Al-QasimiAl‑An'am · 6:121–127

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:121–127

6:121Page 143

وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١

And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢١] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾

﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عِنْدَ ذَبْحِهِ. أيْ: بِأنْ ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ، يَعْنِي: ذُبِحَ لِغَيْرِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والفِسْقُ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، كَما في الآيَةِ الآتِيَةِ آخِرَ السُّورَةِ. قالَ المَهايِمِيُّ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أيْ: خُرُوجٌ عَنِ الحُسْنِ إلى القُبْحِ، بِتَناوُلِ ما تَنَجَّسَ بِالمَوْتِ بِلا مانِعٍ عَنْ تَأْثِيرِهِ ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ﴾ أيْ: يُوَسْوِسُونَ ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفّارِ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ: في تَحْلِيلِ المَيْتَةِ ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: في تَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ، أوْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: لَهم مَعَ اللَّهِ، فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «أتى ناسٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا نَأْكُلُ ما نَقْتُلُ، ولا نَأْكُلُ ما يَقْتُلُ اللَّهُ تَعالى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾» . أخْرَجَهُ أصْحابُ السُّنَنِ.

وفِي رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ (p-٢٤٨٣)قالَ: يَقُولُونَ: ما ذَبَحَ اللَّهُ - فَلا تَأْكُلُوا، وما ذَبَحْتُمْ أنْتُمْ فَكُلُوا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَنُسِخَ، واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]

وعِنْدَ النَّسائِيِّ قالَ: خاصَمَهُمُ المُشْرِكُونَ، فَقالُوا: ما ذَبَحَ اللَّهُ لا تَأْكُلُونَهُ، وما ذَبَحْتُمْ أنْتُمْ أكَلْتُمُوهُ؟ - كَذا في تَيْسِيرِ الوُصُولِ.

الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ فَقِيلَ: بِاسْمِ اللَّهِ، بِهَذا اللَّفْظِ الكَرِيمِ. وقِيلَ بِكُلِّ قَوْلٍ فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهُ كالرَّحْمَنِ، وسائِرِ أسْمائِهِ الحُسْنى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]

الثّالِثُ: ما قَدَّمْناهُ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى هو الأظْهَرُ في تَأْوِيلِها، لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ومُراعاةُ النَّظائِرِ في القُرْآنِ أوْلى ما يُلْتَمَسُ بِهِ المُرادُ.

وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: نَزَلَتْ في ذَبائِحَ كانَتْ تَذْبَحُها قُرَيْشٌ عَلى الأوْثانِ، (p-٢٤٨٤)وذَبائِحِ المَجُوسِ. وقَدْ حاوَلَ بَعْضُهم أنْ يُقَوِّيَهُ فَجَعَلَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالِيَّةً، لِقُبْحِ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ. قالَ: والمَعْنى: لا تَأْكُلُوهُ حالَ كَوْنِهِ فِسْقًا. والفِسْقُ مُجْمَلٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥] فَيَكُونُ النَّهْيُ مَخْصُوصًا بِما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَيَبْقى ما عَداهُ حَلالًا، إمّا بِالمَفْهُومِ، أوْ بِعُمُومِ دَلِيلِ الحِلِّ، أوْ بِحُكْمِ الأصْلِ. واعْتُرِضَ عَلى هَذا الحَمْلُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَتَناوَلَ النَّهْيُ أكْلَ المَيْتَةِ، مَعَ أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، وبِأنَّ التَّأْكِيدَ بِ (إنَّ) و(اللّامِ) يَنْفِي كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ فِيما قُصِدَ الإعْلامُ بِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ، والرَّدُّ عَلى مُنْكَرٍ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا (عَلى ما بُيِّنَ في المَعانِي)، والحالُ الواقِعُ في الأمْرِ والنَّهْيِ مَبْناهُ عَلى التَّقْدِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إنْ كانَ فِسْقًا، فَلا يَحْسُنُ: (وإنَّهُ لَفِسْقٌ) بَلْ (وهُوَ فِسْقٌ) وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ دَخَلَ بِقَوْلِهِ: وإنَّهُ لَفِسْقٌ: ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وبِقَوْلِهِ: وإنَّ الشَّياطِينَ ... إلَخْ المَيْتَةُ، فَيَتَحَقَّقُ أنَّ هَذا النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالفِسْقِ هَهُنا الإهْلالَ لِغَيْرِ اللَّهِ، كانَ التَّأْكِيدُ مُناسِبًا، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إذا كانَ هَذا النَّوْعُ مِنَ الفِسْقِ الَّذِي الحَكَمُ بِهِ مُتَحَقِّقٌ، والمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَهُ. كَذا في "العِنايَةِ".

ومِمّا يُقَوِّيهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الخُرُوجُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو وجْهٌ ثانٍ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّ مَن أكَلَ المَيْتَةَ، أوْ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ فِسْقٌ، ومَعَ الِاسْتِحْلالِ يَكْفُرُ، بِخِلافِ ما ذَبَحَهُ المُسْلِمُ ولَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ، فَإنَّ آكِلَهُ لا يَفْسُقُ ولا يَكْفُرُ إجْماعًا - أشارَ لَهُ الرّازِيُّ - وحِينَئِذٍ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ ذَبِيحَةِ المُسْلِمِ الَّتِي تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ عَلَيْها عَمْدًا أوْ سَهْوًا.

وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في "مَراسِيلِهِ" عَنِ الصَّلْتِ السُّدُوسِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، إنَّهُ إنْ ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا اسْمَ اللَّهِ»» .

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا مُرْسَلٌ يُعَضَّدُ بِما رَواهُ اَلدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «إذا ذَبَحَ المُسْلِمُ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَلْيَأْكُلْ، فَإنَّ المُسْلِمَ فِيهِ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى» .

(p-٢٤٨٥)واحْتَجَّ البَيْهَقِيُّ أيْضًا بِحَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا، فَقالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وكُلُوهُ. قالَتْ: وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ -» رَواهُ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ - قالَ: فَلَوْ كانَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ شَرْطًا لَمْ يُرَخِّصْ لَهم إلّا مَعَ تَحَقُّقِها. وكَذا قالَ الخَطابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ شَرْطٍ عَلى الذَّبِيحَةِ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ شَرْطًا لَمْ تُسْتَبَحِ الذَّبِيحَةُ بِالأمْرِ المَشْكُوكِ فِيهِ، كَما لَوْ عَرَضَ الشَّكُّ في نَفْسِ الذَّبِيحَةِ، فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ وقَعَتِ الذَّكاةُ المُعْتَبَرَةُ أمْ لا؟ وهَذا هو المُتَبادِرُ مِن سِياقِ الحَدِيثِ، حَيْثُ وقَعَ الجَوابُ فِيهِ: (سَمُّوا أنْتُمْ)، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لا تَهْتَمُّوا بِذَلِكَ، بَلِ الَّذِي يَهُمُّكم أنْتُمْ أنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وتَأْكُلُوا. وهَذا مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَأباحَ الأكْلَ مِن ذَبائِحِهِمْ، مَعَ وُجُودِ الشَّكِّ في أنَّهم سَمَّوْا أمْ لا. هَذا، وقَدْ تَمَسَّكَ بِظاهِرِ الآيَةِ قَوْمٌ فَذَهَبُوا إلى أنَّ الذَّبِيحَةَ لا تَحِلُّ إذا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، وإنْ كانَ الذّابِحُ مُسْلِمًا، عَمْدًا تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ أوْ نِسْيانًا. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الصَّيْدِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وبِالأحادِيثِ الوارِدَةِ في الأمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ والصَّيْدِ، (p-٢٤٨٦)كَحَدِيثَيْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ وأبِي ثَعْلَبَةَ: ««إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ»»، وهُما في الصَّحِيحَيْنِ.

(p-٢٤٨٧)وحَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: ««ما أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوهُ»» - في الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا -. وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلْجِنِّ: «لَكم كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»» . رَواهُ مُسْلِمٌ.

(p-٢٤٨٨)وحَدِيثُ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ، فَلْيَذْبَحْ مَكانَها أُخْرى، ومَن لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ حَتّى صَلَّيْنا، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»» - أخْرَجاهُ.

قالُوا: فَفي هَذِهِ الأحادِيثِ إيقافُ الإذْنِ في الأكْلِ عَلى التَّسْمِيَةِ، والمُعَلَّقُ بِالوَصْفِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفائِهِ، عِنْدَ مَن يَقُولُ بِالمَفْهُومِ. والشَّرْطُ أقْوى مِنَ الوَصْفِ.

واحْتَجُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ عائِشَةَ المُتَقَدِّمِ «سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وكُلُوا» . قالُوا: إنَّ القَوْمَ فَهِمُوا أنَّ التَّسْمِيَةَ لا بُدَّ مِنها، وخَشُوا أنْ لا تَكُونَ وُجِدَتْ مِن أُولَئِكَ، لِحَداثَةِ إسْلامِهِمْ، فَأمَرَهم بِالِاحْتِياطِ بِالتَّسْمِيَةِ عَنِ الأكْلِ، لِتَكُونَ كالعِوَضِ عَنِ المَتْرُوكَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ، إنْ لَمْ تَكُنْ وُجِدَتْ. أيْ: فَتَسْمِيَتُكُمُ الآنَ تَسْتَبِيحُونَ بِها كُلَّ ما لَمْ تَعْلَمُوا أذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (p-٢٤٨٩)أمْ لا، إذا كانَ الذّابِحُ مِمَّنْ تَصِحُّ ذَبِيحَتُهُ إذا سَمّى. قالُوا: ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّ كُلَّ ما يُوجَدُ في أسْواقِ المُسْلِمِينَ مَحْمُولٌ عَلى الصِّحَّةِ، وكَذا ما ذَبَحَهُ أعْرابُ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّهم عَرَفُوا التَّسْمِيَةَ. انْتَهى.

وأجابَ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ بِأنَّ الأمْرَ في حَدِيثِ عَدِيِّ وأبِي ثَعْلَبَةَ مَحْمُولٌ عَلى التَّنْزِيهِ، مِن أجْلِ أنَّهُما كانا يَصِيدانِ عَلى مَذْهَبِ الجاهِلِيَّةِ، فَعَلَّمَهُما النَّبِيُّ ﷺ أمْرَ الصَّيْدِ والذَّبْحِ، فَرْضَهُ ومَندُوبَهُ؛ لِئَلّا يُوافِقا شُبْهَةً في ذَلِكَ، ولِيَأْخُذا بِأكْمَلِ الأُمُورِ. وأمّا الَّذِينَ سَألُوا عَنْ تِلْكَ الذَّبائِحِ، فَإنَّهم سَألُوا عَنْ أمْرٍ قَدْ وقَعَ لِغَيْرِهِمْ، فَعَرَّفَهم بِأصْلِ الحِلِّ فِيهِ.

وقالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ التَّسْمِيَةُ هُنا عِنْدَ الأكْلِ، وبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيُّ.

وأمّا التَّسْمِيَةُ عَلى ذَبْحٍ تَوَلّاهُ غَيْرُهُمْ، فَلا تُكَلَّفُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وإنَّما يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ الصِّحَّةِ إذا تَبَيَّنَ خِلافُها.

وقالَ المُهَلَّبُ: هَذا الحَدِيثُ أصْلٌ في أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا. فَلَمّا نابَتْ تَسْمِيَتُهم عَنِ التَّسْمِيَةِ عَلى الذَّبْحِ، دَلَّ عَلى أنَّها سُنَّةٌ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ لا تَنُوبُ عَنْ فَرْضٍ. انْتَهى.

وذَهَبَ بَعْضُ مَنِ اشْتَرَطَ التَّسْمِيَةَ في الحِلِّ إلى جَوازِ أكْلِ ما تُرِكَتْ عَلَيْهِ سَهْوًا لا عَمْدًا. واحْتَجَّ بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««المُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، إنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ، فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ولِيَأْكُلْهُ»» . قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَفْعُهُ خَطَأٌ والصَّوابُ وقْفُهُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، مِن قَوْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ البَيْهَقِيُّ. واحْتَجَّ أيْضًا بِالحَدِيثِ المَرْوِيِّ مِن طُرُقٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي ذَرٍّ وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (p-٢٤٩٠)عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ وضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»» .

ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ ثَوْبانَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ««رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ...»» . الحَدِيثَ.

ورَوى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أرَأيْتَ الرَّجُلَ مِنّا يَذْبَحُ ويَنْسى أنْ يُسَمِّيَ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اسْمُ اللَّهِ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ.

وقَدْ عَلِمْتَ الأظْهَرَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ أوَّلًا. واللَّهُ أعْلَمُ.

الرّابِعُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ: هَلْ نُسِخَ مَن حَكَمَها شَيْءٌ أمْ لا؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ، وهي مُحْكَمَةٌ فِيما عُنِيَتْ بِهِ. وعَلى هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ تَعالى نَسَخَ مِن هَذِهِ الآيَةِ واسْتَثْنى قَوْلَهُ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ أيْضًا أنَّهُ تَعالى نَسَخَها بِذَلِكَ وأحَلَّ طَعامَ أهْلِ الكِتابِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ حِلِّ طَعامِ أهْلِ الكِتابِ، وبَيْنَ تَحْرِيمِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي قالَهُ صَحِيحٌ. ومَن أطْلَقَ مِنَ السَّلَفِ النَّسْخَ هَهُنا، فَإنَّما أرادَ التَّخْصِيصَ. انْتَهى.

وقَدْ قَدَّمْنا في المُقَدِّمَةِ أنَّهُ عُلِمَ مِنَ اسْتِقْراءِ كَلامِ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْلِمُونَ النَّسْخَ بِإزاءِ المَعْنى اللُّغَوِيِّ، الَّذِي هو إزالَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، لا بِإزاءِ مُصْطَلَحِ الأُصُولِيِّينَ. فَمَعْنى النَّسْخِ عِنْدَهم إزالَةُ بَعْضِ الأوْصافِ مِنَ الآيَةِ بِآيَةٍ أُخْرى. إمّا بِانْتِهاءِ مُدَّةِ العَمَلِ، أوْ بِصَرْفِ الكَلامِ عَنِ المَعْنى المُتَبادِرِ إلى غَيْرِهِ، أوْ بَيانِ كَوْنِ قَيْدٍ مِنَ القُيُودِ اتِّفاقِيًّا، أوْ تَخْصِيصِ عامٍّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أسْلَفْنا، فَتَذَكَّرْ!

(p-٢٤٩١)الخامِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أحَلَّ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى، أوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا أحَلَّ اللَّهُ تَعالى، فَهو مُشْرِكٌ. وإنَّما سُمِّيَ مُشْرِكًا لِأنَّهُ أثْبَتَ حاكِمًا سِوى اللَّهِ تَعالى. وهَذا هو الشِّرْكُ. انْتَهى.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: حَيْثُ عَدَلْتُمْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ لَكم وشَرْعِهِ إلى قَوْلِ غَيْرِهِ، فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَهَذا هو الشِّرْكُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآيَةَ. وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في تَفْسِيرِها «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَبَدُوهم. قالَ: إنَّهم أحَلُّوا لَهُمُ الحَرامَ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الحَلالَ فاتَّبَعُوهم. فَذاكَ عِبادَتُهم إيّاهم». انْتَهى.

السّادِسُ: قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى أنَّ (الإيمانَ) اسْمٌ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ، وإنْ كانَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقَ، كَما جَعَلَ تَعالى (الشِّرْكَ) اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ في اللُّغَةِ مُخْتَصًّا بِمَن يَعْتَقِدُ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى سَمّى طاعَةَ المُؤْمِنِينَ لِلْمُشْرِكِينَ، في إباحَةِ المَيْتَةِ، شِرْكًا.

(p-٢٤٩٢)وتَعَقَّبَهُ الرّازِيُّ؛ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشِّرْكِ هَهُنا اعْتِقادَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا في الحُكْمِ والتَّكْلِيفِ؟ وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَرْجِعُ مَعْنى هَذا الشِّرْكِ إلى الِاعْتِقادِ فَقَطْ. انْتَهى.

6:122Page 143

أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، لِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْ طاعَةِ المُشْرِكِينَ، إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ عَنْها، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٢] ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ مَثَّلَ بِهِ مَن هَداهُ اللَّهُ بَعْدَ الضَّلالَةِ، وبَصَّرَهُ بِنُورِ الحُجَجِ والآياتِ، يَتَأمَّلُ بِها في الأشْياءِ، فَيُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمُهْتَدِي والضّالِّ، بِمَن كانَ مَيْتًا فَأُعْطاهُ الحَياةَ، وما يَتْبَعُها مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ. ومَن بَقِيَ عَلى الضَّلالَةِ، بِالخابِطِ في الظُّلُماتِ، لا يَنْفَكُّ مِنها، ولا يَتَخَلَّصُ، فَهو مُتَحَيِّرٌ عَلى الدَّوامِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ: ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولِذا جادَلُوا بِها الحَقَّ، وأصَرُّوا عَلَيْها.

6:123Page 143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٣] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ. أيْ: كَما جَعَلْنا بِمَكَّةَ كُبَراءَ لِيَمْكُرُوا عَلى أتْباعِهِمْ في تَزْيِينِ الباطِلِ، وسَتْرِ الحَقِّ - جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، أرْسَلَنا إلَيْها الرُّسُلَ، أكابِرَها المُجْرِمِينَ، مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ (p-٢٤٩٣)المَذْكُورِينَ، مُزَيَّنًا لَهم أعْمالُهُمْ، مُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ، مُجادِلِينَ بِهِ الحَقَّ، لِيَفْعَلُوا المَكْرَ فِيها عَلى أتْباعِهِمْ بِالتَّلْبِيسِ، لِيَتْرُكُوا مُتابَعَةَ الرُّسُلِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: المُرادُ بِ (المَكْرِ) هَهُنا دُعاؤُهم إلى الضَّلالَةِ بِزُخْرُفِ المَقالِ والفِعالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى إخْبارًا عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نوح: ٢٢] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبإ: ٣٢] ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣٣] الآيَةَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَصَّ الأكابِرَ لِأنَّهم هُمُ الحامِلُونَ عَلى الضَّلالِ، والماكِرُونَ بِالنّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦]

﴿وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: ما يَضُرُّونَ بِمَكْرِهِمْ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ لِأنَّ وبالَهُ يَحِيقُ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقالَ: (p-٢٤٩٤)﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَقْدِيمُ مَوْعِدٍ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ.

6:124Page 143

وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٤] ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾

﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ أيْ: بُرْهانٌ وحُجَّةٌ قاطِعَةٌ: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ الوَحْيِ والمُعْجِزاتِ المُصَدِّقَةِ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] الآيَةَ.

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]

﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأنْ لا يَصْطَفِيَ لِلنُّبُوَّةِ إلّا مَن عَلِمَ أنَّهُ يَصْلُحُ لَها، فَيَلِيقُ لِلِاسْتِشْراقِ بِأنْوارِ عِلْمِهِ، والأمانَةِ عَلى مَكْنُونِ سِرِّهِ، مِمّا لَوِ انْكَشَفَ لِغَيْرِهِ انْكِشافَهُ لَهُ، لَفاضَتْ لَهُ نَفْسُهُ، أوْ ذَهَبَتْ بِعَقْلِهِ جَلالَتُهُ وعَظْمَتُهُ، فَهو أعْلَمُ بِالمَكانِ الَّذِي يَضَعُها فِيهِ مِنهم.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ. واصْطَفى مِن بَنِي إسْماعِيلَ، بَنِي (p-٢٤٩٥)كِنانَةَ.» واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ. واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» . وانْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ أيْضًا.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ عَنِ العَبّاسِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِ خَلْقِهِ، وجَعَلَهم فَرِيقَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِ فِرْقَةٍ، وخَلَقَ القَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وجَعَلَهم بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأنا خَيْرُكم بَيْتًا، وخَيْرُكم نَفْسًا»» .

﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ أيْ: ذِلَّةٌ وهَوانٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، جَزاءً عَلى مُنازَعَتِهِمْ لَهُ تَعالى في كِبْرِهِ بِرَدِّ آياتِهِ ورِسالَتِهِ، واعْتِراضِهِمْ عَلَيْهِ في تَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ غَيْرَهم ﴿وعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ يَعْنِي: في الآخِرَةِ ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الدُّنْيا إضْرارًا بِالأنْبِياءِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا كانَ المَكْرُ غالِبًا، إنَّما يَكُونُ خَفِيًّا، وهو التَّلَطُّفُ في التَّحْلِيلِ والخَدِيعَةِ، قُوبِلُوا بِالعَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، جَزاءً وِفاقًا. ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا. وجاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يُنْصَبُ لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ»» .

(p-٢٤٩٦)والحِكْمَةُ في هَذا، أنَّهُ لَمّا كانَ الغَدْرُ خَفِيًّا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النّاسُ، فَيَوْمَ القِيامَةِ يَصِيرُ عَلَمًا مَنشُورًا عَلى صاحِبِهِ بِما فَعَلَ. انْتَهى.

6:125Page 144

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥

So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٥] ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أيْ: لِلتَّوْحِيدِ: ﴿يَشْرَحْ﴾ أيْ: يُوَسِّعْ: ﴿صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ بِتَصْقِيلِهِ بِنُورِ الهِدايَةِ، فَيَقْبَلُ نُورَ الحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]

(p-٢٤٩٧)رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ؟ قالَ: نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ. قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ. ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِلْحَدِيثِ طُرُقٌ مُرْسَلَةٌ ومُتَّصِلَةٌ يَشُدُّ بَعْضُها بَعْضًا.

﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ، فَلا يَتَّسِعُ لِلِاعْتِقاداتِ الصّائِبَةِ في اللَّهِ، والأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ.

قالَ أبُو البَقاءِ: حَرِجًا (بِكَسْرِ الرّاءِ) صِفَةٌ لِ (ضَيِّقًا)، أوْ مَفْعُولٌ ثالِثٌ، كَما جازَ في المُبْتَدَأِ أنْ تُخْبِرَ عَنْهُ بِعِدَّةِ أخْبارٍ. أوْ يَكُونُ الجَمِيعُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ واحِدٍ (حُلْوٌ حامِضٌ). وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، هو مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى. يُقْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. أيْ: ذا حَرَجٍ. وقِيلَ: هو جَمْعُ حَرَجَةٍ، مِثْلَ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ، والهاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُ الصُّعُودَ في جِهَةِ السَّماءِ، وطَبْعُهُ يَهْبِطُ إلى الأرْضِ، فَشُبِّهَ، لِلْمُبالَغَةِ في ضِيقِ صَدْرِهِ، بِمَن يُزاوِلُ أمْرًا غَيْرَ مُمْكِنٍ لِأنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَمْتَنِعُ ويَبْعُدُ مِنَ الِاسْتِطاعَةِ، وتَضِيقُ عَنْهُ المَقْدِرَةُ. وقِيلَ: مَعْناهُ كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الحَقِّ، وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ. وأصْلُ (يَصَّعَّدُ) يَتَصَعَّدُ مِن (الصُّعُودِ).

﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ. والرِّجْسُ ما اسْتُقْذِرَ مِنَ العَمَلِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ.

6:126Page 144

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

(p-٢٤٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٦] ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾

﴿وهَذا﴾ أيِ: البَيانُ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، أوْ طَرِيقُ التَّوْحِيدِ، وإسْلامُ الوَجْهِ إلى اللَّهِ. ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ أيْ: طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا مَيْلَ فِيهِ إلى إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ في الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ والأعْمالِ. أوْ لا اعْوِجاجَ فِيهِ إلى النَّظَرِ إلى الغَيْرِ والشِّرْكِ بِهِ.

﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أيِ: المَعارِفَ والحَقائِقَ الَّتِي هي مُرَكَّزَةٌ في اسْتَعْداهُمْ، فَيَهْتَدُوا بِها.

6:127Page 144

۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧

For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٧] ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ أيِ: السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ، وهو الجَنَّةُ، لِكَوْنِهِمْ في مَقامِ القُرْبِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهُمْ﴾ يَتَوَلّاهم بِمَحَبَّتِهِ، ويَجْعَلُهم في أمانَةٍ. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في سُلُوكِهِمْ صِراطَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском