Al-QasimiAl‑An'am · 6:135–140

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:135–140

6:135Page 145

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٥] ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾

﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم. يُقالُ: مَكَنَ مَكانَةً، إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ. أوْ عَلى جِهَتِكم وحالَتِكُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، كَمَقامٍ ومَقامَةٍ. والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيِ: الَّتِي بُنِيَتْ لِعِبادَتِهِ (p-٢٥١٢)تَعالى وحْدَهُ، دُونَ غَيْرِهِمْ، - هَلْ تَكُونُ لِلْعَدْلِ الَّذِي يَضَعُ العِبادَةَ في مَوْضِعِها، أوْ لِلظّالِمِ بِوَضْعِها في غَيْرِ مَوْضِعِها. والمُرادُ بِالدّارِ، الدُّنْيا. وبِالعاقِبَةِ، العاقِبَةُ الحُسْنى. أيْ: عاقِبَةُ الخَيْرِ؛ لِأنَّها الأصْلُ، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ، وقَنْطَرَةَ المَجازِ إلَيْها.

﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيِ: الكافِرُونَ. ووَضَعَ الظُّلْمَ مَوْضِعَ الكُفْرِ، إيذانًا بِأنَّ امْتِناعَ الفَلاحِ يَتَرَتَّبُ عَلى أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ، فَما ظَنُّكَ بِالكُفْرِ الَّذِي هو أعْظَمُ أفْرادِهِ؟

لَطائِفُ:

فِي إيرادِ التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ، كَأنَّ المُهَدِّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ، مُجْمِعًا عَلَيْهِ، فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ. وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ، كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَتَقَصّى عَنْهُ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَعَ الإنْذارِ، إنْصافٌ في المَقالِ، وحُسْنُ الأدَبِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: (العاقِبَةُ لَنا) وفَوَّضَ الأمْرَ إلى اللَّهِ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]

وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ.

وفِيهِ تَبْشِيرٌ بِأنَّ العاقِبَةَ لَهُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ مَوْعُودَهُ لِرَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَمَكَّنَ لَهُ في البِلادِ، وحَكَّمَهُ في نَواصِي مُخالِفِيهِ مِنَ العِبادِ، وفَتَحَ لَهُ مَكَّةَ، وأظْهَرَهُ عَلى مَن كَذَّبَهُ مِن قَوْمِهِ وعاداهُ وناوَأهُ، واسْتَقَرَّ أمْرُهُ عَلى سائِرِ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وكَذَلِكَ اليَمَنِ والبَحْرِينِ، وكُلُّ ذَلِكَ في حَياتِهِ. ثُمَّ فُتِحَتِ الأمْصارُ والأقالِيمُ والرَّساتِيقُ بَعْدَ وفاتِهِ، في أيّامِ خُلَفائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ. كَما (p-٢٥١٣)قالَ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقالَ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] وقالَ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] وقَدْ فَعَلَ تَعالى ذَلِكَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَهُ الحَمْدُ والمِنَّةُ.

6:136Page 145

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦

And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا مِن جَهالاتِ مُشْرِكِي مَكَّةَ وضَلالاتِهِمْ، وهو تَرْجِيحُهم جانِبَ الأصْنامِ عَلى جانِبِهِ سُبْحانَهُ، بَعْدَ تَشْرِيكِهِمْ إيّاهُ فِيما اخْتُصَّ بِخَلْقِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٦] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ أيْ: خَلَقَ: ﴿مِنَ الحَرْثِ﴾ أيِ: الزَّرْعِ: ﴿والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ (p-٢٥١٤)يَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ. أيْ: ولِأصْنامِهِمْ نَصِيبًا يَصْرِفُونَهُ إلى التَّنَسُّكِ والسَّدَنَةِ. وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ اكْتِفاءً بِما بَعْدَهُ.

﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ بِالفَتْحِ والضَّمِّ (وقالَ الشِّهابُ: الزَّعْمُ مُثَلَّثٌ كالوُدِّ). أيْ: هَذا مُسْتَقِرٌّ لَهُ الآنَ، مِن غَيْرِ اسْتِقْرارٍ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ العارِضِ ﴿وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ وهو مُسْتَقِرٌّ لَهُمْ، بَلْ يَسْتَقِرُّ لَهم ما لَيْسَ لَهم أيْضًا، فَكانُوا إذا سَقَطَ في نَصِيبِ اللَّهِ شَيْءٌ مِن نَصِيبِها التَقَطُوهُ، أوْ في نَصِيبِها شَيْءٌ مِن نَصِيبِهِ تَرَكُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: عِنْدَ نَمائِهِ أوْ سُقُوطِهِ فِيما هو لِلَّهِ. أوْ هَلاكُ ما هو لِلَّهِ لا يَصِلُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْها مِن قِرى الضِّيفانِ والتَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ نَمائِهِ أوْ سُقُوطِهِ فِيما هو لِلْأصْنامِ، أوْ هَلاكِ مالِها، فَيُنْفِقُونَ عَلَيْها، بِذَبْحِ نِسائِكَ عِنْدَها، والإجْراءِ عَلى سَدَنَتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ. وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، وهي مُحْتاجَةٌ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ما يُقَسِّمُونَ؛ لِأنَّهم أوَّلًا عَمِلُوا ما لَمْ يُشْرَعْ لَهُمْ، وضَلُّوا في القَسْمِ؛ لِأنَّهُ تَعالى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ وخالِقُهُ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ. ثُمَّ لَمّا قَسَّمُوا فِيما زَعَمُوا القِسْمَةَ الفاسِدَةَ، لَمْ يَحْفَظُوها، بَلْ جارُوا فِيها؛ إذْ رَجَّحُوا جانِبَ الأصْنامِ في الحِفْظِ والرِّعايَةِ سَفَهًا.

وقالَ المَهايِمِيُّ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الأصْنامِ عَلى جانِبِ اللَّهِ، بِعِلَّةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ جانِبِ اللَّهِ لِإلَهِيَّتِهِ، وعَدَمِ صَلاحِيَتِها لِلْإلَهِيَّةِ مَعَ الحاجَةِ.

وما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ هو الَّذِي قالَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ.

فَقَدْ رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ كانُوا إذا حَرَثُوا حَرْثًا، أوْ كانَتْ لَهم ثَمَرَةٌ، جَعَلُوا لِلَّهِ مِنهُ جُزْءًا، ولِلْوَثَنِ جُزْءًا، فَما كانَ مِن حَرْثٍ أوْ ثَمَرَةٍ أوْ شَيْءٍ مِن نَصِيبِ الأوْثانِ حَفِظُوهُ وأحْصَوْهُ. وإنْ سَقَطَ مِنهُ شَيْءٌ فِيما سُمِّيَ لِلصَّمَدِ، رَدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ، وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ، فَسَقى شَيْئًا (p-٢٥١٥)جَعَلُوهُ لِلَّهِ، جَعَلُوا ذَلِكَ لِلْوَثَنِ. وإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنَ الحَرْثِ والثَّمَرَةِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ، فاخْتَلَطَ بِالَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ قالُوا: هَذا فَقِيرٌ، ولَمْ يَرُدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ فَسَقى ما سُمِّيَ لِلْوَثَنِ تَرَكُوهُ لِلْوَثَنِ، وكانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أمْوالِهِمُ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والِحامَ. فَيَجْعَلُونَهُ لِلْأوْثانِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُحَرِّمُونَهُ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ الآيَةَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُ واحِدٍ.

6:137Page 145

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧

And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٧] ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ، وهو تَزْيِينُ الشِّرْكِ في القِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ، زَيَّنَ لَهم أوْلِياؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ ما هو أشَدُّ مِنهُ قُبْحًا في بابِ القُرْبانِ، وهو قَتْلُ أوْلادِهِمْ خَشْيَةَ الإمْلاقِ، ووَأْدُ البَناتِ خَشْيَةَ العارِ، وإنَّما سُمِّيَتِ الشَّياطِينُ شُرَكاءَ؛ لِأنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ مِن قَتْلِ أوْلادِهِمْ، فَأشْرَكُوهم مَعَ اللَّهِ في وُجُوبِ طاعَتِهِمْ،: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أيْ: يُهْلِكُوهم بِالشِّرْكِ وقَتْلِ الوَلَدِ. مِنَ (الإرْداءِ. وهُوَ، لُغَةً، الإهْلاكُ). ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أيْ: لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما هم عَلَيْهِ، بِدِينِ إبْراهِيمَ في ذَبْحِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ. أوْ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى دِينِ إسْماعِيلَ. فَهَذا الَّذِي أتاهم بِهَذِهِ الأوْضاعِ الفاسِدَةِ أرادَ أنْ يُزِيلَهم عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ الحَقِّ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: فَلا تَحْزَنْ عَلى هَلاكِهِمْ بِما يَفْعَلُونَهُ؛ لِأنَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: لِأنَّ لَهُ فِيما شاءَهُ حِكَمًا بالِغَةً: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

تَنْبِيهٌ:

شُرَكاؤُهم فاعِلُ زَيَّنَ أُخِّرَ عَنِ الظَّرْفِ والمَفْعُولِ اعْتِناءً بِالمُقَدَّمِ، واهْتِمامًا بِهِ؛ (p-٢٥١٦)لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّعَجُّبِ؛ لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ، والَّذِينَ هم بِشَأْنِهِ أعْنى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "زُيِّنَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ، ونَصَبَ الأوْلادِ، وجَرَّ الشُّرَكاءَ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ، مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ. وقَدْ زَيَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، هَذِهِ القِراءَةَ، وعَدَّ ذَلِكَ مِن كَبائِرِ كَشّافِهِ: حَيْثُ قالَ: وأمّا قِراءَةُ ابْنُ عامِرٍ، فَشَيْءٌ لَوْ كانَ في مَكانِ الضَّرُوراتِ، وهو الشِّعْرُ، لَكانَ سَمِجًا مَرْدُودًا، كَما سَمُجَ ورُدَّ:

؎زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَهْ

(p-٢٥١٧)فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المَنثُورِ؟ فَكَيْفَ بِهِ في القُرْآنِ المُعْجِزِ بِحُسْنِ نَظْمِهِ وجَزالَتِهِ؟ قالَ: والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ: "شُرَكائِهِمْ" مَكْتُوبًا بِالياءِ، ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ - لِأنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ - لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ. انْتَهى.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": لَقَدْ رَكِبَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَتْنَ عَمْياءَ، وتاهَ في تَيْهاءَ، وأنا أبْرَأُ إلى اللَّهِ، وأُبَرِّئُ حَمَلَةَ كِتابِهِ، وحَفَظَةَ كَلامِهِ، مِمّا رَماهم بِهِ، فَإنَّهُ تَخَيَّلَ أنَّ القُرّاءَ أئِمَّةَ الوُجُوهِ السَّبْعَةِ، اخْتارَ كُلٌّ مِنهم حَرْفًا قَرَأ بِهِ اجْتِهادًا، لا نَقْلًا وسَماعًا، فَلِذَلِكَ غَلِطَ ابْنُ عامِرٍ في قِراءَتِهِ هَذِهِ، وأخَذَ يُبَيِّنُ أنَّ وجْهَ غَلَطِهِ رُؤْيَتُهُ الياءَ ثابِتَةً في (شُرَكائِهِمْ)، فاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَجْرُورٌ، وتَعَيَّنَ عِنْدَهُ نَصْبُ (أوْلادِهِمْ) بِالقِياسِ؛ إذْ لا يُضافُ المَصْدَرُ إلى أمْرَيْنِ مَعًا فَقَرَأهُ مَنصُوبًا. قالَ: وكانَتْ لَهُ مَندُوحَةٌ مِن نَصْبِهِ إلى جَرِّهِ بِالإضافَةِ، وإبْدالِ الشُّرَكاءِ مِنهُ، وكانَ ذَلِكَ أوْلى مِمّا ارْتَكَبَهُ. فَهَذا كُلُّهُ كَما تَرى ظَنٌّ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأ قِراءَتَهُ هَذِهِ رَأْيًا مِنهُ، وكانَ الصَّوابُ خِلافَهُ، والفَصِيحُ سِواهُ. ولَمْ يَعْلَمِ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ بِنَصْبِ الأوْلادِ، والفَصْلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِها. يُعْلَمُ ضَرُورَةً أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأها عَلى جِبْرِيلَ، كَما أنْزَلَها عَلَيْهِ، ثُمَّ تَلاها النَّبِيُّ ﷺ عَلى عَدَدِ التَّواتُرِ مِنَ الأئِمَّةِ، ولَمْ يَزَلْ عَدَدُ التَّواتُرِ (p-٢٥١٨)يَتَناقَلُونَها، ويَقْرَؤُونَ بِها، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، إلى أنِ انْتَهَتْ إلى ابْنِ عامِرٍ، فَقَرَأها أيْضًا كَما سَمِعَها. فَهَذا مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ في جَمِيعِ الوُجُوهِ السَّبْعَةِ أنَّها مُتَواتِرَةٌ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا عَنْ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ ﷺ. فَإذا عَلِمْتَ العَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ، فَلا مُبالاةَ بَعْدَها بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ، ولا بِقَوْلِ أمْثالِهِ مِمَّنْ لَحَّنَ ابْنَ عامِرٍ، فَإنَّ المُنْكِرَ عَلَيْهِ إنَّما أنْكَرَ ما ثَبَتَ أنَّهُ بَراءٌ مِنهُ قَطْعًا وضَرُورَةً. ولَوْلا عُذْرُ أنَّ المُنْكَرَ لَيْسَ مِن أهْلِ الشَّأْنَيْنِ: أعْنِي عِلْمَ القِراءَةِ وعِلْمَ الأُصُولِ، ولا يُعَدُّ مِن ذَوِي الفَنَّيْنِ المَذْكُورَيْنِ، لَخِيفَ عَلَيْهِ الخُرُوجُ مِن رِبْقَةِ الدِّينِ. وإنَّهُ عَلى هَذا العُذْرِ لَفي عُهْدَةٍ خَطِرَةٍ، وزَلَّةٍ مُنْكَرَةٍ، تَزِيدُ عَلى زَلَّةِ مَن ظَنَّ أنَّ تَفاصِيلَ الوُجُوهِ السَّبْعَةِ، فِيها ما لَيْسَ مُتَواتِرًا، فَإنَّ هَذا القائِلَ لَمْ يُثْبِتْها بِغَيْرِ النَّقْلِ. وغايَتُهُ أنَّهُ ادَّعى أنَّ نَقْلَها لا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّواتُرُ. وأمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَظَنَّ أنَّها تَثْبُتُ بِالرَّأْيِ، غَيْرَ مَوْقُوفَةٍ عَلى النَّقْلِ، وهَذا لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ. وما حَمَلَهُ عَلى هَذا الخَيالِ إلّا التَّغالِي في اعْتِقادِ اطِّرادِ الأقْيِسَةِ النَّحْوِيَّةِ، فَظَنَّها قَطْعِيَّةً، حَتّى يَرِدَ ما خالَفَها. ثُمَّ إذا تَنَزَّلَ مَعَهُ اطِّرادُ القِياسِ الَّذِي ادَّعاهُ مُطَّرِدًا، فَقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ هَذِهِ لا تُخالِفُهُ. وذَلِكَ أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عَسِرًا، إلّا أنَّ المَصْدَرَ إذا أُضِيفَ إلى مَعْمُولِهِ، فَهو مُقَدَّرٌ بِالفِعْلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ عَمِلَ. وهو وإنْ لَمْ تَكُنْ إضافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ، إلّا أنَّهُ شُبِّهَ بِما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ. حَتّى قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ إضافَتَهُ لَيْسَتْ مَحْضَةً؛ لِذَلِكَ فالحاصِلُ أنَّ اتِّصالَهُ بِالمُضافِ إلَيْهِ لَيْسَ كاتِّصالِ غَيْرِهِ، وقَدْ جاءَ الفَصْلُ بَيْنَ المُضافِ غَيْرِ المَصْدَرِ، وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَتَمَيَّزَ المَصْدَرُ عَلى غَيْرِهِ، لِما بَيَّنّاهُ مِنَ انْفِكاكِهِ في التَّقْدِيرِ، وعَدَمِ تَوَغُّلِهِ في الِاتِّصالِ، بِأنْ يُفْضَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ، بِما لَيْسَ أجْنَبِيًّا عَنْهُ، وكَأنَّهُ بِالتَّقْدِيرِ: فَكَّهُ بِالفِعْلِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفاعِلِ، أضافَهُ إلى الفاعِلِ، وبَقِيَ المَفْعُولُ مَكانَهُ حِينَ الفَكِّ. ويُسَهِّلُ ذَلِكَ أيْضًا تَغايُرُ حالِ المَصْدَرِ؛ إذْ تارَةً يُضافُ إلى الفاعِلِ، وتارَةً يُضافُ إلى المَفْعُولِ. وقَدِ التَزَمَ بَعْضُهُمُ اخْتِصاصَ الجَوازِ بِالفَصْلِ بِالمَفْعُولِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفاعِلِ، لِوُقُوعِهِ في غَيْرِ مَرْتَبَتِهِ، إذْ يَنْوِي بِهِ التَّأْخِيرَ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ. كَما جازَ تَقَدُّمُ المُضْمَرِ عَلى الظّاهِرِ إذا حَلَّ في غَيْرِ رُتْبَتِهِ؛ لِأنَّ النِّيَّةَ بِهِ التَّأْخِيرُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:(p-٢٥١٩)

؎فَداسَهم دَوْسَ الحَصادِ الدّائِسِ

وأنْشَدَ أيْضًا:

؎يَفْرُكْنَ حَبَّ السُّنْبُلِ الكَنافِجِ ∗∗∗ بِالقاعِ فَرْكَ القُطُنِ المَحالِجِ

فَفَصَلَ كَما تَرى بَيْنَ المَصْدَرِ وبَيْنَ الفاعِلِ بِالمَفْعُولِ. ومِمّا يُقَوِّي عَدَمَ تَوَغُّلِهِ في الإضافَةِ جَوازُ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ مَخْفُوضِهِ رَفْعًا ونَصْبًا. فَهَذِهِ كُلُّها نُكَتٌ مُؤَيَّدَةٌ بِقَواعِدَ، مُنَظَّرَةٌ بِشَواهِدَ مِن أقْيِسَةِ العَرَبِيَّةِ، تَجْمَعُ شَمْلَ القَوانِينِ النَّحْوِيَّةِ، لِهَذِهِ القِراءَةِ. ولَيْسَ غَرَضُنا تَصْحِيحَ القِراءَةِ بِقَواعِدِ العَرَبِيَّةِ، بَلْ تَصْحِيحَ قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ بِالقِراءَةِ. وهَذا قَدْرٌ كافٍ إنْ شاءَ اللَّهُ في الجَمْعِ بَيْنَهُما - واللَّهُ المُوَفِّقُ - وما أجْرَيْناهُ في أدْراجِ الكَلامِ مِن تَقْرِيبِ إضافَةِ المَصْدَرِ مِن غَيْرِ المَحْضَةِ، إنَّما أرَدْنا انْضِمامَهُ إلى غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يُدَلُّ بِاجْتِماعِها عَلى أنَّ الفَصْلَ غَيْرُ مُنْكَرٍ في إضافَتِهِ، ولا مُسْتَبْعَدٍ مِنَ القِياسِ، ولَمْ نُفْرِدْهُ في الدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ. إذِ المُتَّفَقُ عَلى عَدَمِ تَمَحُّضِها لا يُسَوِّغُ فِيها الفَصْلَ، فَلا يُمْكِنُ اسْتِقْلالُ الوَجْهِ المَذْكُورِ بِالدَّلالَةِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ - انْتَهى كَلامُ النّاصِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

6:138Page 146

وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨

And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن مُفْتَرِياتِهِمْ بِقَوْلِهِ:

(p-٢٥٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٨] ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

﴿وقالُوا هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ: ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أيْ: حَرامٌ (والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ) فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذَّبْحِ والطَّحْنِ، يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ. أيْ: مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنا، أوْ مُحْجَرَةٌ عَلَيْنا في أمْوالِنا لِلْأوْثانِ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ الحاءِ.

(p-٢٥٢١)﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ قالَ في "المَدارِكِ": كانُوا إذا عَيَّنُوا أشْياءَ مِن حَرْثِهِمْ وأنْعامِهِمْ لَآتَيْناهم قالُوا: ﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: خَدَمَ الأوْثانِ، والرِّجالَ دُونَ النِّساءِ.

﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (قالُوا) أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْـزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]

﴿وأنْعامٌ﴾ أيْ: وقالُوا مُشِيرِينَ إلى طائِفَةٍ أُخْرى مِن أنْعامِهِمْ: هَذِهِ أنْعامٌ: ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يَعْنُونَ بِها البَحائِرَ والسَّوائِبَ والحَوامِيَ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ أيْ: حالَةُ الذَّبْحِ، وإنَّما يَذْكُرُونَ عَلَيْها أسْماءَ الأصْنامِ: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى اللَّهِ وكَذِبًا مِنهم في إسْنادِهِمْ ذَلِكَ إلى دِينِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهم في ذَلِكَ، ولا رَضِيَهُ مِنهم ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، ويُسْنِدُونَ إلَيْهِ. وفِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.

6:139Page 146

وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩

And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى فَنًّا آخَرَ مِن ضَلالِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٩] ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ يَعْنُونَ أنَّهُ حَلالٌ لِلذُّكُورِ دُونَ الإناثِ، إنْ وُلِدَ حَيًّا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَكُنْ﴾ أيْ: ما في بُطُونِها: ﴿مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ فالذُّكُورُ والإناثُ فِيهِ سَواءٌ.

وفِي رِوايَةِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنِيَّ بِ (ما في بُطُونِها) هو اللَّبَنُ. كانُوا يُحَرِّمُونَهُ (p-٢٥٢٢)عَلى إناثِهِمْ، ويَشْرَبُهُ ذُكْرانُهم. وكانَتِ الشّاةُ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ. وكانَ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ فَلَمْ تُذْبَحْ، وإنْ كانَتْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: البَحِيرَةُ، لا يَأْكُلُ مِن لَبَنِها إلّا الرِّجالُ، وإنْ ماتَ مِنها شَيْءٌ أكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ. وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وابْنُ أسْلَمَ.

﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ: بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ عَلى سَبِيلِ التَّحَكُّمِ ونِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: حَكِيمٌ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وشَرْعِهِ، عَلِيمٌ بِأعْمالِ عِبادِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْها.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى أوْلادِهِ الذُّكُورِ دُونَ البَناتِ، وأنَّ ذَلِكَ الوَقْفَ يُفْسَخُ، ولَوْ بَعْدَ مَوْتِ الواقِفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ. واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ المالِكِيَّةِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الهِبَةِ. انْتَهى.

لَطائِفُ:

(التّاءُ) فِي: خالِصَةً إمّا لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ (الخالِصَةَ) مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، وقَعَ مَوْقِعَ (الخالِصِ) مُبالَغَةً، أوْ بِحَذْفِ المُضافِ. أيْ: ذُو خالِصَةٍ، أوْ لِلتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّ (ما) عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ. والتَّذْكِيرُ في (مُحَرَّمٌ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ. وقُرِئَ (خالِصَةً) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، والخَبَرُ: لِذُكُورِنا. ووَصْفُهم واقِعٌ مَوْقِعَ مَصْدَرِ: سَيَجْزِيهِمْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: جَزاءَ وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢]

(p-٢٥٢٣)قالَ الشِّهابُ: وهَذا مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: وصْفُ كَلامِهِ الكَذِبُ، إذا كَذَبَ، وعَيْنُهُ تَصِفُ السِّحْرَ، أيْ: ساحِرَةً، وقَدْ يَصِفُ الرَّشاقَةَ، بِمَعْنى رَشِيقٍ، مُبالَغَةً. حَتّى كَأنَّ مَن سَمِعَهُ أوْ رَآهُ وصَفَ لَهُ ذَلِكَ بِما يَشْرَحُهُ لَهُ. قالَ المَعَرِّيُّ:

؎سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهْنٍ فَباتَ بِرامَةٍ يَصِفُ الكَلالا

6:140Page 146

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠

They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ يَعْنِي: وأْدَ بَناتِهِمْ خَشْيَةَ السَّبْيِ أوِ الفَقْرِ: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِخِفَّةِ أحْلامِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رازِقُ أوْلادِهِمْ، لا هم.

﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِهِما: ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ والصَّوابِ.

قالَ الشِّهابُ: وفي قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ مُبالَغَةً في نَفْيِ الهِدايَةِ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَقْتَضِي حُدُوثَ الضَّلالِ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. فَلِذا أرْدَفَ بِهَذِهِ الحالِ، لِبَيانِ عَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ، وإنَّما ضَلالُهُمُ الحادِثُ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.

(p-٢٥٢٤)تَنْبِيهٌ:

حَمَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (الخُسْرانَ) عَلى ما يَشْمَلُ الدّارَيْنِ. أمّا الدُّنْيا فَخَسِرُوا مَنافِعَ أوْلادِهِمْ، وثَمَرَةَ ما خُلِقُوا لَهُ. وكَذا مَنافِعَ أنْعامِهِمْ بِما ضَيَّقُوا وحَجَّرُوا فِيها ابْتِداعًا. وأمّا الآخِرَةُ فَيَصِيرُونَ إلى أسْوَأِ المَنازِلِ. وهَذا التَّعْمِيمُ -وإنْ كانَ حَقًّا- إلّا أنَّ الأظْهَرَ حَمْلُهُ عَلى الآخِرَةِ، تَوْفِيقًا بَيْنَ النَّظائِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩] ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠]

رَوى الحافِظُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ، فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَّلاثِينَ والمِائَةِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ الآيَةَ. - وهَكَذا رَواهُ البُخارِيُّ في "مَناقِبِ قُرَيْشٍ" مِن "صَحِيحِهِ".

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском