Al-QasimiAl‑An'am · 6:45–52

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:45–52

6:45Page 133

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٥

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allāh, Lord of the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٥] ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: آخِرُهم. كِنايَةً عَنِ الِاسْتِئْصالِ؛ لِأنَّ ذَهابَ آخِرِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ ذَهابَ ما قَبْلَهُ. وهو مِن (دَبَرَهُ) إذا تَبِعَهُ، فَكانَ في دُبُرِهِ. أيْ: خَلْفَهُ. فالدّابِرُ ما يَكُونُ بَعْدَ الآخَرِ، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ تَجَوُّزًا. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ الأصْلُ، ومِنهُ: قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ: أصْلَهُ.

﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: عَلى ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الهَلاكِ. فَإنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ، مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحُقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها، لا سِيَّما مَعَ ما فِيهِ مِن إعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَتْ بِها رُسُلُهُمْ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

(p-٢٣١٤)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أخْبارٌ وآثارٌ. مِنها ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِ ما يُحِبُّ، فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ» . ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] - إلى: ﴿هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]» ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «إذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ اقْتِطاعًا فَتَحَ لَهم (أوْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ) بابَ خِيانَةٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً الآيَةَ.»» . ورَواهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: مَن وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ أنَّهُ يُمْكَرُ بِهِ، فَلا رَأْيَ لَهُ. ومَن قُتِّرَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَرَ أنَّهُ يُنْظَرُ لَهُ، فَلا رَأْيَ لَهُ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ [الأنعام: ٤٤] الآيَةَ. - قالَ الحَسَنُ: مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ! أُعْطُوا حاجاتِهِمْ ثُمَّ أُخِذُوا.

وقالَ قَتادَةُ: بَغَتَ القَوْمَ أمْرُ اللَّهِ، وما أخَذَ اللَّهَ قَوْمًا قَطُّ إلّا عِنْدَ سَكْرَتِهِمْ وغِرَّتِهِمْ ونِعْمَتِهِمْ، فَلا تَغْتَرُّوا بِاللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَغْتَرُّ بِاللَّهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ - رَوى ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ -.

الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما أُخِذُوا في حالِ الرَّخاءِ والرّاحَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ، لِتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِنَ السَّلامَةِ والعافِيَةِ.

الثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إيذانٌ بِوُجُوبِ الحَمْدِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ، وأنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ، وأجْزَلِ القِسَمِ. أيْ: فَهو إخْبارٌ بِمَعْنى الأمْرِ، تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ.

(p-٢٣١٥)قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] فِيمَن وقَفَ هَهُنا، وجَعَلَ الحَمْدَ عَلى إهْلاكِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم مِنَ الطّاغِينَ، ومِنهم مَن وقَفَ عَلى: المُنْذَرِينَ وجَعَلَ الحَمْدَ مُتَّصِلًا بِما بَعْدَهُ مِن إقامَةِ البَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ خَيْرٌ مِمّا يُشْرِكُونَ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الحَمْدُ خَتْمًا، وعَلى الثّانِي فاتِحَةً، وهو مُسْتَعْمَلٌ فِيهِما شَرْعًا، ولَكِنَّهُ في آيَةِ النَّمْلِ أظْهَرُ في كَوْنِهِ مُفْتَتَحًا لِما بَعْدَهُ، وفي آيَةِ الأنْعامِ خَتْمٌ لِما تَقَدَّمَهُ حَتْمًا؛ إذْ لا يَقْتَضِي السِّياقُ غَيْرَ ذَلِكَ. انْتَهى.

فَقُلْتُ: إذا جَرَيْنا عَلى ما هو الأسَدُّ في الآيِ مِن تَوافُقِ النَّظائِرِ، اقْتَضى حَمْلُ آيَةِ النَّمْلِ عَلى ما هُنا، وادِّعاءُ الأظْهَرِيَّةِ فِيها مَمْنُوعٌ. فَإنَّ التَّنْزِيلَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. فَتَأمَّلْ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى رَسُولَهُ بِتَكْرِيرِ التَّبْكِيتِ عَلَيْهِمْ. وتَثْنِيَةِ الإلْزامِ.

6:46Page 133

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦

Say, "Have you considered:1 if Allāh should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allāh could bring them [back] to you?" Look how We diversify2 the verses; then they [still] turn away.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٦] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾

يَقُولُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ بِأنْ أصَمَّكم وأعْماكم ﴿وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ غَطّى عَلَيْها ما يَزُولُ بِهِ عَقْلُكم وفَهْمُكُمْ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ المَأْخُوذِ. وإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ الثَّلاثَةُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ أعْضاءِ الإنْسانِ، فَإذا تَعَطَّلَتِ اخْتَلَّ نِظامُ الإنْسانِ، وفَسَدَ أمْرُهُ، وبَطَلَتْ مَصالِحُهُ في الدِّينِ والدُّنْيا.

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: نُورِدُها بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَتَصْرِيفِ الرِّياحِ. و(انْظُرْ) يُفِيدُ التَّعْجِيبَ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما عايَنُوا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ.

(p-٢٣١٦)﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ تَصْرِيفَ الآياتِ يُعْرِضُونَ عَنْها، فَلا يَتَأمَّلُونَ فِيها، عِنادًا وحَسَدًا وكِبْرًا.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِالآياتِ: إمّا مُطْلَقُ الدَّلائِلِ القُرْآنِيَّةِ مُطْلَقًا، أوْ ما ذُكِرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، أوْ ما ذُكِرَ قَبْلَ هَذا مِنَ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وتَوْحِيدِهِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: (إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ) الآيَةَ.. ومِنَ التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ، والتَّرْهِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ الآيَةَ. ومِنَ التَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ بِأحْوالِ المُتَقَدِّمِينَ. ذَهَبَ إلى كُلٍّ بَعْضٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعُمُومُ اللَّفْظِ يَصْدُقُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِلا تَدافُعٍ.

الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ الِاحْتِجاجِ في أمْرِ الدِّينِ. انْتَهى. وهو ظاهِرٌ.

الثّالِثُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: بَيانُ أنَّ القادِرَ عَلى تَحْصِيلِ هَذِهِ القُوى الثَّلاثِ، وصَوْنِها عَنِ الآفاتِ، لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ المُنْعِمُ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ، والخَيْراتِ الرَّفِيعَةِ، هو اللَّهُ تَعالى. فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ والعُبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ طَرِيقَةٌ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ - قَرَّرَهُ الرّازِيُّ -.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَبْكِيتٍ لَهم آخَرَ بِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

6:47Page 133

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧

Say, "Have you considered: if the punishment of Allāh should come to you unexpectedly or manifestly,1 will any be destroyed but the wrongdoing people?"

(p-٢٣١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٧] ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكُمْ﴾ لِإعْراضِكم عَنِ الآياتِ بَعْدَ تَصْرِيفِها: ﴿عَذابُ اللَّهِ﴾ أيِ: المُسْتَأْصِلُ لَكم ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ ما يُشْعِرُ بِهِ، إذْ لَمْ يُفِدْ ما تَقَدَّمَ ﴿أوْ جَهْرَةً﴾ بِتَقْدِيمِهِ مُبالَغَةً في إزاحَةِ العُذْرِ. وقِيلَ: لَيْلًا أوْ نَهارًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٥٠] لِما أنَّ الغالِبَ فِيما أتى لَيْلًا البَغْتَةُ، وفِيما أتى نَهارًا الجَهْرَةُ: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: هَلْ يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا أنْتُمْ؟ ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَهُ، تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ. وإيذانًا بِأنَّ مَناطَ إهْلاكِهِمْ ظُلْمُهُمُ الَّذِي هو وضْعُهُمُ الإعْراضَ عَمّا صَرَّفَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الآياتِ، مَوْضِعَ الإيمانِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى وظِيفَةِ الرُّسُلِ، وتَحْقِيقِ ما في عُهْدَتِهِمْ، لِبَيانِ أنَّ ما يَقْتَرِحُهُ الكُفّارُ عَلَيْهِ، ﷺ، لَيْسَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالرِّسالَةِ أصْلًا، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

6:48Page 133

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٨] ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ﴾ بِالثَّوابِ لِأهْلِ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ بِالعُقابِ لِأهْلِ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ لِلْأعْمالِ والأخْلاقِ، فَهم أهْلُ البِشارَةِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ دُنْيَوِيًّا وأُخْرَوِيًّا ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: بِفَواتِ ما بُشِّرُوا بِهِ مِنَ الثَّوابِ العاجِلِ والآجِلِ.

6:49Page 133

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٤٩

But those who deny Our verses - the punishment will touch1 them for their defiant disobedience.

(p-٢٣١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٩] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ أيِ: الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ عاجِلًا أوْ آجِلًا: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: عَنْ أمْرِ اللَّهِ في تَرْكِ الإيمانِ، ومُباشَرَةِ الأعْمالِ الطّالِحَةِ واكْتِسابِ الأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ.

6:50Page 133

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠

Say, [O Muḥammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٠] ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُقْتَرِحِينَ عَلَيْكَ تارَةً تَنْزِيلَ الآياتِ، وأُخْرى غَيْرَ ذَلِكَ: لا أدَّعِي أنَّ خَزائِنَ رِزْقِ اللَّهِ مُفَوَّضَةٌ إلَيَّ، فَأُعْطِيكم مِنها ما تُرِيدُونَ مِن قَلْبِ الجِبالِ ذَهَبًا، وغَيْرِ ذَلِكَ.

[ والخَزائِنُ: جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخْزَنُ فِيهِ الشَّيْءُ، وخَزْنُ الشَّيْءِ إحْرازُهُ، بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الأيْدِي ] .

﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيْ: مِن أفْعالِهِ تَعالى حَتّى تَسْألُونِي عَنْ وقْتِ السّاعَةِ، أوْ وقْتِ نُزُولِ العَذابِ أوْ نَحْوِهِما.

﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ أيْ: حَتّى تُكَلِّفُونِي مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ ما لا يُطِيقُهُ البَشَرُ، مِنَ الرُّقِيِّ في السَّماءِ ونَحْوِهِ، أوْ تَعُدُّوا عَدَمَ اتِّصافِي بِصِفاتِهِمْ قادِحًا في أمْرِي، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ. والمَعْنى: إنِّي لا أدَّعِي شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ، حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ ما هو مِن آثارِها وأحْكامِها، (p-٢٣١٩)وتَجْعَلُوا عَدَمَ إجابَتِي إلى ذَلِكَ، دَلِيلًا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ قَطْعًا. بَلْ إنَّما هي عِبارَةٌ عَنْ تَلَقِّي الوَحْيِ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعِلْمِ بِمُقْتَضاهُ فَقَطْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما أتَّبِعُ فِيما أقُولُ لَكم إلّا ما يُوحى إلَيَّ مِن جِهَتِهِ تَعالى، شَرَّفَنِي بِذَلِكَ وأنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ، إذْ يَكْشِفُ لِي عَنِ المَلائِكَةِ فَيُخْبِرُونَنِي.

ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ تَثْنِيَةً لِلتَّبْكِيتِ بِقَوْلِهِ:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي عَلى الإطْلاقِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمُرادُ إنْكارُ اسْتِواءِ مَن لا يَعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ الحَقائِقِ، ومَن يَعْلَمُها. وفِيهِ الإشْعارُ بِكَمالِ ظُهُورِها، ومِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الضَّلالِ، والتَّرْغِيبِ في الِاهْتِداءِ - ما لا يَخْفى. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ داخِلٌ تَحْتِ الأمْرِ. أيْ: أفَلا تَتَفَكَّرُونَ فَتَهْتَدُوا، ولا تَكُونُوا ضالِّينَ أشْباهَ العُمْيانِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: جَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ تَبَرُّؤًا مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ؛ لِأنَّ قِسْمَةَ الأرْزاقِ بَيْنَ العِبادِ، ومَعْرِفَةَ الغَيْبِ، مَخْصُوصانِ بِهِ تَعالى: قالَ: ولِذا كَرَّرَ في المَلَكِيَّةِ لَفْظَ: ولا أقُولُ. والمَعْنى: لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ ولا المَلَكِيَّةَ.

وأُورِدَ عَلى هَذا أنَّ المُرادَ: لا أمْلِكُ أنْ أفْعَلَ ما أُرِيدَ مِمّا تَقْتَرِحُونَهُ، ولَيْسَ المُرادُ التَّبَرُّؤَ عَنْ دَعْوى الإلَهِيَّةِ، وإلّا لَقِيلَ: لا أقُولُ لَكم إنِّي إلَهٌ. كَما قِيلَ: ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ. وأيْضًا في الكِنايَةِ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ بِ: عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ما لا يَخْفى مِنَ البَشاعَةِ، بَلْ هو جَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ أنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِمْ خَيْراتِ الدُّنْيا. كَذا في "العِنايَةِ".

قالَ أبُو السُّعُودِ: وجَعَلَ هَذا تَبَرُّؤًا عَنْ دَعْوى الإلَهِيَّةِ، مِمّا لا وجْهَ لَهُ قَطْعًا.

(p-٢٣٢٠)الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا أدَّعِي مَنزِلَةً فَوْقَ مَنزِلَتِي. ولَوْلا أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. قالَ القاضِي: إنْ كانَ الغَرَضُ بِما نُفِيَ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ، فالأقْرَبُ أنْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ، وإنْ كانَ المُرادُ نَفْيَ قُدْرَتِهِ عَلى أفْعالٍ لا يَقْوى عَلَيْها إلّا المَلائِكَةُ لَمْ يَدُلَّ عَلى كَوْنِهِمْ أفْضَلَ.

وقَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الأوَّلَ تَأْيِيدًا لِمَذْهَبِهِ فَقالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أيْ: لا أدَّعِي ما يُسْتَبْعَدُ في العُقُولِ أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ مِن مِلْكِ خَزائِنِ اللَّهِ، وهي قِسَمُهُ بَيْنَ الخَلْقِ وأرْزاقُهُ، وعِلْمُ الغَيْبَ، وإنِّي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ جِنْسٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى، وأفْضَلُهُ، وأقْرَبُهُ مَنزِلَةً مِنهُ. أيْ: لَمْ أدَّعِ إلَهِيَّةً ولا مَلَكِيَّةَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإلَهِيَّةِ مَنزِلَةٌ أرْفَعُ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ، حَتّى تَسْتَبْعِدُوا دَعْوايَ وتَسْتَنْكِرُوها، وإنَّما أدَّعِي ما كانَ مِثْلُهُ لِكَثِيرٍ مِنَ البَشَرِ، وهو النُّبُوَّةُ. انْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ" بِقَوْلِهِ: هو يُبْنى عَلى القاعِدَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَهُ، في تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ. ولَعَمْرِي إنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يُؤَيِّدُهُ، فَلِذَلِكَ انْتَهَزَ الفُرْصَةَ في الِاسْتِدْلالِ بِها. ولِمُخالِفِهِ أنْ يَقُولَ: إنَّما أُورِدَتِ الآيَةُ رَدًّا عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ .. الآيَةَ - فَرَدَّ قَوْلَهُمْ: مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِأنَّهُ بَشَرٌ، وذَلِكَ شَأْنُ البَشَرِ، ولَمْ يَدَّعِ أنَّهُ مَلَكٌ حَتّى يَتَعَجَّبَ مِن أكْلِهِ لِلطَّعامِ، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِنها تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ الأنْبِياءَ، يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وأنَّ المَلائِكَةَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، فالتَّفْرِقَةُ بِهَذا الوَجْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْها، ولا يُوجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ اتِّفاقًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ.

وكَذَلِكَ رَدَّ قَوْلَهُمْ: أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ بِأنَّهُ لا يَمْلِكُ خَزائِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَأْتِيَهم بِكَنْزٍ مِنها عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ، ولا قالَ لَهم ذَلِكَ حَتّى يُقامَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِهِ.

(p-٢٣٢١)ثُمَّ قالَ النّاصِرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَمْ يُحْسِنِ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: [ لَيْسَ بَعْدَ الإلَهِيَّةِ مَنزِلَةٌ أرْفَعُ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ ] فَإنَّهُ جَعَلَ الإلَهِيَّةَ مِن جُمْلَةِ المَنازِلِ كالمَلَكِيَّةِ، ومِثْلُ هَذا الإطْلاقِ لا يَسُوغُ. والمَنزِلَةُ عِبارَةٌ عَنِ المَحَلِّ الَّذِي يُنْزِلُ اللَّهُ فِيهِ العَبْدَ مِن عُلُوٍّ وغَيْرِهِ، فَإطْلاقُها عَلى الإلَهِيَّةِ تَحْرِيفٌ. واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لا يَعْمَلُ إلّا بِالوَحْيِ، وهو يَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا النَّصَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ، وأنَّهُ ما كانَ يَجْتَهِدُ، بَلْ جَمِيعُ أحْكامِهِ صادِرَةٌ عَنِ الوَحْيِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤]

الثّانِي: أنَّ نُفاةَ القِياسِ قالُوا: ثَبَتَ بِهَذا النَّصِّ أنَّهُ ﷺ ما كانَ يَعْمَلُ إلّا بِالوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ أنْ يَعْمَلُوا إلّا بِالوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: فاتَّبِعُوهُ، وذَلِكَ يَنْفِي جَوازَ العَمَلِ بِالقِياسِ. ثُمَّ أكَّدَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ العَمَلَ بِغَيْرِ الوَحْيِ يَجْرِي مَجْرى عَمَلِ الأعْمى. والعَمَلُ بِمُقْتَضى نُزُولِ الوَحْيِ يَجْرِي مَجْرى عِلْمِ البَصِيرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَعْرِفَ الفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ البابَيْنِ، وأنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ مَعْرِفَتِهِ. انْتَهى.

وفِي "فَتْحِ الرَّحْمَنِ": تَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَن لَمْ يُثْبِتِ اجْتِهادَ الأنْبِياءِ، عَمَلًا بِما يُفِيدُهُ القَصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ.

والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ. وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أُوتِيتُ القُرْآنَ ومِثْلُهُ مَعَهُ».

ثُمَّ لَمّا أخْبَرَ تَعالى: أنَّ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ كالصُّمِّ البُكْمِ العُمْيِ، بَلِ المَوْتى؛ إذْ لَمْ يَتَّعِظُوا بِتَصْرِيفِ الآياتِ الباهِرَةِ، أمَرَ بِتَوْجِيهِ الإنْذارِ إلى مَن يَتَأثَّرُ بِما يُوحى إلَيْهِ، اطِّراحًا لِأُولَئِكَ الفُجّارِ، فَقالَ تَعالى:

6:51Page 133

وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٥١

And warn by it [i.e., the Qur’ān] those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.

(p-٢٣٢٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١] ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ: بِما يُوحى، المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي: مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولِيٌّ﴾ أيْ: ناصِرٌ يَنْصُرُهُمْ: ﴿ولا شَفِيعٌ﴾ يَشْفَعُ لَهم ويُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، غَيْرُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيِ: الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةَ، والأعْمالَ الطّالِحَةَ، والأخْلاقَ الرَّدِيئَةَ.

قالَ في "العِنايَةِ": خَصَّ بِالذِّكْرِ هَؤُلاءِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْفَعُهُمُ الإنْذارُ، ويَقُودُهم إلى التَّقْوى. ولَيْسَ المُرادُ الحَصْرَ حَتّى يَرِدَ أنَّ إنْذارَهُ لِغَيْرِهِمْ لازِمٌ أيْضًا. انْتَهى.

وجُمْلَةُ: لَيْسَ لَهم في مَوْضِعِ الحالِ مِن: يُحْشَرُوا، فَإنَّ المَخُوفَ هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ. والمُرادُ بِ (الوَلِيِّ) و(الشَّفِيعِ) الآلِهَةُ الَّتِي كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أنَّها شُفَعاؤُهُمْ، وحِينَئِذٍ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ شَفاعَةَ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ إنَّما تَكُونُ بِإذْنِهِ تَعالى، فَكَأنَّها مِنهُ تَعالى.

6:52Page 133

وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢

And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His face [i.e., favor]. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account.1 So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.

(p-٢٣٢٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٢] ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾

رَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقالَ لَهُ المُشْرِكُونَ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنا! قالَ: وكُنْتُ أنا وابْنُ مَسْعُودٍ ورَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ وبِلالٌ ورَجُلانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِما، فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ الآيَةَ...»

وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِيهِما.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعِنْدَهُ خَبّابٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وعَمّارٌ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! أرَضِيتَ بِهَؤُلاءِ؟ فَنَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ: وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]» .

ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وبِلالٌ وعَمّارٌ وخَبّابٌ وغَيْرُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ.

(p-٢٣٢٤)وفِيهِ: فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ! أرَضِيتَ بِهَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ، أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ نَصِيرٌ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ؟ اطْرُدْهُمْ، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم نَتَبِعْكَ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ الآيَةَ».

ووَراءَ ما ذَكَرْنا، رِواياتٌ لا تَصِحُّ ولا يُوثَقُ بِها.

إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَطْرُدْهم بِالفِعْلِ، وإنَّما هَمَّ بِإبْعادِهِمْ عَنْ مَجْلِسِهِ آنَ قُدُومِ أُولَئِكَ، لِيَتَألَّفَهم فَيَقُودَهم ذَلِكَ إلى الإيمانِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ إمْضاءِ ذَلِكَ الهَمِّ. فَما أوْرَدَهُ الرّازِيُّ مِن كَوْنِهِ ﷺ طَرَدَهُمْ، ثُمَّ أخَذَ يَتَكَلَّفُ في الجَوابِ عَنْهُ، لِمُنافاتِهِ العِصْمَةَ عَلى زَعْمِهِ، فَبِناءٌ عَلى واهٍ. والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ أنَّ البَحْثَ في الأثَرِ فَرْعُ ثُبُوتِهِ، وإلّا فالباطِلُ يَكْفِي في رَدِّهِ، كَوْنُهُ باطِلًا. وقَدْ أوْضَحْتُ ذَلِكَ في كِتابِي: "قَواعِدُ التَّحْدِيثِ مِن فُنُونِ مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ". والمَعْنى: لا تُبْعِدْ هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ عَنْكَ، بَلِ اجْعَلْهم جُلَساءَكَ وأخِصّاءَكَ. كَقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَهُ ويَسْألُونَهُ ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ المُرادُ بِالوَجْهِ الذّاتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ومَعْنى إرادَةِ الذّاتِ الإخْلاصُ لَها، والجُمْلَةُ حالٌ مِن: يَدْعُونَ أيْ: يَدْعُونَ رَبَّهم مُخْلِصِينَ لَهُ فِيهِ، وتَقْيِيدُهُ بِهِ لِتَأْكِيدِ عِلِّيَّتِهِ لِلنَّهْيِ، فَإنَّ الإخْلاصَ مِن أقْوى مُوجِباتِ الإكْرامِ، المُضادِّ لِلطَّرْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ (p-٢٣٢٥)كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في الَّذِينَ قالُوا: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] ﴿إنْ حِسابُهم إلا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ١١٣] أيْ: إنَّما حِسابُهم عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ عَلَيَّ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ، كَما أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ مِن حِسابِي مِن شَيْءٍ.

قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنِ النَّهْيِ وجَوابِهِ، تَقْرِيرًا لَهُ ودَفْعًا لِما عَسى يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ مُسَوِّغًا لِطَرْدِهِمْ مِن أقاوِيلِ الطّاعِنِينَ في دِينِهِمْ، كَدَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ حَيْثُ قالُوا: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] أيْ: ما عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن حِسابِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ الباطِنَةِ، حَتّى تَتَصَدّى لَهُ، وتَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ ما تَراهُ مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما وظِيفَتُكَ، حَسْبَما هو شَأْنُ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، اعْتِبارُ ظَواهِرِ الأعْمالِ، وإجْراءُ الأحْكامِ عَلى مُوجِبِها. وأمّا بَواطِنُ الأمْرِ فَحِسابُها عَلى العَلِيمِ بِذاتِ الصُّدُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ حِسابُهم إلا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] وذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ مَعَ أنَّ الجَوابَ قَدْ تَمَّ بِما قَبْلَهُ، لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ انْتِفاءِ كَوْنِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ، بِنَظْمِهِ في سِلْكِ ما لا شُبْهَةَ فِيهِ أصْلًا، وهو انْتِفاءُ كَوْنِ حِسابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلَيْهِمْ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِ الجُمْلَتَيْنِ مَنزِلَةَ (p-٢٣٢٦)جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، لِتَأْدِيَةِ مَعْنًى واحِدٍ، عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨] فَغَيْرُ حَقِيقٍ بِجَلالَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ. انْتَهى.

والقَوْلُ المَذْكُورُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، حَيْثُ ذَهَبَ إلى أنَّ الجُمْلَتَيْنِ في مَعْنى جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، تُؤَدِّي مُؤَدّى: ولا تَزِرُ الآيَةَ. وأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُما.

هَذا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ، والمَعْنى: لا يُؤاخَذُونَ بِحِسابِكَ، ولا أنْتَ بِحِسابِهِمْ، حَتّى يُهِمَّكَ إيمانُهُمْ، ويَجُرَّكَ الحِرْصُ عَلَيْهِ إلى أنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ.

وأغْرَبَ المَهايِمِيُّ حَيْثُ قالَ: والعُماةُ، لِكَوْنِهِمْ أرْبابَ شَرَفٍ ومالٍ، يَكْرَهُونَ مُجالَسَتَهُمْ، لِقِلَّةِ شَرَفِهِمْ ومالِهِمْ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ لِأشْرَفِ النّاسِ: ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ أيْ: ما يَعُودُ عَلَيْكَ مِن نَقْصِهِمْ في الشَّرَفِ والمالِ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ، فَإذا لَمْ يَلْحَقْكَ نَقْصُهُمْ، ولَمْ يَأْخُذُوا كَمالَكَ بِسَلْبِهِ عَنْكَ، فَلا وجْهَ لِطَرْدِهِمْ. انْتَهى.

وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِعَدَمِ مُلاقاتِهِ لِآيَةِ نُوحٍ السّالِفَةِ. ولا يَخْفى مُراعاةُ النَّظائِرِ.

وفِي "العِنايَةِ": قَدَّمَ خِطابَهُ ﷺ في المَوْضِعَيْنِ، تَشْرِيفًا لَهُ. وإلّا كانَ الظّاهِرُ [ وما عَلَيْهِمْ مِن حِسابِكَ مِن شَيْءٍ ] بِتَقْدِيمِ (عَلى) ومَجْرُورِها، كَما في الأوَّلِ. وفي النَّظْمِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، كَما في قَوْلِهِ: عاداتُ السّاداتِ، ساداتُ العاداتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الظُّلْمُ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ أيْ: فَلا تَهُمَّ بِطَرْدِهِمْ عَنْكَ، فَتَضَعَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском