلَيْهِمْ كَمالاتُهم.

لَطِيفَةٌ:

إنَّما خَصَّ بِالذِّكْرِ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ، دُونَ ما عَداها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها، وهم بِها كافِرُونَ، إشْعارًا بِما هو المَدارُ في صَغْوِ أفْئِدَتِهِمْ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ لَذّاتِ الآخِرَةِ مَحْفُوفَةٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِالمَكارِهِ، وآلامَها مُزَيَّنَةٌ بِالشَّهَواتِ، فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وبِأحْوالِ ما فِيها، لا يَدْرُونَ أنَّ وراءَ تِلْكَ المَكارِهِ لَذّاتٍ، ودُونَ هَذِهِ الشَّهَواتِ آلامًا، وإنَّما يَنْظُرُونَ إلى ما بَدا لَهم في الدُّنْيا بادِئَ الرَّأْيِ، فَهم مُضْطَرُّونَ إلى حُبِّ الشَّهَواتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُزَخْرَفاتُ الأقاوِيلِ، ومُمَوَّهاتُ الأباطِيلِ. وأمّا المُؤْمِنُونَ بِها، فَحَيْثُ كانُوا واقِفِينَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، ناظِرِينَ إلى عَواقِبِ الأُمُورِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ المَيْلُ إلى تِلْكَ المُزَخْرَفاتِ، لِعِلْمِهِمْ بِبُطْلانِها، ووَخامَةِ عاقِبَتِها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском