Al-QasimiAl‑An'am · 6:114–120

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:114–120

6:114Page 142

أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤

[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

(p-٢٤٧٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٤] ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، كَما في نَظائِرِهِ، أيْ: قُلْ لَهُمْ: أفَغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ مَن يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا مِنَ المُبْطِلِ. والمَعْنى: أطْلُبُ مَعْبُودًا؛ لِأنَّهُ كانُوا يَتَحاكَمُونَ إلى طَواغِيتِهِمْ - وهَذا عِنْدِي أظْهَرُ - ثُمَّ رَأيْتُ في "تَنْوِيرِ المِقْباسِ" الِاقْتِصارَ عَلَيْهِ، حَيْثُ قالَ: أبْتَغِي حَكَمًا أعْبُدُ رَبًّا. وأمّا كَوْنُ الآيَةِ وارِدَةً عَلى قَوْلِهِمْ: (اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا) فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْصِياعِ لِذَلِكَ.

﴿وهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ المُعْجِزَ ﴿مُفَصَّلا﴾ أيْ: مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلالِ والحَرامِ، وأنْتُمْ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا تَدْرُونَ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

الأُولى: قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ الخَوارِجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ عَلى إنْكارِهِمُ التَّحْكِيمَ. قالَ: وهو مَرْدُودٌ، فَإنَّ التَّحْكِيمَ المُنْكَرَ أنْ يُرِيدَ حَكَمًا يَحْكُمُ بِغَيْرِ ما حَكَمَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى.

قُلْتُ: هَذا مَبْنِيٌّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأظْهَرَ الوَجْهُ الثّانِي، فَلا اسْتِدْلالَ، ولا رَدَّ.

الثّانِيَةُ: قالُوا: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، وأدَلُّ عَلى الرُّسُوخِ، لِما أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلى إلّا عَلى العادِلِ، وعَلى مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الحُكْمُ، بِخِلافِ الحاكِمِ.

(p-٢٤٧٥)الثّالِثَةُ: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ كافٍ في أمْرِ الدِّينِ، مُغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ، بِبَيانِهِ وتَفْصِيلِهِ.

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ لِما عِنْدَهم مِنَ البِشاراتِ بِكَ مِنَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ولِتَصْدِيقِهِ ما عِنْدَهُمْ، مَعَ أنَّهُ ﷺ لَمْ يُمارِسْ كُتُبَهُمْ، ولَمْ يُخالِطْ عُلَماءَهم. وهَذا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ وثِقَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ عالِمُونَ بِحَقِيقَتِهِ ونُزُولِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، بِسَبَبِ جُحُودِ أكْثَرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥]

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] قالَ: وهَذا شَرْطٌ، والشَّرْطُ لا يُقْتَضى وُقُوعُهُ. ولِهَذا جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا أشُكُّ ولا أسْألُ»» . انْتَهى.

6:115Page 142

وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٥] ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] وقُرِئَ: (كَلِماتُ رَبِّكَ) أيْ: بَلَغَتِ الغايَةَ أخْبارُهُ وأحْكامُهُ ومَواعِيدُهُ: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخْبارِ والمَواعِيدِ: ﴿وعَدْلا﴾ في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ.

(p-٢٤٧٦)وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَمَّ قَضاؤُهُ تَعالى في الأزَلِ بِما قَضى وقَدَّرَ مِن إسْلامِ مَن أسْلَمَ، وكُفْرِ مَن كَفَرَ، ومَحَبَّةِ مَن أحَبَّ، وعَداوَةِ مَن عادى، قَضاءً مُبْرَمًا، وحُكْمًا صادِقًا، مُطابِقًا لِما يَقَعُ، عادِلًا بِمُناسَبَةِ كُلِّ قَوْلٍ وكُلِّ كَمالٍ وحالٍ، لِاسْتِعْدادِ مَن يَصْدُرُ عَنْهُ واقْتِضائِهِ لَهُ. انْتَهى.

﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِنها بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ. أوْ لا أحَدَ يَقْدِرُ أنْ يُحَرِّفَها شائِعًا ذائِعًا، كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ. عَلى أنَّ المُرادَ بِها القُرْآنُ فَيَكُونُ ضَمانًا لَها مِنهُ تَعالى بِالحِفْظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]

وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لا مُبَدِّلَ لِأحْكامِهِ الأزَلِيَّةِ. انْتَهى.

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": يَسْتَدِلُّ بِهِ مَن قالَ إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَمْ يُبَدِّلُوا لَفْظَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإنَّما بَدَّلُوا المَعْنى؛ لِأنَّ كَلِماتِ اللَّهِ لا تُبَدَّلُ. انْتَهى - وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - أخْرَجَها البُخارِيُّ في آخِرِ صَحِيحِهِ. وبَسَطَ المَقامَ في ذَلِكَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي". وتَقَدَّمَ لَنا في سُورَةِ البَقَرَةِ شَذْرَةٌ مِن هَذا البَحْثِ، فَجَدِّدْ بِهِ عَهْدًا.

﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يُظْهِرُونَ مِنَ الأقْوالِ: ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: بِما يُخْفُونَ.

6:116Page 142

وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allāh. They follow not except assumption, and they are not but misjudging.1

ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى مِنَ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ والعَمَلِ بِآثارِهِمْ بِقَوْلِهِ:

(p-٢٤٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٦] ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾

﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ، وهو الكُفّارُ: ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ، بِتَزْيِينِهِمْ زَخارِفَهم عَلَيْكَ، ودَعْوَتِهِمْ إيّاكَ إلى ما هم فِيهِ مِنَ اتِّباعِ الهَوى، كَما قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ وهو ظَنُّهم أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ، فَهم يُقَلِّدُونَهُمْ: ﴿وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما يَنْسُبُونَ إلَيْهِ، كاتِّخاذِ الوَلَدِ، وجَعْلِ عِبادَةِ الأوْثانِ وصْلَةً إلَيْهِ، وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ، وتَحْرِيمِ البَحائِرِ. و(إنْ) فِيهِ وفِيما قَبْلَهُ نافِيَةٌ. والخَرْصُ: الحَزْرُ والتَّخْمِينُ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وأصْلُهُ القَوْلُ بِالظَّنِّ، وقَوْلُ ما لا يُسْتَيْقَنُ ويُتَحَقَّقُ. قالَهُ الأزْهَرِيُّ.

6:117Page 142

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، وما بَعْدَها. وتَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ التَّحْذِيرِ. أيْ: هو أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، فاحْذَرْ أنْ تَكُونَ مِنَ الأوَّلِينَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: رَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في ذَمِّ الكُفّارِ في كَثِيرٍ مِن آياتِ القُرْآنِ، بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلظَّنِّ. والشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى مُوجِبًا لِذَمِّ الكُفّارِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في المَعْنى في أقْصى مَراتِبِ الذَّمِّ. والعِلْمُ بِالقِياسِ يُوجِبُ اتِّباعَ الظَّنِّ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَذْمُومًا مُحَرَّمًا. لا يُقالُ: لَمّا ورَدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ بِكَوْنِهِ حُجَّةً، كانَ العَمَلُ لَهُ عَمَلًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ، لا بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ. لِأنّا نَقُولُ: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:

(p-٢٤٧٨)الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ القاطِعَ إمّا أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا، وإمّا أنْ يَكُونَ سَمْعِيًّا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَقْلَ لا مَجالَ لَهُ في أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ جائِزٌ أوْ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما عِنْدَ مَن يُنْكِرُ تَحْسِينَ العَقْلِ وتَقْبِيحَهُ. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إنَّما يَكُونُ قاطِعًا لَوْ كانَ مُتَوَتِّرًا، أوْ كانَتْ ألْفاظُهُ غَيْرَ مُحْتَمِلَةٍ لِوَجْهٍ آخَرَ، سِوى هَذا المَعْنى الواحِدِ. ولَوْ حَصَلَ مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ لَعَلِمَ النّاسُ بِالضَّرُورَةِ كَوْنَ القِياسِ حُجَّةً، ولارْتَفَعَ الخِلافُ فِيهِ بَيْنَ الأُمَّةِ. فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدُ ذَلِكَ. عَلِمْنا أنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى صِحَّةِ القِياسِ مَفْقُودٌ.

الثّانِي: هَبْ أنَّهُ وُجِدَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ، إلّا أنَّ مَعَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ العَمَلُ بِالقِياسِ إلّا مَعَ اتِّباعِ الظَّنِّ. وبَيانُهُ أنَّ التَّمَسُّكَ بِالقِياسِ مَبْنِيٌّ عَلى مَقامَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ في مَحَلِّ الوِفاقِ مُعَلَّلٌ بِكَذا. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ المَعْنى حاصِلٌ في مَحَلِّ الخِلافِ. فَهَذانِ المَقامانِ، إنْ كانا مَعْلُومَيْنِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ، فَهَذا مِمّا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُقَلاءِ في صِحَّتِهِ. وإنْ كانَ مَجْمُوعُهُما، أوْ كانَ أحَدُهُما ظَنِّيًّا، فَحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ العِلْمُ بِهَذا القِياسِ إلّا بِمُتابَعَةِ الظَّنِّ، وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ تَحْتَ النَّصِّ الدّالِّ عَلى أنَّ مُتابَعَةَ الظَّنِّ مَذْمُومَةٌ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الظَّنُّ عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِقادِ الرّاجِحِ إذا لَمْ يَسْتَنِدْ إلى أمارَةٍ، وهو مِثْلُ اعْتِقادِ الكُفّارِ. أمّا إذا كانَ الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ مُسْتَنِدًا إلى أمارَةٍ، فَهَذا الِاعْتِقادُ لا يُسَمّى ظَنًّا، وبِهَذا الطَّرِيقِ سَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ. انْتَهى.

6:118Page 142

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨

So eat of that [meat] upon which the name of Allāh has been mentioned,1 if you are believers in His verses [i.e., revealed law].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٨] ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أمْرٌ مُتَرَتَّبٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَةِ إضْلالِهِمْ تَحْلِيلُ الحَرامِ وتَحْرِيمُ الحَلالِ؛ وذَلِكَ أنَّهم خاصَمُوا المُسْلِمِينَ فَقالُوا: ما ذَبَحَ اللَّهُ لا تَأْكُلُونَهُ، وما ذَبَحْتُمْ أنْتُمْ أكَلْتُمُوهُ - أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - (p-٢٤٧٩)فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى: كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلى ذَبْحِهِ، لِرَفْعِهِ تَنْجِيسَ المَوْتِ إيّاهُ المانِعَ مِنَ الأكْلِ، لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ، أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّهُ سُبْحانَهُ، واجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ.

6:119Page 143

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩

And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٩] ﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَدْعُوهم إلى الِاجْتِنابِ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في أنْ تَتَحَرَّجُوا مِن أكْلِهِ، وما يَمْنَعُكم عَنْهُ؟: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَهُ ووَضَّحَهُ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي في آيَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ.. ورُدَّ بِأنَّ المائِدَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، والأنْعامُ مَكِّيَّةٌ. فالصَّوابُ أنَّ التَّفْصِيلَ إمّا (p-٢٤٨٠)فِي قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.. فَإنَّهُ ذُكِرَ بَعْدُ بِيَسِيرٍ، وهَذا القَدْرُ مِنَ التَّأخُّرِ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ، وإمّا عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في القُرْآنِ. و(فَصَّلَ) و(حَرَّمَ) قُرِئَ كُلٌّ مِنهُما مَعْلُومًا ومَجْهُولًا. ومَعْنى الآيَةِ: لا مانِعَ لَكم مِن أكْلِ ما ذُكِرَ، وقَدْ بَيَّنَ لَكُمُ المُحَرَّمَ أكْلُهُ، وهَذا لَيْسَ مِنهُ.

﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: مِمّا حُرِّمَ عَلَيْكم. أيْ: إلّا أنْ تَدْعُوَكُمُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ المَجاعَةِ، فَيُباحُ لَكم.

﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّها: ﴿بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: يُضِلُّونَ فَيُحَرِّمُونَ ويُحَلِّلُونَ بِأهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ، مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِشَرِيعَةٍ.

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ أيِ: المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، والحَلالِ إلى الحَرامِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ في الدِّينِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ حَرامٌ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ قَوْلٌ بِمَحْضِ الهَوى والشَّهْوَةِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ الفَتْوى والحُكْمِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ، ولَكِنِ اتِّباعَ الهَوى.

6:120Page 143

وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠

And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ فَصَّلَ المُحَرَّماتِ، أتْبَعَهُ بِما يُوجِبُ تَرْكَها بِالكُلِّيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

(p-٢٤٨١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٠] ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾

﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: سَيِّئاتِ الأعْمالِ والأقْوالِ الظّاهِرَةَ عَلى الجَوارِحِ: ﴿وباطِنَهُ﴾ أيْ: ما يُسَرُّ مِنهُ بِالقَلْبِ كالعَقائِدِ الفاسِدَةِ، والعَزائِمِ الباطِلَةِ. أوْ ما يُعْلَنُ مِنَ الذُّنُوبِ وما يُسَرُّ مِنها، ويَسْتَتِرُ فِيهِ.

قالَ السُّدِّيُّ: ظاهِرُهُ الزِّنا مَعَ البَغايا ذَواتِ الرّاياتِ، وباطِنُهُ مَعَ الخَلِيلَةِ والصَّدائِقِ والأخْدانِ. ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في كُلِّ مُحَرَّمٍ، ولِذا قالَ قَتادَةُ: أيْ: سِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، قَلِيلَهُ وكَثِيرَهُ، وصَغِيرَهُ وكَبِيرَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: يَكْتَسِبُونَ. قالَ الشِّهابُ: الِاقْتِرافُ في اللُّغَةِ الِاكْتِسابُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في الشَّرِّ والذَّنْبِ. ولِذا قِيلَ: الِاعْتِرافُ يُزِيلُ الِاقْتِرافَ وقَدْ يَرِدُ في الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] انْتَهى.

وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ نَوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٢٤٨٢)««البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ»» .

قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يُؤاخَذُ بِأفْعالِ القَلْبِ، كَما يُؤاخَذُ بِأفْعالِ الجَوارِحِ. أيْ: عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ فِيها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском