Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:7–16
6:7Page 128
وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧
And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ أيْ: مَكْتُوبًا في ورَقٍ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ أيْ: فَمَسُّوهُ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾ أيْ: لَيْسَ هَذا المُعْظَمُ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ تَعَنُّتًا وعِنادًا، وتَخْصِيصُ (اللَّمْسِ) لِأنَّ التَّزْوِيرَ لا يَقَعُ فِيهِ، فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، ولِأنَّهُ يَتَقَدَّمُهُ الإبْصارُ، حَيْثُ لا مانِعَ. وتَقْيِيدُهُ بِ (الأيْدِي) لِرَفْعِ التَّجَوُّزِ، فَإنَّهُ قَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ لِلْفَحْصِ، كَقَوْلِهِ: وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ أفادَهُ البَيْضاوِيُّ.
(p-٢٢٤٧)قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": والظّاهِرُ أنَّ فائِدَةَ زِيادَةِ لَمْسِهِمْ لَهُ بِأيْدِيهِمْ، تَحْقِيقُ القِراءَةِ عَلى قُرْبٍ. أيْ: فَقَرَأُوهُ وهو في أيْدِيهِمْ، لا بَعِيدٌ عَنْهُمْ، لَما آمَنُوا.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كَما قالَ تَعالى مُخْبَرًا عَنْ مُكابَرَتِهِمْ لِلْمَحْسُوساتِ: ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤] ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]
6:8Page 128
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨
And they say, "Why was there not sent down to him an angel?"1 But if We had sent down an angel, the matter would have been decided;2 then they would not be reprieved.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْـزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ: لِيَكُونَ مَعَهُ فَيُكَلِّمَنا أنَّهُ نَبِيٌّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]
﴿ولَوْ أنْـزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ جَوابٌ لِمُقْتَرَحِهِمْ، وبَيانٌ لِمانِعِهِ، وهو البُقْيا عَلَيْهِمْ، كَيْلا يَكُونُوا كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. والمَعْنى: أنَّ المَلَكَ لَوْ أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُورَتِهِ، وهي آيَةٌ لا شَيْءَ أبَيْنُ مِنها وأيْقَنُ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، لَحاقَ بِهِمُ العَذابُ، وفَرَغَ الأمْرُ. فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ في الكُفّارِ أنَّهم مَتى اقْتَرَحُوا آيَةً ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] (p-٢٢٤٨)وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]
﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْذَرُوا بِهِ. ومَعْنى ثُمَّ: بَعُدَ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ، قَضاءِ الأمْرِ، وعَدَمِ الإنْظارِ، جَعَلَ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدَّ مِن قَضاءِ الأمْرِ؛ لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ.
تَنْبِيهٌ:
ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهًا ثانِيًا في تَعْجِيلِ عَذابِهِمْ، عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ، وهو أنَّهُ يَزُولُ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ، فَيَجِبُ إهْلاكُهُمْ، وفي "الكَشْفِ" الِاخْتِيارُ قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ، وهَذِهِ آيَةٌ مُلْجِئَةٌ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] فَوَجَبَ إهْلاكُهُمْ، لِئَلّا يَبْقى وُجُودُهم عارِيًا عَنِ الحِكْمَةِ؛ إذْ ما خُلِقُوا إلّا لِلِابْتِلاءِ بِالتَّكْلِيفِ، وهو لا يَبْقى مَعَ الإلْجاءِ. هَذا تَقْرِيرُهُ عَلى مَذْهَبِهِمْ، وهو غَيْرُ صافٍ عَنِ الإشْكالِ. انْتَهى. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى قَواعِدِ السُّنَّةِ، وكَأنَّ وجْهَ إشْكالِهِ أنَّهُ وقَعَ في القُرْآنِ، والواقِعُ ما يُنافِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] كَذا في "العِنايَةِ".
(p-٢٢٤٩)وذَكَرَ أيْضًا وجْهًا ثالِثًا؛ وهو أنَّهم إذا شاهَدُوا مَلَكًا في صُورَتِهِ، زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَ.
قالَ في "الِانْتِصافِ": ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ [الأنعام: ٩] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَتَمَكَّنُوا مِن رُؤْيَتِهِ، ولا يَهْلَكُوا مِن مُشاهَدَةِ صُورَتِهِ، انْتَهى.
وهَذا الوَجْهُ آثَرَهُ أبُو السُّعُودِ في التَّقْدِيمِ حَيْثُ قالَ: أيْ: لَوْ أنْزَلَنا مَلَكًا عَلى هَيْئَتِهِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ، والحالُ أنَّهُ مِن هَوْلِ المَنظَرِ، بِحَيْثُ لا تُطِيقُ بِمُشاهَدَتِهِ قُوى الآحادِ البَشَرِيَّةِ. ألا يُرى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا يُشاهِدُونَ المَلائِكَةَ ويُفاوِضُونَهم عَلى الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ؟ كَضَيْفِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ، وخَصْمِ داوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وحَيْثُ كانَ شَأْنُهم كَذَلِكَ، وهم مُؤَيَّدُونَ بِالقُوى القُدْسِيَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِمَن عَداهم مِنَ العَوامِّ؟ فَلَوْ شاهَدُوهُ كَذَلِكَ لَقُضِيَ أمْرُ هَلاكِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، واسْتَحالَ جَعْلُهُ نَذِيرًا، وهو - مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ مَطْلُوبِهِمْ - مُسْتَلْزِمٌ لِإخْفاءِ العالَمِ عَمّا عَلَيْهِ يَدُورُ نِظامُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، مِن إرْسالِ الرُّسُلِ، وتَأْسِيسِ الشَّرائِعِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] انْتَهى.
وفِي "العِنايَةِ" أنَّ الوَجْهَ الثّالِثَ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمْ، لا عَلى هَلاكِهِمْ، بِرُؤْيَةِ المَلَكِ، إلّا بِتَكَلُّفٍ.
هَذا وقالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ أنْ يُجْعَلَ سَبَبُ مُناجِزَتِهِمْ بِالهَلاكِ وُضُوحَ الآيَةِ في نُزُولِ المَلَكِ. فَإنَّهُ رُبَّما يُفْهِمُ هَذا الكَلامُ أنَّ الآياتِ الَّتِي لَزِمَهُمُ الإيمانُ بِها دُونَ نُزُولِ المَلَكِ في الوُضُوحِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فالوَجْهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِمْ بِتَقْدِيرِ نُزُولِ المَلَكِ وعَدَمِ إيمانِهِمْ، أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ما لا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الإيمانِ عَلَيْهِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ المُعْجِزُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، لا المُعْجِزَ الخاصَّ، (p-٢٢٥٠)فَإذا أُجِيبُوا عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ، فَلَمْ يُنْجِعْ فِيهِمْ، كانُوا حِينَئِذٍ عَلى غايَةٍ مِنَ الرُّسُوخِ في العِنادِ المُناسِبِ لِعَدَمِ النَّظِرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لا دَلِيلَ عَلى النُّبُوَّةِ سِوى شَهادَةِ المَلَكِ، وتَنْزِيلُ المَلَكِ بِصُورَتِهِ المَلَكُوتِيَّةِ يَقْطَعُ أمْرَ التَّكْلِيفِ؛ إذْ لا يَنْفَعُ الإيمانُ بَعْدَ انْكِشافِ عالَمِ المَلَكُوتِ، فَلا يُمْهَلُونَ؛ لِأنَّ الإمْهالَ لِلنَّظَرِ. والمُعْجِزَةُ - وإنْ أفادَتْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا - لا تَخْلُو عَنْ خَفاءٍ يَحْتاجُ إلى أدْنى نَظَرٍ، ولا خَفاءَ مَعَ انْكِشافِ عالَمِ المَلَكُوتِ، فَلا وجْهَ لِلْإمْهالِ لِلنَّظَرِ، فَلا يُقْبَلُ الإيمانَ مَعَهُ، فَلا بُدَّ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَقِيبَهُ. انْتَهى. فَلْيُتَأمَّلْ.
6:9Page 129
وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩
And if We had made him [i.e., the messenger] an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves [i.e., confusion and doubt].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾
﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ جَوابٌ ثانٍ. أيْ: ولَوْ جَعَلْنا النَّذِيرَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ مَلِكًا لَمَثَّلْناهُ رَجُلًا، لِما مَرَّ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَةِ الآحادِ لِمُعايَنَةِ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ، مِنَ النُّورِ. وإنَّما رَآهُ كَذَلِكَ الأفْرادُ مِنَ الأنْبِياءِ بِقُوَّتِهِمُ القُدْسِيَّةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ جَوابٌ مَحْذُوفٌ. أيْ: ولَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لِشَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: إنَّما أنْتَ بَشَرٌ، ولَسْتَ بِمَلَكٍ. ولَوِ اسْتَدَلَّ عَلى مَلَكِيَّتِهِ بِالقُرْآنِ المُعْجِزِ، النّاطِقِ بِها، أوْ بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ غَيْرِ مُلْجِئَةٍ إلى التَّصْدِيقِ - لَكَذَّبُوهُ، كَما كَذَّبُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَوْ أظْهَرَ لَهم صُورَتَهُ الأصْلِيَّةَ لَزِمَ ما تَقَدَّمَ مِن قَضاءِ الأمْرِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في إيثارِ (رَجُلًا) عَلى (بَشَرًا) إيذانٌ بِأنَّ الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، لا بِطَرِيقِ قَلْبِ الحَقِيقَةِ، وتَعْيِينٌ لِما يَقَعُ بِهِ التَّمْثِيلُ.
الثّانِي: في الآيَةِ بَيانٌ لِرَحْمَتِهِ تَعالى بِخَلْقِهِ، وهو أنَّهُ يُرْسِلُ إلى كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الخَلائِقِ (p-٢٢٥١)رُسُلًا مِنهُمْ، لِيَدْعُوَ بَعْضُهم بَعْضًا، ولِيُمْكِنَ بَعْضَهم أنْ يَنْتَفِعَ بِبَعْضٍ في المُخاطَبَةِ والسُّؤالِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَـزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥]
الثّالِثُ: التَّعْبِيرُ عَنْ تَمْثِيلِهِ تَعالى رَجُلًا بِاللَّبْسِ إمّا لِكَوْنِهِ في صُورَةِ اللَّبْسِ، أوْ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلَبْسِهِمْ، أوْ لِوُقُوعِهِ في صُحْبَتِهِ بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ. وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِاسْتِحالَةِ جَعْلِ النَّذِيرِ مَلَكًا، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ فَعَلْناهُ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِنا مِن لَبْسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
الرّابِعُ: جَوَّزَ بَعْضُهم وجْهًا ثانِيًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا﴾ وهو أنْ يَكُونَ جَوابَ اقْتِراحٍ ثانٍ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ لِلرَّسُولِ، لا لِمُقْتَرَحِهِمُ السّابِقِ. قالَ: لِأنَّهم تارَةً يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وتارَةً يَقُولُ: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً. والمَعْنى: ولَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ مَلَكًا لَمَثَّلْناهُ رَجُلًا. والظّاهِرُ هو الوَجْهُ الأوَّلُ.
6:10Page 129
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.
(p-٢٢٥٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ، ووَعْدٌ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ بِالنَّصْرِ والعاقِبَةِ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. و(حاقَ): بِمَعْنى نَزَلَ وحَلَّ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ. فَنَزَلَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ، أوِ العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْخَرُونَ مِنَ التَّخْوِيفِ بِهِ، إذْ هَلَكُوا في الدُّنْيا عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ، ثُمَّ رُدُّوا إلى أفْظَعِ العَذابِ أبَدَ الآبِدِينَ. وجَعَلَ الرُّسُلَ في أعْلى مَنازِلِ القُرْبِ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى أنْ يَصْدَعَهم بِالتَّجَوُّلِ في الأرْضِ إنِ ارْتابُوا فِيما تَواتَرَ، أوْ تَعامَوْا عَمّا رَأوْا، بِقَوْلِهِ:
6:11Page 129
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: سِيرُوا في الأرْضِ لِتَعَرُّفِ أحْوالِ أُولَئِكَ الأُمَمِ، وتَفَكَّرُوا في أنَّهم كَيْفَ أُهْلِكُوا لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ وعانَدُوا، فَتَعْرِفُوا صِحَّةَ ما تُوعَظُونَ بِهِ. وفي السَّيْرِ في الأرْضِ، والسِّفْرِ في البِلادِ، ومُشاهَدَةِ تِلْكَ الآثارِ الخاوِيَةِ عَلى عُرُوشِها - تَكْمِلَةٌ لِلِاعْتِبارِ، وتَقْوِيَةٌ لِلِاسْتِبْصارِ؛ أيْ: فَلا تَغْتَرُّوا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِلَذّاتِ الدُّنْيا وشَهَواتِها.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَكْمِلَةٌ لِلتَّسْلِيَةِ، بِما في ضِمْنِها مِنَ العِدَةِ اللَّطِيفَةِ، بِأنَّهُ سَيَحِيقُ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمْ المُكَذِّبِينَ، وقَدْ أنْجَزَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أيَّ إنْجازٍ.
(p-٢٢٥٣)لَطِيفَةٌ:
وقَعَ هُنا: ثُمَّ انْظُرُوا. وفي النَّمْلِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩] وكَذا في العَنْكَبُوتِ. فَتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَخْصِيصِ ما هُنا بِ [ ثُمَّ ]، كَما هو مَبْسُوطٌ في "العِنايَةِ"، مَعَ ما عَلَيْهِ. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ السَّيْرَ مُتَّحِدٌ فِيهِما، ولَكِنَّهُ أمْرٌ مُمْتَدٌّ، يُعْطَفُ بِالفاءِ تارَةً، نَظَرًا لِآخِرِهِ، وبِ [ ثُمَّ ] نَظَرًا لِأوَّلِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما.
وفِي "الِانْتِصافِ": الأظْهَرُ أنْ يُجْعَلَ الأمْرُ بِالسَّيْرِ في المَكانَيْنِ واحِدًا، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في النَّظَرِ، فَحَيْثُ دَخَلَتِ الفاءُ، فَلِإظْهارِ السَّبَبِيَّةِ. وحَيْثُ دَخَلَتْ ثُمَّ، فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ النَّظَرَ هو المَقْصُودُ مِنَ السَّيْرِ، وأنَّ السَّيْرَ وسِيلَةٌ إلَيْهِ لا غَيْرَ. وشَتّانَ بَيْنَ المَقْصُودِ والوَسِيلَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
6:12Page 129
قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢
Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allāh." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا، وهو سُؤالُ تَبْكِيتٍ وتَقْرِيعٍ ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْجَوابِ، نِيابَةً عَنْهم. أيْ: هو اللَّهُ، لا خِلافَ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، ولا تَقْدِرُونَ أنْ تُضِيفُوا شَيْئًا مِنهُ إلى غَيْرِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَعَيُّنِهِ لِلْجَوابِ اتِّفاقًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ومِنَ المُقَرَّرِ أنَّ أمْرَ السّائِلِ بِالجَوابِ إنَّما يَحْسُنُ في مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ الجَوابُ قَدْ بَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ (p-٢٢٥٤)عَلى إنْكارِهِ مُنْكِرٌ، ولا عَلى دَفْعِهِ دافِعٌ، كَما هُنا. قِيلَ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم تَثاقَلُوا في الجَوابِ، مَعَ تَعَيُّنِهِ، لِكَوْنِهِمْ مَحْجُوجِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ، ناطِقَةٌ بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، شُمُولَ مُلْكِهِ وقُدْرَتِهِ لِلْكُلِّ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى رَؤُوفٌ بِعِبادِهِ، لا يَعْجَلُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، ويَقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ، وأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وما لَحِقَ مِن أحْكامِ الغَضَبِ، لَيْسَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ تَعالى، بَلْ مِن جِهَةِ الخَلْقِ. كَيْفَ لا؟ ومِن رَحْمَتِهِ أنْ خَلَقَهُ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وهَداهم إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، بِنَصْبِ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ المَشْحُونَةِ بِالدَّعْوَةِ إلى مُوجِباتِ رِضْوانِهِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُقْتَضَياتِ سُخْطِهِ. وقَدْ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وأعْرَضُوا عَنِ الآياتِ بِالمَرَّةِ، وكَذَّبُوا بِالكُتُبِ، واسْتَهْزَؤُوا بِالرُّسُلِ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ. ولَوْلا شُمُولُ رَحْمَتِهِ لَسُلِكَ بِهَؤُلاءِ أيْضًا مَسْلَكَ الغابِرِينَ. ومَعْنى: [ كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ ] أنَّهُ تَعالى أوْجَبَها وقَضاها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، بِالذّاتِ، لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ أصْلًا. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ بِ [ النَّفْسِ ] حُجَّةٌ عَلى مَنِ ادَّعى أنَّ لَفْظَ (النَّفْسِ) لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى. وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ، إلّا مُشاكَلَةً لِما تَرى مِنَ انْتِفاءِ المُشاكَلَةِ هاهُنا. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ، عَلى إشْراكِهِمْ وإغْفالِهِمُ النَّظَرَ؛ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ كَمالَ إلَهِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ يَرْحَمُهم في الدُّنْيا بِالإمْهالِ، ودَفْعِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أعْلَمَ أنَّهُ يَجْمَعُهم لِذَلِكَ اليَوْمِ، ويُحاسِبُهم عَلى كُلِّ ما فَعَلُوا؛ لِأنَّ المَلِكَ الحَكِيمَ (p-٢٢٥٥)لا يُهْمِلُ أمْرَ رَعِيَّتِهِ، ولا يَسُوغُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي قِيلَ: لَيَجْمَعَنَّكم جَوابٌ لِقَوْلِهِ: كَتَبَ؛ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ.
وقِيلَ: لَيَجْمَعَنَّكم بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَدَلُ البَعْضِ. قالَ المَهايِمِيُّ: كَمالُ الرَّحْمَةِ في الجَزاءِ؛ إذْ بَدَوْنَهُ تَضِيعُ مَشاقُّ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وتَضِيعُ المَظالِمُ، ولا جَزاءَ في دارِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ فَرْعُ التَّكْلِيفِ، ودارُ التَّكْلِيفِ لا تَكُونُ دارَ الجَزاءِ؛ لِأنَّ مُشاهَدَتَهُ مانِعَةٌ مِنَ التَّكْلِيفِ. انْتَهى.
و(إلى) بِمَعْنى اللّامِ، كَقَوْلِهِ: إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في اليَوْمِ، أوْ في الجَمْعِ.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ، وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ، والعَقْلُ السَّلِيمُ، والِاسْتِعْدادُ القَرِيبُ الحاصِلُ مِن مُشاهَدَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واسْتِماعِ الوَحْيِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ.
﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ بِالمَعادِ، ولا يَخافُونَ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والإشْعارِ بِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِسَبَبِ خُسْرانِهِمْ، فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ، والِانْهِماكَ في التَّقْلِيدِ، وإغْفالَ النَّظَرِ، أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، والِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، لِتَقْبِيحِ حالِهِمْ، غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ.
تَنْبِيهٌ:
رُوِيَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمّا خَلَقَ اللَّهُ (p-٢٢٥٦)الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ.
وفِي البُخارِيِّ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهو مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ، فَهو العَرْشُ».
وفِي رِوايَةٍ لَهُما: «أنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ».
(p-٢٢٥٧)وعِنْدَ مُسْلِمٍ: «لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتابٍ كَتَبَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَهو مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ. زادَ البُخارِيُّ: عَلى العَرْشِ». ثُمَّ اتَّفَقا: «إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي».
وسَنَذْكُرُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، شَذْرَةً مِن أحادِيثِ الرَّحْمَةِ عِنْدَ آيَةِ: كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قَرِيبًا.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَعْنى سَبْقِ الرَّحْمَةِ وغَلَبَتِها أنَّها أقْدَمُ تَعَلُّقًا بِالخَلْقِ، وأكْثَرُ وُصُولًا إلَيْهِمْ مَعَ أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ المُفِيضَةِ لِلْخَيْرِ.
6:13Page 129
۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣
And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.
(p-٢٢٥٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
﴿ولَهُ﴾ أيْ: ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: ما اسْتَقَرَّ وحَلَّ، مِنَ السُّكْنى بِمَعْنى الحُلُولِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] والمَعْنى: لَهُ تَعالى كُلُّ ما حَصَلَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوْ غَرَبَتْ. شَبَّهَ الِاسْتِقْرارَ بِالزَّمانِ، بِالِاسْتِقْرارِ في المَكانِ، فاسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَهُ فِيهِ. أوْ سَكَنَ مِنَ السُّكُونِ، مُقابِلَ الحَرَكَةِ. أيْ: ما سَكَنَ فِيهِما وما تَحَرَّكَ، فاكْتَفى بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِالقَرِينَةِ. وعَلَيْهِ، فَإنَّما اكْتَفى بِالسُّكُونِ عَنْ ضِدِّهِ دُونَ العَكْسِ؛ لِأنَّ السُّكُونَ أكْثَرُ وُجُودًا، والنِّعْمَةَ فِيهِ أكْثَرُ.
قالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ لِدَعْوى الِاكْتِفاءِ، فَإنَّ ما سَكَنَ يَعُمُّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالسُّكُونِ، حَتّى المُتَحَرِّكُ، حالَ حَرَكَتِهِ، عَلى ما حُقِّقَ في الكَلامِ: مِن أنَّ تَفاوُتَ الحَرَكاتِ بِالسُّرْعَةِ والبُطْءِ لِقِلَّةِ السَّكَناتِ المُتَخَلِّلَةِ وكَثْرَتِها.
لَطِيفَةٌ:
قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: ذَكَرَ تَعالى في الآيَةِ الأُولى السَّماواتِ والأرْضَ؛ إذْ لا مَكانَ سِواهُما. وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ؛ إذْ لا زَمانَ سِواهُما، فالزَّمانُ والمَكانُ ظَرْفانِ (p-٢٢٥٩)لِلْمُحْدَثاتِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ والمَكانِيّاتِ، ومالِكٌ لِلزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ. وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الجَلالَةِ.
وقالَ الرّازِيُّ: هاهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى؛ وهو أنَّ الِابْتِداءَ وقَعَ بِذِكْرِ المَكانِ والمَكانِيّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ، لِدَقائِقَ مَذْكُورَةٍ في العَقْلِيّاتِ الصِّرْفَةِ. والتَّعْلِيمُ الكامِلُ هو الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بِالأظْهَرِ فالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، وهَذا مِن سِرِّ نَظْمِ الآيَةِ مَعَ ما قَبْلَها.
﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ، ويَعْلَمُ كُلَّ مَعْلُومٍ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ المَلَوانِ.
6:14Page 129
قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٤
Say, "Is it other than Allāh I should take as a protector, Creator of the heavens and earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allāh] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.'"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِكُفّارِ مَكَّةَ المُبَكَّتِينَ بِما تَقَدَّمَ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ أيْ: مَعْبُودًا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] والمَعْنى: لا أتَّخِذُ ولِيًّا إلّا اللَّهَ وحْدَهُ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خالِقِهِما ومُبْدِعِهِما عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ. بِالجَرِّ، صِفَةً لِلْجَلالَةِ، مُوَكِّدَةٍ لِلْإنْكارِ.
﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، أيِ: المَنافِعُ كُلُّها مِن عِنْدِهِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفاعُ. أيْ: فَيَجِبُ اتِّخاذُهُ ولِيًّا لِيُعْبَدَ شُكْرًا عَلى إنْعامِهِ، وكِفايَتِهِ الحَوائِجَ بِلا طَلَبِ عِوَضٍ. قِيلَ: المُرادُ بِالطُّعْمِ الرِّزْقُ، بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ. وهو كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ مُقابِلًا لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] فَعَبَّرَ بِالخاصِّ عَنِ العامِّ مَجازًا؛ لِأنَّهُ أعْظَمُهُ وأكْثَرُهُ، لِشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ. واكْتَفى بِهِ عَنِ العامِّ؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ، مِن نَفْيِ ذَلِكَ، نَفْيُ ما سِواهُ.
(p-٢٢٦٠)﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ أيْ: وجْهَهُ لِلَّهِ مُخْلِصًا لَهُ، لِأصِيرَ مَتْبُوعًا لِلْباقِينَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] وكَقَوْلِ مُوسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]
﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: وقِيلَ لِي: ولا تَكُونَنَّ. فَهو مَعْطُوفٌ عَلى: (أُمِرْتُ) بِمَعْنى: أُمِرْتُ بِالإسْلامِ، ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ صَرِيحًا مُؤَكَّدًا، بَعْدَ النَّهْيِ في ضِمْنِ الأمْرِ. ونَهْيُ المَتْبُوعِ نَهْيُ التّابِعِينَ. ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى: قُلْ. وفي الآيَةِ إرْشادٌ إلى أنَّ كُلَّ آمِرٍ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عامِلًا بِما أُمِرَ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُقْتَداهم. قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلتَّحْرِيضِ، كَما يَأْمُرُ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَقُولُ: وأنا أوَّلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، لِيَحْمِلَهم عَلى الِامْتِثالِ.
6:15Page 129
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥
Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ أيَّ عِصْيانٍ. فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَعْنِي: عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ، الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ عَظَمَةُ القَهْرِ الإلَهِيِّ. وفي الآيَةِ مُبالَغَةٌ أُخْرى في قَطْعِ أطْماعِهِمْ، وتَعَرُّضٌ لَهم بِأنَّهم عُصاةٌ مُسْتَوْجِبُونَ لِلْعَذابِ العَظِيمِ. ووَجْهُ التَّعْرِيضِ إسْنادُ ما هو مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ، بِ (إنْ) الَّتِي تُفِيدُ الشَّكَّ تَعْرِيضًا. وجِيءَ بِالماضِي إبْرازًا لَهُ في صُورَةِ الحاصِلِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، تَعْرِيضًا (p-٢٢٦١)بِمَن صَدَرَ عَنْهم ذَلِكَ. وحَيْثُ كانَ تَعْرِيضًا لَهُمْ، والمُرادُ تَخْوِيفُهم إذا صَدَرَ مِنهم ذَلِكَ - لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَخافُ هو ﷺ عَلى نَفْسِهِ المَعْصِيَةَ، مَعَ أنَّهُ مَعْصُومٌ. كَما لا يُتَوَهَّمُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وحِينَئِذٍ فَلا حاجَةَ إلى ما أُجِيبَ عَنْ ظاهِرِ دَلالَتِهِ عَلى ما ذُكِرَ، بِأنَّ الخَوْفَ تَعَلَّقَ بِالعِصْيانِ المُمْتَنِعِ الوُقُوعِ امْتِناعًا عادِيًّا، فَلا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ يَخافُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ العِصْيانُ. وهَذا لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ.
قالَ بَعْضُهُمْ: لا يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ، يَكُونُ الجَوابُ هو اسْتِحْقاقُ العَذابِ، لا الخَوْفِ. لِأنّا نَقُولُ: لا مُنافاةَ بَيْنَهُما. فالخَوْفُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِحْقاقِ. انْتَهى.
6:16Page 129
مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ١٦
He from whom it is averted that Day - [Allāh] has granted him mercy. And that is the clear attainment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦] ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾
﴿مَن يُصْرَفْ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيِ: العَذابُ ﴿عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أيْ: نَجّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ، أوْ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِتَهْوِيلِ العَذابِ.
﴿وذَلِكَ﴾ أيِ: الصَّرْفُ أوِ الرَّحْمَةُ ﴿الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى دَلِيلًا آخَرَ، في أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، بِقَوْلِهِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences