Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:33–37
6:33Page 131
قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣
We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّها ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾ أيْ: يَقُولُونَ فِيكَ، مِن أنَّكَ كاذِبٌ أوْ ساحِرٌ أوْ شاعِرٌ أوْ مَجْنُونٌ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ عَنِ الحُزْنِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ، مِمّا حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ مِنَ الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ، والمُبالَغَةِ فِيهِ، بِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ ما يَفْعَلُونَهُ في حَقِّهِ فَهو راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنهم أشَدَّ انْتِقامٍ. وكَلِمَةُ (قَدْ) لِتَأْكِيدِ العِلْمِ بِما ذُكِرَ، المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ الفاءُ لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: قَدْ نَعْلَمُ بِمَعْنى لا تَحْزَنْ، كَما يُقالُ في مَقامِ المَنعِ والزَّجْرِ: نَعْلَمُ ما تَفْعَلُ! ووَجْهُ التَّعْلِيلِ في تَسْلِيَتِهِ لَهُ ﷺ بِأنَّ التَّكْذِيبَ في الحَقِيقَةِ لِي، وأنا الحَلِيمُ الصَّبُورُ، فَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِي.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذا يُفِيدُ بُلُوغَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَلالَةِ القَدْرِ، ورِفْعَةِ المَحَلِّ، والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلى حَيْثُ لا غايَةَ وراءَهُ، حَيْثُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جَعْلِ تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَكْذِيبًا لِآياتِهِ سُبْحانَهُ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] بَلْ نَفى تَكْذِيبَهم عَنْهُ، وأثْبَتَ لِآياتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] (p-٢٢٩١)إيذانًا بِكَمالِ القُرْبِ، واضْمِحْلالِ شُؤُونِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في شَأْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وفِيهِ اسْتِعْظامٌ لِجِنايَتِهِمْ، مُنْبِئٌ عَنْ عِظَمِ عُقُوبَتِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، عِنادًا أوْ مُكابَرَةً. ويُعَضِّدُهُ ما رَوى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ ناجِيَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنّا لا نُكَذِّبُكَ، ولَكِنْ نُكَذِّبُ بِما جِئْتَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ الآيَةَ. - رَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، خَلا الأخْنَسُ بِأبِي جَهْلٍ فَقالَ: يا أبا الحَكَمِ! أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ، أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ؟ فَإنَّهُ لَيْسَ هَهُنا مِن قُرَيْشٍ غَيْرِي وغَيْرُكَ يَسْتَمِعُ كَلامَنا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ويْحَكَ! واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَتْ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنُّبُوَّةِ، فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ فَآياتُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ مُوسى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وقِيلَ: المَعْنى فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ لِأنَّكَ عِنْدَهُمُ الصّادِقُ المَوْسُومُ بِالصِّدْقِ، ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ، كَما يُرْوى أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما نُكَذِّبُكَ، وإنَّكَ عِنْدَنا لَصادِقٌ، ولَكِنَّنا نُكَذِّبُ ما جِئْتَنا بِهِ.
(p-٢٢٩٢)قالَ أبُو السُّعُودِ: وكَأنَّ صِدْقَ المُخْبِرِ عِنْدَ الخَبِيثِ، بِمُطابَقَةِ خَبَرِهِ لِاعْتِقادِهِ. والأوَّلُ هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ الجَزالَةُ التَّنْزِيلِيَّةُ. وقُرِئَ: لا يُكَذِّبُونَكَ مِن (أكْذَبَهُ). بِمَعْنى وجَدَهُ كاذِبًا، أوْ نَسَبَهُ إلى الكَذِبِ، أوْ بَيَّنَ كَذِبَهُ، وقالَ: أكْذَبَهُ وكَذَّبَهُ بِمَعْنًى - كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ -.
6:34Page 131
وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٤
And certainly were messengers denied before you, but they were patient over the denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words [i.e., decrees] of Allāh. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤] ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾
﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ افْتِنانٌ في تَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ عُمُومَ البَلِيَّةِ رُبَّما يُهَوِّنُ أمْرَها بَعْضَ تَهْوِينٍ. وإرْشادُهُ ﷺ إلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ، في الصَّبْرِ عَلى ما أصابَهم مِن أُمَمِهِمْ، مِن فُنُونِ الأذِيَّةِ. وعِدَةٌ ضِمِينَةٌ لَهُ ﷺ بِمِثْلِ ما مُنِحُوهُ مِنَ النَّصْرِ. وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالقَسَمِ، لِتَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ. وتَنْوِينُ (رُسُلٌ) لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] لَيْسَ بِنَفْيٍ لِتَكْذِيبِهِ، وإنَّما هو مِن قَوْلِكَ لِغُلامِكَ: ما أهانُوكَ، ولَكِنَّهم أهانُونِي! انْتَهى.
وناقَشَهُ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ" بِأنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ مُؤْتَلِفٌ مَعَ نَفْيِ التَّكْذِيبِ أيْضًا، ومَوْقِعُهُ حِينَئِذٍ مِنَ الفَضِيلَةِ أبْيَنُ. أيْ: هَؤُلاءِ لَمْ يُكَذِّبُوكَ، فَحَقُّكَ أنْ تَصْبِرَ عَلَيْهِمْ، ولا يَحْزُنْكَ أمْرُهم. وإذا كانَ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ كَذَّبَهم قَوْمُهُمْ، فَصَبَرُوا عَلَيْهِمْ، وأنْتَ إذْ لَمْ يُكَذِّبُوكَ أجْدَرُ بِالصَّبْرِ. فَقَدِ ائْتَلَفَ، كَما تَرى، بِالتَّفْسِيرَيْنِ جَمِيعًا. ولَكِنَّهُ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي اسْتُدِلَّ بِهِ، فِيهِ تَقْرِيبٌ لِما اخْتارَهُ، وذَلِكَ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ التَّسْلِيَةِ قَدْ ورَدَتْ مُصَرَّحًا بِها (p-٢٢٩٣)فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] فَسَلّاهُ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ، بِتَكْذِيبِ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ لِأنْبِيائِهِمْ. وما هو إلّا تَفْسِيرٌ حَسَنٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، مُؤَيَّدٌ بِالظّاهِرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا﴾ أيْ: عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ، فَتَأسَّ بِهِمْ: ﴿حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِمَواعِيدِهِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]
﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: مِن خَبَرِهِمْ في مُصابَرَةِ الكافِرِينَ، وما مُنُحُوهُ مِنَ النَّصْرِ، فَلا بُدَّ أنْ نُزِيلَ حُزْنَكَ بِإهْلاكِهِمْ، ولَيْسَ إمْهالُهم لِإهْمالِهِمْ، بَلْ لِجَرَيانِ سُنَّتِهِ تَعالى بِتَحَقُّقِ صَبْرِ الرُّسُلِ وشُكْرِهِمْ.
6:35Page 131
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥
And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥] ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾
﴿وإنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ: شَقَّ وثَقُلَ عَلَيْكَ ﴿إعْراضُهُمْ﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ، ونَأْيِهِمْ عَنْهُ، ونَهْيِهِمُ النّاسَ عَنْهُ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ أيْ: سَرَبًا ومَنفَذًا تَنْفُذُ فِيهِ إلى ما تَحْتَ الأرْضِ، حَتّى تُطْلِعَ لَهم آيَةً يُؤْمِنُونَ (p-٢٢٩٤)بِها ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾ أيْ: مِصْعَدًا تَعْرُجُ بِهِ فِيها ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَحُوهُ فافْعَلْ. وحَسُنَ حَذْفُ الجَوابِ لِعِلْمِ السّامِعِ بِهِ. أيْ: لَكِنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَكَ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةَ، إذْ يَصِيرُ الإيمانُ ضَرُورِيًّا غَيْرَ نافِعٍ.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ أيْ: ولَكِنَّهُ شاءَ بِمُقْتَضى جَلالِهِ وجَمالِهِ، إظْهارَ غايَةَ قَهْرِهِ، وغايَةَ لُطْفِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ أيْ: بِالحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، أوِ المَيْلِ إلى نُزُولِ مُقْتَرَحِهِمْ: ﴿مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: بِما تَقْتَضِيهِ شُؤُونُهُ تَعالى، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِإيمانِهِمْ. إمّا اخْتِيارًا، فَلِعَدَمِ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ. وإمّا اضْطِرارًا، فَلِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الِاخْتِبارِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في حِرْصِهِ ﷺ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ. وتَرامِيهِ عَلَيْهِ، إلى حَيْثُ لَوْ قَدَرَ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِن تَحْتِ الأرْضِ، أوْ مِن فَوْقِ السَّماءِ، لَأتى بِها. رَجاءَ إيمانِهِمْ، وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": هَذِهِ الآيَةُ كافِلَةٌ بِالرَّدِّ عَلى القَدَرِيَّةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ جَمْعَ النّاسِ كُلِّهِمْ عَلى الهُدى فَلَمْ يَكُنْ. ألا تَرى أنَّ الجُمْلَةَ مُصَدَّرَةٌ بِ (لَوْ)، ومُقْتَضاها امْتِناعُ جَوابِها، لِامْتِناعِ الواقِعِ بَعْدَها. فامْتِناعُ اجْتِماعِهِمْ عَلى الهُدى، إذْ إنَّما كانَ لِامْتِناعِ المَشِيئَةِ. فَمِن ثَمَّ تَرى الزَّمَخْشَرِيَّ يَحْمِلُ المَشِيئَةَ عَلى قَهْرِهِمْ عَلى الهُدى بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ، لا يَكُونُ الإيمانُ مَعَها اخْتِيارًا، حَتّى يَتِمَّ لَهُ أنَّ هَذا الوَجْهَ مِنَ المَشِيئَةِ لَمْ يَقَعْ، وأنَّ مَشِيئَتَهُ اجْتِماعَهم عَلى الهُدى عَلى اخْتِيارٍ مِنهُمْ، ثابِتَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، ولَكِنْ لَمْ يَقَعْ مُتَعَلِّقُها. وهَذِهِ مِن خَباياهُ ومَكامِنِهِ فاحْذَرْها. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الثّالِثُ: لَمْ يَقُلْ: (لا تَكُنْ جاهِلًا) بَلْ مِن قَوْمٍ يُنْسَبُونَ إلى الجَهْلِ، تَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ (p-٢٢٩٥)بِأنْ لَمْ يُسْنِدِ الجَهْلَ إلَيْهِ، لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِهِ عَنْهُ. وما فِيهِ مِن شِدَّةِ الخِطابِ، سِرُّهُ تَبْعِيدُ جَنابِهِ الكَرِيمِ عَنِ الحِرْصِ عَلى ما لا يَكُونُ والجَزَعِ في مُواطِنِ الصَّبْرِ، مِمّا لا يَلِيقُ إلّا بِالجاهِلِينَ.
6:36Page 132
۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦
Only those who hear will respond. But the dead1 - Allāh will resurrect them; then to Him they will be returned.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦] ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما مَرَّ مِن أنَّ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً، وتَحْقِيقٌ لِكَوْنِهِمْ بِذَلِكَ مِن قَبِيلِ المَوْتى، لا يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ الإيمانُ البَتَّةَ. أيْ: إنَّما يَسْتَجِيبُ لَكَ، بِقَبُولِ دَعْوَتِكَ إلى الإيمانِ، الأحْياءُ الَّذِي يَسْمَعُونَ ما يُلْقى إلَيْهِمْ، سَماعَ تَفَهُّمٍ، دُونَ المَوْتى الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِنهم. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] وإنْ كانُوا أحْياءً بِالحَياةِ الحَيَوانِيَّةِ، أمْواتٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِيَّةِ، لِمَوْتِ قُلُوبِهِمْ بِسُمُومِ الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ، والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ.
و: المَوْتى مُبْتَدَأٌ. يَعْنِي: الكُفّارَ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَسْتَجِيبُونَ، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ، فَيَجْزِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ. فالمَوْتى مَجازٌ عَنِ الكَفَرَةِ كَما قِيلَ:
؎لا يُعْجِبَنَّ الجَهُولَ بِزَّتُهُ فَذاكَ مَيْتٌ ثِيابُهُ كَفَنُ
قِيلَ: فِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ هِدايَتَهم كَبَعْثِ المَوْتى، فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ، فَفِيهِ إقْناطٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَنْ إيمانِهِمْ. وفي تَسْمِيَتِهِمْ (مَوْتى) مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، والإزْراءِ عَلَيْهِمْ، ما لا يَخْفى.
6:37Page 132
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧
And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allāh is Able to send down a sign, but most of them do not know."
(p-٢٢٩٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٧] ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَـزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿وقالُوا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، بَيانٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن تَعَنُّتِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِما شاهَدُوا مِنَ البَيِّناتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ ﴿لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: خارِقٌ، عَلى مُقْتَضى ما كانُوا يُرِيدُونَ ومِمّا يَتَعَنَّتُونَ. كَقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآياتِ.
﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَـزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنَّ اقْتِراحَهم جَهْلٌ؛ لِما أنَّ في تَنْزِيلِها قَلْعًا لِأساسِ التَّكْلِيفِ، المَبْنِيِّ عَلى قاعِدَةِ الِاخْتِيارِ. أوِ اسْتِئْصالًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ مِن لَوازِمِ جَحْدِ الآيَةِ المُلْجِئَةِ، الهَلاكَ، جَرْيًا عَلى سُنَّتِهِ تَعالى في الأُمَمِ السّالِفَةِ. وتَخْصِيصُ عَدَمِ العِلْمِ بِأكْثَرِهِمْ، لِما أنَّ بَعْضَهم واقِفُونَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، وإنَّما يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مُكابِرَةً وعِنادًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences