Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:128–134
6:128Page 144
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٨] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ فِيما تَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ، وتُنْذِرُهم بِهِ، يَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا، يَعْنِي الجِنَّ وأوْلِياءَهم مِنَ الإنْسِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَهم في الدُّنْيا، ويَعُوذُونَ بِهِمْ، ويُطِيعُونَهُمْ، ويُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا.
(p-٢٤٩٩)﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ أيْ: نَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ! يَعْنِي: الشَّياطِينَ. قالَ المَهايِمِيُّ: خَصَّهم بِالنِّداءِ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في المَكْرِ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ. أوْ مِنهُمْ، بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكُمْ، وتَسْوِيلِكم وتَزْيِينِكُمُ الحُطامَ الدُّنْيَوِيَّةَ، واللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ عَلَيْهِمْ، ووَسْوَسَتِكم لَهم بِالمَعاصِي، فَحُشِرُوا مَعَكم. وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. ﴿وقالَ أوْلِياؤُهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ أطاعُوهم وتَوَلَّوْهُمْ: ﴿مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: ما كانَ اسْتِمْتاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ إلّا أنَّ الجِنَّ أُمِرَتْ، وعَلِمَتِ الإنْسُ. أيْ: فالجِنُّ نالَتِ التَّعْظِيمَ مِنهم فَعَبَدَتْ، والإنْسُ بِوَسْوَسَتِهِمْ تَمَتَّعُوا بِإيثارِ الشَّهَواتِ الحاضِرَةِ، عَلى اللَّذّاتِ الغائِبَةِ: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ: بِالمَوْتِ، أوْ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ عَلى أقْبَحِ صُورَةٍ، وأسْوَأِ عَيْشٍ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: قالُوا اعْتِرافًا بِما فَعَلُوا مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ، واتِّباعِ الهَوى، وتَكْذِيبِ البَعْثِ، وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها، وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ، واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ. ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ، لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدْ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا.
﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ: مَنزِلُكُمْ، كَما أنَّ دارَ السَّلامِ مَثْوى المُؤْمِنِينَ.
﴿خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ أنْ تُخَفَّفَ، أوْ يُنْجى مِنكم مَن لا يَكُونُ سَبَبَ تَعْذِيبِهِ شِرْكًا راسِخًا في اعْتِقادِهِ.
وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ أنْ يَنْقُلَكم مِنها إلى الزَّمْهَرِيرِ، انْتِقالَكم مِن شَهْوَةٍ إلى أُخْرى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: يُخَلَّدُونَ في عَذابِ النّارِ، الأبَدَ كُلَّهُ، إلّا الأوْقاتِ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِن عَذابِ النّارِ إلى عَذابِ الزَّمْهَرِيرِ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يُدْخَلُونَ وادِيًا فِيهِ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يَمِيزُ بَعْضَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَيَتَعاوَوْنَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجَحِيمِ. أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِ (p-٢٥٠٠)المَوْتُورِ الَّذِي ظَفِرَ بِواتِرِهِ، ولَمْ يَزَلْ يُحَرِّقُ عَلَيْهِ أنْيابَهُ، وقَدْ طَلَبَ إلَيْهِ أنْ يُنَفِّسَ عَنْ خِناقِهِ: أهْلَكَنِي اللَّهُ إنْ نَفَّسْتُ عَنْكَ إلّا إذا شِئْتُ. وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَشاءُ إلّا التَّشَفِّيَ مِنهُ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْنِيفِ والتَّشْدِيدِ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (إلّا إذا شِئْتُ) مِن أشَدِّ الوَعِيدِ، مَعَ تَهَكُّمٍ بِالمُوعَدِ، لِخُرُوجِهِ في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي فِيهِ إطْماعٌ. انْتَهى.
قالَ الخَفاجِيُّ: لَمّا كانَ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، وهم لا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ بَيانُ حالِهِمْ، فَيَبْعُدُ جَعْلُهُ شامِلًا لِلْعُصاةِ، لِيَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ بِاعْتِبارِهِ، مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَ (ما) لِلْعُقَلاءِ قَلِيلٌ - وجَّهُوهُ بِأنَّ المُرادَ النَّقْلُ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، أوِ المُبالَغَةُ في الخُلُودِ، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْتَفِي إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وهو مِمّا لا يَكُونُ مَعَ إبْرازِهِ في صُورَةِ الخُرُوجِ وإطْماعِهِمْ في ذَلِكَ تَهَكُّمًا وتَشْدِيدًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ وقْتِيَّةٌ. أوْ إنَّ المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ قَبْلَ الدُّخُولِ. ورُدَّ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ صَرْفَ النّارِ مِن مَعْناها العِلْمِيِّ، وهو دارُ العَذابِ، إلى اللُّغَوِيِّ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِالصَّرْفِ إذا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ. وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُعْتَرِضَ لا يُسَلِّمُ الضَّرُورَةَ، لِإمْكانِ غَيْرِ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ. مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: مَثْواكم يَقْتَضِي ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَرِضُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ. ورَدَّ الأخِيرَ أبُو حَيّانَ بِأنْ في الِاسْتِثْناءِ يُشْتَرَطُ اتِّحادُ زَمانِ المُخْرَجِ، والمُخْرَجِ مِنهُ، فَإذا قُلْتَ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، فَمَعْناهُ: إلّا زَيْدًا ما قامَ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إلّا زَيْدًا ما يَقُومُ في المُسْتَقْبَلِ. وكَذَلِكَ سَأضْرِبُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا، مَعْناهُ: إلّا زَيْدًا فَإنِّي لا أضْرِبُهُ في المُسْتَقْبَلِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إلّا زَيْدًا فَإنِّي ما ضَرَبْتُهُ قَبْلُ، إلّا إذا كانَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، فَإنَّهُ يَسُوغُ، كَقَوْلِهِ: لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى. فَإنَّهم ذاقُوها. ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ القائِلَ بَلْ يَلْتَزِمُ انْقِطاعَهُ، كَما في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها، ولا مَحْذُورَ فِيهِ، مَعَ وُرُودِ مِثْلِهِ في القُرْآنِ، وفِيهِ نَظَرٌ. وقِيلَ: إنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ تَأْوِيلِ الخُلُودِ بِالأبَدِ، والأبَدُ لا يَقْتَضِي الدُّخُولَ. انْتَهى.
وقالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": قَدْ ثَبَتَ خُلُودُ الكُفّارِ في العَذابِ ثُبُوتًا قَطْعِيًّا، فَمِن ثَمَّ (p-٢٥٠١)اعْتَنى العُلَماءُ بِالكَلامِ عَلى الِاسْتِثْناءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي أُخْتِها في سُورَةِ هُودٍ. فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها شامِلَةٌ لِعُصاةِ المُوَحِّدِينَ ولِلْكُفّارِ، والمُسْتَثْنى العُصاةُ؛ لِأنَّهم لا يُخَلَّدُونَ. وقَدْ عَلِمْتَ بُعْدَهُ.
ثُمَّ قالَ: وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مَحْدُودٌ بِمَشِيئَةِ رَفْعِ العَذابِ، أيْ: مُخَلَّدُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَوْ شاءَ. وفائِدَتُهُ إظْهارُ القُدْرَةِ، والإعْلانُ بِأنَّ خُلُودَهم إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهُ تَعالى قَدْ شاءَهُ، وكانَ الجائِزُ العَقْلِيُّ في مَشِيئَتِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهُمْ، ولَوْ عَذَّبَهم لا يُخَلِّدُهُمْ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ واجِبٍ عَلَيْهِ، وإنَّما هو مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ. وفِيها عَلى هَذا الوَجْهِ دَفْعٌ في صَدْرِ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ تَخْلِيدَ الكُفّارِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يَشاءَ خِلافَ ذَلِكَ.
وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى وجْهٍ لَطِيفٍ، إنَّما يَظْهَرُ بِالبَسْطِ فَقالَ: المُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - إلّا ما يَشاءُ مِن زِيادَةِ العَذابِ. ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ الِاسْتِثْناءِ. والمُسْتَثْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ لَمْ يُغايِرِ المُسْتَثْنى مِنهُ في الحُكْمِ، ونَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: العَذابُ - والعِياذُ بِاللَّهِ - عَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ، كَأنَّ المُرادَ أنَّهم مُخَلَّدُونَ في جِنْسِ العَذابِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن زِيادَةٍ تَبْلُغُ الغايَةَ، وتَنْتَهِي إلى أقْصى النِّهايَةِ، حَتّى تَكادَ لِبُلُوغِها الغايَةَ، ومُبايَنَتِها لِأنْواعِ العَذابِ في الشِّدَّةِ، تُعَدُّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العَذابِ، وخارِجَةً عَنْهُ. والشَّيْءُ إذا بَلَغَ الغايَةَ عِنْدَهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالضِّدِّ، كَما تَقَدَّمَ في التَّعْبِيرِ عَنْ كَثْرَةِ الفِعْلِ بِ (رُبَّ) و(قَدْ)، وهُما مَوْضُوعانِ لِضِدِّ الكَثْرَةِ مِنَ القِلَّةِ، وذَلِكَ أمْرٌ يُعْتادُ في لُغَةِ العَرَبِ. وقَدْ حامَ أبُو الطَّيِّبِ حَوْلَهُ فَقالَ:
؎لَقَدْ جُدْتَ حَتّى كادَ يَبْخَلُ حاتِمٌ لِلْمُنْتَهى ومِنَ السُّرُورِ بُكاءُ
(p-٢٥٠٢)فَكَأنَّ هَؤُلاءِ إذا نُقِلُوا إلى غايَةِ العَذابِ، ونِهايَةِ الشِّدَّةِ، فَقَدْ وصَلُوا إلى الحَدِّ الَّذِي يَكادُ أنْ يَخْرُجَ مِنَ اسْمِ العَذابِ المُطْلَقِ، حَتّى يَسُوغَ مُعامَلَتُهُ في التَّعْبِيرِ بِمُعامَلَةِ المُغايِرِ. وهو وجْهٌ حَسَنٌ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ إلّا بَعْدَ هَذا البَسْطِ.
وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما يُؤَيِّدُهُ. انْتَهى.
وفِي الآيَةِ تَأْوِيلاتٌ أُخَرُ:
مِنها: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى قَوْمًا قَدْ سَبَقَ عِلْمُهُ أنَّهم يُسْلِمُونَ ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ ﷺ. وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ مِنَ المَحْكِيِّ، وأنَّ (ما) بِمَعْنى (مَن).
(p-٢٥٠٣)ومِنها: أنَّهم يُفْتَحُ لَهم أبْوابُ الجَنَّةِ، ويَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، فَإذا تَوَجَّهُوا لِلدُّخُولِ أُغْلِقَتْ في وُجُوهِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِمْ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ. قالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضى في "الدُّرَرِ": فَإنْ قِيلَ: أيُّ فائِدَةٍ في هَذا الفِعْلِ، وما وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ؟ قُلْنا: وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أغْلَظُ عَلى نُفُوسِهِمْ، وأعْظَمُ في مَكْرُوهِهِمْ، وهو ضَرْبٌ مِنَ العِقابِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِأفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ؛ لِأنَّ مَن طَمِعَ في النَّجاةِ والخَلاصِ مِنَ المَكْرُوهِ، واشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَرَجِ، ورُدَّ إلى المَكْرُوهِ، يَكُونُ عَذابُهُ أصْعَبَ وأغْلَظَ مِن عَذابِ مَن لا طَرِيقَ لِلطَّمَعِ عَلَيْهِ. كَذا في "العِنايَةِ".
ومِنها: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ إشارَةٌ إلى فَناءِ النّارِ. أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ فَناءَها، وزَوالَ عَذابِها.
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الدُّرِّ المَنثُورِ": أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ لَبِثَ أهْلُ النّارِ في النّارِ، كَقَدْرَ رَمْلِ عالِجٍ، لَكانَ لَهم يَوْمٌ عَلى ذَلِكَ يَخْرُجُونَ فِيهِ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ونُقِلَ هَذا عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. وقَدِ انْتَصَرَ لِهَذا القَوْلِ جَماعَةٌ. قالُوا: وما ورَدَ مِنَ الخُلُودِ فِيها والتَّأْبِيدِ وعَدَمِ الخُرُوجِ، وأنَّ عَذابَها مُقِيمٌ، كُلُّهُ حَقٌّ مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي الخُلُودَ في دارِ العَذابِ ما دامَتْ باقِيَةً، وإنَّما يَخْرُجُ مِنها في حالِ بَقائِها أهْلُ التَّوْحِيدِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ مَن يَخْرُجُ مِنَ الحَبْسِ، وهو حَبْسٌ عَلى حالِهِ، وبَيْنَ مَن يَبْطُلُ حَبْسُهُ بِخَرابِ الحَبْسِ وانْتِقاضِهِ. وقَدْ بَسَطَ البَحْثَ في ذَلِكَ وجَوَّدَهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِهِ "حادِي الأرْواحِ"، ومَعَ كَوْنِهِ انْتَصَرَ لِهَذا القَوْلِ انْتِصارًا عَظِيمًا، وذَكَرَ لَهُ خَمْسَةً وعِشْرِينَ دَلِيلًا، لَمْ يُصَحِّحْهُ، حَيْثُ قالَ: أمّا أبَدِيَّةُ الجَنَّةِ، وأنَّها لا تَفْنى ولا (p-٢٥٠٤)تَبِيدُ، فَمِمّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرارِ، ولَمْ يَقُلْ بِفَنائِها أحَدٌ. ومَن قالَ بِهِ - كالجَهْمِيَّةِ - فَهو ضالٌّ مُبْتَدِعٌ مُنْحَرِفٌ عَنِ الصَّوابِ ولَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفٌ. وأمّا أبَدِيَّةُ النّارِ فَفِيها قَوْلانِ مَعْرُوفانِ عَنِ السَّلَفِ والخَلَفِ، والأصَحُّ عَدَمُ فَنائِها أيْضًا. انْتَهى.
وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُ هَذا المَقامِ في آيَةِ هُودٍ.
وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ. لا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا.
﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ فَلا يُعَذِّبُ إلّا عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِمَن يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ، فَيَدُومُ عَذابُهُ. أوْ بِسَيِّئاتِ أعْمالِهِ، فَيُعَذَّبُ عَلى حَسَبِها، ثُمَّ يَنْجُو مِنهُ.
6:129Page 144
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩
And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٩] ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِنَ الإنْسِ: ﴿بَعْضًا﴾ أيْ: نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم بِالإغْواءِ والإضْلالِ، كَما فَعَلَ الشَّياطِينُ وغُواةُ الإنْسِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قالَ الرّازِيُّ:
لِأنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ. فالأرْواحُ الخَبِيثَةُ تَنْضَمُّ إلى ما يُشاكِلُها في الخُبْثِ. وكَذا القَوْلُ في الأرْواحِ الطّاهِرَةِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَهْتَمُّ بِشَأْنِ مَن يُشاكِلُهُ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّقْوِيَةِ.
(p-٢٥٠٥)تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": الآيَةُ مَعْنى حَدِيثِ: ««كَما تَكُونُونَ يُوَلّى عَلَيْكُمْ»»، أخْرَجَهُ ابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ. انْتَهى.
وأسْنَدَ في "الجامِعِ الصَّغِيرِ" تَخْرِيجَهُ إلى الدَّيْلَمِيِّ في "الفِرْدَوْسِ (عَنْ أبِي بَكْرَةَ وإلى البَيْهَقِيِّ، عَنْ أبِي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ مُرْسَلًا - ورُمِزَ لَهُ بِالضَّعْفِ -.
وأُسْنِدَ في "الدُّرِّ المَنثُورِ" عَنْ مَنصُورِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: سَألْتُ الأعْمَشَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ ما سَمِعْتَهم يَقُولُونَ فِيهِ؟ قالَ: سَمِعْتُهم يَقُولُونَ: إذا فَسَدَ النّاسُ أُمِّرَ عَلَيْهِمْ شِرارُهم.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ وكَعْبٍ والحَسَنِ.
قالَ أبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في "تَفْسِيرِهِ": ويُقالُ في مَعْنى الآيَةِ: نُسَلِّطُ عَلى بَعْضِ الظّالِمِينَ بَعْضًا فَيُهْلِكُهُ أوْ يُذِلُّهُ. قالَ: وهَذا كَلامٌ لِتَهْدِيدِ الظّالِمِ، لِكَيْ يَمْتَنِعَ عَنْ ظُلْمِهِ. ويَدْخُلُ في الآيَةِ جَمِيعُ مَن يَظْلِمُ: مِن راعٍ في رَعِيَّتِهِ، وتاجِرٍ في تِجارَتِهِ، وسارِقٍ، وغَيْرِهِمْ.
قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: إذا رَأيْتُ ظالِمًا يَنْتَقِمُ مِن ظالِمٍ، فَقِفْ وانْظُرْ فِيهِ مُتَعَجِّبًا. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كَما ولَّيْنا هَؤُلاءِ الخاسِرِينَ مِنَ الإنْسِ تِلْكَ الطّائِفَةَ الَّتِي أغْوَتْهم مِنَ الجِنِّ، كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالظّالِمِينَ، نُسَلِّطُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، ونُهْلِكُ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، ونَنْتَقِمُ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، جَزاءً عَلى ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ.
6:130Page 144
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠
"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما سَيَكُونُ مِن تَوْبِيخِ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ، إثْرَ بَيانِ تَوْبِيخِ الجِنِّ بِإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم إلى الجُحُودِ سَبِيلٌ، فَيَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، وأنَّهم لَمْ يُعَذَّبُوا إلّا بِالحُجَّةِ، فَقالَ تَعالى:
(p-٢٥٠٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٠] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا: ﴿رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ بِالأمْرِ والنَّهْيِ: ﴿ويُنْذِرُونَكُمْ﴾ يُخَوِّفُونَكُمْ: ﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ الَّذِي قَدْ عايَنُوا فِيهِ أفانِينَ الأهْوالِ ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي الجِنَّ والإنْسَ ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ: أقْرَرْنا بِإتْيانِ الرُّسُلِ وإنْذارِهِمْ، وبِتَكْذِيبِ دَعْوَتِهِمْ، كَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: ما فِيها مِنَ الزَّهْرَةِ والنَّعِيمِ، وهو بَيانٌ لِما أدّاهم في الدُّنْيا إلى الكُفْرِ: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ. قالَ المَهايِمِيُّ: بَعْدَ شَهادَةِ جَوارِحِهِمْ: ﴿أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِما جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ مَن قالَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم. وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الجِنِّ رَسُولٌ، وإنَّما كانَتِ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ. نَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّسُلُ مِن بَنِي آدَمَ، ومِنَ الجِنِّ نُذُرٌ. وأجابُوا عَنْ ظاهِرِ الآيَةِ بِأنَّ فِيها (p-٢٥٠٧)مُضافًا. أيْ: مِن أحَدِكُمْ، وهُمُ الإنْسُ. أوْ مِن إضافَةِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجانِ مِن أحَدِهِما، وهو المِلْحُ دُونَ العَذْبِ. وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَهُما قَدْ جُمِعَ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩] وهو جائِزٌ في كُلِّ ما اتَّفَقَ في أصْلِهِ. فَلِذَلِكَ لَمّا اتَّفَقَ ذِكْرُ الجِنِّ مَعَ الإنْسِ جازَ مُخاطَبَتُهُما بِما يَنْصَرِفُ إلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وهُمُ الإنْسُ. وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: المَعْنى: ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِن جُمْلَتِكُمْ، لَكِنْ لا عَلى أنَّهم مِن جِنْسِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا، بَلْ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً. وإنَّما جُعِلُوا مِنهُما، إمّا لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ اتِّباعِهِمْ، والإيذانِ بِتَقارُبِهِما ذاتًا، واتِّحادِهِما تَكْلِيفًا وخِطابًا، كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ واحِدٍ. ولِذَلِكَ تَمَكَّنَ أحَدُهُما مِن إضْلالِ الآخَرِ. وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ ما يَعُمُّ رُسُلَ الرُّسُلِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجِنَّ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ، وأنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهُمْ، حَيْثُ نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] انْتَهى.
وهَكَذا في عَهْدِ كُلِّ رَسُولٍ لا يَبْعُدُ أنَّهُ تَعالى كانَ يُلْقِي الدّاعِيَةَ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِن جِنِّ عَصْرِهِ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُمْ، ويَأْتُونَ قَوْمَهم مِنَ الجِنِّ، ويُخْبِرُونَهم بِما سَمِعُوهُ مِنَ الرُّسُلِ، ويُنْذِرُونَهم بِهِ. وقَدْ سَمّى تَعالى رُسُلَ عِيسى رُسُلَ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّهُ تَعالى إنَّما بَكَّتَ الكُفّارَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أزالَ العُذْرَ، وأزاحَ العِلَّةَ، بِسَبَبِ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى الكُلِّ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ. فَإذا وصَلَتِ البِشارَةُ والنِّذارَةُ إلى الكُلِّ بِهَذا (p-٢٥٠٨)الطَّرِيقِ، فَقَدْ حَصَلَ ما هو المَقْصُودُ مِن إزاحَةِ العُذْرِ، وإزالَةِ العِلَّةِ، فَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا. كَذا قَرَّرَهُ الرّازِيُّ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فَحَصَرَ النُّبُوَّةَ والكِتابَ بَعْدَ إبْراهِيمَ في ذُرِّيَّتِهِ. ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ النُّبُوَّةَ كانَتْ في الجِنِّ قَبْلَ إبْراهِيمَ، ثُمَّ انْقَطَعَتْ عَنْهم بِبَعْثَتِهِ. وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] ومَعْلُومٌ أنَّ الجِنَّ تَتْبَعُ الإنْسَ في هَذا البابِ. انْتَهى.
الثّانِي: إنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في أنَّهم أقَرُّوا في هَذِهِ الآيَةِ بِالكُفْرِ، وجَحَدُوهُ في قَوْلِهِ: (p-٢٥٠٩)﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ؟ قُلْنا: يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ، والأحْوالُ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يُقِرُّونَ، وأُخْرى يَجْحَدُونَ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِمْ، واضْطِرابِ أحْوالِهِمْ، فَإنَّ مَن عَظُمَ خَوْفُهُ، كَثُرَ الِاضْطِرابُ في كَلامِهِ - أفادَهُ الرّازِيُّ.
زادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أُرِيدَ شَهادَةُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ وجُلُودِهِمْ حِينَ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ.
الثّالِثُ: إنْ قِيلَ: لِمَ كَرَّرَ ذِكْرَ شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ؟ أُجِيبَ: بِأنَّ الأُولى حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ كَيْفَ يَقُولُونَ ويَعْتَرِفُونَ؛ والثّانِيَةُ ذَمٌّ لَهُمْ، وتَخْطِئَةٌ لِرَأْيِهِمْ، ووَصْفٌ لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وأنَّهم قَوْمٌ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا، واللَّذّاتُ الحاضِرَةُ، وكانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنِ اضْطُرُّوا إلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِسْلامِ لِرَبِّهِمْ واسْتِيجابِ عَذابِهِ. وإنَّما قالَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلسّامِعِينَ مِن مِثْلِ حالِهِمْ - كَذا في "الكَشّافِ" -.
6:131Page 144
ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١
That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣١] ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهُ تَعالى أعْذَرَ إلى الثَّقَلَيْنِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وتَبْيِينِ الآياتِ، وإلْزامِ الحُجَّةِ بِالإنْذارِ والتَّهْدِيدِ. وأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ القُرى بِظُلْمِ أهْلِها بِالشِّرْكِ ونَحْوِهِ، وهم لا تُبْلِغُهم دَعْوَةُ رَسُولٍ يَنْهاهم عَنْهُ، ويُنَبِّهُهم عَلى بُطْلانِهِ؛ لِأنَّهُ يُنافِي الحِكْمَةَ. وجُوِّزَ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ. أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. أيْ: كَما ذُكِرَ. أوْ خَبَرُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ ... إلَخْ. والمُشارُ إلَيْهِ إتْيانُ الرُّسُلِ، أوْ ما قُصَّ مِن أمْرِهِمْ، أوِ السُّؤالُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ألَمْ يَأْتِكم. واسْتَظْهَرَ أبُو السُّعُودِ أنَّ الإشارَةَ إلى شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، واسْتِيجابَ العَذابِ، وأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وأنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، و(اللّامُ) (p-٢٥١٠)مَقْدَّرَةٌ قَبْلَها. أوْ مُخَفَّفَةٌ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و: بِظُلْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِ: مُهْلِكَ. أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالًا مِن (القُرى)، أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِظُلْمٍ. والمَعْنى: ذَلِكَ ثابِتٌ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ، أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ قَبْلَ أنْ يُنَبَّهُوا عَلى بُطْلانِهِ بِرَسُولٍ.
تَنْبِيهٌ:
فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ، ولا حُكْمَ لِلْعَقْلِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]
6:132Page 145
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢
And for all are degrees [i.e., positions resulting] from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٢] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾
﴿ولِكُلٍّ﴾ أيْ: مِنَ المُكَلَّفِينَ: ﴿دَرَجاتٌ﴾ أيْ: مَراتِبُ. ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: مِن أعْمالِهِمْ، يُبَلَّغُونَها ويُثابُونَ بِها، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. واسْتُدِلَّ بِها، عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، بِأنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويُثابُونَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ قَوْلُهُ: ولِكُلٍّ لِكافِرِي الجِنِّ والإنْسِ. أيْ: ولِكُلٍّ دَرَجَةٌ في النّارِ بِحَسَبِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]
﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾
6:133Page 145
وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣
And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٣] ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾
﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وهُمُ الفُقَراءُ إلَيْهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ: (p-٢٥١١)﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ، تَكْمِيلًا لَهُمْ، ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ سُبْحانَهُ، بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ، وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الخَلْقِ يَعْمَلُونَ بِطاعَتِهِ: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ذَهَبَ بِهِمْ ثُمَّ بِذُرِّيَّتِهِمْ، لَكِنَّهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]
6:134Page 145
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤
Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٤] ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِنَ البَعْثِ وأحْوالِهِ: ﴿لآتٍ﴾ أيْ: لَكائِنٌ لا مَحالَةَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ يُعْجَزُ عَنْكم. وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: مَن ماتَ فَقَدْ ماتَ. أيْ: هو قادِرٌ عَلى إعادَتِكُمْ، وإنْ صِرْتُمْ رُفاتًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences